Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review
الفصل السادس

 

 

الآشوريون والحكومة العراقية

أولاً : تأليف الوزارة الكيلانية .

ثانياً :الآشوريون يعلنون التمرد على الحكومة

       1 ـ نبذة عن الآشوريين .

          2 ـ بريطانيا تستخدم الآشوريين في قوات الليفي .

          3 ـ مجازر قوات الليفي في الموصل وكركوك .

          4 ـ القيادة الآشورية تتمرد على الحكومة .

          5 ـ الحملة العسكرية ضد الآشوريين ،بقيادة بكر صدقي .

          6 ـ إسقاط الجنسية عن المارشمعون وعائلته وإبعادهم خارج العراق .

ثالثاً : وفاة الملك فيصل الأول .

 

أولاً :تأليف الوزارة الكيلانية :

على اثر استقالة وزارة ناجي شوكت ،كلف الملك فيصل ، السيد رشيد عالي الكيلاني ،في 20 آذار 1933 ، بتأليف الوزارة الجديدة ، وجاءت الوزارة الكيلانية على الشكل التالي :

1 ـ رشيد عالي الكيلاني ـ رئيساً للوزراء .

2 ـ حكمت سليمان  ـ  وزيراً للداخلية .

3 ـ  ياسين الهاشمي   ـ  وزيراً للمالية .

4 ـ محمد زكي   ـ  وزيراً للعدلية .

5 ـ نوري السعيد ـ وزيراً للخارجية .

6 ـ جلال بابان  ـ  وزيراً للدفاع .

7 ـ رستم حيدر ـ وزيراً للاقتصاد ، والمواصلات .

8 ـ عبد المهدي ـ وزيراً للمعارف .

وهكذا جاءت وزارة الكيلاني بخمسة وزراء من حزب الإخاء ، واثنان من حزب العهد ، وواحد من كتلة ناجي شوكت ، هذا بالإضافة إلى أن ثلاثة من الوزراء هم من رؤساء الوزارات السابقين .

لم تكد الوزارة الجديدة تشكل ، وتحاول وضع منهاج لها ، حتى طالب الوزراء الإخائيون ، الذين عرفوا بمعارضتهم للهيمنة البريطانية ، ولمعاهدة 30 حزيران 1930 ، بإدراج فقرة في المنهاج ، تدعو إلى تعديل المعاهدة ، بما يحقق آمال الشعب العراقي في الحرية والاستقلال الحقيقي ، وقد تم لهم ما أرادوا ، وأدرج بند في المنهاج نص على العمل على تعديل معاهدة 1930 .

لكن الملك فيصل ، حينما عرض عليه رئيس الوزراء منهاج حكومته ، وجد نفسه في موضع حرج ،فلا هو يريد معارضة الوزارة ، ولا يريد معارضة البريطانيين . ولذلك أراد الوقوف على رأي المندوب السامي حول الأمر . لكن المندوب السامي ما أن أطلع على منهاج الوزارة حتى ثارت ثائرته لمطالب الإخائيين رافضاً أي محاولة لتعديل المعاهدة .

وهكذا أعاد الملك إلى الوزارة منهاجها، طالباً إعادة النظر فيه ، فما كان من الوزراء الإخائيين ألا أن هددوا باستقالة الوزارة ، حيث يتمتعون فيها بالأغلبية .وتدخل الملك ، واجتمع بأعضاء الوزارة ، ومارس عليهم ضغطاً لتعديل المنهاج ، وقد تم الاتفاق على صيغة جديدة للمنهاج جاء فيها :  

[ احترام العهود الدولية ، والسعي لتحقيق الأماني الوطنية ] !!!وبذلك تم إنقاذ الوزارة من السقوط ، وأرضى ذلك التعديل المندوب السامي البريطاني . لكن ذلك لم يكن غير ضحك على الذقون ، وقد رد خصوم الحكومة على هذا التعديل ، متهمين الحكومة بالتراجع ، وشنوا عليها هجوماً عنيفاً في مجلس النواب ، وتبادلوا مع الوزراء الكلمات الجارحة .

كان الإخائيين ،و الحزب الوطني قد وقعوا اتفاقاً فيما بينهم ، في 23 تشرين الثاني ،1930 للعمل معاً على تحقيق الأهداف التالية :

1 ـ وجوب تعديل المعاهدة  ، التي اعتبراها [فاسدة ] و [جائرة ] .

2 ـ وجوب حل المجلس النيابي ، لأنه لا يمثل الشعب ، وأجراء انتخابات جديدة .

3 ـ وجوب أن تعمل الوزارة على هذين الأساسين .

لكن ذلك الاتفاق أصبح حبراً على ورق ، بمجرد دخول الإخائيين الوزارة ، مما دفع الحزب الوطني إلى مهاجمة حزب الإخاء ، ببيان أصدره مولود مخلص ، أحد أقطاب الحزب، في 2 أيار 1933. حاولت الحكومة تحسين صورتها أمام الشعب ، فأصدرت قراراً بالسماح للصحف والمجلات التي كانت حكومة نوري السعيد قد أغلقتها ، والبالغ عددها 25 صحيفة ومجلة، بالصدور مرة أخرى ، كما سمحت للأحزاب بفتح فروع لها في الألوية العراقية ، وألغت عدداً من القوانين الاستثنائية التي أصدرها نوري السعيد على شكل مراسيم ، وكان منها قانون الدعاية المضرة بالعراق رقم 69 لسنة 1932 ، وقانون المطبوعات النافذ ، أصدرت الحكومة قانوناً جديداً للمطبوعات ، في 29 حزيران 1933 ، يسمح بتنفس الصحافة العراقية ، وقد استقبل الشعب العراقي وأحزابه السياسية تلك الإجراءات بارتياح كبير .  

ثانياً : الآشويون يعلنون التمرد على الحكومة :

1 ـ نبذة عن الآشوريين:

الآشوريون أقلية مسيحية تتكلم اللغة السريانية ، سكن قسم منها منذُ اقدم العصور في العراق ، وقدم القسم الآخر إلى العراق بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى ، عام 1918 ، من جنوب تركيا ، وتحديداً من منطقة [جبال حكاري ] حيث دخل العراق ما يزيد على 35 ألفاً منهم ، بعد تعرضهم لمذابح الجنود الأتراك ، بسبب موقفهم المؤيد لبريطانيا أبان الحرب ، وتعاونهم معها ، وقد ساعدهم المحتلون البريطانيون في التوطن ، في عدد من المناطق الشمالية من العراق ،وخاصة منطقة [العمادية] و[ زاخو ] و [عقرة ]و[ حرير ]و[ بروالي بالا] إضافة إلى استيطان قسم منهم في مدينتي [بغداد]و [ الموصل ] .وبالنظر لمواقفهم المساندة للبريطانيين ، ضد الأتراك ، خلال الحرب العالمية الأولى، فقد توطدت العلاقة بينهم وبين قوات الاحتلال البريطاني في العراق .

2 ـ بريطانيا تستخدم جانباً من الآشوريين في قوات الليفي :

كوّن جانبٌ من الآشوريين علاقات حميمة مع المحتلين البريطانيين ، الذين استخدموا أعدادا كبيرة منهم في تشكيل قوات مسلحة تابعة لهم دعيت بقوات [ الليفي ] .

استخدمت بريطانيا تلك القوات في قمع ثورة العشرين ، المناهضة للاحتلال البريطاني  عام 1920 ،كما استخدمت تلك القوات في قمع الحركات الكردية ، ما بين الأعوام 1919 ـ 1932،وخاصة حركة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية . ومن هنا نشأت حالة من الكراهية والعداء ضد الآشوريين الذين ارتبط اسمهم بالمحتلين البريطانيين ، من قبل العرب والأكراد على حد سواء .

كان الآشوريون يطمحون بإنشاء [ الوطن القومي الآشوري ] في المنطقة الشمالية من العراق ، ومنطقة [جبال حكاري ]، في جنوب تركيا ، وكانت آمالهم معقودة على بريطانيا ، إلا أن حلمهم ذاك لم يرَ النور ، بعد أن رتبت بريطانيا أمورها مع الحكم الملكي الذي أقامته في العراق ، ومع الحكومة الكمالية في تركيا . وهكذا أسدلت بريطانيا الستار عن هذا المشروع ، بعد صدور قرار عصبة الأمم ، في كانون الثاني 1925 ، والقاضي بإبقاء منطقة جبال حكاري ضمن الجمهورية التركية .

وعلى اثر ذلك القرار ، أصدرت الحكومة التركية قراراً بمنع أي آشوري من العودة إلى تركيا، واضطر الآشوريين النازحون من تركيا إلى البقاء في العراق ، حيث استخدمت بريطانيا قسماً منهم في تأليف قوات الليفي .

كانت قوات الليفي تتحدى باستمرار مشاعر المواطنين ، وتتعامل معهم تعاملاً خشنناً ، مستغلة كونها جزء من سلطة الاحتلال ، وقد أدى سلوكها ذاك إلى وقوع أحداث خطيرة ، في لوائي الموصل وكركوك .

3 ـ مجازر الليفي الآشوريين في الموصل وكركوك :

بسبب السلوك الخشن لقوات الليفي الآشوريين ، وقعت مشادة بين عدد من أفراد هذه القوات والسكان الموصليين ، في [ سوق العتمة ] ، في 15 آب 1923 ، وأدى ذلك إلى وقوع عدد من القتلى والجرحى في صفوف الأهالي ، بعد أن أطلق الجنود الليفي النار عليهم ، وكادت الأمور تفلت من يد الحكومة ، بعد أن تهيأ الأهالي للثأر من جنود الليفي ، مما دفع الحكومة الى الاتصال بالمندوب السامي البريطاني ، طالبة منه المساعدة في احتواء الأزمة ، وتم الاتفاق بين الحكومة والمندوب السامي على سحب قوات الليفي من الموصل إلى كركوك ، واضطر الملك فيصل إلى السفر إلى الموصل ، لتهدئة أهالي الموصل بنفسه ،خوفاً من تطور الأوضاع إلى ما لا يحمد عقباه. 

غير أن قوات الليفي الآشوريين لم يتوقفوا عن تصرفاتهم الرعناء تلك ، بل قاموا بمجزرة جديدة أخرى ، أشد وطأة ، في كركوك ،بتاريخ 4 أيار 1924 .

ففي ذلك اليوم تخاصم عدد من أفراد قوات الليفي مع أحد الأهالي ، في أحد أسواق كركوك ،وأدى الخصام إلى جرح أحد أفراد الليفي ، فما كان منهم إلا أن ذهبوا إلى ثكنتهم ، وجلبوا معهم عدداً كبيراً من أفراد قوات الليفي ، مع كامل أسلحتهم ، وصاروا يطلقون النار على كل من واجههم في الطريق . وعندما تصدى لهم اثنان من رجال الشرطة ، لمنعهم من إطلاق النار ، أطلق أفراد قوات الليفي النار عليهما وقتلوهما في الحال ، فلما رأى الأهالي مدى استهتار قوات الليفي، اندفعوا حاملين سلاحهم للدفاع عن أنفسهم ، فوقعت مصادمات عنيفة بين الطرفين ، ووقع عدد كبير من القتلى والجرحى جاوز عددهم 200 شخص .

ولما علمت القبائل المحيطة بكركوك بما قام به جنود الليفي ، زحفت جموع كبيرة ، بأسلحتها لأخذ الثأر منهم . غير أن المندوب السامي سارع إلى إخراج قوات الليفي من كركوك ،قبل وصولهم ، وتمكن من ترحيلهم إلى [ جمجمال ] ،الواقعة بين السليمانية وكركوك ،وأصدر بياناً إلى الأهالي ، يدعوهم إلى التزام جانب الهدوء ، واعداً إياهم بإجراء محاكمة للمعتدين ، ودفع تعويضات لأهالي المقتولين ، وتعويض المصابين .

إلا أن المندوب السامي ، بدلاً من أن ينفذ وعده بمحاكمة المعتدين ، أقال متصرف اللواء ، وعيّن رئيس البلدية بدلاً عنه ، وقام بحملة اعتقالات واسعة في صفوف الأهالي ، وأرسل فوجاً من الجنود البريطانيين إلى كركوك ، بالطائرات ، للحيلولة دون قيام الأهالي بأي أعمال انتقامية .

أما إجراءات الحكومة ، فلم تتعدَ تخصيص [ 30 ألف روبية ] للأهالي المنكوبين في تلك الأحداث ، والطلب من المندوب السامي نقل قوات محلية للشرطة ، تقوم مقام قوات الليفي ، لحماية الأمن والنظام في المدينة ، وجعل إدارة كركوك كإدارة بقية الألوية .

وتحت الضغط الشعبي الغاضب والمتواصل ، والمطالب بمحاكمة المجرمين من قوات الليفي ، أضطر المندوب السامي إلى تشكيل محكمة ، برئاسة البريطاني [ بريجادر ]  وعضوية الحاكمين [ عمر نظمي ] و [ عبد الكريم الكركوكلي ] ، بالإضافة إلى ضابط بريطاني ، و[ المار شمعون ] رئيس الطائفة الآشورية ،(3)

أجرت المحكمةمحاكمات صورية لبعض المجرمين،ولم تتخذ أي إجراءات فعالة بحقهم ، حتى أن الميجر [ أدمونس ] قال عن تلك المحاكمات ما يلي : {إن الحكومة العراقية ، والرأي العام العراقي ظلوا يعتقدون بان السلطات البريطانية تحمي المجرمين } . (4)

واستمر حال قوات الليفي على وضعه ، إلى أن عقدت بريطانيا معاهدتي 1922 ،

و1926 ،حيث ضمنت هيمنتها المطلقة على العراق ،وربطته بقيود صارمة تمكنها من السيطرة على قدراته السياسية ،والعسكرية ،والاقتصادية ، وكافة المجالات الأخرى وحينئذٍ أقدمت بريطانيا على تسريح معظم قوات الليفي ، واستخدمت ما تبقى منهم كحراس لمعسكراتها الخاصة بالقوة الجوية ، في معسكر الرشيد ، وقاعدتي الحبانية والشعيبة ،وفي الهنيدي .أما الذين سرحوا من الخدمة ، فقد منحت الحكومة البريطانية كل فرد منهم  بندقية وعتاد ، وكمية من النقود ، وكانت بريطانيا ترمي بذلك إلى أهداف بعيدة ، حيث مكنت الآشوريين من تجميع السلاح ، لكي تستخدمهم عند الضرورة ، في إثارة القلاقل والمشاكل في البلاد ، وجعلهم ورقة ضغط على الملك فيصل ولتمرير مشاريعها الإمبريالية ، وفرضها على العراق .

لقد كانت قيادة الآشوريين ، المتمثلة ب [المار شمعون ]وزمرته ،آداة طيعة بيد البريطانيين ، يستخدمونهم متى ، وأين ما شاءوا ،وتمادى الآشوريون في مواقفهم ، حتى وصل بهم الأمر إلى الاحتجاج على إلغاء الانتداب البريطاني على العراق ، ومنحه استقلاله ، وقبوله عضواً في عصبة الأمم ، وتقدموا بطلب إلى عصبة الأمم ، يدعون فيه إلى بقاء الانتداب . إلا أن عصبة الأمم لم تقتنع بالطلب ، وأصدرت قرارها في 14 تشرين الثاني عام 1932 القاضي برد مطالب الآشوريين ، وتأييد حكومة العراق واستقلاله ، وإنهاء الانتداب البريطاني ، وقد جاء في قرار عصبة الأمم هذا :

{ إن المجلس ، وفقاً للقرار الذي قدمته اللجنة المكلفة بقراره المؤرخ في 5 كانون الأول 1932 ، بتحضير قرار حول الطائفة الآشورية في العراق ، وعلى ضوء تقرير لجنة الانتدابات الدائمة ، المؤرخ في 14 تشرين الثاني 1932 ، يوافق على نظرية لجنة الانتدابات الدائمة ، بأنه لا يمكن قبول طلب الآشوريين ، المتضمن حكما ً ذاتيا داخل العراق ، ويحيط علما ، بكل ارتياح بتصريح ممثل العراق عن نية الحكومة العراقية ، باختيار خبير أجنبي من خارج العراق يساعدها لمدة محدودة لإسكان جميع العراقيين ، غير المستوطنين ، ومن ضمنهم الآشوريين ، وفي  تنفيذ مشروع إسكان آشوري العراق ، في حالات مناسبة ،وعلى قدر الإمكان بوحدات متشابهة ، على أن لا تمس بضرر الحقوق الموجودة للأهالي الحاليين، وأنه من المؤكد أن الحكومة العراقية ستتخذ كل التدابير لتسهيل سكن الآشوريين المذكورين ويلتمس من الحكومة العراقية أن تتفضل وتطلعه في حينه على نتيجة التدابير المار ذكرها } .

******

4 ـ القيادة الآشورية تتمرد على الحكومة :

رغم أن الحكومة العراقية قدمت للآشوريين الأراضي لإسكانهم ، وأعدت الإجراءات اللازمة لمشروع بناء المساكن لهم ، وشكلت لجنة تضم في عضويتها عدد من كبار الشخصيات الآشورية ، تأخذ على عاتقها تنفيذ مشروع الإسكان ، ورغم أن الحكومة العراقية قد أقرت جميع شروط عصبة الأمم ، والتي كان من ضمنها حقوق الأقليات في العراق ، وأعلنت التزامها التام بها ، إلا أن القيادة الآشورية المتمثلة بزعيمهم الديني [ مار شمعون ] وزمرته الملتفة حوله ، والذين كانوا يطمحون بتكوين وطن قومي لهم في شمال العراق ، وطالبوا ببقاء الانتداب البريطاني على العراق ، واحتجوا على قرار عصبة الأمم بإبقاء منطقة جبال حكاري ضمن الأراضي التركية ، بموجب معاهدة أنقرة ، المنعقدة في 5 حزيران 1926 .

حاولت الحكومة العراقية ، رغم كل تلك المواقف ، أن ترضي [المار شمعون ] واعترفت به بطريكاً للطائفة ، وخصصت له راتباً شهرياً ، ثم عينه الملك فيصل عضواً في مجلس الأعيان ، كما عينت الحكومة ضابطاً بريطانياً في قوات الليفي ، مشرفاً على مشروع إسكان الآشوريين ، وخولته صلاحية مراجعة المندوب السامي ، فيما يتعلق بالمشروع ، وأعطته الصلاحيات المطلقة في عملية إسكانهم ، واختيار مناطق سكناهم ، ورغم أن الآشوريين كانوا يتمتعون بكامل حرياتهم الدينية والدنيوية ،  فقد استمر المار شمعون ورفاقه على مواقفهم المناهضة للحكومة ، لدرجة انهم كانوا يتجاوزنها ، في كل الأمور ، ويتصلون بالمندوب السامي مباشرة ، وحاولوا إحباط مشروع الإسكان ، كما حاولوا جرّ الأكراد للتمرد على الحكومة ، ودعوتهم لإنشاء دولة كردية في منطقة كردستان .

أما بريطانيا فقد كانت تلعب دوراً مزدوجاً ، فيما يخص قضية الآشوريين ، فهي من جهة كانت تحرضهم على المطالبة بالاستقلال الذاتي ، ومن جهة أخرى كانت تحرض عليهم حكومة الكيلاني، والأمير غازي، ولي العهد ، ونائب الملك ، حيث كان الملك فيصل في رحلة استشفاء في سويسرا .

واستمر المار شمعون في مواقفه المناهضة للحكومة، ورفض التعاون معها في تنفيذ مشروع الإسكان ، بل أنه لجأ إلى تهديد أتباعه بطردهم من الكنيسة ، إذا ما تعاونوا مع الحكومة ، ثم ما لبث أن أخذ يدعو للقيام بالعصيان المسلح ضد الحكومة ،  وتحدى قانوناً كانت قد أصدرته الحكومة بضرورة تسجيل الأسلحة التي بحوزة كافة العشائر ،كل عام ،رافضاً تسجيل الأسلحة لدى أتباعه ، وطالب بمنحه سلطة زمنية وتشريعية ، فيما يخص طائفته . رفضت الحكومة تلك المطالب ، وحذرته من مغبة القيام بأي عمل من شانه المس بوحدة البلاد واستقلالها ،وأبلغته أن موقفها منه سيكون قائماً على هذا الأساس ، وأن مستقبل الآشوريين يتوقف عليهم بالدرجة الأول ، متى أظهروا إخلاصهم ، وولاءهم للحكومة العراقية ،كما أشار قرار عصبة الأمم .

وفي حزيران 1933 ، استدعت وزارة الداخلية [المار شمعون ] إلى بغداد ، للتباحث معه ، وهيأت وزارة الداخلية ، بالتعاون مع مستشار الوزارة ، المستر كورنواليس ، مذكرة برقم س/ 1104 ، في 28 أيار 1933 ، والتي أعربت فيها الحكومة عن رغبتها في الاعتراف بالمار شمعون رئيساً روحياً للطائفة الآشورية ، ووعدته باحترام هذه الصفة ، طالبة منه المساعدة على تنظيم قانون الطائفة ، بما يحق لها الرضا  ، إلا أن المذكرة أكدت على أن الحكومة غير مستعدة لقبول مطالبه المتعلقة بالسلطة الزمنية والتشريعية.

وفي ختام المقابلة ، طلب وزير الداخلية من المار شمعون التوقيع على تعهد بعدم القيام بأي عمل من شأنه الإخلال بالأمن والنظام ، وعرقلة عمل الحكومة فيما يخص مشروع إسكان الطائفة الآشورية، إلا أن المار شمعون رفض التوقيع على هذا التعهد ، فما كان من وزير الداخلية إلا أن أمر بتوقيفه ،وإلزامه الإقامة في بغداد ،ما لم يعطِ التعهد المطلوب .

قامت قيامة الإنكليز على الإجراء الذي أقدمت عليه الحكومة العراقية ، وبدأت صحفهم بمهاجمتها بعنف ، وأسرع وكيل السفير البريطاني في بغداد لمقابلة رئيس الوزراء ،وطلب منه السماح للمار شمعون بالعودة إلى الموصل ، لكن الحكومة أجلت البت في الطلب إلى حين عقد اجتماع في البلاط الملكي ، ضم نائب الملك ، الأمير غازي ، ورئيس الوزراء ، ووكيل السفير البريطاني ، لبحث الموضوع ، وقد أبدى وكيل السفير ، رأي حكومته بأن توقيف المار شمعون ، ومنعه من العودة إلى الموصل ، سوف يؤدي إلى لجوء الآشوريين إلى الثورة، طالباً السماح له بمغادرة بغداد فوراً ، قال أيضاً إن بقاء المار شمعون موقوفاً سيؤثر سلباً على معاهدة 1930 .(5)

لكن رئيس الوزراء أبدى عدم قناعته بما عرضه وكيل السفير البريطاني ، وتبريراته ، ووقف موقفاً حازماً من القضية ، مما اضطر وكيل السفير إلى التراجع عن تهديداته المبطنة .

أما وزير الداخلية فقد أعلن عن تقديم استقالته ، احتجاجاً على تدخل وكيل السفير في القضية ، وتظامن معه رئيس الوزراء ، مهدداً باستقالة الحكومة ، إذا استقال وزير الداخلية ، مما أجبر وكيل السفير على التراجع عن دعم المار شمعون ،لكي لا يؤدي ذلك إلى استقالة الوزارة ، مما يعطي انطباعاً لدى الرأي العام العراقي والدولي ، من أن بريطانيا لازالت تحكم العراق من وراء الستار .

بلغ أمر الأزمة للملك فيصل ، الذي كان في لندن ، لمتابعة المفاوضات التي يجريها نوري السعيد ، حول الاتفاقيتين العسكرية والمالية ، فبعث برسالة إلى رئيس الديوان يطلب فيها من الحكومة التحلي بالاعتدال مهما كلف الأمر ، لكن الوزراء، ووزير الداخلية بالذات ، أصروا على موقفهم بعدم السماح للمار شمعون بمغادرة بغداد ، قبل أن يوقع على التعهد ، وإلا فسوف يقدم للمحاكمة بتهمة إثارة الفتن والاضطراب .

ولما وجد الملك فيصل إصراراً من الحكومة على موقفها ، بعث برسالة أخرى ، طلب فيها بعدم اتخاذ أي إجراء لحين عودته ، بحجة عدم تعقيد الموقف ، وقد جرى كل ذلك بضغط من الحكومة البريطانية على الملك فيصل . (6)

وفي الوقت الذي أصرت فيه الحكومة على موقفها ، حمل أكثر من 200 مسلح ، من أتباع [ياقو] أحد رجالات المار شمعون ،سلاحهم مهددين بالعصيان ، مما دفع الملك فيصل إلى أن يبرق إلى رئيس الوزراء يطلب منه إخلاء سبيل المار شمعون ،مشيراً إلى أن الوزراء المرافقين له ، وهم كل من نوري السعيد ، وياسين الهاشمي ، ورستم حيدر يشاركونه الرأي .فلما وصلت برقية الملك فيصل ، سارع رئيس الوزراء إلى عقد اجتماع لمجلس الوزراء ، في 26 حزيران 1933 ، لتدارس البرقية والرد عليها ،

وقد جاء رد الوزارة في البرقية الجوابية المرسلة إلى الملك إلى أن التراجع أمام المار شمعون سوف يؤدي إلى إضعاف موقف الحكومة وهيبتها ، وربما يؤدي إلى عواقب وخيمة ، وإن الحكومة ترى أن الواجب يقتضي الوقوف بحزم ضد أي عصيان ، أو تجاوز على سلطة الدولة ، من أية جهة كانت ، ووعدت الحكومة الملك ،بأن لا تقدم على استخدام السلاح ضد أتباع المار شمعون ، المتجمعون في طريق دهوك ـ زاخو ، إذا لم يقدموا هم على أي عمل مسلح ضد الحكومة ، وقواتها العسكرية .

لكن [ياقو] تمادى في موقفه ، وتجاهل أوامر الحكومة ، مستقوياً بأتباعه المسلحين ، مما دفع الحكومة للإيعاز إلى قواتها العسكرية ، في 19 حزيران ، 1933 بإجراء مناورات عسكرية في منطقة [ بادي]  شمال دهوك ، كتحذير إلى [ياقو ]وأتباعه من مغبة الإقدام على أي خطوة يندمون عليها .

فلما وجد [ياقو] إصرار الحكومة على مجابهة عصيانه ، تراجع عن موقفه ، واستسلم للسلطات المحلية ، في 26 حزيران ، وتم إخلاء سبيله ، بعد أن تم أخذ تعهد منه بالحفاظ على الأمن والنظام .

طلبت الحكومة من[ ياقو ]، ورفيقه [لوقا  ]،الحضور إلى بغداد لمقابلة [المار شمعون ]، و تقديم النصح له بتوقيع التعهد المطلوب . وقد حضر الاثنان بالفعل إلى بغداد وقابلا المار شمعون ،ولكنهما بدلاً من تقديم النصح له ليوقع التعهد ، استلما منه رسائل ، وسافرا بها إلى سوريا ، ليقدماها إلى السلطات الفرنسية ، طالباً منها الدعم والمساندة ، وكذلك الاتصال بالمسلحين الآشوريين الذين كانوا قد هربوا إلى سوريا ،عبر نهر الفرات ، والإعداد للثورة ضد الحكومة ، في حين اعتقدت الحكومة أن[ياقو] ]يسعى لعودة الهاربين ، واستسلامهم ، وتسليم سلاحهم ، بعد أن اطمأنت السلطات الفرنسية على سلامة العائدين ، واستعدت القوات العسكرية التي كانت ترابط على الحدود السورية ، في عدد من الربايا ،لاستقبال العائدين ، وتسلم أسلحتهم ، لكن تلك القوات فوجئت يوم 5 آب 1933 بإطلاق نيران حامية من جانب الآشوريين الذين عبروا النهر ، والذين كانوا ما يزالون في الجانب السوري من النهر ،والذين قدموا لهم الإسناد الناري ، وكان هدفهم إحداث رأس جسر لعبور الآشوريين المسلحين ، الذين قدمت لهم السلطات الفرنسية الأسلحة والعتاد بسخاء . وبالفعل تمكنت قوات الآشوريين التي عبرت النهر ، والتي  قدر عددها حوالي 300 فرد ، من مهاجمة تلك الربايا  استطاعت إيقاع خسائر جسيمة في صفوف قوات الجيش ، في منطقة [ ديربون ] واستولت على عدد من تلك الربايا التي كان الجيش العراقي يتحصن فيها .

5 ـ  الحملة العسكرية ضد الآشوريين بقيادة بكر صدقي :

حالما بلغ الحكومة أمر الهجوم الآشوري على قوات الجيش ، قررت على الفور تجهيز حملة عسكرية كبيرة ، وأناطت قيادتها بأمير اللواء [ بكر صدقي ] ، للقضاء على الثورة الآشورية ، وتقدمت قوات الجيش نحو معاقل الآشوريين ، واشتبكت معهم في معارك عنيفة ، في منطقة [ سميل ] الواقعة بين  [دهوك ] و [ زاخو ]،واشتركت إلى جانب الجيش قوات من العشائر ،  واستخدم بكر صدقي قسوته المعروفة ، ضدهم ، كما كان قد استخدمها في قمع ثورة العشائر في الفرات الأوسط ، وأوقع بهم خسائر جسيمة ، حيث قتل ما يزيد على 300 فرد منهم ، وجرت تجاوزات كثيرة ، وأعمال نهب وحرق للمساكن ، مما يشكل جريمة ضد الإنسانية ، وإساءة كبيرة لسمعة الحكومة .(7)

استخدمت بريطانيا تلك الأحداث لإثارة الرأي العام العالمي ، وعصبة الأمم ، ضد العراق ، والتسبب في إحداث أزمة خطيرة بين الملك فيصل والحكومة ، لكن نائب الملك ، الأمير غازي ، وقف إلى جانب الحكومة ، مما دفع الحكومة البريطانية إلى توجيه إنذار تلو الإنذار للملك فيصل ، الموجود في بريطانيا ، طالبة منه إيقاف زحف القوات العراقية نحو معاقل الآشوريين .

إلا أن الحكومة كانت عازمة على تنفيذ خططها مهما كلف الأمر ، واستمرت قوات الحكومة بالتقدم ، دافعة أمامها قوات المتمردين الآشوريين ، نحو الحدود السورية ، فيما فرّ قسم آخر منهم نحو [ جبل بيخير ] في قضاء زاخو ، وتابع الجيش زحفه ، لتصفية فلول قواتهم  التي التجأت إلى [باكير سفلي ] و[ سوارا توكا ] ومنطقة [كلي قنطارة ] ، وجبال [ بروالي زير ] و [ كاوا ] و [خبرتي]  واستطاع الجيش العراقي أن يفشل مخططات الآشوريين، بإقامة دولة لهم في شمال العراق ،وانتهت الحركات العسكرية في 11 آب 1933 .وبلغت خسائر الآشوريين أكثر من ألف قتيل واستسلم من تبقى من قواتهم .ولا بد لي أن أشير إلى ما ذكره الأستاذ عبد الرزاق الحسني في كتابه [ تاريخ الوزارات العراقية ] حول دور البريطانيين في ذلك العصيان ،والمساعدات التي قدموها للآشوريين ، حيث قال :

 { إن طائرات بريطانية شوهدت تحوم فوق قرى الآشوريين المتمردين ، أثناء الحركات ، وكانت تلقي المصورات الدقيقة عن مواقع الجيش العراقي ، ليستفيدوا منها فيما يقتضي معرفته،هذا بالإضافة إلى تقديم الأسلحة والمعدات والخبرات العسكرية لهم } .ولم تكتف بريطانيا بكل ذلك ، بل قدمت إنذاراً جديداً للملك ، بوجوب وقف الحكومة تحركاتها العسكرية ،وحذرته من أن سياسة الحكومة تجاه هذه الأزمة قد تؤدي إلى عواقب وخيمة ، وطلبت من الملك العودة إلى العراق فوراً ، وأخذ زمام الأمور بيده ، قبل فوات الأوان (8)

أحرج الإنذار الجديد الملك فيصل ، مما جعله يسارع إلى الإبراق إلى الحكومة في بغداد بنص الإنذار البريطاني ، وقد سارع مجلس الوزراء على الفور إلى عقد جلسة استثنائية ، في 27 تموز 1933، لمناقشة الإنذار البريطاني للملك .

 وبعد انتهاء المناقشة ، طير مجلس الوزراء برقية إلى الملك فند فيها ما ورد في الإنذار البريطاني ، وأعلنت إصرارها على نزع السلاح من الآشوريين العائدين من سوريا ، ورغم طلب الملك، في برقية ثانية أرسلها إلى الحكومة ، عدم القيام بذلك ، لكن الحكومة أصرت على موقفها مرة أخرى ، مما أثار هذا الموقف الحكومة البريطانية ، التي سارعت إلى توجيه إنذار جديد للملك ، شديد اللهجة ، جاء فيه :

{ إن استمرار الحركات العسكرية ضد الآشوريين ، وإصرار الحكومة على موقفها ، وعدم إصغائها لأوامر جلالتكم ، قد أحدث تأثيراً سيئاً لدى الرأي العام البريطاني وغيره ، ولذلك ،إن لم تعودوا فوراً إلى العراق ، وتقبضوا بنفسكم على زمام الأمور ، فان الحكومة البريطانية ستضطر إلى إعادة النظر في علاقاتها العهدية مع العراق }.(9)

أوقع الإنذار البريطاني للملك فيصل ، الذي كان قد غادر إلى سويسرا للعلاج ، في حيرة شديدة ، وأسرع إلى الإبراق مرة أخرى إلى الحكومة ، يرجوها العمل على تخفيف الأزمة ، والتراجع عن الإجراءات التي تتخذها ضد المتمردين الآشوريين .

غير أن الحكومة أبرقت إلى الملك قائلة :

{ أن الحكومة البريطانية ليس من حقها توجيه الإنذار إلى جلالتكم  ، وإن قضية الآشوريين هي قضية داخلية ، ليس من حق بريطانيا التدخل فيها ، وأن الوزارة ترى من الضروري تأديب المتمردين ، أما عن عودة جلالتكم ، فالأمر منوط برأيكم ، إلا أن ذلك سوف لن يغير موقف الحكومة في أمر تأديب هذه الطغمة المتمردة }.(10)

عاد الملك إلى بغداد في 2 آب 1933 ، وفي نيته التخلص من وزارة رشيد عالي الكيلاني ، إلا أنه وجد نفسه في موقف ضعيف ، وأن جماهير الشعب تقف إلى جانب الأمير غازي والحكومة.

جمع الملك مجلس الوزراء لإجراء نقاش حول الأزمة ، وتحول الاجتماع إلى مهاترات بين وزير الداخلية [ حكمت سليمان ] ووزير الخارجية [ نوري السعيد ] ، واتهم نوري السعيد، وزير الداخلية أنه كان وراء الأزمة ، بسبب توقيف المار شمعون ، والإصرار على أخذ التعهد منه ، ورد وزير الداخلية [ حكمت سليمان ] على الفور ، مكذباً نوري السعيد قائلاً :

{ إن مستشار الوزارة [ كورنوليس ]هو الذي وضع مسودة الكتاب ، وصحح فيه نائب الملك ، وتولى هو ـ أي حكمت سليمان ـ توقيعه } .وكادت الأمور تتطور بين الجانبين ، داخل الاجتماع ، مما اضطر الملك إلى إنهائه .

ولابد أن أشير هنا إلى وقوع أخطاء ، وتصرفات ، وجرائم مسيئة من قبل العشائر ، وبعض قوات الجيش ، ما كان لها أن تحدث ، وخصوصاً ما عرف بمذبحة[ سميل ]التي ذهب ضحيتها اكثر من 300 فرداً من الآشوريين ، فيهم الكثير من الأبرياء ، من  النساء والأطفال ، ولاشك أن ذلك يعتبر جريمة بحق الإنسانية ، وجرى نهب العديد من الدور وإحراقها ، مما قدم صورة سيئة عن العراق ، وجعل الأبواق الاستعمارية تستغل تلك الأحداث ضد الحكومة ، وكانت أصابع الاتهام تشير إلى اللواء [ بكر صدقي ] قائد الحملة ، والذي عُرف بقسوته المفرطة ، ليس مع الآشوريين فحسب ، بل مع العشائر العربية في الجنوب أيضاً، والتي قمع تمردها ضد الحكومة ببالغ القسوة .

6 ـ إسقاط الجنسية العراقية عن المار شمعون وعائلته وإبعادهم خارج العراق :

بعد أن تم للحكومة قمع  الحركة الآشورية بالقوة ، تحولت نحو قضية [ المار شمعون ]  فقد كانت الحكومة تفكر بادئ الأمر بمحاكمته ، إلا أنها وجدت أن المحاكمة ستزيد من خطورة الأزمة مع بريطانيا ، ولذلك استقر الرأي على إسقاط الجنسية عنه ، وعن عائلته ، وإبعادهم إلى خارج العراق .

وبناء على ذلك أصدرت الحكومة مرسوماً في 15 آب 1933 ، يقضي بإسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي متجنس ، إذا حاول الإتيان بأي عمل يعتبر خطر على أمن الدولة ، وسلامتها ، وخول المرسوم وزير الداخلية تنفيذه . وبناء على ذلك ، صدر قرار بإسقاط الجنسية العراقية عن كل من:

1- إشاي مار شمعون 2 - داؤد مار شمعون  3 - تيادور مار شمعون  4-  سرمة خاتون . وجرى تسفيرهم بطائرة بريطانية إلى قبرص ، ومن هناك أخذ المار شمعون يتنقل بين العواصم الأوربية يهاجم الحكومة ، ويندد بإجراءاتها ، ويرسل المذكرات إلى عصبة الأمم ، يطالبها بإرسال لجنة دولية للتحقيق في الأحداث التي جرت خلال التمرد ، كما سعى لدى [ هتلر ] زعيم ألمانيا ، للتدخل لصالح الآشوريين .

وسارعت الحكومة إلى إرسال وفد رسمي ، في 22 أيلول 1933 ، ضم كل من ياسين الهاشمي، وزير المالية ، ونوري السعيد ، وزير الخارجية ، والمقدم محمود سلمان ، بالإضافة إلى مستشار وزارة الداخلية [ الميجر ادمونس ] مرفقاً بالوثائق والمستندات التي تثبت قيام الحكومة بمساعدة الآشوريين ، والعمل على إسكانهم ، إلا انهم تنكروا لكل ذلك ، وسلكوا طريق التمرد والعصيان ضد الحكومة.

أما عصبة الأمم ، فقد قامت بتشكيل لجنة دولية ، تأخذ على عاتقها مسألة إسكان الآشوريين النازحين إلى سوريا ، بعد أن سمحت لهم السلطات الفرنسية بالبقاء هناك .

ثالثاً : وفاة الملك فيصل الأول ،وتولي الملك غازي العرش :

في الأول من أيلول 1933 ، وصل الملك فيصل إلى [ برن ] عاصمة سويسرا ، طلباً للاستشفاء ،  وكان الإعياء بادياً عليه ، حيث نزل في فندق [  bellevue] المطل على نهر [ الآر ]،وهناك بدأ الملك ، رغم وضعه الصحي ، يستقبل مراسلي الصحف ، والعديد من الأصدقاء ، ويدلي بتصريحاته ، محاولاً الرد على الدعايات المضللة ، الموجه ضده ، وضد العراق وحكومته ، على أثر الأحداث التي رافقت حركة الآشوريين .

كان القلق والانفعال باديين على وجه ، وتميزت تصريحاته بشدة اللهجة ، وكان يضرب بيده على الطاولة بقوة ، وهو يتحدث مع الصحفيين .

قضى الملك فيصل 3 أيام على تلك الحال ، وهو يزداد تعباً ، وتزداد صحته تردياً . وفي 7 أيلول ، أُصيب الملك بالآم حادة في بطنه ، وحضر طبيبه الخاص على عجل ، وتم حقنه بحقنة تحت الجلد ، حيث أحس بنوع من الراحة .

غير أن صحته تدهورت ، عند منتصف الليل ، وقد حضر إلى غرفته كل من نوري السعيد ، ورستم حيدر ، وتحسين قدري ،حيث وجدوه وهو في حالة خطيرة ، يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وكان آخر ما قاله :

{ أنا مرتاح ، قمت بواجبي ، وخدمت الأمة بكل قواي ، ليسر الشعب بعدي ، بقوة واتحاد } ثم شهق شهقة الموت .(11)

وعلى الفور طّير نوري السعيد، ورستم حيدر ،برقية إلى الحكومة في بغداد جاء فيها :

{ فجعت الأمة العراقية ، عند منتصف الليل ، بوفاة سيدها ، وحبيبها ، جلالة الملك فيصل ، وذلك نتيجة نوبة قلبية } .!!

خرج التقرير الطبي بان الوفاة ناجمة عن انسداد الشرايين ، وقد أثار هذا الأمر الاستغراب في وقته ، حيث أن هذا الأمر لا يحدث إلا عند المتقدمين في العمر، والملك

لم يكن قد بلغ الخمسين عاماً من العمر ، كما أن الملك كان قد شعر بالآم حادة في البطن ، وعليه فقد ثارت الشكوك حول السبب الحقيقي للوفاة ، وكان هناك شك كبير في أن يكون سبب الوفاة هو التسمم ، وقيل أن الإنكليز هم الذين كانوا وراء

 

العملية ، فقد كانوا قد أرسلوا له الإنذار تلو الإنذار ، في الفترة الأخيرة ، بسبب أحداث التي رافقت الحركة الآشورية .

تم نقل جثمان الملك إلى بغداد ، في 14 أيلول ، حيث تم تشيعه في موكب رسمي ، ودفن في المقبرة الملكية في الأعظمية .

وبوفاة الملك فيصل ، اختفت فوراً مذكراته الخطيرة ، ولم يعد أحد يعرف عنها شيئاً ، وقيل أن وراء عملية الاختفاء تلك ، كان نوري السعيد (12)

وعلى أثر وفاة الملك فيصل ، تولى ولي العهد ، الأمير غازي ، العرش ، حيث جرى تتويجه رسمياً مساء يوم 8 أيلول 1933 ، ملكاً على العراق .

*****

التوثيق

 (1)ت ، و ، ع ـ الحسني ـ ج 1 ـ ص 202 .

 (2) نفس المصدر ـ ص206 .

 (3) ت . و. ع ـ ج1 ـ ص 202 .

 (4)  نفس المصدر ـ ص 206 .

  (5) ت ، و ، ع ـ الحسني ـ ج 3 ، ص 263

 (6) نفس المصدر ـ ص 271 .

 (7) ت ، و ، ع ـ الحسني ـ ج3 ـ ص 292 .

  (8) ت ن و ، ع ـ الحسني ـ ج 3 ، ص 292 .

  (9) نفس المصدر ـ ص 295 .

 (10) نفس المصدر  السابق.

 (11) المصدر السابق ـ ص 309 .

 (12)نفس المصدر السابق .