Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review
Your Ad Here
الفصل التاسع

 

الحرب العالمية الثانية ، وتأثيرها على العراق

 

أولاً : نشوب الحرب العالمية الثانية .

ثانياً : العراق والحرب العالمية الثانية .

ثالثاً : نوري السعيد يعيد تشكيل وزارته من جديد .

رابعاً : استقالة حكومة نوري السعيد ، وتكليف رشيد عالي الكيلاني .

خامساً : تطور العلاقات العراقية الألمانية .

سادساً : تدهور العلاقات العراقية البريطانية .

سابعاً : أزمة خطيرة بين الوصي والكيلاني ،واستقالة الوزارة .

ثامناً :  الوصي يكلف طه الهاشمي بتشكيل وزارة جديدة .

تاسعاً : حركة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة في 2 مايس 1941

عاشراً : القوات البريطانية تسقط حكومة الكيلاني ،وتعيد الوصي عبد الإله .

أحد عشر : السفارة البريطانية تطلب من الوصي تكليف المدفعي بتأليف الوزارة .

 

أولاً : نشوب الحرب العالمية الثانية :

 

كان اندحار ألمانيا في الحرب العالمية الأولى عام 1918 ، وتجريدها من كل نفوذ لها في العالم ،بموجب معاهدة [ فرساي ] الموقعة بين الحلفاء وألمانيا في نهاية الحرب ، وسيطرة بريطانيا وفرنسا على الأسواق العالمية ، سبباً رئيسياً لمحاولة الرأسماليين الألمان إعادة تقسيم النفوذ ، والأسواق العالمية من جديد ، وتحطيم تلك المعاهدة .

ومن أجل تحقيق هذا الهدف لجأ الرأسماليون الألمان إلى سحق الديمقراطية ، والإتيان بحكومة فاشية ، وعلى رأسها زعيم الحزب النازي [ أدولف هتلر ] العريف السابق في الجيش الألماني والمعروف بعدائه الشديد للديمقراطية .

كان في مقدمة أهداف حكومة هتلر تصفية جميع الأحزاب السياسية في البلاد بدءاً بالحزب الشيوعي ، وانتهاءً ببقية الأحزاب الأخرى .ومن أجل تحقيق هذا الهدف أوعز الى رجاله بحرق [الريشستاخ] أي البرلمان ، واتهم الشيوعيين ، الذين كانوا يمثلون قوة رئيسية في البرلمان وعلى الساحة السياسية الألمانية  بحرقه ، لكي يجد الذريعة لتوجيه الضربة القاضية للحزب الشيوعي ، مستخدماً أبشع الأساليب وحشية .ثم التفت هتلر إلى الأحزاب الأخرى ، وفي المقدمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، التي ضنت أنها في منأى من بطش هتلر ، ورفضت التعاون مع الحزب الشيوعي في الانتخابات ، ومهدت الطريق لصعود الحزب النازي إلى السلطة ، وأنزل بها هتلر ضرباته ومزقها ، كما فعل بالشيوعيين ، وبذلك تسنى لهتلر تصفية أي معارضة لسلطته وأصبح طليق اليدين في اتخاذ أخطر القرارات المتعلقة بمستقبل البلاد والعالم أجمع .

كانت الخطوة التالية لهتلر هي [ التسلح ]، حيث أقدم على تمزيق معاهدة [ فرساي ] وضربها عرض الحائط وسخر كل إمكانيات البلاد الاقتصادية والصناعية للتسلح ، وإنشاء جيش ضخم وقوي لكي يستطيع بواسطته فرض تقسيم جديد للعالم ، ومناطق النفوذ .

ورغم تحذير الاتحاد السوفيتي للغرب من مغبة السماح لهتلر بتهديد السلام في العالم ، وضرورة إيقافه عند حده ، إلا أن الحكام الغربيين لم يعيروا أي اهتمام الى تلك التحذيرات .

بدأ هتلر منذ عام 1938 ينفذ خططه للتوسع ،حيث أقدم على احتلال [ النمسا] و[جيكوسلفاكيا] وأعلن ضمهما الى ألمانيا دون أن يلقى أي ردع من جانب الدول الغربية .

وهكذا أخذت شهية هتلر تتصاعد لضم المزيد من الأراضي ، فطالباً بضم مقاطعة [دانزج ]البولندية إلى ألمانيا ، مدعياً أنها مقاطعة ألمانية ، ولما لم ترضخ حكومة بولندا الى ضغوطه أقدم هتلر على مهاجمة بولندا عام 1939 دافعاً بقوات كبيرة ،برية وجوية ، واستطاع ابتلاعها خلال أسبوع .عند ذلك أدرك حكام بريطانيا وفرنسا أن أطماع هتلر لن تقف عند حد ، وأن الخطر الألماني سوف يصل إليهما عاجلاً أم عاجلاً ، عند ذلك أعلنا الحرب على ألمانيا في 3 أيلول 1939 ، وبذلك اشتعل لهيب الحرب ليشمل أوربا بأسرها ، ثم توسعت بدخول إيطاليا الحرب الى جانب ألمانيا، وإقدام اليابان على قصف ميناء [ بيرل هاربر ] الأمريكي ، ودخول الولايات المتحدة الحرب الى جانب الحلفاء ، وبذلك امتدت الحرب لتشمل العالم أجمع ، ولم ينجُ من نارها سوى تركيا وسويسرا والسويد ، حيث بقوا على الحياد .

ثانياً : العراق والحرب العالمية الثانية :

لم تكد بريطانيا تعلن الحرب على ألمانيا، واشتعال لهيب الحرب في أنحاء أوربا ، حتى بادر السفير البريطاني للاتصال بنوري السعيد على الفور طالباً منه تطبيق معاهدة التحالف المبرمة بين البلدين في 30 حزيران 1930 ، وإعلان الحرب على ألمانيا، وقد طمأن نوري السعيد السفير البريطاني ووعده بقطع العلاقات مع ألمانيا ، وإعلان الحرب عليها بأسرع وقت .(1)

وعلى الفور أبلغ نوري السعيد الوصي عبد الإله برغبة بريطانيا بإعلان الحرب على ألمانيا ، وتقرر عقد اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة عبد الإله ، في 5 أيلول 1939 ، وطرح نوري السعيد أمام مجلس الوزراء الطلب البريطاني ، لكن خلافاً حاداً حدث داخل مجلس الوزراء  فقد رفض وزير الدفاع ، طه الهاشمي ، ووزير (العدلية ، محمود صبحي الدفتري ، فكرة إعلان الحرب على ألمانيا، والاكتفاء بقطع العلاقات الدبلوماسية معها ،و أعلنا أنهما سيقدمان استقالتهما إذا ما أصر نوري السعيد على إعلان الحرب . وإزاء ذلك الموقف اضطر نوري السعيد للتراجع مؤقتاً والاكتفاء بقطع العلاقات الدبلوماسية ، وسارع بالطلب من السفير الألماني [الدكتور كروبا] بمغادرة البلاد تحت حراسة الشرطة نحو سوريا ، كما قام نوري السعيد باعتقال كافة الرعايا الألمان ، وسلمهم للقوات البريطانية المتواجدة في قاعدة الحبانية ، ثم جرى تسفيرهم الى الهند كأسرى حرب .

أما عبد الإله فقد سارع الى إرسال برقية الى الملك جورج ـ ملك بريطانيا ـ يبلغه أن العراق سوف يلتزم تماماً بمعاهدة الصداقة والتحالف المعقودة مع بريطانيا عام 1930 ، وسوف يقدم العراق كل ما تتطلبه المعاهدة .(2)

كما أذاع نوري السعيد بياناً للحكومة في 17 أيلول ، أعلن فيه التزام العراق بمعاهدة التحالف مع بريطانيا ، واستعداد الحكومة للقيام بما تمليه تلك المعاهدة من واجبات تجاه الحليفة بريطانيا . وقد سبب موقف نوري السعيد وحكومته موجة من السخط العارم على تلك السياسة اللاوطنية ، والتي تهدف الى زج العراق في الحرب الإمبريالية

أما نوري السعيد فقد أقدم على تعطيل مجلس النواب ، الذي نظمت وزارته انتخابه قبل مدة وجيزة ولجأ الى إصدار المراسيم المخالفة للدستور ، والهادفة الى قمع كل معارضة لسياسته الموالية لبريطانيا ، وكان من بين تلك المراسيم ، مرسوم مراقبة النشر رقم 54 لسنة 1939 ، ومرسوم الطوارئ رقم 57 لسنة 1939، منتهكاً بذلك الحقوق والحريات التي كفلها الدستور للشعب .(3)

وتطبيقاً لمعاهدة 1930 ، فتح نوري السعيد الباب على مصراعيه للقوات البريطانية لكي تحتل العراق من جديد ، وليصبح العراق طرفاً في حرب استعمارية ، لا ناقة له فيها ولا جمل ، كما يقول المثل .

لم تترك الحرب العالمية الثانية ، بعد أن أمتد لهيبها ليشمل أوربا وأسيا ، وأفريقيا ، ولم تترك بلداً إلا وكان لها تأثيراً كبير عليه ، سواء كان عسكرياً أم إقتصادياً ، أم

اجتماعياً ، وكان العراق غارقاً في خضم تلك الحرب بعد أن احتلته القوات البريطانية احتلالاً كاملاً ، لمنع القوات الألمانية من الوصول إليه ، حيث يمتلك العراق مصادر الطاقة  [النفط] التي كانت ألمانيا بأمس الحاجة لها لإدامة ماكنتها الحربية .

لقد عانى الشعب العراقي الأمرّين من تلك الحرب حيث أفتقد المواد الغذائية ، والملابس ، وغيرها من الحاجات المادية الأخرى ، وأصبحت تلبية تلك الحاجات أمر صعب للغاية ، واضطرت الحكومة الى تطبيق نظام الحصص [ الكوبونات ]لكي تحصل العوائل على حاجتها من المواد الغذائية والأقمشة لصنع الملابس ، واشتهرت تلك الأيام ب[ أيام الخبز الأسود ]  بسبب النقصان الخطير في الحبوب  ورداءة نوعية الطحين ،كما أن حكومة نوري السعيد كانت قد سخرت موارد البلاد لخدمة الإمبريالية البريطانية وحربها ، مما أثار غضب الشعب العراقي وحقده على الإنكليز ، والنظام الملكي.

مقتل وزير المالية رستم حيدر،ونوري السعيد يلصق التهمة بمعارضيه :

 

في 18 كانون الثاني 1940 ، أقدم أحد منتسبي الشرطة ، المفوض [ حسين فوزي توفيق] على إطلاق النار على وزير المالية [ رستم حيدر ] في مكتبه بالوزارة ، وأصابه بجروح خطيرة ، نقل على أثرها الى المستشفى ، حيث فارق الحياة بعد أربعة أيام ، متأثراً بجراحه ، وقد تم اعتقال القاتل .

 حاول نوري السعيد أن يستغل الحادث لتوجيه تهمة التحريض على القتل لعدد من الشخصيات السياسية المعارضة ، حيث أقدم على اعتقال كل من الوزيرين السابقين[ صبيح نجيب ] و [ إبراهيم كمال ]، والمحاميين المعروفين [ نجيب الراوي ] و [ شفيق السعيدي ] موجهاً لهم تهمة التحريض على قتل الوزير . وقام نوري السعيد بمقابلة القاتل في السجن وضغط عليه ، ووعده بالتخفيف عنه لكي يعترف بأن صبيح نجيب ، وابراهيم كمال قد حرضاه على قتل رستم حيدر .(4)

أثار تصرف نوري السعيد هذا حفيظة العديد من رؤساء الوزارات ، والوزراء السابقين ، بالإضافة الى وزير الداخلية في حكومة السعيد [ ناجي شوكت ]حيث وجدوا أن نوري السعيد يريد استخدام حادث القتل لتصفية عدد من خصومه السياسيين ، ولذلك فقد لجأوا إلى الوصي عبد الإله ، مستنكرين أعمال نوري السعيد بزج أسماء أولئك الذين اتهمهم بالتحريض على قتل رستم حيدر ، وكان من بين أولئك الذين قابلوا الوصي ، وشكوه من تصرفات نوري السعيد ، كل من ناجي السويدي ، وجميل المدفعي ، وتوفيق السويدي ، وكلهم من رؤساء الوزارات السابقين .(5)

ورغم كل تلك الاحتجاجات حاول نوري السعيد إحالة هولاء المعتقلين الى المجلس العرفي العسكري لمحاكمتهم بتهمة التحريض ، إلا أن وزير الخارجية [ علي جودت الايوبي ] ، ووزير المواصلات والأشغال[ جلال بابان ]عارضا بشدة محاولة نوري السعيد، وطالبا بإحالة القضية الى محكمة مدنية ، كما هدد وزير العدلية [محمود صبحي الدفتري ] بالاستقالة إذا ما مضى السعيد بخططه ، وقد أيد موقف الوزير اثنان آخران من الوزراء ، وبذلك فشلت خطط نوري السعيد ، وأصبح من المتعذر عليه الاستمرار في الحكم بتلك التشكيلة الوزارية ، فتوجه باستقالة حكومته الى الوصي ، في 18 شباط 1940 .(6)

استقالة وزارة نوري السعيد :

قبل أن يقدم نوري السعيد استقالة حكومته الى الوصي ، دعى مساء يوم 14 شباط ، القادة العسكريين الذين كان يتوكأ عليهم ، وهم العقداء [ صلاح الدين الصباغ ] و [ فهمي سعيد ] و  [محمود سلمان ] و [ كامل شبيب ] و [ سعيد يحيى ] و [ إسماعيل نامق ] الى العشاء معه في داره، وفي اثناء المأدبة فاتحهم بموضوع وزارته وأوضاعها ، بعد مقتل رستم حيدر ، معرباً عن رغبته في الاستقالة ، وأبلغهم أنه اتفق مع [ طه الهاشمي ] على إسناد رئاسة الوزارة الى [ رشيد عالي الكيلاني] وقد عبر قادة الجيش عن معارضتهم الإستقالة ، ودعمهم له .

لكن نوري السعيد عاد بعد يومين الى فكرة الاستقالة . وفي الوقت نفسه قام وزير  

الدفاع [ طهالهاشمي ] بجمع قادة الجيش ، في 18 شباط ، وشرح لهم ضرورة استقالة الحكومة ، وتأليف حكومة جديدة قوية .

ولما بلغ أسماع رئيس أركان الجيش [ الفريق حسين فوزي ] تلك التحركات ، أستدعى أولئك القادة العسكريين وأبلغهم أن في نية نوري السعيد الاستقالة، وتكليف

 [رشيد عالي الكيلاني] بتشكيل الوزارة الجديدة على أن يشغل نوري السعيد وزارة الخارجية ، و[طه الهاشمي ]وزارة الدفاع ، وأبدى [حسين فوزي] و [أمين العمري] رغبتيهما في عدم إشراك هذين القطبين الذين استخدما الجيش في المسائل السياسية ، وضرورة إبعاد الجيش عن السياسة .(7)

ولما علم نوري السعيد بتحركات الفريق حسين فوزي والفريق أمين العمري ، قرر سحب استقالة حكومته ، وأصدر قراراً بإحالة كل من حسين فوزي ، وأمين العمري ، وعزيز ياملكي على التقاعد  في الوقت الذي كان هؤلاء يخططون لعمل ضد حكومته ، لكن السعيد كان أسرع منهم حيث وجه لهم ضربته ،وعاد يمتلك السلطة والقوة من جديد حيث كلفه عبد الإله بتأليف الوزارة  الجديدة .(8)

ثالثاً : نوري السعيد يؤلف الوزارة من جديد :

حاول عبد الإله تشكيل وزارة محايدة برئاسة الشيخ [ محمد الصدر ] رئيس مجلس الأعيان ، إلا أن الصدر اعتذر عن هذه المهمة ، بسبب ضغوط العسكريين الموالين لنوري السعيد ، كما اعتذر رشيد عالي الكيلاني عن المهمة لنفس السبب . أما نوري السعيد فقد ذهب لمقابلة الوصي عبد الإله ، وأبلغه أن الجيش معه ، فلم يجد الوصي سبيلاً سوى تكليف نوري السعيد من جديد ، في 22 شباط 1940 ، وتم تشكيل الوزارة بنفس اليوم ، وجاءت على الشكل التالي :

 1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء ، ووزيراً للخارجية .

2 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للداخلية ، ووزيراً للعدلية بالوكالة .

3 ـ طه الهاشمي ـ وزيراً للدفاع .

4 ـ رؤوف البحراني ـ وزيراً للمالية .

5 ـ صادق البصام ـ وزيراً للاقتصاد .

6 ـ محمد أمين زكي ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .

ـ سامي شوكت ـ وزيراً للمعارف .

8 ـ صالح جبر ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

لكن هذه الوزارة كانت قصيرة العمر ، حيث لم تمكث في الحكم سوى خمسة أسابيع ، عمل خلالها نوري السعيد جاهداً ، إدانة المتهمين بالتحريض على قتل رستم حيدر ، لكنه لم يوفق في ذلك بعد أن طلبت منه الحكومة البريطانية إجراء محاكمة مدنية لهم ، واضطر نوري السعيد الى سحب الدعوة من المجلس العرفي ، وأحالها الى المحاكم المدنية التي نظرت في الدعوة ، وقررت براءتهم من التهمة الموجه لهم ،إلا أنها حكمت على وزير الدفاع السابق [ صبيح نجيب ] بالسجن لمدة  سنة واحدة بسبب تهجمه على حكومة نوري السعيد ، حيث اعتبرت المحكمة ذلك التهجم ، إثارة للرأي العام ضد الحكومة .

أما القاتل فقد حكم علية بالإعدام ، ونفذ الحكم به فجر يوم الأربعاء 27 آذار 1940 ، وبذلك أسدل الستار على هذه القضية ، التي أراد نوري السعيد استخدامها وسيلة للتنكيل بخصومه السياسيين ، وأصبحت حكومة نوري السعيد في موقف ضعيف جداً ، بعد افتضاح اللعبة التي لعبها ،مما اضطره ذلك الى تقديم استقالة حكومته الى الوصي في 31 آذار 1940 ، حيث تم قبول الاستقالة في نفس اليوم ، وباشر الوصي مشاوراته لتأليف وزارة جديدة ،ودعى رؤساء الوزارات السابقين السادة علي جودت الأيوبي ، وتوفيق السويدي ، وناجي السويدي ، وجميل المدفعي ، ونوري السعيد ، ورشيد عالي الكيلاني ، وناجي شوكت ، وتباحث معهم في أمر تأليف وزارة ائتلافية تضم جميع الأطراف ، وتستطيع مجابهة الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد ، حيث استقر الرأي على تكليف [ رشيد عالي الكيلاني ] ، وقيل آنذاك أن السفير البريطاني هو الذي أشار على الوصي بتأليف وزارة قومية تضم جميع الأطراف والتكتلات .

رابعاً : رشيد عالي الكيلاني يؤلف وزارة جديدة :

في 31 آذار 1940 صدرت الإرادة الملكية بتكليف رشيد عالي الكيلاني ، الذي كان يشغل منصب رئيس الديوان الملكي آنذاك ، بتأليف الوزارة الجديدة ، وقد تم تأليفها على الوجه التالي :

1 ـ رشيد عالي الكيلاني ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية .

2 ـ نوري السعيد وزيراً للخارجية .

3 ـ طه الهاشمي ـ وزيراً للدفاع .

4 ـ ناجي السويدي ـ وزيراً للمالية .

5 ـ ناجي شوكت ـ وزيراً للعدلية .

6 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .

7 ـ صادق البصام ـ وزيراً للمعارف .

8 ـ محمد أمين زكي ـ وزيراً للاقتصاد .

9 ـ رؤوف البحراني ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

وهكذا جاءت الوزارة الكيلانية الجديدة وهي تضم أربعة من رؤساء الوزارات السابقين ، ومختلف الكتل ، وحاولت تحسين صورتها أمام الرأي العام العراقي ، فأقدمت على إلغاء الأحكام العرفية في الموصل وبغداد ، وأطلقت سراح العديد من المعتقلين السياسيين الذين أدانتهم المجالس العرفية . لكن الحكومة بدأت باكورة أعمالها بإصدار مرسوم [ صيانة الأمن العام وسلامة الدولة ] في 30 أيار 1940 ، وجاء هذا المرسوم أشد وطأة من المرسوم الذي أصدره نوري السعيد ، والذي رفضته المحكمة العليا فيما بعد ، لمخالفته أحكام الدستور ، في 11 أيلول 1939 ، حيث خول المرسوم الجديد صرحية اعتقال الأشخاص المشتبه بكونهم يمثلون خطراً على الأمن العام ، ونفيهم ، أو سجنهم لمدد تصل الى 5 سنوات ، وفرض المرسوم قيوداً جديدة على الصحف ، وكافة وسائل النشر  ومراقبة الرسائل البريدية ، والتلفون ، والبرقيات ، ومراقبة المطبوعات والمطابع ، وصلاحية غلقها ، ومنع الاجتماعات والتجمعات ، وتفريقها بالقوة ، وغلق النوادي والجمعيات ، ومنع التجول ، وتفتيش الأشخاص والمساكن والمحلات ، وغيرها من الإجراءات الأخرى المخالفة للدستور ، وخول المرسوم وزير الداخلية صلاحية اتخاذ كل ما يلزم لتنفيذ هذا المرسوم ، واعتبر هذا المرسوم لطخة سوداء في تاريخ الوزارة الكيلانية .

خلافات خطيرة داخل مجلس الوزراء :

لم تكد تمضي سوى مدة شهرين على تشكيل الوزارة الكيلانية حتى دبت الخلافات بين أركانها بسبب الموقف من إيطاليا ، التي أعلنت الحرب على بريطانيا وفرنسا ، في 10 حزيران 1940 ، ودخلت الحرب الى جانب ألمانيا .فقد سارع السفير البريطاني الى الاجتماع بنوري السعيد ـ وزير الخارجية ـ وطلب منه قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا ، وطلب منه أيضا أن يصله جواب الحكومة قبل الساعة الثانية عشرة من ظهر ذلك اليوم .

 وعلى الفور قام نوري السعيد بإبلاغ رئيس الوزراء بطلب السفير البريطاني ، وتقرر أن يجتمع مجلس الوزراء فوراً برئاسة الوصي عبد الإله ، لدراسة الطلب البريطاني واتخاذا قرار بشأنه .

وخلال النقاش الذي أجراه مجلس الوزراء ، ظهر انقسام شديد بين أعضائه ، فقد انقسم المجلس الى تيارين ، التيار الأول دعى الى إعلان قطع العلاقات مع إيطاليا فوراً ، تنفيذاً لطلب بريطانيا وتزعم هذا التيار نوري السعيد ، وضم محمد أمين زكي ، وصادق البصام ، ورؤف البحراني ، وعمر نظمي .

 أما التيار الثاني ، والأقوى، بزعامة رئيس الوزراء ـ الكيلاني ـ وضم طه الهاشمي ، وناجي شوكت ، وناجي السويدي ، فقد دعا الى التريث ، وعدم التسرع في اتخاذ أي قرار ، ولاسيما وأن الحرب قد اتخذت لها مساراً خطيراً ، بعد أن استطاعت ألمانيا اجتياح معظم البلدان الأوربية ، مؤكدين على ضرورة أن تراعي الحكومة مصلحة البلاد ، وتراقب أوضاع الحرب وتطوراتها ، لكي لا تنعكس سلباً على العراق.

تأزمت الخلافات داخل مجلس الوزراء ، بين التيارين ، وهدد الوزير محمد أمين زكي بالاستقالة إذا لم تقرر الوزارة الاستجابة لطلب بريطانيا .

 غير أن  مجلس الوزراء لم يتوصل  الى أي قرار ، وتم الاتفاق على عقد جلسة أخرى مساء اليوم نفسه ، في مقر مجلس الوزراء .

 وتم عقد الاجتماع في الموعد المقرر ، وواصل مناقشة الموضوع ، واتخذت الحكومة قرارها بالتريث في مسألة قطع العلاقات مع إيطاليا ، مع الإقرار بتمسك الحكومة بمعاهدة التحالف مع بريطانيا ، واستعدادها للقيام بما تمليه عليها معاهدة 1930 المعقودة مع بريطانيا . أثار قرار الحكومة غضب السفير البريطاني ، الذي أسرع لمقابلة رئيس الوزراء ، في 12 حزيران ، وعبر له عن دهشة ، وقلق بريطانيا من القرار ، وتردد الحكومة في قطع العلاقات مع إيطاليا  ، وأبلغه بأن هذا الموقف من جانب الحكومة يؤثر تأثيراً بالغاً على صدقيه الحكومة في تنفيذ بنود معاهدة التحالف الموقعة عام 1930. لكن الكيلاني أجابه على الفور أن الحكومة تقرر ما تراه موافقاً لمصلحة البلاد .فكان أن سأله السفير فيما إذا كان هذا الموقف يمثل رأيه  الشخصي ،أم رأي الحكومة ؟ وقد رد عليه الكيلاني أن القرار اتخذته الحكومة ، وأنا أرى شخصياً ، أن لا يورط العراق نفسه في عمل من شأنه أن يؤثر على حاضره  ومستقبله ، ويقلق الرأي العام العراقي . (9)

أثار تصرف رئيس الوزراء الكيلاني هذا غضب المستر[ تشرشل ]رئيس الوزراء البريطاني ، الذي صرح قائلاً : { إن حكومة الكيلاني تتصرف بروح استقلالية لم يسبق لأي رئيس وزارة عراقية أن تصرف بمثلها من قبل } .(10)

وحاولت الحكومة البريطانية الضغط على حكومة العراق بأساليبها العسكرية . فقد أبلغت السفارة البريطانية وزارة الخارجية العراقية بكتابها المرقم 284 في 21 حزيران 1940 ،أن الحكومة البريطانية قررت إنزال قواتها العسكرية في البصرة ، لغرض التوجه الى حيفا ، وطلبت أن تسمح الحكومة للقوات الجوية البريطانية بتأسيس معسكرات للاستراحة ، في البصرة وبغداد والموصل ، وتأسيس خطوط مواصلات عبر الصحراء ، بين بغداد وحيفا ، وقد أجابت الحكومة العراقية بالموافقة على الطلب البريطاني في 22 تموز ، عملاً ببنود معاهدة 1930،وكان ذلك أكبر خطأ ارتكبته حكومة الكيلاني ، فقد كان الهدف الحقيقي من جلب القوات البريطانية لغرض فرض الهيمنة المطلقة على العراق وإسقاط حكومة الكيلاني ، كما سنرى فيما بعد .

خامساً : تطور العلاقات العراقية الألمانية :

لم يمضِ سوى أسبوع واحد على دخول إيطاليا الحرب الى جانب ألمانيا ، حتى استطاعت الأخيرة دحر القوات الفرنسية ، واحتلال العاصمة الفرنسية باريس .

وفي تلك الأيام وصل الى العراق [الحاج أمين الحسيني ] مفتي فلسطين لاجئاً ، هرباً  من ملاحقة القوات البريطانية له ، ومعروف أن الحسيني كان يكافح ضد الاحتلال البريطاني لفلسطين ، وانه كان تبعاً لذلك ، على علاقة جيدة مع ألمانيا ، غريمة بريطانيا ، وقد نصح الحسيني الكيلاني بأن يجري اتصالاً مع السفير الألماني في تركيا  [فون بابن ] للوقوف على وجهة نظر ألمانيا تجاه مستقبل البلاد العربية ، وسوريا على وجه الخصوص ، حيث كانت تحت الانتداب الفرنسي .(10)

جرى الاتفاق بين الكيلاني والحسيني أن ترسل الحكومة وفداً مؤلفاً من وزير الخارجية   [نوري السعيد ] و وزير العدلية [ ناجي شوكت ] إلى تركيا بحجة التباحث مع الحكومة التركية حول مستقبل سوريا ، بعد انهيار فرنسا ، على أن يقوم ناجي شوكت بعد انتهاء المباحثات ، وعودة نوري السعيد بزيارة إلى [اسطنبول] لبضعة أيام ، بدعوى الراحة والاستجمام ، لغرض الالتقاء مع السفير الألماني [فون بابن] دون علم نوري السعيد ، لعدم ثقة الكيلاني به ، وقد زود أمين الحسيني السيد ناجي شوكت برسالة الى السفير [ فون بابن ] الذي تربطه به علاقات وثيقة .

وبعد سفر الوفد الى تركيا أجرى محادثات مع الحكومة التركية حول مستقبل سوريا ،بعد انهيار فرنسا وقد عاد نوري السعيد الى بغداد، بعد انتهاء المباحثات ، فيما توجه ناجي شوكت الى اسطنبول ،بحجه قضاء بضعة أيام فيها للراحة والاستجمام ، والتقى بالسفير الألماني هناك ، وبحث معه موقف ألمانيا من البلاد العربية ، وأبلغه أن العرب يطمحون الى التخلص من الاستعمار البريطاني والفرنسي ، وهو يود معرفة موقف ألمانيا من الأماني العربية ، وناشده أن تصدر ألمانيا وإيطاليا بياناً حول الموضوع ، وقد وعده السفير الألماني بنقل ما دار في اللقاء الى حكومته ، وأن يبذل جهده لحمل الحكومة الألمانية على تحقيق الأماني العربية . وفي ختام اللقاء ترك الى السفير العراقي  [كامل الكيلاني ] مهمة مواصلة اللقاءات مع السفير الألماني وعاد الى بغداد في 12 تموز ، واطلع رفاقه  الكيلاني ، والهاشمي ، وناجي السويدي على ما دار في ذلك اللقاء .(11)

أما السفير[ فون بابن ] فقد توجه بعد اللقاء الى ألمانيا ليجري اتصالاته مع الحكومة حول لقائه مع الوزير العراقي ، واستطاع أن يقنع الحكومة بأن تصدر بياناً المانياً إيطالياً مشتركاً حول موقف دول المحور من البلاد العربية ، ومستقبلها ، ثم عاد الى اسطنبول وأبلغ السفير العراقي كامل الكيلاني ، شقيق رئيس الوزراء ، بقرار الحكومة الألمانية ، وقام السفير بدوره بإبلاغ أخيه بالأمر .

وبناء على ذلك قرر رشيد عالي الكيلاني إرسال ناجي شوكت الى اسطنبول مرة أخرى ، بحجة الراحة والاستجمام للقاء السفير[ فون بابن ]، وتقديم مسودة بالأسس التي تود الحكومة العراقية أن يتضمنها البيان ، وكان في مقدمتها الاعتراف الصريح من جانب ألمانيا وإيطاليا باستقلال البلاد العربية ، وحق العرب في إقامة وحدتهم القومية ، ورفض إقامة كيان صهيوني في فلسطين .

غادر ناجي شوكت الى اسطنبول في 2 آب 1940 ، حيث التقى بالسفير الألماني ، وسلمه مسودة البيان الذي تقترحه الحكومة العراقية ، وطلب منه إرساله الى حكومته ، وأبلغه أن الحكومة العراقية بانتظار صدور البيان الألماني الإيطالي المنتظر ، الذي يتضمن هذه الأسس التي نقلها إليه .(12)

وفي 23 تشرين الأول 1940 أذيع  من راديو برلين وراديو روما البيان الموعود ، لكن البيان جاء بعبارات عمومية لم تتضمن الأسس التي جاءت بها المسودة التي نقلها الوزير العراقي للسفير [فون بابن ]، وقد أعلم السفير الألماني السفير العراقي أن هذا البيان هو مجرد بداية ! .

سادساً : تدهور العلاقات العراقية البريطانية :

على اثر قرار حكومة الكيلاني بالتريث في قطع العلاقات مع إيطاليا رغم إلحاح السفير البريطاني ، بدأت العلاقات العراقية البريطانية تأخذ بالتأزم ، ولاسيما بعد أن وصل الى علم الحكومة البريطانية الاتصالات التي أجراها ناجي شوكت مع السفير الألماني في تركيا [ فون بابن ] .

لقد أدرك السفير البريطاني صعوبة التعاون مع حكومة الكيلاني ، وأخذ يتحين الفرصة لإسقاطها ، وبالمقابل أخذت حكومة الكيلاني تضيق على تحركات الإنكليز ، ووسائل دعاياتهم ضد دول المحور متذرعة بعدم رغبة الحكومة بخلق مشاكل لها مع هذه الدول . وازدادت الأزمة تصاعداً عندما رفضت بريطانيا تزويد الجيش العراقي بالأسلحة التي كان بأمس الحاجة لها ، حيث قيدت معاهدة 1930 العراق بشراء الأسلحة البريطانية فقط ، فلما وجدت حكومة الكيلاني أن الباب موصود أمامها للحصول على السلاح البريطاني لجأت الى إيطاليا واليابان لشراء الأسلحة منهما ، وكان رد الفعل البريطاني على خطوة حكومة الكيلاني أن امتنعت الحكومة البريطانية عن شراء القطن العراقي ، رغم تدني أسعاره ، مما دفع بحكومة الكيلاني الى عقد اتفاقية مع اليابان باعت بموجبها جميع محصول القطن ومحصول التمور لها ، مما أثار غضب الحكومة البريطانية الى أقصى الحدود ، ولاسيما وأن اليابان كانت قد دخلت الحرب الى جانب ألمانيا .

ومن جانب آخر أقدمت حكومة الكيلاني على إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي ، مما أوصل العلاقات بين العراق وبريطانيا الى أقصى درجات التأزم ، بحيث أبلغ السفير البريطاني نوري السعيد بأن الحكومة البريطانية لم تعد تثق بحكومة الكيلاني ، وأن على العراق  أن يختار بين الاحتفاظ بحكومة الكيلاني ، أو الاحتفاظ بصداقة بريطانيا العظمى .

وهكذا بدأ الصراع المكشوف بين الحكومة البريطانية والسفير البريطاني ، وسارع الكيلاني الى عقد جلسة لمجلس الوزراء لبحث التدخل البريطاني السافر بشؤون العراق الداخلية ، وتقرر تقديم احتجاج رسمي الى الحكومة البريطانية على تصرفات سفيرها في بغداد .

ولممارسة المزيد من الضغوط على حكومة الكيلاني ، لجأت بريطانيا الى الولايات المتحدة داعية إياها للضغط على حكومة الكيلاني ، حيث اتصل السفير الأمريكي بالكيلاني ، وطلب منه التعاون مع الحكومة البريطانية ، ومنع دعاية الكراهية لبريطانيا بين صفوف الشعب العراقي .

 وقد أكد الكيلاني للسفير الأمريكي أن الحكومة لا تنوي الإضرار بالمصالح البريطانية ، وأنها حريصة على تطبيق بنود معاهدة 1930 ، لكن شائعات سرت بعد بضعة أيام تقول أن الحكومة العراقية تنوي إعادة العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا .

 يستطع نوري السعيد تحمل سياسة الكيلاني ، وهو المتحمس الى أبعد الحدود الى تشديد ارتباط العراق بالعجلة البريطانية ، فكتب مذكرة الى الكيلاني ، وبعث بنسخة منها الى الوصي عبد الإله ، والى السفير البريطاني ، ينتقد فيها سياسة الحكومة تجاه بريطانيا العظمى ، ويتحدث عن فقدان الانسجام والتعاون بين أعضاء الوزارة ، ويحذر من مغبة السير بهذا الطريق ، ويدعو الحكومة الى إعادة النظر في مجمل سياساتها

أما الوصي عبد الإله فقد دعى الى عقد جلسة لمجلس الوزراء برئاسته في البلاط ، في 17 كانون الأول ، لمناقشة مذكرة نوري السعيد ، وسياسة الحكومة .

وخلال الاجتماع بدت على الوصي علامات الانفعال من سياسة الكيلاني ، حيث تحدث إليه قائلاً:{ إنني ألاحظ أن التآزر بين أعضاء الوزارة القائمة مفقود ، والاختلافات بين أركانها في تزايد مستمر ، ولاسيما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية ، وعلاقاتنا بالحليفة بريطانيا العظمى } .(13)

وقد رد السيد ناجي السويدي قائلاً أن ليس هناك من خلافات خطيرة تستوجب ذلك . لكن نوري السعيد أصر على موقفه من وجود الخلافات ، وانتهى الاجتماع مع الوصي دون حدوث أي تغير.لم يكد أعضاء مجلس الوزراء يغادرون البلاط الملكي حتى لحق رئيس الديوان الملكي ، السيد عبد القادر الكيلاني ، برشيد عالي الكيلاني ليطلب منه تقديم استقالته بناء على رغبة الوصي ، حرصا على عدم إحراجه مع الإنكليز وكان هذا التصرف من جانب الوصي بناء على طلب الحكومة البريطانية.(14)

وهكذا بدأت الأزمة بين حكومة الكيلاني والوصي عبد الإله ، وقرر مجلس الوزراء إرسال وفد لمقابلة الوصي، برئاسة رئيس الوزراء الكيلاني ، وعضوية طه الهاشمي ـ وزير الدفاع ـ و ناجي شوكت ـ وزير المالية .

وخلال اللقاء  أبلغ الوفد الوصي أن طلب استقالة الوزارة عمل غير دستوري ، وأن ليس من حقه بموجب الدستور أن يقيل الوزارة .

كان رشيد عالي الكيلاني في ذلك الوقت قد أمّن وقوف قادة الجيش ، العقداء الأربعة ، صلاح الدين الصباغ ، وفهمي سعيد ، ومحمود سلمان ، وكامل شبيب ، إضافة الى مفتي فلسطين الذي يتمتع بنفوذ كبير لدى الضباط القوميين.

وفي 21 كانون الأول 1940 ، أعلن الكيلاني أمام مجلس النواب أن العراق دولة مستقلة ، وعليه أن ينشد في كل تصرفاته مصالحه الوطنية ، وأمانيه القومية ، وينبغي أن لا ينجرف وراء ما لا يتلاءم مع هذه المصالح والأماني ، وان الحكومة حريصة على عدم القيام بأي عمل يجر العراق الى شرور الحرب  والمساس بسلامة البلاد .

وعلى أثر ذلك قطع السفير البريطاني أي صلة له بالحكومة ورئيسها ، وأخذت صلاته تجري مع الوصي بصورة مباشرة ، متخطيا الحكومة الشرعية ورئيسها .اشتدت الأزمة داخل مجلس الوزراء ، ولاسيما بين نوري السعيد ، المتحمس للإنكليز، وناجي شوكت ، المعارض لهم ، واقترح طه الهاشمي لحل الأزمة أن يستقيل نوري السعيد وناجي شوكت من الوزارة ، وبالفعل قدم نوري السعيد استقالته من الوزارة في 19 كانون الأول ، فيما قدم ناجي شوكت استقالته في 25 منه . لكن الوصي رفض التوقيع على الاستقالة مطالباً رشيد عالي الكيلاني بتقديم استقالة وزارته ، لكن تدخل العقداء الأربعة أجبر عبد الإله على توقيع استقالة الوزيرين ، وأسندت وزارتيهما الى ناجي السويدي ، وعمر نظمي وكالة .

 لم يرضي هذا الإجراء السفير البريطاني الذي كان يلح على استقالة الوزارة ، مشدداً ضغطه على الوصي عبد الإله ، الذي أخذ يمتنع عن توقيع الإرادات الملكية والقوانين والمراسيم والأنظمة .

 واخيراً أخذ يحرض الوزراء على الاستقالة من الحكومة ، واستمر الوصي في ضغطه على الكيلاني بأن أرسل بطلب الوزير عمر نظمي في 25 كانون الأول 1940 ،وطلب منه إبلاغ الكيلاني  بأنه سيستقيل من الوصاية إذا لم تقدم وزارة الكيلاني استقالتها حتى ظهر يوم الغد .(15)

أما مجلس الوزراء فقد عقد اجتماعاً في اليوم التالي ، 26 كانون الأول لمناقشة الأزمة ، ولم يحضر الوزيران المستقيلان ، وخلال الاجتماع فاجأ الوزراء جميعاً رئيس الوزراء بتقديم استقالاتهم من الوزارة ، ما عدا رؤوف البحراني ، مما تسبب في إحراج الكيلاني الذي حاول جاهداً تثنيهم عن الاستقالة .  (16)

سابعاً:أزمة خطيرة بين الوصي والكيلاني،واستقالة الوزارة :

تصاعدت الأزمة بين الوصي عبد الإله ورئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني بعد أن قدم الوزراء استقالاتهم ، وحاول الوصي إرغام الكيلاني على تقديم استقالته ، عن طريق اللجوء الى القوة العسكرية ، حيث بادر الى استدعاء رئيس أركان الجيش ، ومدير الشرطة العام ، وطلب إليهم عدم إطاعة رئيس الوزراء ، وأبلغهم أن الوزارة أصبحت غير شرعية . لكن الكيلاني لجأ الى قادة الجيش ، [العقداء الأربعة]الذين قرروا إرسال مندوب عنهم الى الوصي ليبلغه أن الجيش يريد بقاء الكيلاني على رأس الحكومة ، وبالفعل قابل العقيد [ محمود سلمان ] ، أحد العقداء الأربعة ، الوصي وأبلغه بالأمر .ورغم محاولات الوصي ثني قادة الجيش عن موقفهم ، فقد أصروا على موقفهم ببقاء الكيلاني على رأس الحكومة ، فقد قابل العقيد محمود سلمان الوصي للمرة الثانية ، بحضور الشيخ  [محمد الصدر ] رئيس مجلس الأعيان ، وأبلغه بقرار قادة الجيش  ، وقد نصح الشيخ الصدر الوصي بالرضوخ للأمر الواقع تجنياً لما قد لا يحمد عقباه ، إذا ما أصر على موقفه من الكيلاني .

وهكذا تراجع الوصي ، ولو مؤقتاً ، وأصدر إرادة ملكية بتعين[ يونس السبعاوي ]وزيراً للاقتصاد ، و[ علي محمود الشيخ علي ] وزيراً للعدلية ، في 28 كانون الثاني ، بناء على طلب الكيلاني وقادة الجيش .وفي اليوم التالي قدم ناجي السويدي استقالته

من الوزارة ، وأسرع الكيلاني الى تعين  [موسى الشابندر ]وزيراً للخارجية ، والمحامي [ محمد علي محمود ] وزيراً للمالية ، واستصدر إرادة ملكية بتعيينهم في نفس اليوم المصادف 29 كانون الثاني 1941.

حاول الكيلاني أن يوطد مركز حكومته باللجوء الى حل البرلمان وأجراء انتخابات جديدة ، وتوجه الى عبد الإله طالباً منه التوقيع على الإرادة الملكية بحله .

  طلب الوصي إمهاله حتى المساء لدراسة الأمر ، وغادر الكيلاني البلاط ، على أمل أن يوقع على حل البرلمان ، لكنه بدلاً من ذلك  غادر بغداد سراً بعد خروج الكيلاني وتوجه الى الديوانية ، حيث حاول استعداء قائد الفرقة الرابعة ،  اللواء الركن [إبراهيم الراوي ] على حكومة الكيلاني .

 كما اتصل من هناك بقائد الفرقة الثانية في كركوك [ قاسم مقصود ] لنفس الغرض ، بالإضافة الى مجموعة من السياسيين والوزراء السابقين وعدد من متصرفي الألوية الذين طلب منهم الوصي عدم إطاعة أوامر الكيلاني والعمل على إسقاط حكومته. كاد الأمر أن يؤدي الى حرب أهلية ، طرفاها الجيش ، لولا موقف القائدين ، الراوي ومقصود ، المتعقل ، حيث أبلغا الوصي أنهما لا يودان زج الجيش في المشاكل السياسية ، وأنهما كعسكريين يتلقيان الأوامر من رئيس أركان الجيش .

أما الكيلاني فقد دعى مجلس الوزراء الى عقد اجتماع عاجل لبحث الأزمة بعد هروب الوصي ، وقد حضر الاجتماع قادة الجيش ، وأمين الحسيني ، ويونس السبعاوي ، ومحمد أمين زكي ، وتقرر في الاجتماع مواجهة الوزارة لمجلس النواب ، وانتزاع الثقة بالوزارة منه ، وقد دعى الحاضرون الى صمود الوزارة بوجه محاولات الوصي ، والسفير البريطاني لإسقاطها .وفي أثناء الاجتماع حضر كل من الشيخ محمد الصدر ، وطه الهاشمي ، وطلبا من الكيلاني معالجة الأمور قبل استفحالها ، والحيلولة دون وزج الجيش في حرب أهلية ،وتمكنا من إقناع الكيلاني لتقديم استقالة حكومته .

 وبالفعل قدم الكيلاني استقالته في 31 كانون الثاني 1941 في برقية بعث بها الى الوصي في الديوانية .

بادر الوصي فور استلام البرقية الى قبول الاستقالة ، ودعى عدد من رؤساء الوزارات والوزراء السابقين ، ورئيس مجلس الأعيان للبحث في تشكيل وزارة جديدة .(17)

وفي بغداد ، عقد المدعوين للاجتماع بالوصي اجتماعاً فيما بينهم وتباحثوا في الأمر ، وقد استقر رأيهم على أن يذهب كل من الشيخ [محمد الصدر ]، و[صادق البصام ]

إلى الديوانية لمقابلة الوصي ، والوقوف على ما يريد .وبالفعل استقل الاثنان طائرة عسكرية نقلتهم الى الديوانية وتباحثا مع الوصي في سبل حل الأزمة ، ثم اختلى الشيخ الصدر بالوصي ، وأجرى معه نقاشاً حول خطورة الأزمة ، وقد أقترح الشيخ محمد الصدر على الوصي  تكليف [ طه الهاشمي ] بتأليف الوزارة الجديدة ، إذا ما أراد الخروج من الأزمة ، وتجنب الحرب الأهلية .(18)

ثامناً : الوصي يكلف طه الهاشمي بتأليف الوزارة :

على أثر اللقاء الذي تم بين الوصي والشيخ الصدر ، استدعى الوصي السيد طه الهاشمي بحضور صادق البصام ، وكلفه بتأليف الوزارة الجديدة ، على الرغم من عدم اقتناعه به ، ورضاه عنه ، لكن الظروف الدقيقة والخطيرة ، ونصيحة الشيخ الصدر هي التي جعلته يكلف الهاشمي . وقد حاول الوصي أن يشهّد البصام على تعهد الهاشمي بتشتيت شمل قادة الجيش [ العقداء الأربعة ] وحذره من المتصيدين في الماء العكر ، والإيقاع مجدداً بينه وبينهم ، ووعد الوصي بأنه سوف يسعى الى لقاء القادة الأربعة به لتقديم الولاء والطاعة ، لكن ذلك لم يتم بسبب نصيحة السفير البريطاني بعدم استقبالهم .(19)

تم تأليف الوزارة الجديدة في 31 كانون الثاني 1941 ، وجاءت على الوجه التالي :

1 ـ طه الهاشمي رئيساً للوزراء ، ووزيراً للخارجية والدفاع وكالة .

2 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للداخلية ، ووزيراً للعدلية وكالة .

3 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمالية ، ووزيراً للأشغال والمواصلات وكالة

4 ـ عبد المهدي ـ  للاقتصاد .

5ـ حمدي الباجه جي ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

6 ـ صادق البصام ـ وزيراً للمعارف

ثم أضاف الى الوزارة في 4 شباط ، السيد توفيق السويدي كوزير للخارجية .

عبر السفير البريطاني في برقيته الى وزارة الخارجية البريطانية عن سروره لإخراج الكيلاني من الحكم  ولكنه أعرب عن عدم اطمئنانه لطه الهاشمي ، ووعد بأن يكون عمر الوزارة قصيراً ، وأشاد السفير بدور نوري السعيد ، والجميل الذي أسداه لبريطانيا ، غير أنه قد فقد نفوذه في الآونة الأخيرة ، ورأى أن يكون بعيداً عن الأنظار حالياً .

كان همْ السفارة البريطانية ، بعد استقالة حكومة الكيلاني هو التخلص من العقداء الأربعة ، بأي طريقة كانت ، لكي يستقر الوضع لصالح بريطانيا .

أما الوصي فقد طلبت منه حكومة الهاشمي العودة الى بغداد ، وأرسلت لمرافقته كل من عمر نظمي ، وزير الداخلية ، ووكيل رئيس أركان  الجيش، أمين زكي ، إلا أن الوصي تردد في العودة خوفاً من وجود مؤامرة لقتله ، مما اضطر الهاشمي الى السفر الى الديوانية وإقناعه بالعودة ، وعاد الوصي بصحبة الهاشمي في 3 شباط 1941 .

تاسعاً : حركة رشيد عالي الكيلاني ، والعقداء الأربعة الانقلابية :

بدا الوضع السياسي بعد تشكيل حكومة الهاشمي يميل نوعاً ما الى الهدوء بعد تلك العاصفة التي حدثت بين الكيلاني والوصي . لكن النار كانت لا تزال تحت الرماد ، فقد كان عنصر الثقة بين الوصي والهاشمي شبه مفقود  ، كما كانت الثقة بين الكيلاني ،ومن ورائه العقداء الأربعة المسيطرين على الجيش وبين الوصي قد تلاشت ، وكان الوصي ، ومن ورائه السفارة البريطانية يعمل في الخفاء  من أجل تشتيت شمل قادة الجيش تمهيداً للتخلص منهم ومن الكيلاني ، ومارست السفارة البريطانية ضغوطها على رئيس الوزراء من أجل إبعاد العقداء الأربعة عن أي تأثير سياسي في البلاد ، كما ضغطوا على الهاشمي لقطع العلاقات مع إيطاليا ، وكان الهاشمي يخشى رد فعل الشعب إن هو فعل ذلك . ونتيجة لتلك الضغوط ، أقدم الهاشمي ، بصفته وزيراً للدفاع وكالة ، بتاريخ 26 آذار 1941   على نقل العقيد [ كامل شبيب ]إلى قيادة الفرقة الرابعة في الديوانية ، ليحل مكانه صديق الوصي ، والذي أواه في الديوانية ، اللواء الركن [ ابراهيم الراوي ] ، كما أصدر قراراً آخر بنقل مقر قيادة الفرقة الثالثة التي يقودها العقيد  [صلاح الدين الصباغ ] من بغداد الى جلولاء .

كانت تلك الإجراءات التي اتخذها الهاشمي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير ، كما يقول المثل ، فلم يكد يبلغ القرار لقادة الجيش حتى قرروا على الفور التصدي له ورفضه ، واتخاذ التدابير السريعة  والضرورية لحل الأزمة بصورة جذرية .

ففي مساء يوم 1 نيسان 1941 ، أنذر العقداء الأربعة قطعات الجيش في بغداد ، وتم إبلاغها بما ينوون القيام به ، حتى إذا انتصف الليل ، نزلت القوات العسكرية لتحتل المراكز الهامة والحساسة في بغداد ، كدوائر البرق والبريد والهاتف ، والجسور ، ومداخل الطرق الرئيسية ، وجميع المرافق العامة في بغداد ، وتوجه العقيد [ فهمي سعيد ] ، وبرفقته وكيل رئيس أركان الجيش [ محمد أمين زكي ] الى دار رئيس الوزراء [ طه الهاشمي ] وأجبروه على الاستقالة .

 واضطر الهاشمي الى تحرير كتاب استقالة حكومته الى الوصي ، وسلمها لهما ، حرصاً على عدم إراقة الدماء  .(20)

أما الوصي ، فقد أيقضه الخدم من النوم ، وأبلغوه أن هناك أوضاع غير طبيعية في منطقة القصر ، وأن الجيش متواجد في المنطقة ، فما كان من الوصي إلا أن صمم على الهرب مرة أخرى ، واستطاع الإفلات من قبضة الجيش ، ولجأ الى السفارة الأمريكية ، بعد أن تعذر عليه الوصول الى السفارة البريطانية ، وقامت السفارة الأمريكية بنقله الى قاعدة الحبانية ، ومن هناك تم نقله على متن طائرة حربية بريطانية الى البصرة ، حيث نقل الى الدارعة الحربية البريطانية [ كوك شبير ] الراسية قرب البصرة ، وكان برفقته كل من [ علي جودت الأيوبي ] ومرافقه العسكري [عبيد عبد الله المضايفي ] ثم لحق بهم [ جميل المدفعي ] ،وحاولت السفارة البريطانية الاتصال بأعضاء وزارة طه الهاشمي ، في محاولة لنقلهم الى البصرة للالتحاق بالوصي ، لكن العقداء الأربعة حالوا دون خروجهم  . كما نصبت القوات البريطانية للوصي إذاعة لاسلكية حيث قام بتوجيه خطاب الى الشعب في الرابع من نيسان ، وقامت الإذاعة البريطانية في لندن بإعادة إذاعة الخطاب مرة أخرى ، وقد هاجم الوصي في خطابه الكيلاني والعقداء الأربعة ، واتهمهم بالاعتداء على الدستور ، والخروج على النظام العام  واغتصاب السلطة .

كما أخذ الوصي يحرض قائد الفرقة الرابعة في الديوانية [ إبراهيم الراوي ]، وقائد حامية البصرة العقيد  [رشيد جودت ] ، وعدد من شيوخ العشائر الموالين للبلاط والإنكليز  للتمرد على الكيلاني وقادة الجيش ، والزحف على بغداد ، لكن الراوي وجودت رفضا السير مع الوصي بهذا الطريق الذي لو تم لوقعت حرب أهلية لا أحد يعرف مداها .

تشكيل مجلس الدفاع الوطني :

بادر العقداء الأربعة ، بعد هروب الوصي الى تشكيل مجلس الدفاع الوطني ، وتم اختيار[ رشيد عالي الكيلاني ]رئيساً للمجلس ليقوم مقام مجلس الوزراء .

وفي أول اجتماع لمجلس الدفاع الوطني ، قرر المجلس إرسال مذكرة إلى الحكومة البريطانية تحذرها من التدخل في شؤون العراق الداخلية ، وتقديم الدعم والمساندة للوصي عبد الإله ، كما قرر المجلس إرسال قوات عسكرية الى البصرة لمنع أي تحرك ضد مجلس الدفاع الوطني ، وتم اعتقال متصرف البصرة [ صالح جبر ] الذي قطع صلاته ببغداد تضامناً مع الوصي ، وتم تسفيره الى بغداد .

مجلس الدفاع الوطني يقرر عزل عبد الإله وتعين شريف شرف وصياً على العرش :

 رداً على تحركات الوصي الرامية الى إسقاط حكومة الدفاع الوطني ، وهروبه من العاصمة ،وتعاونه مع المحتلين البريطانيين  في هذا السبيل فقد وجهت حكومة الدفاع الوطني إنذاراً له بالعودة إلى بغداد فوراً وإلا فإنها ستضطر إلى عزله من الوصاية وتعين وصي جديد على العرش بدلا منه . ولما لم يستجب عبد الإله الى الإنذار قررت حكومة الدفاع الوطني  عزله من الوصاية ، وتعين [ الشريف شرف ] وصياً على العرش بدلاً عنه ، وقد صادق البرلمان على هذا الإجراء في جلسته المنعقدة في 16 نيسان 1941 .

الكيلاني يشكل حكومة مدنية جديدة :

بعد أن تم تعين [الشريف شرف ]وصياً على العرش ، قدم مجلس الدفاع الوطني ، برئاسة رشيد عالي الكيلاني ، استقالته الى الوصي الجديد في 12 نيسان 1941 لغرض تشكيل حكومة مدنية جديدة ، وقد كلف الوصي السيد الكيلاني بتشكيل الوزارة الجديدة في اليوم نفسه ، وتم تشكيل الوزارة على الوجه التالي :

1 ـ رشيد عالي الكيلاني ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية .

2ـ ناجي السويدي ـ وزيراً للمالية .

3 ـ ناجي شوكت ـ وزيراً للدفاع .

4 ـ موسى الشابندر ـ وزيراً للخارجية .

5 ـ رؤوف البحراني ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

6 ـ علي محمود الشيخ علي ـ وزيراً للعدلية .

7ـ يونس السبعاوي ـ وزيراً للاقتصاد .

8 ـ محمد علي محمود ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .

9 ـ محمد حسن سلمان ـ وزيراً للمعارف .

وفور تشكيل الوزارة ، أعلن الكيلاني عن عزم الحكومة على عدم توريط العراق في الحرب ، مع الالتزام بمعاهدة التحالف مع بريطانيا ، والتمسك بالتعهدات الدولية . وقد لاقت حكومة الكيلاني تأييداً كاسحاً من أبناء الشعب الحانقين على الاستعمار البريطاني ، وعملائه .

 

عاشراً : القوات البريطانية تسقط حكومة الكيلاني، وتعيد الوصي عبد الإله :

تسارعت التطورات في البلاد بعد أحكام سيطرة رشيد علي الكيلاني والعقداء الأربعة على مقاليد الحكم ، ولاسيما وأن الحركة قد لاقت تأييداً واسعاً من أبناء الشعب عامة، الذين كانوا يحدوهم الأمل في التخلص من الاستعمار البريطاني الذي أذاقهم الأمرّين ، وهكذا أصبحت الأمور صعبة للغاية بالنسبة لبريطانيا ، وتنذر بمخاطر كبيرة .وبناء على ذلك طّير السفير البريطاني [كورنوليس] برقية الى المستر تشرشل ـ رئيس الوزراء ـ جاء فيها :

{ إما أن ترسلوا جيشاً كافيا الى العراق ، أو انتظروا لتروا البلاد في أيدي الألمان } .

فلما اطلع تشرشل البرقية أسرع بالإبراق الى وزير الهند لإرسال قوات عسكرية ، وإنزالها في البصرة على عجل . (21)

كانت الحكومة البريطانية قد أبلغت العراق قبل وقوع الانقلاب أنها عازمة على إنزال قوات في البصرة لنقلها عبر العراق الى حيفا في فلسطين حيث تقتضي ضرورات الحرب . وبموجب المعاهدة العراقية البريطانية يحق لبريطانيا ذلك ، بعد إبلاغ ملك العراق بذلك ، ولذلك فقد اتصل القنصل العام البريطاني في البصرة بوكيل المتصرف ، يوم 10 نيسان ، وأبلغه أن فرقة من الجيش الهندي على ظهر ثلاث بواخر حربية ، وبحراسة طرادين حربيين ، وثلاث طائرات ، سوف تدخل المياه الإقليمية العراقية خلال 48 ساعة ، وطلب منه إبلاغ حكومته بذلك ، للموافقة على نزول تلك القوات في البصرة .

كما قام مستشار وزارة الداخلية، المستر [ ادمونس ] في بغداد بزيارة رئيس الوزراء ، الكيلاني، وابلغه بنفس الأمر .(22)

وعلى الفور أجتمع مجلس الوزراء وبحث الأمر ، وبعد مناقشة مستفيضة ، اتخذ قرارا بالسماح للقوات البريطانية بالنزول ، وفق الشروط التي اتفق عليها في 21 حزيران 1940 ، والتي نصت على نزول القوات ، لواء بعد لواء  ، على أن يبقى اللواء مدة

معقولة،  وهو في طريقه الى فلسطين ، ثم يليه نزول اللواء التالي ، بعد أن يكون اللواء السابق قد غادر الأراضي العراقية ، وعلى الحكومة البريطانية أن تشعر الحكومة العراقية بعدد القوات المراد إنزالها .(23)

كما قررت الحكومة العراقي إيفاد اللواء الركن [ إبراهيم الراوي ]الى البصرة لاستقبال  القوات البريطانية ، كبادرة حسن نية من الحكومة . لكن بريطانيا كانت  قد قررت غزو العراق ، وإسقاط حكومة الكيلاني بالقوة ، وإعادة عبد الإله وصياً على عرش العراق  . وكانت تعليمات القيادة البريطانية تقضي باحتلال [منطقة الشعيبة ]في البصرة ، واتخاذها رأس جسر لإنزال قواتها هناك ، والانطلاق بعد ذلك الى بغداد . وفي يومي 17  و 18 نيسان 1941 نزلت القوات البريطانية في البصرة ، وعلى الفور أبرق رئيس الوزراء البريطاني تشرشل الى الجنرال [ ايمسي ] في رئاسة الأركان البريطانية ، يأمره بالإسراع بإنزال 3 ألوية عسكرية في البصرة . وقد بدا واضحاً من تصرف تلك القوات أنها لن تغادر العراق ، كما هو متفق عليه ، بل لتبقى هناك حيث قامت بحفر الخنادق وإقامة الاستحكامات ، وترتيب بقائها لمدة طويلة  .وفي 28 نيسان 1941 أبلغ مستشار السفارة البريطانية في بغداد وزارة الخارجية العراقية بنية بريطانيا إنزال  قوة أخرى قوامها 3500 جندي وضابط ، في 29 نيسان ، وقبل رحيل القوات التي نزلت في البصرة قبلها . وعند ذلك أدركت حكومة الكيلاني أن بريطانيا تضمر للعراق شراً ، وأنها لا تنوي إخراج قواتها كما جرى عليه الاتفاق من قبل ، بل لتستخدمها لاحتلال العراق من جديد ، وعليه اتخذت قرارها بعدم السماح لنزول قوات بريطانية جديدة في البصرة قبل مغادرة القوات التي وصلت  إليها من قبل.

كما طلبت الحكومة العراقية من السفير البريطاني تقديم أوراق اعتماد حكومته كدليل على اعتراف بريطانيا بالوضع الجديد في العراق .(24)

وفي الوقت نفسه قررت الحكومة العراقية القيام بإجراءات عسكرية احترازية لحماية العراق ، وأصدرت بياناً الى الشعب بهذا الخصوص ، وقد أشار البيان الى إخلال

بريطانيا بنصوص معاهدة التحالف ، وأن الحكومة قد قدمت احتجاجاً رسميا إلى الحكومة البريطانية ، كما أشار البيان الى عزم الحكومة على التمسك بحقوق العراق ، وسيادته واستقلاله .

لكن الحكومة البريطانية تجاهلت مواقف الحكومة العراقية واحتجاجاتها ، وأنزلت قوات جديدة في البصر  في 30 نيسان ، وحاولت تلك القوات قطع الطريق على القوات العراقية المتواجدة هناك ، لكن القوات العراقية استطاعت الانسحاب الى المسيب ، مقرها الدائم ، وكررت الحكومة احتجاجها على تصرفات القوات البريطانية ، لكن الحكومة البريطانية تجاهلت ذلك الاحتجاج ، وأقدمت على ترحيل الرعايا البريطانيين ، من الموظفين ، وأصحاب الشركات ، والعاملين فيها ،كما أوعزت لهم بتهريب موجودات البنوك من العملات .

وهكذا أيقنت الحكومة أن الصِدام بين الجيشين العراقي والبريطاني أمر حتمي ، وقررت اتخاذ عدد من الإجراءات العسكرية لحماية بغداد . فقد أرسلت عدداً من قطعاتها العسكرية الى المنطقة القريبة من [الحبانية ] حيث توجد قاعدة جوية بريطانية كبيرة . لكن ثلاث أسراب من الطائرات البريطانية قامت على الفور بقصف تلك القوات  المتمركزة في [ سن الذبان ] بجوار بحيرة الحبانية وذلك صباح يوم الجمعة المصادف 2 مايس 1941 ، وبذلك اشتعلت الحرب بين العراق وبريطانيا ، وقام على الأثر السفير البريطاني بإصدار بيان موجه الى الشعب العراقي ، كان قد أعده سلفاً ، هاجم فيه بشدة حكومة الكيلاني ، واتهمها بشتى التهم ، وبذلك كشف البيان عن جوهر السياسة البريطانية  وأهدافها الاستعمارية العدوانية تجاه العراق .

وفي اليوم نفسه قدم السفير البريطاني إنذاراً للحكومة العراقية بسحب قواتها من أطراف الحبانية ، وهدد باتخاذ أشد الإجراءات العسكرية ضدها .

وعلى اثر تلك التطورات والأحداث المتسارعة ، أجتمع مجلس الوزراء ، واتخذ قرارات هامة للدفاع عن العراق ، كان منها :

1ـ إعادة العلاقات مع ألمانيا ، والطلب بإرسال ممثلها السياسي على الفور ، وطلب المساعدة منها .

2 ـ إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي فوراً .

 3ـ نشر بيان صادر من رئيس الوزراء حول العدوان البريطاني على القوات العراقي

4 ـ إرسال احتجاج الى الحكومة البريطانية على تصرفاتها تجاه العراق .(25)

وعلى الأثر قام الوزير العراقي المفوض في تركيا بمقابلة السفير الألماني [ فون بابن ] وطلب منه تقديم كل مساعدة ممكنة للصمود بوجه القوات البريطانية ، وقد أبلغه السفير الألماني أن تقديم المساعدة يتطلب مدة من الزمن ، وسأله كم من الزمن تستطيع القوات العراقية الصمود أمام القوات البريطانية  واخيراً تم الاتفاق على إرسال عدد من الأسراب من الطائرات الحربية الألمانية للدفاع عن مدن العراق التي أخذت تتعرض لقصف الطائرات البريطانية ، ريثما يتمكن الألمان من تقديم مساعدة فعالة للحكومة العراقية .(26)

وفي الوقت نفسه غادر الدكتور [ كروبا] سفير ألمانيا السابق في العراق متوجهاً الى بغداد لفتح السفارة الألمانية ، حيث وصلها في 18 مايس ، وبصحبته 5 طائرات حربية ، وبعثة عسكرية جوية برئاسة الفيلد مارشال [ فون بلومبرج ] ،لكن المارشال الألماني أصيب قبل هبوط طائرته في مطار بغداد بصلية من الطائرات البريطانية ، وقتل قبل نزوله في بغداد وذلك خلال اشتباك جوي مع الطائرات البريطانية.(27)

وفي الوقت نفسه تلقى العراق كميات من الأسلحة عن طريق سوريا ، حيث كانت ألمانيا وإيطاليا قد استولت على تلك الأسلحة بعد انهيار فرنسا . فقد حصل العراق على 15 ألف بندقية ، و354 مسدساً و5 ملايين خرطوشة مدافع رشاشة ، و9999 قنبلة عيار 75 ملم ، و 6000 قنبلة عيار 155 ملم و30 ألف قنبلة يدوية ، و 6000قنبلة زمنية ، وغيرها من الأجهزة العسكرية والمتفجرات وأجهزة الاتصال اللاسلكية وغيرها .(28 ) 

ورداً على سحب موجودات البنوك ، أعلن الكيلاني انسحاب العراق من منطقة الإسترليني ، وحاول تغير العملة بالتعاون مع ألمانيا ، لكن الزمن لم يمهله لتنفيذ ذلك ، القوات فقد تصاعدت الأزمة بعد أن فتحت البريطانية النار على القوات العراقية المتواجدة في البصرة ، واستطاع الفوج العراقي الموجود هناك الانسحاب من المنطقة في 2 مايس 1941 .

أدى تصرف القوات البريطاني الى هياج عام في صفوف الشعب العراقي ، وتوالت فتاوى رجال الدين تدعو للجهاد ضد المحتلين البريطانيين ،وكان على رأسهم المرجع الديني الأكبر لطائفة الشيعة [ابو الحسن الموسوي الأصفهاني ]  والإمام [ محمد حسين آل كاشف الغطاء ] اللذان دعيا الشعب العراقي للجهاد ضد المحتلين البريطانيين . كما ناصرت الشعوب العربية شعب العراق في كفاحه ضد الاستعمار البريطاني .

 

القوات البريطانية تحتل العشار :

 

بعد أن عززت القوات البريطانية وجودها في البصرة ، بدأت بالزحف بقواتها الآلية نحو العشار فجر يوم الأربعاء  المصادف 7 مايس  1941 وتمكنت من احتلال جميع المرافق الحساسة ، والجسور بعد معارك دامية مع الأهالي سقط خلالها عدد كبير من الشهداء والجرحى في معركة غير متكافئة مع جيش كبير ومنظم ، وقيل أن اليهود قدموا مساعدات كبيرة لقوات الاحتلال التي أخذت تتصرف وكأنها سلطة حكومية في منطقة [العشار ]،وصار مدير جمعية التمور ، الميجر [ لويد ] يتصرف وكأنه حاكم عسكري ، حيث أصدر أمراً بمنع حمل السلاح ، ومنع الاستماع الى الإذاعات المعادية لبريطانيا ، ومنع التجول ، وغيرها من القرارات . وعلى أثر ذلك أمرت الحكومة موظفيها في البصرة بالانسحاب والعودة الى بغداد .

 كما قررت  في 9 مايس إنهاء خدمات الضباط البريطانيين في الجيش  العراقي ، وفي 11 منه قررت الاستغناء عن خدمات جميع الموظفين والمستخدمين البريطانيين ، كما قررت في  13 مايس تخويل رئيس الوزراء صلاحية عقد اتفاقات لشراء الأسلحة من الدول الأجنبية.

 

القوات البريطانية تحتل الفلوجة :

 

استمرت المعارك مع القوات البريطانية حول الحبانية ، لكنها لم تكن متكافئة على الإطلاق ، ففي الوقت الذي كان الجيش العراقي يمتلك الإرادة الشجاعة للدفاع عن الوطن ، كان يعوزه السلاح والعتاد ، في حين كانت القوات البريطانية تمتلك كل أنواع الأسلحة والطائرات ، والخبرة القتالية ،فقد أخذت الطائرات البريطانية تقصف القطعات العسكرية العراقية حول [ سن الذبان ] منذ صباح يوم 2 مايس ، كما أرسلت القيادة البريطانية في فلسطين قوة عسكرية أخرى تتألف من لواء خيالة وعدة كتائب مختلفة مجهزة بالآليات والمدفعية ، مع قوة أخرى من رجال الفرقة العربية التي كان يقودها  القائد البريطاني [كلوب باشا ] في شرق الأردن .

وفي 19 مايس بدأ الجيش البريطاني هجوماً واسعاً تحت غطاء جوي كثيف من الطائرات الحربية ضد الجيش العراقي ، وخاض الطرفان معركة غير متكافئة استطاعت خلالها القوات البريطانية دحر القوات العراقية ، وأسرت 320 جندياً و23 ضابطاً ، وانسحبت بقية القوات باتجاه بغداد ، وبذلك استطاعت القوات البريطانية احتلال [الفلوجة ]الواقعة على مقربة من بغداد في 20 مايس 1941 .

وفي اليوم التالي شنت القوات العراقية هجوماً معاكساً في محاولة لاستعادة الفلوجة  وكانت تلك القوات تتألف من فوجين ، ومعززة بثمانية دبابات ، لكنها فشلت في هجومها بعد أن استشهد  273  جنديا و11 ضابطاً ، وتدمير 7 دبابات . (29)

 

                                       *******

القوات البريطانية تزحف نحو بغداد ،وهروب العقداء الأربعة والكيلاني :

 

بعد اندحار القوات العراقية في معركة الفلوجة ،بدأت الحكومة تنظيم دفاعاتها حول بغداد ، حيث أصبحت القوات البريطانية على بعد 60 كيلومتر من العاصمة ، لكن القوات البريطانية عاجلتها بهجوم كبير على ثلاثة محاور ، منطلقةً من الفلوجة يوم 27 مايس . المحور الأول كان عن طريق [جسر الخر ]وكان المحور الثاني عن طريق

الشاطئ الأيسر لنهر الفرات نحو [ ابو غريب ] ، أما المحور الثالث فكان عن طريق [سن الذبان ـ سامراء ـ التاجي ] (30)

مهدت القوات البريطانية هجومها بقصف مركز بالطائرات على مدينة بغداد

لأحداث أكبر تأثير نفسي على قوات الجيش العراقي والحكومة وأبناء الشعب ، وبدا في تلك الساعات أن الأمر قد أفلت من أيدي الكيلاني والعقداء الأربعة ، حيث أصبح احتلال بغداد مسألة وقت لا غير ، ولذلك فقد قرر الكيلاني والعقداء الأربعة الهروب ومغادرة بغداد ، والنجاة بأرواحهم ، تاركين البلاد والشعب تحت رحمة المحتلين ، حيث رحل العقداء الأربعة  الى إيران مساء يوم 29 مايس 1941، ثم تبعهم رشيد عالي الكيلاني ، وأمين الحسيني ، وشريف شرف ، ومحمد أمين زكي ، ويونس السبعاوي .

وفور مغادرة قادة حركة مايس تشكلت في العاصمة بغداد لجنة برئاسة أمينها [ ارشد العمري ] دعيت [ لجنة الأمن الداخلي ] ، وضمت اللجنة متصرف بغداد ، ومدير الشرطة العام ، وممثل الجيش  الزعيم الركن [ حميد نصرت ] .(31)

 بدأت اللجنة مفاوضات مع السفارة البريطانية في بغداد على شروط وقف إطلاق النار وإعلان الهدنة تمهيداً لدخول القوات البريطانية الى بغداد ، وعودة الأمير عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد .

وفي 30 مايس توقف القتال بصورة نهائية، وعاد الوصي الى بغداد في 1 حزيران 1941 تحت حراب المحتلين البريطانيين  ، وكان برفقته كل من نوري السعيد ، وعلي جودت الايوبي ، وداؤد الحيدري ، وهكذا تخلص البريطانيون وعبد الاله من العقداء الأربعة والكيلاني ، الذين لعبوا دور كبيراً في الحياة السياسية في البلاد .وتم إحكام الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق من جديد .(32)

لم يهدأ لبريطانيا والوصي عبد الاله بال  إلا بعد أن تم اعتقال العقداء الأربعة ، فقد بدأت المخابرات البريطانية تتابعهم حتى تسنى لها القبض عليهم واعتقالهم في إيران ،

وجرى تسفيرهم إلى جنوب أفريقيا معتقلين ، كما تم اعتقال يونس السبعاوي    وصديق شنشل ،مدير الدعاية العام الذي عينه الانقلابيون ، وتم إحالة العقداء الأربعة الى المجلس العرفي العسكري ، الذي سبق أن حكم عليهم بالإعدام .

كما حكم المجلس العرفي العسكري على يونس السبعاوي بالإعدام أيضاً ،وعلى صديق شنشل بالسجن لمدة 5 سنوات .

في نهاية الحرب العراقية البريطانية ، سلمت بريطانيا العقداء الأربعة للحكومة العراقية حيث جرى إعدامهم في 6 كانون الثاني 1942 ، بعد إعادة محاكمتهم بصورة صورية أمام المجلس العرفي العسكري ، الذي أصدر قرار الحكم خلال جلسة واحدة ، وبذلك تخلص الوصي من نفوذهما الى الأبد .

أما رشيد عالي الكيلاني ،  فقد تمكن من الوصول الى تركيا ، واستطاع السفير الألماني [فون بابن] أن ينقله مع أمين الحسيني الى ألمانيا ، حيث مكث فيها الى أن أوشكت الحرب على نهايتها ، وبات اندحار ألمانيا أمر حتمي ، حيث هرب إلى سويسرا ومنها الى السعودية .وقد حاول عبد الاله مرارا استرداده من السعودية ، إلا أن السعوديون رفضوا ذلك ، وبقي هناك عدة سنوات أنتقل بعدها الى مصر بعد قيام ثورة 23 يوليو ، وبقي هناك حتى قيام ثورة 14 تموز عام   1958 وسقوط النظام الملكي في العراق .

 

حادي عشر:السفارة البريطانية تطلب من الوصي تكليف المدفعي بتأليف الوزارة:

 

كان أمام المحتلين البريطانيين ، بعد القضاء على حكومة الكيلاني وعودة الوصي عبد الإله الى الحكم مهمة تأليف حكومة جديدة تأخذ على عاتقها تصفية ما خلفته حركة الكيلاني والعقداء الأربعة .

لم يشأ السفير البريطاني  بادئ الأمر تكليف رجل بريطانيا الأول نوري السعيد ، نظراً للكره الشديد الذي يكنه الشعب له ، ولذلك فقد طلب من الوصي أن يكلف جميل المدفعي بتأليف الوزارة الجديدة ، وبناء عليه فقد استدعاه الوصي وكلفه بتأليف الوزارة في 2حزيران 1941 ، وتم تأليف الوزارة في نفس اليوم وعلى الوجه التالي :

1 ـ جميل المدفعي ـ رئيساً للوزراء .

2 ـ علي جودت الايوبي ـ وزيراً للخارجية .

3 ـ مصطفى العمري ـ وزيراً للداخلية .

4 ـ نظيف الشاوي ـ وزيراً للدفاع .

5 ـ ابراهيم كمال ـ وزيراً للمالية ووكيلا للعدلية .

6 ـ جلال بابان ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .

7 ـ نصرت الفارسي ـ وزيراً للاقتصاد ووكيلا للشؤون الاجتماعية .

8 محمد رضا الشبيبي ـ وزيراً للمعارف . (33)

جرى تأليف الوزارة في ظل نظام منع التجول الذي فرضته [ لجنة الأمن الداخلي ] التي شُكلت في أعقاب انهيار حكومة الكيلاني ، ولم تجرِ حفلة الاستيزار الرسمية ، واكتفي بإذاعة خبر تأليفها من دار الإذاعة .وفي اليوم الذي تألفت فيه الوزارة نزلت في مطار بغداد طائرة عسكرية بريطانية تحمل جنوداً بريطانيين بأسلحتهم بدعوى حماية السفارة البريطانية ، وقد تجاهلت الحكومة الحدث .

كان أول إجراء اتخذته الحكومة ، هو إعلان الأحكام العرفية في 3 حزيران ، وإيقاف العمل بكل القوانين والأنظمة المعمول بها ، والتي تتعارض مع مرسوم الإدارة العرفية ، وجرى إدارة البلاد إدارة عسكرية صرفه ، وتم تشكيل المحكمة العرفية العسكرية برئاسة العقيد [ مصطفى راغب ] ، وقامت الحكومة بحملة اعتقالات واسعة جداً ، شملت كل من كانت له علاقة بالنظام السابق ، أو أيّد حكومة الكيلاني ، وقد بلغ عدد المعتقلين أكثر من 20 ألفاً ، بحيث عجزت السجون ، ومراكز الشرطة عن استيعابهم ، وبدأت المحكمة العرفية تصدر الأحكام الجائرة وترسل بآلاف المواطنين الى

غياهب السجون ، واستمرت الأحكام العرفية سارية المفعول حتى شهر آذار من عام 1946 .

كما قامت الحكومة بإلغاء امتيازات الصحف التي كانت تصدر على عهد حكومة الكيلاني ، ومنحت امتيازات جديدة لصحفيين طارئين ، كانت مهمتهم التشنيع بحكومة الكيلاني والعقداء الأربعة ، ومداهنة الإنكليز ، وفرضت الرقابة الصارمة على المطبوعات ، ومنعت أي إشارة أو دعاية ضد البريطانيين ، ومنعت التجمع لأكثر من أربعة أشخاص ، ولجأت الحكومة الى إصدار المراسيم ، بدلا من الرجوع الى مجلس

الأمة الذي حاول الكيلاني حله ، ورفض الوصي ذلك ، فقد أصدرت الحكومة منذ 2 حزيران ، وحتى 7 تشرين الأول 1941 ، 11 مرسوماً ، كان من بينهم مرسوم تعديل مرسوم الإدارة العرفية ، الذي سمح بموجبه بمحاكمة القائمين بحركة الكيلاني ، ومرسوم يقضي بفصل المشتركين والمساندين لحركة الكيلاني من مناصبهم ، ومرسوم ثالث يقضي بإعادة الضباط الكبار الذين سبق لحكومة الكيلاني إحالتهم على التقاعد ، الى الخدمة ، وغيرها من المراسيم الأخرى .

كما قامت الحكومة بإحالة عدد كبير من ضباط الجيش الذين كان لهم دور في دعم وإسناد حكومة الكيلاني ، أو المشكوك في ولائهم للإنكليز والوصي على التقاعد .

وفي المقابل قررت الحكومة إعادة الضباط والمستشارين الإنكليز ، الذين طردتهم حكومة الكيلاني الى مراكزهم السابقة ، كما أعادت الموظفين والمستخدمين الإنكليز الى أعمالهم السابقة أيضاً .

أما المحتلين فقد حولوا مدينة بغداد الى معسكر كبير لقواتهم ، فقد تم نقل ما يزيد على 100 ألف جندي إليها ، وسمحت الحكومة ببقاء تلك القوات حتى نهاية الحرب ، كما سمحت الحكومة للمحتلين أن يشاركوا في إدارة ميناء البصرة ، وبذلك أصبح المحتلون هم الحكام الحقيقيين للبلاد  وصارت الحكومة ألعوبة في أيديهم تنفذ لهم كل ما يطلبون .(34)

وفي ظل تلك الظروف القاسية تدهورت الأحوال المعيشية لأبناء الشعب ، حيث ارتفعت الأسعار ، وفقدت السلع والحاجيات الضرورية والمواد الغذائية ، وبات تدبير أمور المعيشة لسائر الطبقات الفقيرة والمتوسطة أمر صعب للغاية .

ومع كل تلك الخدمات التي قدمتها حكومة المدفعي للمحتلين ، إلا أن السفارة البريطانية لم تكن راضية عن إجراءاتها بحق الذين ساندوا حكومة الكيلاني ودعموه ، ورأت أن المدفعي لا يمارس القمع المطلوب ضد المعارضين للاحتلال البريطاني الجديد للبلاد ، وتدل البرقية التي طيرتها السفارة  الى وزارة الخارجية البريطانية  بتاريخ 8 آذار 1941 على الموقف الحقيقي للسفارة من حكومة المدفعي ، ورغبتها في إبداله ، والمجيء بنوري السعيد ، رجل بريطانيا المعتمد عليه كل الاعتماد ، فقد جاء في تلك 

البرقية ما يلي : {لقد تصرفت حكومة المدفعي الخامسة وكأن أحداث أيار شبيهة بأي انقلاب حكومي آخر ، حيث تذهب حكومة وتأتي حكومة أخرى، وهو أمر أصبح مألوفاً بعد وفاة الملك فيصل الأول ، وينظر المدفعي الى أحداث أيار 1941 وكأنها فصل آخر من مسرحية مؤسفة ، فيدعو الى إسدال الستار عليها بوحي من الشهامة والكرامة، حتى أصبح الموظفون يتقاعسون عن أداء واجباتهم ، حين يرون الوزراء يتوسطون لأشد المعادين لبريطانيا ، وعلاوة على ذلك فقد حدّ المدفعي من تدخل السفارة العلني في أمور العراق الداخلية ، واستمر في غض النظر عن توصياتها الملحة في ضرورة تشديد القبضة على جميع العناصر المناوئة للإنكليز ، وتطهير الجيش منهم ، مما حمل السفارة على العمل على إسقاط الحكومة من الداخل ، عن طريق إحداث خلاف بين أعضائها ، وإثارة المشاكل أمامها ، مما يودي الى إضعافها وبالتالي إسقاطها  } (35)

بهذا الأسلوب سعت السفارة البريطانية الى إسقاط حكومة المدفعي ، باختلاق الخلافات بين أعضائها ، وخاصة الوزير [ إبراهيم كمال ] الذي اتهم المدفعي بالتهاون إزاء الانقلابيين ، ودخل في مهاترات معه ، مما دفع المدفعي الى التوجه الى الوصي باستقالة حكومته في  21 أيلول 1941 ، وتم قبول الاستقالة ، وطلبت السفارة البريطانية من الوصي تكليف نوري السعيد بتأليف الوزارة ، فقد حان الوقت ليعود نوري السعيد الى المسرح السياسي من جديد ، ويؤدي الدور الموكول له في قمع الحركة الوطنية ، والتنكيل بكل خصوم الإنكليز الذين وقفوا الى جانب الكيلاني وساندوه ، وتصفية كل العناصر الوطنية المناهضة للاحتلال في صفوف الجيش .

******

التوثيق

 (1) ت ، و ، ع ـ الحسني ـ ج 5 ـ ص 115 .

 (2) نفس المصدر .السابق .

 (3)نفس المصدر ـ ص 143 .

 (4)ت ، و ، ع ـ الحسني ـ ج 5 ـ 110 .

 (5) نفس المصدر

(1)     المصدر السابق ـ ص 112

 (7) نفس المصدر السابق ـ ج 5 ـ ص 115.

 (8)  نفس المصدر .

 (9)المصدر السابق ـ  ج5 ـ ص 155، 157.

 (10) نفس المصدر .

 (10) ت ، و ، ع ـ الحسني ـ ج 5 ـص 159 .

 (11) مذكرات ناجي شوكت ـ ص 290 .

 (12) ت ن و ، ع ، الحسني ـ ج 5 ت ص 162

 (13) المصدر السابق ـ ح5 ـ ص 168 .

 (14)نفس المصدر ـ ص 169

 (15) المصدر السابق ـ ج 5 ـ ص 176 .

 (16) نفس المصدر .

 (17) نفس المصدر ـ ج5 ـ ص193.

 (18) نفس المصدر .ـ ص 195

 (19) نفس المصدر .

 (20) المصدر السابق ـ ج5 ـ ص 213 .

 (21)المصدر السابق ـ ج 5 ـ ص  260

 (22)نفس المصدر  ـ ص 252

 (23) المصدر السابق ـ ج5 ـ ص254

 (24)نفس المصدر ـ ج5 ـص 262

 (25)ت ، و ، ع ـ الحسني ـ ج 5 ص 266

(26)المصدر السابق ـ ص 263

(27)نفس المصدر ـ ص 265

(28)نفس المصدر 264

(29 )المصدر السابق ـ ص 265 .

(30) (نفس المصدر ـ ص268 .

 (31) نفس المصدر ـ ص270

(32) نفس المصدر ـ ص 279

(34) المصدر السابق ـ ج 6 ـ ص 11 .

(35)المصدر السابق ـ ج 6 ـ ص 46