![]() |
|
|
الفصل السابع
|
أولاً : تتويج الأمير غازي ، ملكاً على العراق .
ثانياً : استقالة وزارة الكيلاني ، وتكليفه من جديد .
ثالثاً : وزارة الكيلاني تطلب حل البرلمان والإنكليز يرفضون ،واستقالة الحكومة .
رابعاً : جميل المدفعي يشكل الوزارة الجديدة .
خامساً : استقالة المدفعي ، وعلي جودت الأيوبي يشكل الوزارة الجديدة
1 ـ الوزارة الأيوبية تحل البرلمان ، وتجري انتخابات جديدة .
2 ـ مجلس الأعيان يطعن بدستورية المجلس الجديد .
3 ـ الأيوبي يؤلف حزباً له باسم [ حزب الوحدة الوطنية ].
4 ـ عقد مؤتمر للمعارضة في النجف ، واستقالة الحكومة .
سادساً : الملك غازي يكلف جميل المدفعي بتشكيل الوزارة من جديد .
1 ـ ثورة العشائر ، في الفرات الأوسط .
2 ـ الحكومة تلجأ الى القوة لإخماد الثورة .
سابعاً : استقالة حكومة المدفعي ، والملك يكلف ياسين الهاشمي
1 ـ العشائر ، والشخصيات الوطنية ، توقع ميثاقاً تضمن المطالب الشعبية .
2ـ الحكومة الهاشمية تحل البرلمان ، وتجري انتخابات جديدة .
3ـ ثورة العشائر في الرميثة ، والحكومة تستخدم الجيش لقمعها .
4ـ الحكومة تصدر مرسوم الإدارة العرفية ـ نص المرسوم ـ.
5ـ نشوب الثورة في سوق الشيوخ ، والحكومة تستخدم القوة لقمعها .
6ـ الثورة الكردية ، بزعامة الملا مصطفى البارزاني .
7ـ ثورة اليزيدية في قضاء سنجار .
8ـ ثورة الرميثة الثانية .
9ـ الحكومة تعقد أول معاهدة تجارية مع ألمانيا .
أولاً : تتويج الأمير غازي ملكاً على العراق :
حالما وصلت برقية نوري السعيد ورستم حيدر التي تنبئ بوفاة الملك فيصل ، تقاطر على القصر الملكي كل من : رئيس الوزراء ، رشيد عالي الكيلاني ، وكل من الوزراء ياسين الهاشمي ، و جلال بابان ، وعبد المهدي ، ومحمد أمين زكي ، وكذلك رئيس مجلس النواب ،جميل المدفعي ، ورئيس أركان الجيش ، طه الهاشمي ، وعدد آخر من الشخصيات السياسية ، بالإضافة إلى رئيس الديوان الملكي ، حيث قدموا للأمير غازي التعازي بوفاة والده الملك فيصل ، وجرى في الوقت نفسه تحليف الأمير غازي اليمين القانونية ، ليصبح ملكاً على العراق ، خلفاً لوالده ، ثم أصدرت الحكومة البلاغ التالي :
{جرى تحليف سمو الأمير غازي ، ولي العهد ، في الساعة العاشرة من هذا اليوم ، وفقاً للمادة 21 من القانون الأساسي ، واصبح متوجاً ملكاً على العراق ، باسم الملك غازي الأول أبن الملك فيصل الأول ، في 8 أيلول 1933 } .
كما جرت حفلة التتويج ، في الساعة الواحدة ظهراً ، واقتصرت الحفلة على أعضاء الوزارة ، ورؤساء الوزارات السابقون ، ورئيسا مجلسي النواب والأعيان ، وكبار ضباط الجيش ، وعدد من العلماء ، وسفراء وقناصل الدول الأجنبية .
وفي 11 أيلول 1933 دعي مجلسي النواب والأعيان إلى عقد اجتماع مشترك ، حيث جرى أمامهما تحليف الملك غازي اليمين الدستورية ، وفقاً للمادة 21 من القانون الأساسي ، وبذلك أصبح الأمير غازي ملكاً دستورياً على العراق .
نبذة عن حياة الملك غازي :
ولد الأمير غازي في مدينة [ مكة ]المكرمة ، في 21 آذار سنة 1912، ونشأ في كنف جده الملك [حسين بن علي ] . تعلم الأمير غازي القرآن على يد الشيخ [ياسين البيسوني ]،ثم درس اللغة العربية على يد الأستاذ [ حسن العلوي ] .وفي عام 1923 ، غادر الأمير غازي مكة ، متوجهاً إلى عمان ، حيث عاش في كنف عمه ، الأمير عبد الله ، أمير شرق الأردن ، وبقي هناك حتى عام 1924 ، حيث أنتقل إلى العراق ، بعد أن حضر وفد رسمي عراقي كبير ، يمثل البلاط الملكي والحكومة ، في تشرين الأول 1924 ، لمرافقته إلى العراق .
وصل إلى بغداد يوم 5 تشرين الأول ، حيث جرى له استقبالاً رسمياً ، بوصفه ولي للعهد ، وتولت تربيته [المس فيلي ] البريطانية ، ودرس على يدها اللغة الإنكليزية .
وفي عام 1926 غادر الأمير غازي إلى لندن ، للدراسة في كلية[ هارو]،وأمضى في دراسته ثلاث سنوات ، عاد بعدها إلى العراق ، في تشرين الأول 1928 ، حيث دخل الكلية العسكرية ، وتخرج منها برتبة ملازم ثانٍ ، والتحق بهيئة المرافقين العسكريين ، في البلاط الملكي .
وفي 5 حزيران 1933 ، ناب الأمير غازي عن والده ، لأول مرة ، في إدارة شؤون البلاد ، ولعب دوراً كبيراً في القضاء على الحركة الآشورية ، مما أثار حنق الإنكليز وغضبهم من تصرفه إزاء التمرد.
حاول نوري السعيد جاهداً منع تولي الأمير غازي الملك ، خلفاً لوالده ، وأراد تنصيب عمه الأمير زيد مكانه، إلا انه فشل في مسعاه ، بسبب معارضة الحكومة ، وخاصة رئيسها السيد رشيد عالي الكيلاني . (1)
ثانياً : استقالة حكومة الكيلاني ،وتكليفه من جديد بتشكيل الوزارة :
بمناسبة تسلم الملك غازي سلطاته الدستورية ، وحسبما نص عليه الدستور ، قدم رشيد عالي الكيلاني استقالة حكومته إلى الملك غازي ، في 9 أيلول 1933 ، وتم قبولها ، وكلف الملك غازي السيد رشيد عالي الكيلاني من جديد بتأليف الوزارة ، في اليوم نفسه ، وجاءت الوزارة الجديدة على الوجه التالي :
1 ـ رشيد عالي الكيلاني ـ رئيساً للوزراء .
2 ـ حكمت سليمان ـ وزيراً للداخلية .
3 ـ ياسين الهاشمي ـ وزيراً للمالية .
4 ـ محمد زكي البصري ـ وزيراً للعدلية .
5 ـ نوري السعيد ـ وزيراً للخارجية .
6 ـ رستم حيدر ـ وزيراً للاقتصاد والمواصلات .
7 ـ جلال بابان ـ وزيراً للدفاع .
8 ـ السيد عبد المهدي ـ وزيراً للمعارف .
ويلاحظ أن الوزارة الجديدة جاءت من نفس التشكيلة السابقة ، في وقت كان الشعب العراقي ينتظر من الوزارة الجديدة ، في ظل الملك غازي ، مواقف جديدة ضد الهيمنة البريطانية ، والقيود التي فرضتها بريطانيا على العراق ، بموجب المعاهدة العراقية البريطانية ، الموقعة في 30 حزيران 1930 لكن الشعب العراقي أصيب بخيبة أمل كبيرة ، عندما تحدث الكيلاني ،لأول مرة ، بعد تشكيله الوزارة ، قائلاً :
{ إن السياسة التي سارت عليها البلاد ، تحت قيادة الملك فيصل ، والتي من أهم أركانها الاعتماد على الصداقة بين المملكتين الحليفتين ، العراق وبريطانيا العظمى ، والتي صادق عليها مجلس الأمة ، سوف لا يطرأ عليها أي تغيير ....الخ } .
كان الشعب العراقي يتوق إلى تعديل بنود معاهدة 1930 ، بما يعزز استقلال البلاد ، والتخلص من الهيمنة البريطانية ، ولذلك فقد تعرضت وزارة الكيلاني إلى انتقادات شديدة من جانب الصحافة ومن جانب الحزب الوطني بزعامة [جعفر أبو التمن] الذي كان قد تحالف مع الإخائيين ،في معارضة بنود المعاهدة ، فقد أصيب أبو التمن بخيبة أمل مريرة ، دفعته إلى اعتزال السياسة ، وأصدر بياناً بذلك في 1 تشرين الثاني 1933 ، وعلى أثر ذلك أتخذ الحزب قراراً بإيقاف نشاطه ، في مؤتمره الذي انعقد في 5 تشرين الثاني من نفس العام .(2)
وفي الوقت الذي أحزنت سياسة الحكومة ، أبناء الشعب ، وقواه الوطنية ، فإن الإنكليز استقبلوا بيان رئيس الحكومة بسرور بالغ ، ولاسيما وأنهم كانوا قلقين من تشكيل الوزارة ، وتوقعوا أن تحدث مفاجئات غير سارة على عهد الملك غازي .
أما رئيس الوزراء ، الكيلاني ،فقد ردَّ على منتقديه بأن ما جاء في بيانه لا يعني أبداً عدم العمل على تعديل بنود معاهدة 1930 ، وأدعى أنه قصد من بيانه تطمين بريطانيا التي كانت تشعر بالقلق ، عند تشكيل أول وزارة على عهد الملك غازي .
وفي 1 تشرين الثاني 1933 افتتح المجلس النيابي دورته ، وألقى الملك غازي ،لأول مرة ، خطاب العرش ، الذي تضمن استعراضاً لجهود الملك فيصل ، في إقامة الكيان العراقي ، وما قدمه من أجل حرية العراق واستقلاله !! ، ثم تناول بعد ذلك العلاقات العراقية البريطانية ، مبدياً حرصه على توثيق تلك العلاقة ، والسير على خطى والده الملك فيصل ، ثم عرج بعد ذلك على الحركة الآشورية ، وأثنى على جهود الحكومة في قمعها .
ثالثاُ :الكيلاني يطلب حل البرلمان والإنكليز يرفضون،واستقالة الحكومة :
حاول رشيد عالي الكيلاني حل البرلمان ، وإجراء انتخابات جديدة ، تضمن له الأكثرية في المجلس ، وتقدم بطلب إلى الملك غازي بهذه الرغبة . فلما بلغ الخبر السفير البريطاني ، سارع إلى توجيه تحذير إلى الملك غازي من مغبة الأقدام على حل البرلمان ، خوفاً من أن يأتي الكيلاني ببرلمان يضم أكثرية من الإخائيين . (3)
كما حذر الملك[ عبد الله] غبن أخيه الملك غازي من الأقدام على هذه الخطوة ، جاء ذلك في رسالة بعث بها إليه ، وجاء فيها :
{ إن عليك أن لا تحل المجلس تحت أي ظرف كان ، وإلا ستظهر الحاجة إلى إعادة الانتخاب من جديد ، وعندها ستواجه الصراعات الحزبية } . (4)
كما وقف رئيس الديوان الملكي [علي جودت الأيوبي ] إلى جانب رفض الحل ، واستطاع إقناع الملك بذلك . وعليه فقد رفض الملك غازي طلب الكيلاني بحل المجلس ، وأبلغه أن المجلس لم يبدِ أي موقف معارض للحكومة لكي تطلب حله . وهكذا لم يكن أمام حكومة الكيلاني سوى تقديم استقالتها في 28 تشرين الأول 1933 ، وتم قبول الاستقالة في نفس اليوم ، لكن الملك آثر أن يبقي العلاقة مع الإخائيين ، الذين عملوا معه جنباً إلى جنب ، في قمع الحركة الآشورية ، وعليه فقد كلف زعيم الإخائيين [ ياسين الهاشمي ] بتشكيل الوزارة الجديدة ، لكنه اشترط عليه الإبقاء على المجلس النيابي الحالي . لكن ياسين الهاشمي رفض هذا الشرط ، وبالتالي رفض قبول المنصب .
رابعاً : الملك غازي يكلف جميل المدفعي بتشكيل الوزارة :
على أثر اعتذار ياسين الهاشمي عن تشكيل الوزارة الجديدة ، كلف الملك غازي السيد جميل المدفعي بتشكيلها ، في 9 تشرين الثاني 1933 ، وتم تشكيل الوزارة على الوجه التالي :
1 ـ جميل المدفعي ـ رئيساً للوزراء .
2 ـ ناجي شوكت ـ وزيراً للداخلية .
3 ـ نصرت الفارسي ـ وزيراً للمالية .
4 ـ جمال بابان ـ وزيراً للعدلية .
5 ـ رستم حيدر ـ وزيراً للاقتصاد والمواصلات .
6 ـ صالح جبر ـ وزيراً للمعارف .
7ـ نوري السعيد ـ وزيراً للخارجية ، ووكيلاً لوزير الدفاع .
وعلى اثر تشكيل الوزارة الجديدة ، تقدم جميل المدفعي إلى مجلس النواب بمنهاج حكومته الذي جاء خالياً من أي إشارة إلى تعديل معاهدة 1930 العراقية البريطانية ، وكل ما تضمنه المنهاج لا يعدو عن كونه قضايا عامة وثانوية لا تمس قضايا الشعب الرئيسية ، وبعد انتهاء الجلسة ، صدرت الإرادة الملكية بتعطيل المجلس لمدة 30 يوماً ، بحجة إتاحة الفرصة للحكومة لتهيئة أعمالها .
إضراب عام ضد شركة الكهرباء البريطانية :
لم يكد جميل المدفعي يشكل وزارته ، حتى جابهت حكومته أخطر الأزمات ، عندما أعلنت الطبقة العاملة الإضراب العام ضد شركة الكهرباء البريطانية ، بسبب استغلالها الجشع لأبناء الشعب .
كانت شركة الكهرباء ، التي يمتلكها البريطانيون ، قد فرضت على المواطنين دفع 28 فلساً عن كل كيلوواط ، مما اثقل كاهل الطبقات الفقيرة ، التي كانت بالأساس تعاني من الظروف الاقتصادية الصعبة ، في ظل الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلدان الرأسمالية ، وانعكست أثار تلك الأزمة على حياة الشعب المعيشية .
حاولت نقابات العمال حث شركة الكهرباء على تخفيض أسعار الوحدات الكهربائية ، وبذلت جهوداً كبيرة لحمل الشركة على تنفيذ مطالبها . غير أن الشركة رفضت الاستجابة لتلك الطلبات المتكررة ، متذرعة بالتكاليف العالية لتوليد الكهرباء .فلما وجدت نقابات العمال أن الشركة مصرة على موقفها ، دعت إلى الإضراب عن استخدام الكهرباء ، والاستعاضة عنه بالفوانيس الزيتية ، واللوكسات ،لحين استجابة الشركة لمطالبهم .
لقيت دعوة نقابات العمال الاستجابة الواسعة من الطبقة العاملة ، وتوقف العمال عن استخدام الكهرباء ، وتوسع الإضراب ليشمل قطاعات واسعة من الشعب ، مما أقلق الحكومة ، وجعلها تخشى من تطور الإضراب ، ودفعها ذلك الموقف إلى إجراء مفاوضات مع شركة الكهرباء ، في محاولة منها للضغط على الشركة ، لتخفيض أجور الكهرباء ، لكنها لم تتوصل إلى نتائج إيجابية حاسمة في مسعاها مع الشركة ، حيث وافقت الشركة على تخفيض فلسين فقط من سعر الكيلوواط الواحد ، وهذا ما لم يرضِ نقابات العمال ، وجعلها تقرر الاستمرار في الإضراب .
غير أن الحكومة ، بدلاً من أن تقف إلى جانب الشعب ، أقدمت على اعتقال العديد من القادة النقابيين النشطين ، وإحالتهم إلى المحاكم ، التي أصدرت بدورها الأحكام ضدهم بالسجن ، لمدد مختلفة ، كما وجهت إنذاراً إلى الصحف التي وقفت إلى جانب الإضراب ، وهددت بغلقها ، ولما لم تلتزم تلك الصحف بإنذار الحكومة ، سارت الحكومة إلى تعطيلها عن الصدور ، كما قامت بإبعاد العديد من العمال النشطين الى مدينة السليمانية .
أما الإنكليز فقد سارعوا إلى جلب قوات عسكرية لحماية الشركة ، وحماية رعاياهم في بغداد ، وكركوك ، والموصل ، والبصرة .
لم تعمر حكومة المدفعي طويلاً ، فقد دبت الخلافات بين أعضائها حول مشروع [نهر الغراف] وضرورة بناء سد عليه ، فيما ادعى وزير المالية أن المشروع ليس أهم من تسليح الجيش ، وقد أدى اختلاف مواقف الوزراء إلى وقوع انقسام في مجلس الوزراء ، وهدد بعض الوزراء بالاستقالة ، فما كان من المدفعي إلا أن يقدم استقالته إلى الملك ، في 13 شباط 1934 ، وقد تم قبول الاستقالة ، في 19 شباط ، وكلف الملك جميل المدفعي من جديد بتشكيل الوزارة في نفس اليوم وجاءت الوزارة على الوجه التالي:
1 ـ جميل المدفعي ـ رئيساً للوزراء ، ووزيراً للداخلية .
2 ـ ناجي السويدي ـ وزيراً للمالية .
3 ـ جمال بابان ـ وزيراً للعدلية .
4 ـ رشيد الخوجه ـ وزيراً للدفاع .
5 ـ جلال بابان ـ وزيراً للمعارف .
6 ـ عباس مهدي ـ وزيراً للاقتصاد والمواصلات .
7 ـ عبد الله الدملوجي ـ وزيراً للخارجية .
لم تقدم هذه الوزارة أي شيء للشعب ، بل على العكس من ذلك ، عمدت إلى إلغاء قانون المطبوعات الذي أصدرته حكومة الكيلاني ،عام 1933 ، وأعادت القانون الذي شرعه نوري السعيد ، عام 1930 ، والذي اعتبرته المعارضة أشد وطأة من قانون المطبوعات العثماني ، لما احتوته مواده من اضطهاد لحرية الصحافة ، وقد أثار عمل الحكومة هذا غضباً واستنكاراً شديدين ، من قبل الصحافة ، والأحزاب الوطنية ، وأبناء الشعب .
كما أقدمت هذه الحكومة على منع لفيف من المحامين ، والمثقفين الوطنيين من إحياء ذكرى ثورة العشرين ، التي كان من المقرر إقامتها يوم 30 حزيران 1934 ، ولجأت الحكومة إلى اعتقال العديد منهم ، يوم 28 حزيران ، في بغداد والحلة والنجف وكربلاء والديوانية ،بغية منع الاحتفال . إلا أن الشعب تحدى السلطة ، وأقام الاحتفالات في بغداد ،و كربلاء ، والنجف ، وألقيت خلال الاحتفالات الخطب الحماسية عن ثورة العشرين ، ودعا الخطباء إلى تعديل معاهدة 1930 الجائرة ، وتحقيق الاستقلال الناجز للعراق .
خامساً:استقالة المدفعي وتكليف علي جودت الأيوبي بتشكيل الوزارة:
ضج الشعب العراقي بالشكوى من سياسة الحكومة المدفعية ، وشيوع ظاهرة المحسوبية والفساد ، مما دفع الملك غازي إلى أن يلمح للمدفعي عن تلك الشكاوى ، وفهم المدفعي قصد الملك غازي ، وسارع إلى تقديم استقالة حكومته ، في 25 آب 1934 ، وتم قبول الاستقالة في اليوم التالي ، وعهد الملك على الفور إلى السيد علي جودت الأيوبي بتشكيل الوزارة الجديدة ،وتم تشكيلها في 27 آب 1934 على الوجه التالي :
1 ـ علي جودت الأيوبي ـ رئيساً للوزراء ، ووزيراً للداخلية .
2 ـ جميل المدفعي ـ وزيراً للدفاع .
3 ـ يوسف غنيمة ـ وزيراً للمالية .
4 ـ جمال بابان ـ وزيراً للإقتصاد .
5 ـ نوري السعيد ـ وزيراً للخارجية .
6ـ ارشد العمري ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .
7 ـ عبد الحسين الجلبي ـ وزيراً للمعارف .
وبتولي الأيوبي منصب رئاسة الوزارة ، أصبح منصب رئيس الديوان الملكي شاغراً ، وقد حاول نوري السعيد ترشيح نسيبه [ جعفر العسكري ] لهذا المنصب ، إلا أن الملك غازي رفض هذا الترشيح ، وعيّن رستم حيدر رئيساً للديوان .
أعتبر الشعب العراقي هذه الوزارة امتداداً للوزارة السابقة ، وهاجمتها المعارضة بشدة ، وقد وزعت في ذكرى تتويج الملك غازي ، في 8 أيلول 1934 ، منشورات تندد بالحكومة ، وبالملك ،الذي حملته مسؤولية سوء الأوضاع الاقتصادية ، مما أثار جزع الحكومة ، التي حاولت من دون جدوى معرفة مصدر تلك المنشورات ، وقد لجأت الى إغلاق صحيفة الأهالي لمدة سنة ، والمعتقد أن الحزب الشيوعي ، الذي كان قد جرى تأسيسه في ذلك العام ، كان وراء تلك المنشورات ، فقد شهدت البلاد نشاطاً واسعاً للشيوعيين في تلك الأيام ، مما جعل الحكومة تشن حملة شعواء ضد العناصر المشتبه بهم ، وإحالتهم إلى المحاكم ، بتهمة الانتماء لحزب غير مجاز .
أما أهم الأحداث التي جرت على عهد هذه الوزارة ، فكانت التالي :
حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة :
وضعت الحكومة في مقدمة مهامها حل البرلمان ، وإجراء انتخابات جديدة ، وقد استحصل الأيوبي الإرادة الملكية القاضية بحل المجلس ، ومعلوم أن الأيوبي ، الذي كان يشغل منصب رئيس الديوان الملكي في عهد وزارة الكيلاني السابقة ، كان قد عارض حل المجلس ، ونصح الملك بعدم الاستجابة لطلب الكيلاني ، مما دفعه إلى تقديم استقالة حكومته .
قامت الحكومة الأيوبية بأجراء الانتخابات على مقاسها ، مستخدمة كل أساليب التزوير والترهيب ، والرشوة ، بشكل علني ،وبلغ الأمر بالحكومة أنها لم تسمح للمنتخبين الثانويين بوضع أوراق الانتخاب في الصناديق إلا بعد إطلاع ممثلي الحكومة عليها ، لكي تتأكد من مطابقة الأسماء مع القوائم التي أعدتها الحكومة سلفاً . وهكذا جاء البرلمان الجديد، في واقع الأمر بالتعيين ، وليس بالانتخاب ، مما أثار غضب واستياء أبناء الشعب ، والقوى السياسية الوطنية المعارضة .
لقد كان إصدار قانون الانتخاب على درجتين ـ كما أراد المحتلون البريطانيون ـ لكي يضمنوا دائماً وصول مناصريهم إلى عضوية مجلس النواب ، دون الالتفات إلى إرادة الشعب ، فقد كان الشعب في وادٍ ، والحكومات المتوالية على سدة الحكم ، في وادٍ آخر .
وتعرضت الحكومة ، عند افتتاح المجلس الجديد ، في 29 كانون الأول 1934 ،إلى انتقادات شديدة انهالت عليها من كل جانب ، وشدد عدد من النواب على مهزلة حل المجالس النيابية باستمرار ، ومن دون أن تنهي تلك المجالس دورتها المقررة بأربع سنوات ، مما جعل دور تلك المجالس ضعيفاً جداً ، وجعل معظم النواب منقادون للحكومات المتوالية على سدة الحكم ، لكي يضمنوا فوزهم بالانتخابات الجديدة ، على قائمة الحكومة التي تجري الانتخابات ، مما سبب في إفساد الحياة السياسية للبلاد ، وإفراغ السلطة التشريعية من جوهر واجباتها .
2 ـ مجلس الأعيان يطعن في دستورية المجلس الجديد للنواب :
جوبه إجراء الحكومة بحل البرلمان ، وإجراء انتخابات جديدة ، بنقد شديد وجهه مجلس الأعيان ، في رده على خطاب العرش ، واعتبر الحل مخالفاً للدستور ، وفند ادعاء الحكومة بأنها إنما أرادت من حل المجلس ، وإجراء انتخابات جديدة ، أن يكون استفتاءً للشعب ، وقالت إن هذا الادعاء عارٍ عن الصحة ، إذ ليس في برنامج الحكومة من جديد يستوجب الاستفتاء ،ولكن الحكومة أرادت المجيء بمجلس يضمن لها الأكثرية فيه .
وعندما بلغ أسماع الشعب ما جاء في رد مجلس الأعيان على خطاب العرش ، انهالت برقيات التأييد لهذا الرد ، ومستنكرة إجراءات الحكومة غير القانونية . كما دعا عدد من الشخصيات السياسية المعارضة إلى إقامة حفل تكريمي للأعيان الذين وقفوا ضد إجراء الحكومة . ورغم محاولات الأجهزة القمعية للحكومة منع إقامة الحفل ، إلا أن القائمين به تحدوا الحكومة ، وأقاموه ، وقامت الحكومة على أثر ذلك باعتقال عدد من المحامين ، والشخصيات السياسية المشاركة في إقامة الحفل ، وقد دفع إجراء الحكومة هذا ، إلى إرسال برقيات الاحتجاج على تصرفات الحكومة، إلى الملك غازي . كما أحتج عدد من الوزراء السابقون ، الذين منعتهم الشرطة من دخول قاعة الحفل ، لدى الملك ، على تصرفات الحكومة .
3 ـ الحكومة الأيوبية تؤلف لها حزباً سياسياً :
جرياً على عادة كل الحكومات السابقة في تأليف أحزاب موسمية لها عند استيزارها ،لجأت حكومة الأيوبي إلى تأليف حزب لها دعته [ حزب الوحدة الوطنية ] بدعوى توحيد الأمة !! ووحدة الصفوف !! ، وما إلى ذلك من المبررات البعيدة عن الحقيقة والواقع .
لم يلقَ ذلك الحزب أي تجاوب شعبي ، بل أقتصر على عدد من النواب الحكوميين والوزراء ، دون الاستناد إلى أي قاعدة شعبية ، ولذلك فقد جرى تسميته بالحزب الموسمي ، الذي لا يلبث أن يضمحل ويزول حال مغادرة الوزارة الحكم .
اشتدت المعارضة ضد الحكومة ، من قبل عدد من الشخصيات السياسية ، وبعض رؤساء العشائر الذين استبعدتهم الحكومة من مجلس النواب ، وتداعوا إلى عقد اجتماع لقادة المعارضة ، في دار السيد حكمت سليمان ، وقد حضر الاجتماع كل من [رشيد عالي الكيلاني ]، و[ياسين الهاشمي ]، والعديد من رؤساء العشائر ، الذين كونوا حلفاً معارضاً للحكومة ، وقد جرى انتخاب ياسين الهاشمي زعيماً لهم ، ووضعوا لهم ميثاقاً تضمن الإخلاص للملك ، والمحافظة على الدستور ، وحل المنازعات بين العشائر دون الرجوع إلى الحكومة ، وعدم جواز الاشتراك في الحكم دون موافقة القائمين بهذا الحلف .
******
مؤتمر للمعارضة في النجف :
أرادت المعارضة التي شكلت لها حلفاً في اجتماع الصليخ ، الحصول على دعم رجال الدين ، فدعت إلى عقد مؤتمر لها في النجف ، في 22 آذار 1935 ، بدار الشيخ [محمد حسين آل كاشف الغطاء ] وقد حضر المؤتمر عدد كبير من الشخصيات السياسية الوطنية ، ورؤساء العشائر والعديد من رجال الدين ، كان أبرزهم بالإضافة الى السيد كاشف الغطاء ، كل من[ عبد الواحد سكر ] و [جعفر أبو التمن ] و [محسن أبو طبيخ ] وكل من المحامين [ محمد أمين الجرجفجي ]و[ذيبان الغبان ] و[محمد عبد الحسين ] وعشرات غيرهم ، وقد بلغ عدد الحاضرين أكثر من 200 شخصية سياسية ودينية ، ورئيس عشيرة .
جرى في المؤتمر بحث السبل الممكنة لإجراء الإصلاحات في البلاد ، وصيانة الدستور من تلاعب الوزارات المتعاقبة على سدة الحكم ، ومعالجة مشاكل الشعب الاقتصادية ،وكُلف المحامون [أمين الجرجفجي ]،و[محمد عبد الحسين] ،و[ذيبان الغبان] بوضع ميثاق لتجمع قوى المعارضة المجتمعين في هذا المؤتمر .كما تم الاتفاق على رفع مذكرة إلى الملك غازي تتضمن مطالب المعارضة ، والتي ورد فيها المطالب التالية :
1ـ إلغاء التمييز الطائفي ، وتمثيل جميع الطوائف في الإدارة والبرلمان .
2ـ تعديل قانون الانتخاب المعمول به على درجتين ، وجعله على درجة واحدة ، منعاً للتأثيرات الحكومية على المنتخبين الثانويين ، وضماناً لصدقية الانتخابات ، ومنع التلاعب فيها .
3 ـ إدخال عضو من الطائفة الشيعية في محكمة تمييز العراق ،أسوة ببقية الطوائف الأخرى .
4 ـ إطلاق حرية الصحافة ، ورفع كافة القيود المفروضة عليها ،وحصر الأشراف عليها بالقضاء .
5 ـ تطهير جهاز الدولة من العناصر الفاسدة والمرتشية ، والمعروفة بسوء السلوك والسمعة .
6 ـ مراعاة التوزيع العادل للخدمات الصحية والثقافية وغيرها ، على كافة مناطق العراق .
7 ـ عدم التعرض لمن اشترك في الحركات الوطنية الحاضرة ، من أبناء الشعب ، والموظفين ، وأفراد الجيش والشرطة .
8 ـ إصلاح نظام إدارة الأوقاف .
9 ـ تعديل ، وتعميم لجان تسوية حقوق الأراضي والإسراع في تنفيذ قانون البنك الزراعي والصناعي .
10 ـ إلغاء ضريبة الأرض ، والماء ، واستبدال ضريبة [ الكودة ] على المواشي ، بضريبة استهلاك .
11 ـ إلغاء القوانين التي تتعارض مع هذه المطالب .
لكنّ عدداً من رؤساء العشائر إنشق عن إجماع المؤتمرين ، ورفضوا التوقيع على المذكرة ، بدعوى أن المذكرة شديدة اللهجة ، وتتضمن مطالب تعجيزية من الحكومة ،وغادروا الاجتماع ،وبعثوا بمذكرة إلى الملك ،والى الوزارة ، أعربوا فيها عن تأييدهم للسلطة .(5)
أدى ذلك المؤتمر، والمذكرة المرفوعة للملك ، إلى تصاعد الصراع بين الحكومة والمعارضة ، وحاولت الحكومة توجيه ضربة للمعارضة ، لكنها خافت من تمرد العشائر ، فقد كادت الأمور تفلت من يد الحكومة ، وتقع حرب بين العشائر والحكومة ، وفي نهاية المطاف قدمت الحكومة الأيوبية استقالتها إلى الملك في 23 شباط 1935 ، وقد قبل الملك الاستقالة بعد يومين ، وكلف الملك غازي السيد ياسين الهاشمي بتأليف الوزارة الجديدة ، إلا أن الهاشمي اعتذر عن قبول التكليف ، بعد أن فرض الملك إشراك جميل المدفعي ، وعلي جودت الأيوبي في الحكومة ، واستبعاد رشيد عالي الكيلاني ،ورفض الهاشمي شروط الملك والتي يعتقد أنها شروط السفير البريطاني .(6)
سادساً :اندلاع ثورة العشائر تكليف المدفعي بتأليف الوزارة الجديدة :
بعد أن تخلى ياسين الهاشمي عن تأليف الوزارة ، عهد الملك غازي إلى جميل المدفعي بتأليفها،في4 آذار 1935 ، وتم تأليفها في نفس اليوم ، وجاءت على النحو التالي :
1 ـ جميل المدفعي ـ رئيساً للوزراء
2ـ عبد العزيز القصاب ـ وزيراً للداخلية .
3 ـ يوسف غنيمة ـ وزيراً للمالية .
4ـ توفيق السويدي ـ وزيراً للعدلية .
5ـ نوري السعيد ـ وزيراً للخارجية .
6 ـ رشيد الخوجه ـ وزيراً للدفاع .
7 ـ محمد أمين زكي ـ وزيراً للاقتصاد .
8 ـ عبد الحسين الجلبي ـ وزيراً للمعارف .
ثورة العشائر في الفرات الأوسط :
جاءت وزارة المدفعي ، وفي جوهر منهاجها اتخاذ الإجراءات لقمع المعارضة الشعبية والحزبية والعشائرية ، وعلى ضوء ذلك قررت الحكومة تجريد حملة ضد العشائر التي وقفت ضد الحكومة السابقة ، ونسقت جهودها مع المعارضة السياسية .
كانت البلاد في حالة من الفوضى ، فقد هاجت القبائل وتسلحت ، واستعدت لمجابهة حملة الحكومة ، وقد تعطلت الزراعة ، وتوقفت التجارة ، وانتشرت روح التمرد لدى العشائر ، حيث وصل الأمر بهم إلى المطالبة بسقوط الوزارة الجديدة ، وقامت قبائل [الاكرع ] باحتلال قلعة [الدغارة] الواقعة جنوب الحلة ، على بعد 60 كم. كما قامت مجموعات من قبائل[ الفتلة ] بزعامة عبد الواحد سكر ، بتخريب القناطر والجسور المقامة على الأنهر ، الفصلية ، وأبو صخير والشامية بغية قطع الطريق على قوات الحكومة .
وفي لواء ديالى ، قامت قبائل [ العزة ] التي يرأسها الشيخ حبيب الخيزران ، باحتلال [ منصورية الجبل ] في نفس اليوم ،وبذلك اشتعلت ثورة العشائر في الديوانية وديالى.
وبالنظر لتطور الأوضاع بهذا الشكل الخطير ، دعا رئيس الوزراء أعضاء حكومته إلى اجتماع عاجل حضره مستشار وزارة الداخلية ، المستر [ كرونواليس ] ،ورئيس الديوان الملكي ، حيث بحثوا التطورات الحاصلة ، واتخذوا قراراً بتجريد حملة عسكرية كبيرة لقمع تمرد العشائر ، وصدرت الأوامر لقوات الجيش ، في 13 آذار 1935 ، بالتحرك فوراً ، كما طلب رئيس الوزراء من السفير البريطاني دعم قوات الجيش بالطائرات الحربية البريطانية .(7)
لم تكدْ تتحرك قوات الجيش ، وتظهر الطائرات البريطانية في سماء المنطقة ، حتى هبت قبائل المشخاب ، والشامية ، والرميثة ، وعفك ، والفتلة ، وغيرها من العشائر ، لدعم القبائل الثائرة ،مما أربك الحكومة و أقلقها كثيراً ، بسبب خطورة الموقف ، واحتمال تطوره .
لم يكن الجيش العراقي ذلك اليوم ، من القوة والتسلح لكي يتمكن من أداء المهام المناطة به ، فقد كان يتألف من 15 فوجاً ، ولم يكن يملك سوى أسلحة بسيطة غير متطورة ، ولم يكن بمستطاع القوة التي دفعت بها الحكومة لقمع ثورة العشائر ، ولذلك اضطرت إلى سحب العديد من الأفواج من الألوية الأخرى ، وزجتها في المعركة .
كانت الحكومة متخوفة جداً من ثورة العشائر هذه ، فقد كانت تختلف كل الاختلاف عن سابقاتها من الثورات ، كثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية وثورة الآشوريين ، ذلك لأن معظم جنود الجيش هم من العشائر ، وكان خوف الحكومة من حدوث تمرد في صفوف الجيش ، وانضمام المتمردون إلى ثورة العشائر .
لجأت الحكومة ، بناء على نصيحة السفارة البريطانية ، إلى استمالة عدد من رؤساء العشائر ، من غير المنضمين إلى الثورة ، ودفعهم للوقوف ضد العشائر الثائرة ، لكي تجعل الحكومة تلك الثورة وكأنها حرب أهلية بين العشائر، لكنهم فشلوا في الوقوف بوجه الثورة ، واضطرت الحكومة إلى تعطيل مجلس النواب ، في 12 آذار ، وذلك بغية منعه من مناقشة الأوضاع . هذا وقد وقف مجلس الأعيان ضد إجراءات الحكومة التي وصفها بالتهور ، وعدم الحكمة .
أما السيد جعفر أبو التمن ،فقد كتب مقالة في صحيفة [ المبدأ ] حلل فيه تطور الأحداث ، ودعا الحكومة إلى التزام جانب الحكمة ، وعدم التهور ، وإنقاذ البلاد من المخاطر الجسيمة التي يمكن أن تتعرض لها إذا ما استمرت المجابهة ، كما دعا إلى إجراء إصلاحات جذرية في البلاد ، ومعالجة الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية .
كما استنكر المحامون لجوء الحكومة إلى القوة ، ودعوا إلى حقن الدماء ، وحل المشكلة بالطرق السلمية ، ودعوا إلى تأليف حكومة وحدة وطنية .كما دعا الشيخ كاشف الغطاء إلى توقف حركات الجيش ، وإجراء إصلاحات في البلاد ، فيما دعا عبد الواحد سكر إلى استقالة الحكومة ، وتأليف حكومة جديدة تأخذ على عاتقها تهدئة الأوضاع ، وتجري الإصلاحات اللازمة لمعالجة مشاكل الشعب .
انهالت البرقيات على الملك غازي ، تستنكر لجوء الحكومة إلى القوة ، وتطلب من الملك إقالة الوزارة ومعالجة الأمور بحكمة وتروي ، ووجد الملك أن سياسة الحكومة يمكن أن تؤدي إلى كارثة ،ولذلك فقد طلب من رئيس الديوان الملكي أن يبلغ رئيس الوزراء رغبته في أن تقوم الحكومة بإعادة النظر في سياستها نحو العشائر الثائرة ، والعمل على معالجة الأمر بحكمة وتروي ، فلما بُلغ الأمر الى رئيس الوزراء ، أدرك انه لا يمكنه الاستمرار في الحكم وسارع إلى تقديم استقالة حكومته في 15 آذار 1935 ، وتم قبول الاستقالة بعد يومين من تقديمها .(8)
سابعاً : تصاعد الثورة تكليف ياسين الهاشمي بتأليف الوزارة الجديدة :
كلف الملك غازي السيد ياسين الهاشمي بتأليف الوزارة الجديدة ، لكي تأخذ على عاتقها تهدئة الأوضاع بصورة سلمية،وبدأ الهاشمي مشاوراته لتأليف الوزارة الجديدة .
حاول الهاشمي إدخال حكمت سليمان في الوزارة ، إلا أن حكمت أعتذر عن قبول المنصب ، استناداً لمقررات [مؤتمر الصليخ ]،مشترطاً موافقة رفاقه جعفر أبو التمن ، وكامل الجادرجي ، وعبد القادر إسماعيل ، وبالفعل جرى الاتصال بهم ، وتم الاتفاق على دخوله الوزارة ، لكنه اشترط على الهاشمي إسناد وزارة الداخلية إليه ، مما سبب إحراجاً للهاشمي .(9)
وحاول الهاشمي إدخال رشيد عالي الكيلاني في الحكومة ، إلا أن الكيلاني اشترط إسناد وزارة الداخلية إليه أيضاً ، مما دفع السيد الهاشمي إلى الاعتذار عن تشكيل الوزارة .ولما كانت الأوضاع خطيرة جداً ،وتتطلب سرعة تشكيل الوزارة ، اضطر الملك غازي إلى الطلب من الهاشمي أن يشكل الوزارة كما يرتئ ، وهكذا تشكلت الوزارة التي دخلها رشيد عالي الكيلاني وزيراً للداخلية ، أما الوزارة فقد جاءت على الوجه التالي :
1 ـ ياسين الهاشمي ـ رئيساً للوزراء .
2 ـ رشيد عالي الكيلاني ـ وزيراً للداخلية .
3 ـ رؤوف البحراني ـ وزيراً للمالية .
4 ـ محمد زكي البصري ـ وزيراً للعدلية
5 ـ نوري السعيد ـ وزيراً للخارجية .
6 ـ جعفر العسكري ـ وزيراً للدفاع .
7 ـ محمد رضا الشبيبي ـ وزيراً للمعارف
8 ـ محمد أمين زكي ـ وزيراً للأشغال والمواصلات
لم تكن السفارة البريطانية مرتاحة لمجيء وزارة ياسين الهاشمي إلى الحكم ،بالنظر لمواقفه السابقة من معاهدة 1930 العراقية البريطانية ، لكن ياسين الهاشمي طمأن السفير البريطاني قائلاً له :{إن لدينا الآن صديق جديد ، كان عدواً لنا من قبل }!!. (10)
كان من أولى المهام الملقاة على عاتق الحكومة معالجة مسألة ثورة العشائر ، ولذلك فقد أصدرت بلاغاً وزعته على العشائر الثائرة ، بواسطة الطائرات ، تدعوها إلى الهدوء والسكينة ، والعودة إلى مزاولة أعمالها ، واعدة إياها بإجراء الإصلاحات ، وسحب القوات العسكرية إلى ثكناتها ، كما أرسلت الحكومة وفداً إلى رؤساء العشائر ، ضم رشيد عالي الكيلاني ،وزير الداخلية ، ونوري السعيد ، وزير الخارجية ، بغية إقناعهم بإلقاء السلاح . لكن العشائر لم تقتنع بوعود الحكومة ،وطالبوا باستقالة الوزارة ، وعاد الوفد الوزاري إلى بغداد ، دون أن يحقق شيئاً .
سارعت الحكومة إلى توجيه إنذار للعشائر الثائرة بإلقاء السلاح خلال 3 أيام ، وإلا لجأت إلى استخدام القوة العسكرية ضدهم . وهكذا تراجع رؤساء العشائر عن مواقفهم ، وطلبوا إلى العشائر الثائرة إلقاء السلاح ، لكن ذلك الحال لم يستمر طويلاً ، بل إلى حين ، فقد كانت عوامل الثورة تفعل فعلها ، وكانت أبسط أزمة يمكن أن تشعل نار الثورة من جديد ، كما سنرى فيما بعد .
الحكومة الهاشمية تحل البرلمان ، وتجري انتخابات جديدة :
كثرت الطعون بالمجلس الذي جرى انتخابه على عهد وزارة علي جودت الأيوبي ، من قبل الشعب، من قبل مجلس الأعيان ، الذي أعتبره مجلس غير دستوري ، ولذلك وجدت الحكومة الهاشمية أن الفرصة سانحة لها لطلب حل المجلس ، وإجراء انتخابات جديدة . ولما بلغ إلى مجلس النواب نية الحكومة بحله ، اتخذت الأكثرية النيابية الموالية للوزارة السابقة قراراً بعدم تأييد الوزارة ، إسقاطها .
لكن الوزارة مضت قدماً في تنفيذ خططها ، وتقدمت بطلب إلى الملك غازي بإصدار إرادة ملكية بحل المجلس ، وتم لها ما أرادت ، وصدرت الإرادة الملكية بحله ، في 9 نيسان 1935 ،رغم احتجاج حزب الأيوبي [ حزب الوحدة الوطنية ] على قرار الحل.
وفي خطوة من الحكومة لمحاربة الأحزاب السياسية ،قررت حلّ حزبها [ حزب الإخاء] بذريعة تخليص البلاد من التنافر ، والتطاحن الحزبي !! ،كي يخلوا الجو لها لحكم البلاد بحرية ، والتخلص من المعارضة الحزبية .
ثورة العشائر في الرميثة ،والحكومة تستخدم الجيش لقمعها :
بسبب تلكؤ الحكومة في تنفيذ وعودها ، ومماطلاتها في إجراء الإصلاحات التي التزمت بها ، عاد التوتر يخيم من جديد على أجواء الوضع السياسي في البلاد . وجاء إقدام الحكومة على حل حزبها ، تمهيداً لإنهاء الحياة الحزبية في البلاد ، ليصاعد من حدة الأزمة ، وتصاعدت الدعوات بين صفوف العشائر للثورة على الحكومة ،وإسقاطها .
فلما شعرت الحكومة بهذه التحركات ، لجأت إلى اعتقال أحد رموز المعارضة الدينية في النجف ، الشيخ [أحمد أسد الله]، وأصدرت قراراً بإسقاط الجنسية العراقية عنه ، ونفيه خارج العراق .
شاع خبر اعتقال الشيخ احمد وإسقاط الجنسية عنه ، إبعاده عن البلاد وأدى ذلك إلى حالة من الهيجان في صفوف العشائر في ناحية الرميثة ،وتجمع المسلحون من أفرادها ، وهاجموا محطة القطار ، وحاصروا سراي الحكومة وسيطروا على الناحية .
سارعت الحكومة إلى تجهيز حملة عسكرية للقضاء على الثورة ، بقيادة اللواء [ بكر صدقي ] المعروف بقسوته ، وتقدمت قواته على جبهتين ، ووجه بكر صدقي إنذاراً للثوار ، عن طريق منشورات ألقتها الطائرات على المنطقة ، بإلقاء السلاح خلال 24 ساعة ، ولما انتهت مهلة الإنذار ، بدأ القصف الجوي العنيف على المنطقة ، وأعلنت الحكومة الأحكام العرفية في المنطقة ، في 11 مايس 1935 ، وأعلنت منطقة الرميثة منطقة حرب ، تسري عليها القوانين العسكرية .
وتقدمت قوات بكر صدقي نحو الرميثة ،بعد أن مهدت لتقدمها بقصف جوي ، ومدفعي ، واستخدمت الحكومة عدد من العشائر الموالية لها في حربها ضد الثوار ، وتم للجيش احتلال الرميثة في 17 مايس 1935 ، بعد أن تكبد الطرفان خسائر كبيرة ، واستطاع الثوار إسقاط طائرة عراقية وقتل قائدها ، كما اسقط الثوار طائرة عسكرية بريطانية أخرى ، وقُتل من فيها .
حكومة الهاشمي تصدر مرسوم الأحكام العرفية :
بعد أن تسنى لحكومة ياسين الهاشمي إخماد ثورة عشائر الرميثة ،سارعت إلى إصدار مرسوم الإدارة العرفية ، وطبقت أحكامه على الثائرين ، وكان ذلك المرسوم أسوأ إجراء اتخذته الحكومة ، واعتُبر وصمة عار في جبينها، بالنظر إلى كونه قد أنتهك جميع الحقوق والحريات العامة التي نص عليها الدستور ، وجعلها حبراً على ورق ، واستخدمته الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم ، منذُ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا ، لتنكل بخصومها والمعارضين لها ، وبالنظر لخطورة ذلك المرسوم فقد وجدت ضرورة إطلاع القراء على نصه ، ليقفوا على مدى انتهاكه للدستور ، وحقوق المواطنين .
نص مرسوم الإدارة العرفية :
الفصل الأول
المادة الأولى : يتألف المجلس العرفي العسكري من رئيس ، وأربعة أعضاء ، على أن يكون الرئيس وعضوان منهم من الضباط العسكريين ، يعينون بإرادة ملكية ، بناء على اقتراح وزير الدفاع ، والعضوان الآخران من الحكام العدليين ، يعينان بإرادة ملكية ، بناء على اقتراح وزير العدل .
المادة الثانية : يقوم بوظيفة الإدعاء العام في المجلس المذكور ، نائب الأحكام العسكرية ، أو أي شخص آخر يعينه وزير الدفاع .
المادة الثالثة : على المجلس العرفي العسكري محاكمة الأشخاص الذين يحالون إليه لأجل المحاكمة ،من قبل قائد القوات العسكرية ، أو المدعي العام .
المادة الرابعة : يباشر المجلس المحاكمة ، باستماع بيان المدعي العام ، الذي يتضمن خلاصة الجريمة المسندة ، ثم يمّكن المتهم من إفادته الأولى ، ويستمع شهود الإثبات ، ويمّكن المتهم من مناقشتهم ، ويستمع إلى شهود الدفاع ، إن وجدوا ، وما لم يرى المجلس أن الغرض من طلب سماعهم هو لغرض المماطلة ، ويسمع دفاع المتهم ، ثم يصدر قراره .
المادة الخامسة : تجري المرافعة بصورة علنية ، إلا إذا رأى المجلس ضرورة رؤيتها بصورة سرية .
المادة السادسة : تصدر القرارات باتفاق الآراء ، أو بالأكثرية المطلقة .
المادة السابعة : يجب أن يستند القرار إلى مادة قانونية ، وأن يحتوي على الأسباب المدللة .
المادة الثامنة : تنفذ أحكام المجلس على الفور ، إلا ما كان متضمناً الحكم بالإعدام .
المادة التاسعة : لا ينفذ حكم الإعدام إلا بعد تصديق قائد القوات العسكرية .
الفصل الثاني
المادة العاشرة : المحاكمة عن جميع الأفعال داخل منطقة الإدارة العرفية ، أو خارجها ، عندما تكون ذات مساس ، أو ارتباط بالأفعال الجرمية الحادثة ضمن تلك المنطقة من اختصاص المجلس العرفي العسكري ، عدا الأفعال الجرمية التي يأمر قائد القوات العسكرية برؤيتها من قبل المحاكم العدلية ، أو الإدارية ، كل حسب اختصاصه .
المادة الحادي عشرة : يعاقب بالإعدام :
1 ـ كل من حمل السلاح ، أو أي آلة جارحة ، ضد الحكومة ، أو قواتها العسكرية على اختلاف أنواعها ، أو قوات الشرطة ، أو أستعمل السلاح ضد أي من موظفي الدولة ، أو مستخدميها .
2 ـ كل من اشترك في عصيان مسلح ضد الحكومة ، أو قواتها العسكرية المسلحة ، ويقصد بالعصيان المسلح وجود أكثر من شخص واحد ، يحمل سلاحاً نارياً ، أو أية آلة جارحة .
3 ـ كل من اشترك في أي عمل من شأنه تخريب خطوط المواصلات ، أو المخابرات ، للقوات العسكرية ، أو تعطيلها ، أو تخريب وسائط النقل للقوات المذكورة .
4 ـ كل من اشترك في مساعدة العصاة ،بتقديم أسلحة أو ذخيرة أو عتاد لهم .
5 ـ كل من يبث الدعاية بين أفراد القوات العسكرية ، أو الشرطة ، لغرض إضعاف قواهم المعنوية ، أو لحملهم على عدم القيام بالواجب .
6 ـ كل من حرض بأي صورة كانت شخصاً على ارتكاب الأفعال السابقة ، سواء كان المحرض داخل المنطقة العرفية ، أو خارجها .
7 ـ كل من تجسس لمصلحة العصاة ،ضد الحكومة ،داخل المنطقة المعلنة فيها الأحكام العرفية .
المادة الثانية عشرة : يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتةأو بالحبس مدة لا تزيد عن 15 عاماً كل من :
1 ـ أعطى أخباراً ، أو معلومات إلى العصاة ،عن الحركات العسكرية ، أو أعمال الحكومة المتعلقة بالحركات ، في المنطقة المعلنة فيها الأحكام العرفية .
2 ـ شجع العصاة على الاستمرار في الحركات العصيانية .
3 ـ نشر الأخبار المختلقة ، إذا أرادت هذه الأخبار ، أو كان من شأنها أن تؤدي الى إضعاف القوة المعنوية بين أفراد القوات العسكرية للحكومة .
المادة الثالثة عشرة : الأفعال الجرمية غير المنصوص عليها في هذا المرسوم ، يعاقب مرتكبوها وفقاً لأحكام قانون العقوبات البغدادي ، أو القوانين الأخرى .
المادة الرابعة عشرة : يجوز لقائد القوات المسلحة أن يتخذ بإعلان ،أو بأوامر كتابية أو شفوية التدابير الآتي بيانها :
1 ـ سحب الرخص بحيازة السلاح ، أو حمله ، والأمر بتسليم الأسلحة على اختلاف أنواعها ، والذخائر ، والمواد القابلة للانفجار ، والمفرقعات ، وضبطها أينما وجدت ، وإغلاق مخازن الأسلحة.
2 ـ الترخيص بتفتيش المنازل ، والأشخاص ، في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار.
3 ـالأمر بمراقبة الصحف ، والنشرات الدورية ، قبل نشرها ، من غير إخطار سابق ، والأمر بإغلاق أي مطبعة ، وضبط المطبوعات والنشرات والرسومات ، التي من شأنها تهييج الخواطر ، وإثارة الفتنة أو مما قد يؤدي إلى الإخلال بالأمن والنظام العام ، سواء كانت معدة للنشر والتوزيع ، أو للعرض ، أو للبيع ، أو لم تكن معدة لغرض من هذه الأغراض .
4 ـ الأمر بمراقبة الرسائل البريدية ، والتلغرافية ، والتلفونية .
5 ـ تحديد مواعيد فتح المحال العمومية ، وإغلاقها ، كلاً أو بعضاً ، سواء في كل الجهة التي أُعلنت فيها الأحكام العرفية ، أو في بعض النواحي والأحياء ، أو تبديل تلك المواعيد ، وإغلاق المحال العمومية المذكورة ، كلها أو بعضها .
6 ـ الأمر بإعادة المولودين ، أو المتوطنين ، في غير الجهة التي يقيمون فيها ، إلى مقر ولادتهم ، أو توطينهم ، إذا لم يوجد ما يبرر مقامهم في تلك الجهة ، أو أمر في أن تكون بيدهم تذاكر لإثبات الشخصية ، أو الأذن بالإقامة .
7ـ الأمر بالقبض على المشردين ، أو المشتبه فيهم ، وحجزهم في مكان أمين .
8 ـ منع أي اجتماع عام ، وحله بالقوة ، وكذلك منع أي نادٍ أو جمعية ، أو اجتماع ، وحله بالقوة .
9 ـ منع المرور في ساعات معينة من الليل أو النهار ، في كل الجهة التي أعلنت فيها الأحكام العرفية ، أو في بعضها ، ومنع ذلك الاستعمال عند الاقتضاء .
10 ـ تنظيم استعمال وسائط النقل على اختلاف أنواعها ، في كل الجهة التي أعلنت فيها الأحكام العرفية ، أو في بعضها ، ومنع ذلك الاستعمال عند الاقتضاء .
11 ـ إخلاء بعض الجهات ، أو عزلها ، وعلى العموم حصر وتحديد المواصلات بين الجهات المختلفة التي أعلنت فيها الأحكام العرفية ، وتنظيم تلك المواصلات .
12 ـ الاستيلاء على أية واسطة من وسائط النقل ، أو أي مصلحة عامة ، أو خاصة ، أو أي معمل أو مصنع ، أو محل صنائعي ، أو أي عقار ، أو أي منقول ، أو أي شيء من المواد الغذائية . وكذلك تكليف أي فرد بتأدية أي عمل من الأعمال ، ويجوز لمجلس الوزراء أن يضيف دائرة الحقوق المتقدمة المخولة لقائد القوات العسكرية ، أو أن يرخص له أي تدبير آخر مما يقتضيه صون الأمن والنظام العام في كل الجهة التي أعلنت فيها الأحكام العرفية ، أو في بعضها .
المادة الخامسة عشرة : يعاقب من خالف الإعلانات والأوامر الصادرة من قائد القوات العسكرية ، بالعقوبات المنصوص عليها في تلك الإعلانات ، ولا يجوز أن تزيد هذه العقوبة عن الحبس لمدة 3 سنوات ، ولا على الغرامة بمبلغ 150 دينار . على أن ذلك لا يمنع من توقيع عقوبة أشد ، حيث يقضي بها قانون العقوبات ، والقوانين الأخرى ، ويجوز دائماً إلقاء القبض على المخالفين في الحال .
المادة السادسة عشرة : ينفذ هذا المرسوم من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية .
المادة السابعة عشرة : على وزراء الداخلية والعدلية والدفاع ، تنفيذ هذا المرسوم ، الذي يجب عرضه على مجلس الأمة في اجتماعه القادم .
كتب ببغداد في اليوم الحادي عشر من صفر سنة 1354 هجرية ، المصادف لليوم الرابع عشر من مايس 1935 ميلادية
ياسين الهاشمي غازي الأول
رئيس الوزراء ووكيل وزير الخارجية ملك العراق
رشيد عالي الكيلاني ـ وزير الداخلية ووكيل وزير العدلية
أمـين زكي ـ وزير الداخلية
محمد رضا الشبيبي ـ وزير المعارف
رؤوف البحراني ـ وزير المالية
جعفر العسكري ـ وزير الدفاع
وبقراءة متأنية لهذا المرسوم يتبين لنا أن الحكومة قد صادرت بشكل فعلي كل الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور ، وجعلها حبراً على ورق ، واصبح هذا المرسوم سيفاً مسلطاً على رقاب الشعب العراقي ، استخدمته الحكومات المتوالية على سدة الحكم ، كلما شعرت بتحرك الشعب من أجل إعادة حقوقه المغتصبة .
ولم تكتفِ السلطة الحاكمة بإصدار هذا المرسوم ، بل أتبعته بمجموعة من المراسيم المكملة له ، لكي تحكم قبضتها على الشعب ، وكان من بين تلك المراسيم :
1 ـ مرسوم منع الدعايات المضرة رقم 44 لسنة 1937 ، على عهد حكومة جميل المدفعي .
2 ـ مرسوم منع الدعايات المضرة رقم 20 لسنة 1938 ، على عهد حكومة جميل المدفعي .
3 ـ مرسوم الطوارئ رقم 57 لسنة 1938 ، على عهد حكومة نوري السعيد .
4 ـ قانون ذيل قانون العقوبات البغدادي [ المعروف بقانون مكافحة الآراء الهدامة ] رقم 51 لسنة 1938 ، على عهد حكومة جميل المدفعي .
5 ـ مرسوم انضباط موظفي الدولة رقم 7 لسنة 1939 ، على عهد حكومة نوري السعيد .
واستمرت الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم ، على عهد الوصي عبد الإله ،بعد مقتل الملك غازي بإصدار المراسيم المنافية للدستور ، كما سنرى فيما بعد .
نشوب الثورة في سوق الشيوخ
رغم أن الجيش استطاع إخماد ثورة الرميثة ،وإخضاع القبائل الثائرة ، إلا أن النيران التي هدأت قليلاً تحت الرماد ما لبثت أن انبعثت من جديد في سوق الشيوخ ، وكان السبب الذي أشعل نارها هو نظام [السركلة] الذي أقامه الإنكليز ، حيث أوكلت السلطات البريطانية أشخاصاً دعتهم بالسراكيل لجمع الضرائب من الفلاحين ، عن إنتاجهم الزراعي ، فقد ضاق الفلاحون ذرعاً بسلوك السراكيل وإجبارهم على دفع خمس الإنتاج ، مما دفعهم الى رفض الاعتراف بذلك النظام ، وعدم الاعتراف بالسراكيل ، ووقف العديد من شيوخ العشائر إلى جانبهم ، في تحديهم للحكومة .
ومن جهة أخرى توجه ما يزيد على 40 من رؤساء العشائر إلى النجف ، حيث زاروا الشيخ كاشف الغطاء ، ووقعوا على الميثاق الذي سبق أن وقعه عدد من رؤساء العشائر ، وتحالفوا على القيام ضد الحكومة ، ثم عادوا إلى مناطقهم ، وأخذوا يجمعون أتباعهم ، استعداداً لمنازلة الحكومة ، وقد لعب الشيوعيون دوراً كبيراً في إثارة الفلاحين ضد الحكومة .
وفي 9 مايس 1935 بلغت الأزمة ذروتها ، وانفجر الموقف ، عندما قامت قوة كبيرة من المسلحين بمهاجمة ناحية [ العكيكة ] واشتبكوا مع حاميتها ، حيث استطاعوا السيطرة عليها ، ثم تقدموا بعد ذلك إلى قصبة [ سوق الشيوخ ] التي كان فيها حامية عسكرية تتألف من 450 فرداً ،في حين كان عدد المهاجمين يزيد على 20 ألفاً ، واستنجدت الحامية بالحكومة التي سارعت إلى إرسال الأسلحة والعتاد عن طريق الجو ، حيث قامت الطائرات بإلقائها فوق القصبة . لكن معظم تلك الأسلحة وقعت بأيدي الثوار الذين أخذوا يضيقون الخناق على الحامية مما اضطرها في نهاية الأمر إلى الاستسلام ، في 14 مايس 1935 ، بعد أن قتل من أفراد الحامية 26 فرداً ، في حين قتل من المهاجمين 40 فرداً .
أمتد لهيب الثورة بعد السيطرة على سوق الشيوخ ، إلى القبائل المحيطة بالناصرية ، فقد هاجمت العشائر مدينة الناصرية واستولت عليها ، بعد أن اضطرت الحامية العسكرية الى الانسحاب منها ، وقد قام الثوار بقطع كافة الطرق ، وغمروها بالمياه ، وخربوا السكك الحديدية في محاولة لمنع قوات الحكومة من الوصول إلى المنطقة .
وبالنظر لخطورة الموقف ، سارعت الحكومة الى تجهيز حملة عسكرية بقيادة اللواء بكر صدقي ، لكن انقطاع الطرق حال دون وصول تلك القوات إلى الناصرية وسوق الشيوخ ، وقد حاولت الحكومة مفاوضة عدد من رؤساء العشائر ، والاستفسار عن مطالبهم ، لكن رؤساء العشائر أعلنوا تمسكهم بالميثاق الموقع في النجف ، وطالبوا الحكومة بتنفيذ بنود الميثاق ، ولما وجدت الحكومة إصرار الثوار على تنفيذ مطالبهم ، أعلنت عن استعداها لمفاوضة الشيخ كاشف الغطاء ، وجرى الاتفاق على بدء المفاوضات ، على أن توقف الحكومة تحركات قواتها العسكرية وفي الوقت الذي كانت العشائر تنتظر نتيجة المفاوضات التي ستجريها الحكومة مع الشيخ كاشف الغطاء ، أقدمت الحكومة على إعلان الأحكام العرفية في قضاء سوق الشيوخ والناصرية ، في 25 مايس 1935 ، ودفعت بثمانية أفواج عسكرية إلى سوق الشيوخ ، عبر النهر ، عن طريق استخدام السفن الشراعية ، حيث استطاعت تلك القوات من الوصول إلى سوق الشيوخ .
وقبل مهاجمة القصبة ، أعلنت الحكومة عن استعداها للعفو عن العشائر الثائرة إذا ما ألقت سلاحها ، وقد استثنت الحكومة من العفو ثلاثة من رؤساء العشائر هم [ مزهر ] و[ ريسان ] و [ فرهود ] وأدى ذلك الموقف إلى قبول 25 من رؤساء العشائر بعرض الحكومة وأعلنوا عن إلقاء السلاح ، وهكذا تمكن الجيش من دخول سوق الشيوخ ، ثم الناصرية ، دون قتال ، وتم اعتقال الرؤساء الثلاثة ، وسيقوا إلى بغداد ، ثم أُبعدوا فيما بعد إلى الرمادي . وفي الوقت الذي عفت الحكومة عن رؤساء العشائر ، فإنها أحالت 229 فرداً من المشاركين في الثورة إلى المجالس العرفية ، التي أدانت منهم 177فرداً ، وترواحت الأحكام بين الإعدام والسجن بمدد مختلفة ، فقد حكم على 63 فرداً بالإعدام ، ونفذ في 9 منهم وخفض عن الباقين إلى السجن المؤبد ، كما حكم على 21 فرداً بالأشغال الشاقة المؤبدة ، وعلى 10 أفراد بالسجن لمدة 10 سنوات ، وعلى 56 فرداً بالسجن لمدة 3 سنوات ، كما صادرت الحكومة أملاك 5 منهم . (11)
وفي 7 أيلول 1935 صدرت الإرادة الملكية بالعفو العام عن القائمين بالثورة ، وقد شمل العفو الثوار الأكراد في السليمانية .
الثورة الكردية بزعامة الملا مصطفى البارزاني :
على الرغم من أن الحكومة كانت قد قضت على حركة الشيخ أحمد البارزاني ،إلا أن هجمات الجماعات الكردية المسلحة استمرت دون انقطاع ، حيث كانت تغير على المنطقة بين الحين والأخر. حاولت الحكومة إنشاء مخفر للشرطة في قرية [ بله ] مقر البارزانيين ،لكن الملا مصطفى البارزاني رفض ذلك وهدد بقتل كل من يحاول القيام بذلك ، وبالفعل جرى قتل القائمقام والمهندس اللذين حاولا البدء بإنشاء المخفر ، وعلى الفور أقدمت الحكومة على إعلان الأحكام العرفية في المنطقة ، التي شملت نواحي[ ميزوري بالا]و [ بازيان ] و [ ميركه سور ] و[ كاني رش ] وسيرت قوة عسكرية ضد البارزانيين وتعاونت الحكومة التركية مع الحكومة العراقية ، حيث قامت بإغلاق حدودها أمام البارزانيين ،وحشدت قواتها على الحدود ، واستطاعت قوات الحكومة القضاء على ثورة البارزني في 30 تشرين الأول 1935. (12)
ثورة اليزيدية في سنجار :
اليزيدية طائفة دينية صغير ، عدد نفوسها حسب إحصاء عام 1965 بلغ حوالي 66 ألفاً ، يسكنون منطقة [سنجار] و[الشيخان ]و [باعذرة ] في لواء الموصل . وتعتقد هذه الطائفة أن هناك إله للخير هو الله ، وإله للشر هو الشيطان ، وأن عليهم عبادة الشيطان والتقرب إليه ، لتجنب الشر .
ومن عادات اليزيدية عدم حلق الشوارب ، وعدم دخول الحمامات ، ودورات المياه ، لاعتقادهم بوجود الشيطان فيها، كما يحرمون أكل الخس واللهانة .وبسبب معتقداتهم هذه ، رفض اليزيديون تجنيد الحكومة العثمانية لأبنائهم ، وقبلت الحكومة العثمانية أعذارهم ، بعد أخذ البدل النقدي منهم.
ولما أقرت الحكومة العراقية قانون الدفاع الوطني عام 1935 ، وأصبح التجنيد إجبارياً
رفضت الطائفة اليزيدية انخراط أبنائها في الجيش ، متذرعين بنفس الأعذار ، وقد حاولت الحكومة تسهيل الأمر عليهم ، بتكوين فوج خاص بهم ، لكنهم أصروا على موقفهم ، ورفض زعيمهم [ داؤد الداؤد] كل عروض الحكومة ، ولجأ إلى حمل السلاح بوجه الحكومة ، مما أضطرها الى تجهيز حملة عسكرية في 1 تشرين الأول لإخضاعه ، بقيادة اللواء [حسين فوزي ]، وبادرت الحكومة إلى إعلان الأحكام العرفية في المنطقة .
بدأ تحشد القوات الحكومية قرب قريتي [ كيري عرب ] و[ تبه اشكفته ] في 5 تشرين الأول ، وعززت الحكومة قواتها بالطائرات الحربية ، التي قصفت مدينة سنجار ، واشتبكت مع قوات اليزيدية في معركة عنيفة انتهت باندحار اليزيدية ، وهروبهم إلى كهوف جبال سنجار العالية والوعرة ،وتعقبت قوات الحكومة الثوار المنسحبين ، وأحاطت بمواقعهم في 7 تشرين الأول ، وقصفتهم بشدة بالمدفعية والطائرات ، ودارت بين الطرفين معركة حامية ، دامت 12 ساعة ، تم خلالها القضاء على الثورة ، بعد مقتل المئات من أفرادها ، وأسر 224 فرداً ، أصيب زعيمهم [داؤد الداؤد] بجروح خطيرة ، لكنه استطاع الهروب إلى القامشلي في سوريا . حاولت الحكومة استعادة الداؤد ،إلا أن السلطات الفرنسية رفضت تسليمه .
أحالت الحكومة عدد كبير من المشاركين في الثورة إلى المحاكم العرفية التي حكمت بدورها على 378 منهم بمدد مختلفة ، كما حكمت على عدد من رؤسائهم بالإعدام ، ونفذ الحكم بالمحامي [عبدالله فائق ] و[ عبد الكريم قرة كله ] وتم رفع الأحكام العرفية في 12/10 / 1935 .(13)
*******
ثورة الرميثة الثانية :
في 12 حزيران 1935 ، قررت حكومة الهاشمي تنفيذ قانون الدفاع المدني ، والتجنيد الإجباري ، وقد أدى هذا القرار إلى حالة من الهيجان لدى العشائر التي رفضت هذا القانون ، وتحدت الحكومة .
وجاء قرار الحكومة بمنع المأتم الحسينية ،بمناسبة مقتل الإمام الحسين ، لتصب الزيت على النار ، فما أن بدأت الحكومة بدعوة المكلفين لخدمة العلم ، حتى حملت عشيرة الظوالم السلاح بوجه الحكومة ، وبدأت شرارة الثورة بإطلاق الرصاص على قطار للركاب قرب الرميثة ،ليلة 21 نيسان 1936 ، وقد دفع ذلك الحادث الحكومة اإ تحذير العشائر ، عن طريق إلقاء منشورات من الطائرات ، من مغبة الأقدام على حمل السلاح ضد الدولة .
لكن العشائر تجاهلت تحذير الحكومة ، وأقدمت على قطع طرق المواصلات ، وإغراقها بالمياه ، وقلع قضبان السكك الحديدية ، وقطع خطوط الهاتف . وعلى الأثر قامت الطائرات الحربية بقصف تجمعاتهم يوم 11 مايس ،واستطاع الثوار إسقاط إحدى الطائرات وقتل طيارها ، ثم اتبعوها بأخرى بريطانية .لجأت الحكومة إلى إعلان الأحكام العرفية في المنطقة ، وأرسلت قواتها العسكرية على عجل ، يوم 5 مايس 1936 نحو مراكز الثوار في الرميثة ، وهاجمتهم من جهتي الشمال والجنوب ،وقضت على تمردهم في اليوم التالي ، حيث استخدم بكر صدقي أقسى أساليب العنف ضد الثوار ، وجرى اعتقال عدد كبير منهم ، وأحيلوا إلى المجالس العرفية التي أصدرت بحقهم أحكاماً مختلفة تراوحت بين السجن المؤبـد والسحن لمدة 5 سنوات
الحكومة تعقد أول معاهدة تجارية مع ألمانيا:
منذُ أن استعادت ألمانيا قوتها ، وأوضاعها الطبيعية ، بعد الحرب العالمية الأولى ، بدأت تفكر في مد نفوذها من جديد ، ومحاولة السيطرة على الأسواق التجارية التي فقدتها أبان الحرب ، ولما تقلد [هتلر] مقاليد الحكم ، بدا التنافس يشتد بين ألمانيا وبريطانيا ، التي جردت ألمانيا من نفوذها في العالم في حين أصبحت بريطانيا تسيطر على إمبراطورية واسعة جداً ، لا تغيب عنها الشمس .
كان العراق أحد أهم البلدان التي حاول هتلر الوصول إليها ، نظراً لما يتمتع به من موقع جغرافي ، وثروة نفطية كانت ألمانيا بأشد الحاجة إليه ، ولذلك فقد عينت الحكومة الألمانية السفير [ كروبا ] الذي لعب دوراً خطيراً في العراق ، قبيل وخلال الحرب العالمية الثانية .
كان باكورة أعمال كروبا في العراق ، توصله إلى عقد أول معاهدة تجارية بين العراق وألمانيا في 4 آب 1935 ، جعلت العراق يتمتع بصفة الدول الأكثر حظوة في التعامل التجاري ، كما أخذت ألمانيا تستورد الكثير من المنتجات الزراعية ، وفي المقابل ارتفعت صادرات ألمانيا من مختلف السلع التي تنتجها المصانع الألمانية ، والتي اشتهرت بمتانتها .كما أعطت المعاهدة كلا البلدين تسهيلات في الترانسيت وأخرى كمركية من أجل تنشيط التجارة بين البلدين .
جرى توقيع المعاهدة بضغط من ياسين الهاشمي ، ورشيد عالي الكيلاني ،وقد سببت المعاهدة انزعاجاً للحكومة البريطانية لهذا التوجه الذي ينافسها على أسواق العراق ، ويفتح الأبواب أمام التغلغل الألماني، وأخذت بريطانيا تفكر بالتخلص من حكومة الهاشمي ، وأخذت تحرض الملك غازي عليها ، مستغلة الضغط الذي مارسته حكومة الهاشمي على أوجه الصرف من ميزانية القصر الملكي ، ووضع القيود عليها ، متذرعة بضرورة إطفاء العجز في الميزانية الذي حدث في عهد الملك فيصل .(14)
*****
التوثيق
(1) تاريخ الوزارات العراقية ـ الحسني ـ ج 3 ـ ص320 .
(3) المصدر السابق ـ ص 325 .
(3) ت، و ن ع ـ الحسني ـ ج3 ، ص 329.
(4) نفس المصدر السابق ..
(5) المبادئ والرجال ـ محسن أبو طبيخ ـ ص 35
(6)نفس المصدر السابق .
(7)مذكرات توفيق السويدي ـ ص 261
(8)ت ، و ، ع ـ الحسني ـ ج 4 ص 78
(9) نفس المصدر ـ ص 80
(10) نفس المصدر السابق .
(11) المصدر السابق ـ ج 4 ـ ص ـ 127
(12) المصدر السابق ـ ص 141 .
(13) المصدر السابق ـ ص 144 .
(14) ت ن و ، ع ـ الحسني ـ ج4 ـ 195.