Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review
الفصل السابع عشر

 

قيام جبهة الاتحاد الوطني

 

أولاً : قيام جبهة الاتحاد الوطني [ شباط 1957 ] .

ثانياً : البيان التأسيسي لجبهة الاتحاد الوطني .

ثالثاً : استقالة حكومة نوري السعيد، وتكليف علي جودت الأيوبي .

رابعاً : اشتداد التآمر على سوريا .

خامساً : استقالة حكومة الأيوبي، وتكليف عبد الوهاب مرجان بتأليف الوزارة .

سادساً : إعلان الوحدة بين سوريا ومصر، وقيام الجمهورية العربية المتحدة .

سابعاً : قيام الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن .

ثامناً استقالة حكومة مرجان، وتكليف نوري السعيد من جديد .

تاسعاً : نوري السعيد رئيساً لحكومة الاتحاد الهاشمي .

عاشراً : أحمد مختار بابان رئيساً لوزراء العراق .

أحد عشر : الخاتمة .

أولاً : قيام جبهة الاتحاد الوطني [ شباط 1957]:

ادركت القوى والأحزاب الوطنية استحالة تغيير الأوضاع في البلاد من دون تعاونها المشترك، وبموجب برنامج يتم الاتفاق بشأنه من قبل كافة الأطراف . ونتيجة للمساعي المبذولة في هذا السبيل من قبل سائر الأطراف، فقد جرت لقاءات بين الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والعديد من الشخصيات الوطنية المستقلة، وتم خلال تلك اللقاءات دراسة مكثفة حول السبل والوسائل الكفيلة لتحقيق أهدافها وطموحاتها، وإنقاذ الشعب العراقي من تلك الزمرة التي استهترت بحقوقه وحرياته ومصالحه، وربطت البلاد بعجلة الإمبريالية . وقد أسفرت تلك الجهود عن تشكيل {جبهة الاتحاد الوطني }في شباط من عام 1957، وتم تشكيل لجنة عليا تضم ممثلين عن تلك الأحزاب . (1)

حاول الحزب الشيوعي إشراك الحزب الديمقراطي الكردستاني في الجبهة، إلا أن تلك المحاولة لقيت المعارضة من قبل الحزبين القوميين، البعث والاستقلال، ولذلك فقد أكتفي الحزب الشيوعي بالتحالف الثنائي مع الحزب المذكور .

وفي 9 آذار 1957، صدر البيان التأسيسي لجبهة الاتحاد الوطني، وقد استعرض البيان أسباب قيام الجبهة، وأهدافها، وقد أجمعت الأحزاب المنضوية فيها على الخطوط والأهداف الرئيسية التي ستناضل من اجل تحقيقها، والتي تتلخص فيما يأتي :

1 ـ إسقاط حكومة نوري السعيد، وحل المجلس النيابي .

2 ـ الخروج من حلف بغداد، وأتباع سياسة الحياد الإيجابي .

3 ـ إطلاق الحريات الديمقراطية، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإلغاء كل ما يتعارض معها من مراسيم وتشريعات شاذة .

4ـ إلغاء مرسوم الإدارة العرفية، وحل المجالس العرفية، وإطلاق سراح المعتقلين والمسجونين السياسيين، وإعادة المفصولين إلى وظائفهم وكلياتهم ومدارسهم، وإلغاء مرسوم إسقاط الجنسية عن المواطنين .

5 ـ تعزيز الروابط مع البلدان العربية المتحررة .

وفيما يلي نص البيان التأسيسي الذي أعلنته اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني :

 

 

ثانياً : البيان التأسيسي لجبهة الاتحاد الوطني [ شباط 1957 ]

 

أيها الشعب العراقي الكريم :

نظرة في الوضع الدولي العام :

يتميز الوضع الدولي العام باشتداد الكفاح على النطاق الدولي بين الدول الاستعمارية من جهة وبين القوى الوطنية والتحررية من جهة أخرى، باتخاذ الكفاح المذكور أشكالاً جديدة، بعد أن تغير ميزان القوى داخل الجبهة الاستعمارية، وبينها وبين القوى الوطنية التحررية، تغيراً حاسماً، بعد فشل العدوان الجنوني الغادر على الشقيقة مصر، وتصدع البناء الاستعماري تصدعاً خطيراً، وانكشاف زيف المواثيق والأحلاف الاستعمارية، والدور المستنكر الذي قامت به دول حلف بغداد، وخاصة [ تركيا ] و [ العراق ] في العدوان المذكور .

ومن البديهي أن يحاول الاستعمار، الذي يرى في نمو القومية العربية، ونشوء كتلة الدول العربية المتحررة، وتبلور الوعي القومي للشعوب العربية، أكبر خطر على مصالحه، وأعظم عائق في إحكام طوقه الاستعماري، وأكبر ثغرة في سلسلة مواثيقه وكتله، وأحلافه . ومن البديهي أن يحاول تجديد أشكاله، وتغيير أساليبه، والقيام بتوزيع جديد لأدوار أبطاله، ورفع شعارات جديدة تتلاءم والمواقف المستجدة المتغيرة .

وبالرغم من عدم تبلور الموقف الاستعماري الجديد، وشدة التناقضات التي تنخر في جسمه، إلا أن الخطط الأولى لهذا الوضع الجديد بدأت تتضح في محاولات مفضوحة للقضاء على الوضع السياسي الوطني في الشقيقتين مصر وسوريا، بطريق الضغط الاقتصادي المتواصل، والمؤامرات المكشوفة، وتهديدات الدول المجاورة، الضالعة في ركاب الاستعمار، والاتهامات الرخيصة الكاذبة، وحملات التهويش والتضليل، وسياسة الدس، عن طريق الرشوة وشراء الذمم، وإفساد الضمائر، ومحاولة تحويل قوات الأمن الدولية الى قوات احتلال دائمة . هذا فضلاً عن حماية إسرائيل، وإسناد سياستها العدوانية، وتوسعها الإقليمي، والعمل على فرض الصلح معها على العرب، والتلويح بتدويل الأراضي العربية لاستخدامها كقواعد ضد حركة التحرر القومية، واندفاع الاستعمار الأمريكي للحلول محل الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط، والاستعمار الفرنسي في المغرب العربي، والاستمرار في إسناد ميثاق بغداد، ومحاولة جر الدول العربية المتحررة إليه، بالضغط والتهديد والإكراه، وتكوين اتحاد استعماري جديد في المغرب العربي، وخنق القومية العربية، بمنع مصادر الحياة والقوة عنها، بما في ذلك الموارد الاقتصادية والمالية، والأسلحة الدفاعية، وتدعيم المصالح النفطية في الشرق الأوسط باسم حرية التجارة والملاحة العلمية والنقل، والتآمر المكشوف على أمن الشعوب وسلامتها، ومصالحها باسم نظرية الفراغ السياسي المزعوم، وصيانة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وأخيراً، وليس آخراً تثبيت الأوضاع الفاسدة في الشرق الأوسط، ومنع أي تطوير ديمقراطي لها بكل الوسائل التي ينطوي عليها [مشروع ايزنهاور] الجديد . ولكن بالرغم من هذه المؤامرات الاستعمارية التي استنفذت جميع أشكالها، من معاهدات غير متكافئة، الى أحلاف عسكرية استعمارية، الى تحالف مع [ إسرائيل ] عدوة العرب،الى عدوان مسلح على الشقيقة مصر، نقول على الرغم من هذه المؤامرات، فقد خرجت القومية العربية من هذه المعركة منتصرة، قوية ونامية، بعد أن صقلتها التجارب، وثبتت أركانها المحنة، إذ ردّت العدوان على مصر، وألغت معاهدة قناة السويس لسنة 1954، وأرغمت الدول الاستعمارية، بريطانيا وفرنسا، وربيبتهما إسرائيل على الانسحاب، كما أنها فضحت الدولة المزعومة إسرائيل في المجالات الدولية، فبدا حق العرب واضحاً في فلسطين، وسما مركزهم مشفوعاً بروح جديدة تدفعهم للنضال، وتشدهم للاتحاد .

لكن الاستعمار لن يلقِ سلاحه بسهولة، لأنه ما زال يتثبت بالبقاء في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما في العراق، تحت ستار حلف بغداد الاستعماري، مستعيناً بأذنابه الذين ربطوا مصالحهم به . إن هذا الوضع الشاذ، والمرحلة الخطيرة التي تجتازها الأمة العربية في تاريخها، تفرض على العراقيين أن يقوموا بواجبهم في الكفاح من أجل التحرر والاستقلال، فاجتمع الوطنيون، وتدارسوا الأوضاع الداخلية والخارجية، وثبتوا الأهداف التي تعبر عن هذه المرحلة نقطة ابتداء، لتحقيق الحرية والاستقلال للشعب العراقي، والسير به في موكب الأمة العربية التحرري .

إن هذه الأهداف الوطنية الكبرى،التي أجمع عليها العاملون في الحركة الوطنية،يمكن تلخيصها بما يأتي :

1ـ تنحية وزارة نوري السعيد، وحل المجلس النيابي :

إن هذا المطلب يشكل بالبداهة الخطوة الأولى لأية سياسة وطنية محتملة، فنوري السعيد هو العميل الأول للاستعمار البريطاني، والصفقات الاستعمارية الكبرى في تاريخ العراق الحديث، بل وفي الشرق الأوسط . شكل وزارته الحالية في صيف عام 1954، ليقوم بالدور الاستعماري المرسوم له، وعَقدَ حلف بغداد، وعمل على جرّ الدول العربية إليه، وعقد الصلح مع إسرائيل، والقضاء على القومية العربية المتحررة، وتحويل الشرق العربي الى قلعة استعمارية كبرى، وبالرغم من جميع الوسائل الوحشية، والجرائم المنكرة، والمجازر الفظيعة، التي ارتكبها نوري السعيد .

 وبالرغم من جميع المراسيم الكيفية، والأحكام العرفية، والمؤامرات على الدول الشقيقة، فقد أثبتت الحوادث الأخيرة فشل سياسة نوري السعيد فشلاً تاماً، فهو وإن كان قد حقق بعض أغراض الاستعمار في العراق، بتجديد المعاهدة، وشق الصف العربي، إلا أنه فشل فشلاً ذريعاً في ضرب الحركة القومية العربية، كما فشل في جر أي بلد عربي الى حلفه الاستعماري، فهو لم يستطع إذن تحقيق أهداف الاستعمار في هذه المنطقة الحساسة من العالم .

  أن نوري السعيد، بعد فشل العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر، وانكشاف مؤامراته على سوريا، وقبل ذلك على الأردن، وافتضاح دور ميثاق بغداد للقضاء على حركة التحرر العربية، وانعزاله انعزالاً تاماً  في الحقلين الداخلي والدولي، سوف لن يتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم الجديدة،للمحافظة على المصالح الاستعمارية في العراق،والشرق العربي، وسوف يواصل مؤامراته، وتهديداته، ومناوراته في محاولة يائسة للقضاء على استقلال الدول العربية المتحررة، والذي ما انفك يخلق لها المتاعب، ويثير المشاكل باستمرار، وسوف لا يتردد في القيام بدوره الجديد في المرحلة الجديدة للاستعمار العالمي، بعد تغير ميزان القوى داخل الجبهة الاستعمارية، وبنفس الوحشية والقسوة التي عرف بها في خدمة أسياده القدامى، وما المجلس النيابي الحالي، المكون أكثره من الاستغلاليين والانتهازيين، والإمعات،والذي عين أعضاءه بأفظع وسائل التزوير والتلفيق، إلا أداة طيعة لتنفيذ المشاريع الاستعمارية، يسخره نوري السعيد كيفما أراد في خدمة المستعمرين المغتصبين، على حساب الشعب العراقي، ومبدأ حق تمثيله، فالمجلس النيابي الحالي هو أبعد ما يكون إذن عن كونه جهازاً تشريعياً مستقلاً محترماً .

لهذه الأسباب جميعاً أصبحت تنحية وزارة نوري السعيد، وحل المجلس النيابي، المطلب الأول من مطالب الحركة الوطنية .

 

2 ـ الخروج من حلف بغداد،وتوحيد سياسة العراق مع البلدان العربية المتحررة :

 

إن الصراع بين القوى الاستعمارية وسياسة التكتل والأحلاف الأجنبية من جهة، وبين القوى الوطنية، ومبادئ [ باندونك ] من جهة أخرى، أنعكس في الشرق العربي في صراع عنيف متواصل مستمر، واتخذ أشكالاً وألواناً شتى بين الشعوب العربية،في نزعتها الى التحرر والاستقلال، بين بعض الحكومات العربية الرجعية الضالعة في ركاب الاستعمار، والحريصة على تثبيت المصالح غير المشروعة للفئات الحاكمة، والمرتبطة بمصالح الاستعمار، ولعل أكبر حدث سياسي في تاريخ الأمة العربية الحديث، هو ظهور حكومات عربية استطاعت لأول مرة في تاريخنا المعاصر أن تفلت من طوق الاستعمار، وتتبع سياسة عربية مستقلة، تخدم مصالح شعوبها  وتسهم في التيار المتجه بقوة نحو استقلال جميع الأمم، وتحرر الإنسان من شبح الاستغلال والاستعباد، وقد كان لهذا الحدث السياسي الخطير وقع الصاعقة على الاستعمار العالمي، فأسرع لعقد ميثاق بغداد، وركز جهوده لجر الدول العربية لهذا الحلف .

ولقد قامت دول الميثاق المذكور، لتحقيق مهمتها العدوانية بكل الكبائر، وآثار هذه السياسة الإجرامية ماثلة لدينا في العراق، في حلّ الأحزاب السياسية، وتعطيل الصحافة الوطنية، وخنق الحركة الفكرية، الأزمة الاقتصادية الآخذة بخناق أكثرية أبناء الشعب، وفي هذه السجون والمعتقلات المملوءة بالوطنيين، وتلك الكليات والمعاهد الغاصة بالأرصاد والجواسيس، وخنق الشعب بالجاسوسية، وتبذير موارد البلاد عليها، لخدمة الدول الاستعمارية، وفي الثكنات والقلاع المحولة الى وسائل عقاب تعذيب للشباب، وفي مجازر الحي والنجف، والموصل، وبغداد وغيرها، وفي إعدام الوطنيين، وفصل الأساتذة والطلاب والموظفين، ونفي السياسيين، ونزع الجنسية العراقية عنهم، وفي الأوضاع القائمة على الاستغلال والرشوة والفساد، وعلى النهب والسلب والتبذير والتبديد،والمحسوبية،والعنف والإكراه، وأخيراً في هذه المعاهدة الجديدة التي هُربت تهريباً تحت ستار حلف بغداد العدواني، لتجديد معاهدة 1930، لتمكين نفوذ الاستعمار ومصالحه في العراق .

على أن الاستعمار بالرغم من فشل ميثاقه في تأدية مهمته الأساسية، وخاصة بعد انكشاف دوره المفضوح في العدوان الثلاثي على مصر، فقد بادرت الولايات المتحدة وبريطانيا، وقادة الدول المنضوية تحت راية هذا الميثاق، يفكرون بتغذيته بدم جديد، والعمل على إسناده بوسائل جديدة ترد له بعض الحياة، ولذلك فإن خروج العراق من هذا الميثاق الذي كان وسيلة لتمكين الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط، وجعل العراق قاعدة لضرب الحركات الوطنية فيه، والذي فرق كلمة العرب، وهدم التعاون العربي، الذي كنا نأمل في أن يصل الى درجة الاتحاد، والذي شل الجامعة العربية، وربط مصير العراق بالدول الاستعمارية، ومهد للنفوذ التركي البغيض كخطوة أولى لنفوذ أوسع وأكبر، نقول أن خروج العراق من هذا الميثاق هو الشرط الأول والأساسي لكسب العراق استقلاله السياسي، وانفكاكه من القيد الاستعماري، وخروجه من عزلته المصطنعة، والالتحاق بقافلة الدول العربية المتحررة، ومساهمته في تحرير الشعوب العربية، وعمله كقوة إيجابية من القوى العاملة على وحدة الأمة العربية .

 

3ـ مقاومة التدخل الاستعماري بشتى أشكاله ومصادره،وانتهاج سياسة عربية مستقلة أساسها الحياد الإيجابي :

 

إن هذا المطلب الأساسي المتعلق بموقف العراق من السياسة الدولية، هو امتداد ضروري وطبيعي للمطلب السابق الذي يتعلق بموقفه من السياسة القومية . وقد سبق أن المحنا في أول هذه الكلمة أن الاستعمار يتخذ بالضرورة أشكالاً مختلفة، وألواناً شتى، حسب تطور ميزان القوى الدولية .

إننا نشجب ميثاق بغداد، لأنه مظهر جوهري من مظاهر الاستعمار، ولكن الاستعمار أتخذ وسيتخذ حتماً مظاهر جديدة أخرى، اقتصادية وسياسية وعسكرية وفكرية، وواجب الحركة الوطنية أن تتابع حركة التطور والأساليب الاستعمارية بكل يقظة وحذر، وأن تكشف جوهرها وخطرها، وأن تطور هي الأخرى أساليب عملها وكفاحها حسب تطور ظروف المقاومة للاستعمار، بسائر ألوانه وأشكاله، وإدراك جوهره الحقيقي، وما يخفيه وراء شعاراته المضللة، واعتباره منظمة  عالمية عدوانية، رغم الخلافات المحتدمة بين أجزائه، واتباع سياسة عربية مستقلة أساسها الحياد الإيجابي، بتجنيب البلاد من الانغمار في تيار الحرب الباردة بين المعسكرات الدولية، وانتهاج سياسة مستقلة في الحقل الدولي مستوحاة من مصالح الأمة العربية، بعيدة عن مؤامرات الاستعمار، وإغراءاته ،وتهديداته، وحذراً من كتله ومواثيقه، مدركة لزيف مساعداته، وخبرائه، مستندة لمصالح الشعوب العربية التي لا تطمح لغير الاستقلال والحرية والرفاه والسلم والازدهار المادي والأدبي، في جو عالمي هادئ خالٍ من التوتر والعدوان .

 

4 ـ إطلاق الحريات الديمقراطية :

 

إن مبدأ سيادة الشعب انتزعته الشعوب منذ قرون، وكسبت بتحقيقه فعلاً حقوقاً كثيرة، منها حق تمثيل الشعب لنفسه عن طريق الانتخاب الحر المباشر، والعمل لهذا الغرض في جو تكتنفه الحريات، وتعمه الديمقراطية المبنية على أساس حرية التنظيم الحزبي، وحرية التعبير والرأي والضمير، وعلى أساس المسؤولية الوزارية .

في مثل هذه الأجواء الديمقراطية فقط يمكن أن تتيح الشعوب لنفسها محيطاً تنموا فيه القابليات ،وتتضاعف الثروات، ويخطو المجتمع الى أمام في مدارج الرقي والمدنية . فالحريات الديمقراطية هي الإطار العام الذي لا يمكن للحياة العامة أن توجد، وتتحرك، وتنمو وتتطور وتتفاعل، وتتوالد بدونه . فالمراسيم الكيفية اللادستورية، وإسقاط الجنسية عن أحرار العراق المطالبين بالحق والكرامة  وإلغاء الأحزاب، وتعطيل الصحف، وتزييف الانتخابات، ودكتاتورية الفرد، وكم أفواه الناس  وخنق الحريات، كلها وسائل سلكتها وزارة نوري السعيد، لتعيد العراق الى عهد الطغيان والعبودية، إنها سموم تميت الديمقراطية، وتمتهن الكرامة، وتقضي على القومية . ولذلك فالقضاء على هذا الفساد السياسي، وإعادة الحكم الديمقراطي، بإطلاق الحريات الدستورية، هما الشرط الأول لبناء حياة سياسية صحيحة .

إن الحريات الديمقراطية تؤلف وحدة لا يمكن أن تتجزأ، فيجب أن تشمل حرية الاجتماع، وتأليف الأحزاب، والتنظيم النقابي، والجمعيات، وحرية الانتخاب، والحرية الفكرية بسائر ألوانها، والحريات الشخصية والمدنية .... الخ. كما يجب أن تكون عامة شاملة، يتمتع بها جميع المواطنين دون تمييز . إن ضمان هذه الحريات الدستورية،وإلغاء ما يتعارض معها من مراسيم شاذة،مطلب وطني أساسي لا غنى عنه للشعب .

 

******

5 ـ إلغاء الإدارة العرفية، وإطلاق سراح المعتقلين والموقوفين، والسياسيين، وإعادة المدرسين والطلاب والموظفين والمستخدمين المفصولين لأسباب سياسية :

 

 إن هذا المطلب الأخير،وإن كان نتيجة حتمية يمكن أن تدخل في نطاق المطلب السابق، إلا أن طبيعته الآنية المستعجلة، وكثرة عدد ضحايا الإرهاب السعيدي، والتعذيب والإرهاب الذي لازال يلاقيه الألوف من ضحايا الحركة الوطنية مع عائلاتهم وذويهم، يجعل المطالبة بتحقيق هذا المطلب الملح، مظهراً من مظاهر العمل على إزالة المظالم التي قامت بها وزارة نوري السعيد ضد الوطنيين .أننا ندعو جميع أفراد الشعب العراقي الكريم، وجميع العاملين في الحركة الوطنية، الى وحدة التكتل، والالتفاف حول مطالب الأمة الكبرى . ندعوهم الى نبذ الخلافات، والانشقاقات بمختلف أشكالها من صفوف الحركة الوطنية، والكفاح المشترك من أجل تنحية وزارة نوري السعيد، وحل المجلس النيابي، والخروج من حلف بغداد، وتوحيد سياسة العراق الخارجية مع البلاد العربية المتحررة، ومقاومة التدخل الاستعماري بشتى أشكاله ومصادره، وسلوك سياسة الحياد الإيجابي، وإطلاق الحريات الديمقراطية الدستورية، وإلغاء الإدارة العرفية، وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين السياسيين وإعادة المفصولين بسبب نشاطهم الوطني،والنصر لا محالة للشعب .

 

بغداد في 9 آذار 1957                                اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني

 

ثالثاً : استقالة حكومة نوري السعيد،وتكليف الأيوبي :

 

أحس البلاط، ومن ورائه بريطانيا، أن الشعب العراقي لم يعد يحتمل استمرار حكومة نوري السعيد، وأن البلاد قد أصبحت في حالة من الغليان الشديد، ولاسيما بعد إعلان تشكيل جبهة الاتحاد الوطني، ولجوئها الى العمل السري، بعد إلغاء الأحزاب السياسية .

كما أدركت بريطانيا أن العراق قد أصبح معزولاً تماماً عن العالم العربي بعد عقده ميثاق بغداد، وانغمار حكومة السعيد في التآمر على سوريا ومصر، وموقفها المشين من العدوان الثلاثي عليها، ووجدت أن من الضروري إبعاد نوري السعيد مؤقتاً عن السلطة، من أجل امتصاص الغضب الشعبي، ومحاولة فك العزلة عن العراق، فأشارت الى السعيد بتقديم استقالة حكومته، وتم ذلك بالفعل في 8 حزيران 1957، وقبلت الاستقالة، وكلف الملك السيد علي جودت الايوبي في 20 حزيران بتشكيل الوزارة الجديدة التي جاءت على الوجه التالي :

1 ـ علي جودت الأيوبي ـ رئيساً للوزراء .

2 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمالية، ووكيلاً لوزارة الخارجية .

3 ـ احمد مختار بابان ـ وزيراً للدفاع، ووكيلاً لوزارة المعارف .

4 ـ عبد الوهاب مرجان ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .

5 ـ نديم الباجه جي ـ وزيراً للاقتصاد، ووكيلاً لوزارة الأعمار .

6 ـ سامي فتاح ـ وزيراً للزراعة .

7 ـ عبد الرسول الخالصي ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

8 ـ جمال عمر نظمي ـ وزيراً للداخلية .

9 ـ أركان العبادي ـ وزيراً للعدلية .

10 ـ علي الشرقي ـ وزيراً للصحة .

11 ـ عبد الأمير علاوي ـ وزيراً بلا وزارة .

حاول علي جودت الأيوبي فك عزلة العراق عن العالم العربي، فأقدمت حكومته على إيقاف الحملات الإعلامية على مصر وسوريا، وإيقاف عمل أجهزة التشويش على محطتي إذاعة دمشق والقاهرة، وإيقاف محطة الإذاعة التي نصبها نوري السعيد في دار مدير الشرطة العام، والمسخرة لمهاجمة سوريا ومصر، وأعادت المدرسين المصريين الذين أبعدتهم حكومة نوري السعيد .

لكن هذه الإجراءات لم تكن تعني شيئاً بالنسبة لمصر وسوريا، وبالنسبة للشعب العراقي الذي عانى ما عانى من إجراءات نوري السعيد . وحقيقة الأمر أن الوزارة لم تكن تبغي إجراء أي تغير جوهري في سياسة الدولة، سواء كان على الصعيد الداخلي أم الخارجي، وإنما كان لا يعدو عن كونه تخدير ليقظة الحكومة السورية تجاه المخطط الإمبريالي الرامي الى قلب نظام الحكم فيها.

وعلى الصعيد الداخلي، بقيت البلاد بلا أحزاب، منذ أن جرى تعطيلها في منتصف عام 1954 ،هذا بالإضافة الى اعتقال زعيم الحزب الوطني الديمقراطي الأستاذ كامل الجادرجي، والحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات، والحكم على الكثيرين من السياسيين الوطنيين، وبقاء الآلاف من الطلاب والأساتذة والموظفين المفصولين من وظائفهم وكلياتهم ومدارسهم، وبقاء الصحافة الوطنية والنقابات المهنية معطلة .

لقد كان من المتوقع أن تقدم الحكومة الجديدة على بعض الإجراءات لمعالجة تلك الأوضاع، إلا أن شيئاً من ذاك لم يحدث، رغم مرور أكثر من شهر على تأليف الحكومة الأيوبية، مما دفع بعدد من السياسيين الوطنيين بتقديم مذكرة الى الحكومة، في 11 آب 1957، طالبوا فيها بما يلي :

1ـ إزالة آثار الأحكام العرفية، والإفراج عن المحكومين السياسيين، وفي مقدمتهم الأستاذ كامل الجادرجي .

2 ـ إعادة الطلاب والمدرسين وأساتذة الكليات والموظفين المفصولين الى أعمالهم .

3 ـ إفساح المجال لحرية التنظيم الحزبي والنقابي .

4ـ إطلاق حرية الصحافة العراقية ورفع المنع عن الصحف العربية الحرة من دخول العراق.(2)

 وقد وقع على المذكرة 24 شخصية سياسية من مختلف الاتجاهات السياسية . لكن الحكومة أجابت على تلك المذكرة بطريقة تهدف الى التهرب من تلبية تلك المطالب، مدعية أن إجراءات كهذه تتطلب إصدار قوانين، وعفو ملكي، وغير ذلك من الأعذار الواهية التي لا يمكن أن تقنع أحداً . فقد كان البلاط مصراً على إبقاء الأوضاع كما هي، وعدم فسح المجال بأي حال من الأحوال لأي وجود ديمقراطي في البلاد .

 

رابعاً : اشتداد التآمر على سوريا:

 

لم يكد الشعب السوري يتخلص من النظام الدكتاتوري العسكري، وقيام المؤسسات الديمقراطية، وإطلاق الحريات العامة، حتى بدأ الضغط الإمبريالي يتصاعد على سوريا، وخاصة بعد أن أقدمت الحكومة السورية على شراء الأسلحة من دول المعسكر الاشتراكي، بعد أن يأست من إمكانية الحصول عليها من الدول الغربية، في الوقت الذي كانت تلك الدول تغدق شتى أنواع الأسلحة، وأحدثها على إسرائيل، عدوة العرب، مما شكل خطورة كبرى على مستقبل سوريا، ودفعها للبحث عن مصادر أخرى للسلاح للدفاع عن نفسها ضد التهديدات الإسرائيلية وحلف بغداد .لقد طار صواب الإمبرياليين للتوجه الجديد لمصر وسوريا نحو الشرق، واعتبرت ذلك العمل تغلغلاً سوفيتياً في منطقة الشرق الأوسط، وتهديداً للمصالح الغربية، وبدأت اللقاءات والاجتماعات للدول السائرة بركاب الإمبريالية في المنطقة، أعضاء حلف بغداد، يتوالى مع بعض أقطاب الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، للتصدي للتوجهات السورية، ومحاولة الاعتداء عليها  بحجة وجود الخطر الشيوعي، واحتمالات سيطرة الشيوعيين على الحكم في سوريا . فقد سارعت الولايات المتحدة الى إرسال مساعد نائب وزير الخارجية الأمريكي [ لوي هندسن ] الى اسطنبول حيث التقى بالملك[ فيصل الثاني ] وولي عهده [ عبد الإله ] ووزير الدفاع [ أحمد مختار بابان ] ورئيس أركان الجيش [ وفيق عارف ]، كما حضر عن الجانب التركي رئيس الجمهورية [ جلال بايار ]،ورئيس الوزراء  [عدنان مندرس ] ووزير الخارجية [ فؤاد كبرلو ]،وجرى نقاش مطول حول الوضع في سوريا، وضرورة التصدي للخطر الشيوعي المزعوم، وجاء في محضر الاجتماع المذكور كما ذكر الدكتور فاضل الجمالي ما يلي  : (3)

{ قال هندسن، إن أمريكا راغبة لإعطاء الفرصة لعمل يقوم به العراق والأردن، ومسندا من قبل تركيا .لقد تكلمت مع الرئيس [ايزنهاور ]،ووزير الخارجية [ جون فوستر دلس]  وهما يعتبران الموقف خطيراً جداً، والولايات المتحدة مستعدة لإسناد أي مداخلة من العراق والأردن، واتخاذ كل الوسائل لمنع مداخلة الاتحاد السوفيتي ومصر، وراغبة بإعادة حرمتها في المنطقة، وستسند الموقف في الأمم المتحدة } .

أما وزير الدفاع العراقي أحمد مختار بابان، فقد أعترف أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة أن عبد الاله كان متحمساً للتدخل في سوريا عسكرياً، وأضاف احمد مختار بابان يقول [ عند عودتي الى بغداد بصحبة عبد الإله، ورفيق عارف، رئيس أركان الجيش،  استدعاني عبد الإله في اليوم التالي، وتحدث معي عن الأوضاع في سوريا قائلاً، أن الوضع قد أصبح في غاية الخطورة، وان هناك أربعة حلول لمعالجة الوضع وهي بالتحديد ما يلي :

1ـ تنحية بعض الأشخاص عن السلطة في سوريا .

2 ـ إيجاد ثورة داخلية فيه للقضاء على أولئك الأشخاص .

 3 ـ إيقاد ثورة بواسطة العشائر على الحدود .

 4 ـ تدخل عسكري، بعد التمهيد له .(4)

وقد ذكر أحمد مختار بابان أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة بأن [علي ممتاز الدفتري] وزير المالية ووزير الخارجية بالوكالة قد أجتمع في لندن، في أيلول 1957 مع عدد من المسؤولين البريطانيين بالإضافة الى نوري السعيد، وفهم منهم أن الوضع قد أصبح خطيراً في سوريا، وأن الولايات المتحدة على وشك أن تتخذ قرارات خطيرة في الشرق الأوسط.

وفي يوم 10 أيلول 1957 زارني السفير الأمريكي في ديوان وزارة الخارجية بحضور [أمين المميز]واستعرض الوضع في سوريا، وبين أن الحكومة الأمريكية تعتقد أن الوضع في سوريا خطير ويدعو للقلق، وتقتضي المصلحة عمل سريع .

 وفي 13 أيلول 1957 طلب السفير الأمريكي مقابلتي بالتلفون فوراً، قائلاً إنه تلقى معلومات من حكومته تشير الى ما يلي : (5)

1 ـ إن الوضع في سوريا قد تردى كثيراً، بسبب تغلغل الشيوعيين هناك .

2ـ إذا وقع أي عدوان من سوريا على أي بلد عربي، وطلبت حكومة ذلك البلد مساعدة ما فإن الحكومة الأمريكية تعاونها بالمال والسلاح .

3 ـ إذا تصدت سوريا لقطع أنابيب النفط على أراضيها فإن الحكومة الأمريكية ستساعد العراق بصورة مؤقتة .

4 ـ الأسطول السادس الأمريكي في البحر المتوسط على أتم الاستعداد للمساعدة .

5ـ إذا وقع تعدي من سوريا بمساعدة السوفيت، فالحكومة الأمريكية تعاون بالمال والسلاح .

6 ـ إذا جرت محاولة للقيام بأي عمل في داخل سوريا فإن أمريكا تساعد أيضاً .

7ـإن هذه الإجراءات لإعادة الحالة الطبيعية لسوريا وليس للمس باستقلالها و أراضيها.

8 ـ الأتراك يشعرون أيضاً بتردي الحالة . 

9 ـ لقد جرى الاتصال بإسرائيل، وطلب منها عدم التدخل، منعاً للإحراج .

10 ـ إن هذه المعلومات قد بُلغت للأتراك والبريطانيين] .

ولم تكتفِ الولايات المتحدة بالعمل من وراء الستار لقلب الأوضاع في سوريا، بل كانت تتحدث على المكشوف، فقد  أصدر وزير الخارجية [ دلس ] البيان التالي :

بتاريخ 7 أيلول 1957، جرى اجتماع بين [ لوي هندرسن ] و [ وليم رونتري ] وبيني وبين الرئيس [ ايزنهاور ]،عرض المستر هندرسن عرضاً وافياً، وتبادل وجهات النظر حول المباحثات التي أجراها في الشرق الأوسط مع موظفين كبار من تركيا والعراق، والأردن ولبنان، وقد بين هندرسن بأنه وجد في الشرق الأوسط اهتماماً بالغاً لازدياد التسلط لسوفيتي الواضح في سوريا، وتكدس أسلحة الكتلة الشيوعية فيها، ذلك التكدس الذي لا تبرره أي مقتضيات دفاعية صرفة وهناك وضع خاص بسبب حوادث الحدود التي تألفت حديثاً في الدول العربية المجاورة لسوريا .لقد أولى الرئيس ايزنهاور تقرير هندرسن، وكذلك التقارير الواردة لوزارة الخارجية الأمريكية من سفراء الولايات المتحدة في المنطقة تمعناً دقيقاً، وقد قدر الرئيس ايزنهاور الوضع على ضوء ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينكر على سوريا حق استخدام القوة، إلا لغرض الدفاع عن النفس . وقد استعاد الرئيس برسالته الموجهة الى مجلس الكونجرس بتاريخ 5 كانون الثاني 1957، والتي يطلب فيها تخويله الصلاحية لمساعدة شعوب المنطقة، للذود عن استقلالها ] .(6)

يستفاد من كل ما سبق، أن الولايات المتحدة وحلفائها الإمبرياليين كانوا قد عقدوا العزم على إسقاط النظام الديمقراطي في سوريا، وإخضاعها لمشيئتهم بكل الوسائل والسبل، وقد استهوت هذه الأفكار ولي العهد العراقي عبد الإله، الذي كان يطمح بعرش له على سوريا، ولذلك نراه كان اكثر اندفاعاً في محاولة الاعتداء على سوريا .

لقد اشتدت الضغوط على سوريا أكثر فأكثر، ووصل الأمر الى اغتيال رئيس أركان الجيش اللواء الشهيد [ عفيف البزري ]،مما سبب قلقاً بالغاً لدى سوريا التي رفضت بإصرار السير في ركاب المخططات الإمبريالية، وبدأ قادة سوريا يفكرون في الوسائل والسبل الكفيلة بإفشال تلك المخططات، والحيلولة دون وقوع البلاد تحت السيطرة الإمبريالية .وكان من بين الأفكار التي طرحت للبحث هو إعلان الوحدة الكاملةوالفورية، مع مصر، وهذا ما جرى فعلاً في 4 شباط 1958،كما سنرى فيما بعد.

 

خامساً:استقالة حكومة الأيوبي،وتكليف عبد الوهاب مرجان :

 

أثار تصريح علي جودت الأيوبي، أثناء زيارته لسوريا ولقائه لرئيس الجمهورية [ شكري القوتلي]عندما،وجِه إليه سوألا عن موقف العراق إذا ما تعرضت سوريا الى أي عدوان، بأن العراق سوف يقف الى جانب سوريا إذا ما تعرضت للعدوان، أيّ كان المعتدي، انزعاجاً كبيراً لدى البلاط والإمبرياليين الذين كانوا يخططون للعدوان على سوريا، وسواء كان الأيوبي جاداً في تصريحه أم لا ـ وطبيعي أنه لم يكن جاداً في ذلك بحكم اشتراكه في اللقاءات مع هندرسن وقادة تركيا والتي كانت مخصصة للعدوان على سوريا وقلب النظام فيها ـ لكن ذلك التصريح أقلق البلاط، وجعله يفكر في التخلص من الحكومة بأسرع ما يمكن، وجاءت الفرصة عندما طلب الأيوبي حل مجلس النواب الذي جاء به نوري السعيد، وإجراء انتخابات جديدة .(7)

فقد رفض البلاط حل المجلس، وكان ذلك إشارة الى الأيوبي بضرورة تقديم استقالته، حيث أن مجلس النواب يدين بالولاء لنوري السعيد والبلاط، وهكذا اضطر الأيوبي الى تقديم استقالة حكومته في 14 تشرين الثاني 1957، وصدرت الإرادة الملكية بقبولها في 16 كانون الأول 1957، كما صدرت الإرادة الملكية بتكليف السيد [عبد الوهاب مرجان ] بتأليف الوزارة الجديدة، في 15 كان الأول 1957 .وجاءت الوزارة على الوجه التالي :

1ـ عبد الوهاب مرجان ـ رئيساً للوزراء،ووزيراً للدفاع .

2 ـ نديم الباجه جي ـ وزيراً للمالية .

3 ـ عبد الرسول الخالصي ـ وزيراً للعدلية .

4 ـ برهان الدين باش أعيان، وزيراً للخارجية .

5 ـ محمد مشحن الحردان ـ وزيراً للاقتصاد .

6 ـ عبد الامير علاوي ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .

7 ـ عبد الحميد كاظم ـ وزيراً للمعارف .

8 ـ أركان العبادي ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

9 ـ سامي فتاح ـ وزيراً للداخلية .

10 ـ صالح صائب الجبوري ـ وزيراً الأعمار .

11 ـ  جميل الاورفلي ـ وزيراً للزراعة .

12 ـ محمود بابان ـ وزيراً للصحة .

13ـ علي الشرقي ـ وزيراً بلا وزارة .

14ـ جواد الخطيب ـ وزيراً بلا وزارة .

15 ـ عز الدين الملا ـ وزيراً بلا وزارة .

لم تكن هذه الوزارة لتختلف عن الوزارات السابقة من حيث التزامها بتنفيذ السياسة التي تضعها السفارة البريطانية، بالاشتراك مع البلاط، واستمرت المحاولات على عهدها لقلب النظام الديمقراطي في سوريا، وضمها للعراق بالقوة، ونشط حلف بغداد في هذا الاتجاه . فقد وصل الى بغداد في 10 كانون الثاني 1958 الجنرال [ ماكسويل تايلر ] رئيس أركان حرب الجيش الأمريكي، وقابل رئيس الوزراء، ووزير الدفاع، ورئيس أركان الجيش، حيث أجرى مباحثات حول الخطط الأمريكية العدوانية ضد سوريا، وحول تزويد الجيش العراقي بالأسلحة اللازمة لهذا العدوان . (8)

كما وصل الى بغداد في 8 شباط 1958 وكيل وزارة الخارجية البريطانية، المستر [ وليم هيتر ] قادماً من أنقرة، حيث اجتمع بالملك فيصل،وولي العهد عبد الإله، ورئيس الوزراء عبد الوهاب مرجان، وأجرى معهم محادثات حول نشاط حلف بغداد، والتآمر على سوريا .

وفي 12 كانون الثاني 1958، سافر [نوري السعيد ]الى أنقرة، ليرأس الوفد العراقي الى اجتماعات حلف بغداد الذي عقد في 23 منه، وكان بصحبته كل من [توفيق السويدي]و [فاضل الجمالي ] و [ برهان الدين باش أعيان ]، وقد جرى في الاجتماع نقاش حول بناء خط حديدي مباشر الى تركيا، لا يمّر عبر الأراضي السورية،كجزء من الضغوط التي تمارس ضدها،وقد أقرّ المجلس ميثاق بغداد هذا المشروع، وأرسل نوري السعيد  نص القرار الى الحكومة العراقية طالباً إقراره، والعمل على تنفيذه بالسرعة الممكنة  لكن رئيس الوزراء تردد في الموافقة الفورية على القرار، وأحاله الى مجلس الدفاع الأعلى ليتخذ قراراً بشأنه .

غير أن مجلس الدفاع الأعلى رفض المشروع ورأى أن تحويله سيؤدي الى مخاطر جسيمة . ولما أبلغ نوري السعيد، الذي كان في أنقرة ينتظر جواب الحكومة، بقرار مجلس الدفاع الأعلى، سارع الى إرسال برقية أخرى الى رئيس الوزراء، طالباً منه جمع مجلس الدفاع الأعلى من جديد، وإقرار المشروع، وإبلاغه برقياً .

 

سادساً:إعلان الوحدة بين سوريا ومصر،وقيام الجمهورية العربية المتحدة:

 

تصاعدت وتائر التآمر على سوريا، من قبل حكومة بغداد، بالاشتراك مع حلف بغداد، وأدرك قادة سوريا أن الإمبرياليين قد عقدوا العزم على إسقاط النظام الديمقراطي فيها، وضمها لمخططاتهم، ولذلك فقد تداعى رئيس الجمهورية [ شكري القوتلي ] ورئيس الوزراء، والوزراء، وقادة الجيش، والقادة السياسيين لدراسة الموقف، والأخطار الجسيمة المحدقة بسوريا، وكان قرارهم الحاسم العمل على قيام وحدة فورية مع مصر، بقيادة الرئيس عبد الناصر، وبأسرع ما يمكن.

وعلى أثر ذلك القرار التاريخي لقادة سوريا، توجه على الفور وفد سوري الى مصر، برئاسة الرئيس شكري القوتلي، وعضوية رئيس الوزراء، وقادة الجيش، وعدد من السياسيين، وأجرى الوفد مباحثات شاملة حول خطورة الوضع في سوريا، ومؤامرات الإمبرياليين، طارحين على القيادة المصرية إقامة الوحدة الاندماجية بين البلدين بأسرع ما يمكن .

كان ذلك الطلب مصدر سرور كبير للرئيس عبد الناصر، الذي كان يحلم بأن يوحد العرب في دولة قوية، قادرة على الصمود بوجه المخططات الإمبريالية .

ولم تكد تمضِ سوى أيام قلائل حتى جرى الاتفاق على كل شيء،وتم الإعلان عن قيام وحدة اندماجية كاملة بين سوريا ومصر  في 4 شباط 1958، والتي أصبحت تعرف باسم  {الجمهورية العربية المتحدة }، وبايع الرئيس شكري القوتلي الرئيس جمال عبد الناصر، رئيساً للجمهورية الوليدة، وجرى تأليف وزارة الوحدة التي ضمت وزراء من كلا البلدين، كما جرى تأليف حكومتي الإقليمين . وبدأ العمل بكل جد ونشاط لتوحيد المؤسسات المدنية والعسكرية، وأصبح البلدان بالفعل بلداً واحداً، رغم عدم وجود حدود مشتركة بين البلدين .

لقد جرت نتيجة قيام الوحدة بصورة مستعجلة انعكاسات سلبية خطيرة أثرت على مستقبل تلك الوحدة، وحملت بذور فشلها مع شديد الأسف .

إن الوحدة هي حلم كل عربي محب لأمته ومستقبلها المشرق، لكن الوحدة تلك كانت قد أهملت أهم جانب في حياة المجتمعين السوري والمصري التواقين للحريات الديمقراطية التي كانت مهملة في مصر، والتي صفيت في سوريا بعد قيام الوحدة، وهذا ما حدا بالقوى الديمقراطية في سوريا، وبشكل خاص الحزب الشيوعي السوري الذي كان يتمتع بنفوذ سياسي كبير بين الجماهير السورية، بانتقاد أسلوب الوحدة، والمطالبة بضمان قيام حريات ديمقراطية حقيقية، ومؤسسات دستورية لا غنى عنها، وقد أدى هذا الموقف الى قيام السلطة بحملة مطاردة للشيوعيين والتنكيل بهم، مما أضر ضرراً بليغاً بشعبية الرئيس عبد الناصر . ولو لم يتبع عبد الناصر ذلك الطريق، وخلق نظاماً ديمقراطياً حقيقياً لما سقطت تلك التجربة الوطنية، ولكان العراق الذي تحرر بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958، قد ألتحق بركابها بكل تأكيد، ولكانت الوحدة العربية قد قطعت شوطاً كبيراً في تحقيق حلم الأمة العربية . ولكن المؤسف أن الرئيس الراحل عبد الناصر أتخذ طريقاً آخر، طريق قمع الحريات السياسية للشعب دون أي مبرر، وشن على الحزب الشيوعي في سوريا ومصر حملة شعواء وصلت الى حد تصفية سكرتير الحزب الشيوعي اللبناني الشهيد [ فرج الله الحلو ]، مما دفع بالصراع بين عبد الناصر والشيوعيين أكثر فأكثر، وتطور ذلك الصراع فيما بعد ليشمل كل القوى السياسية في سوريا، بما فيها القوى التي ساهمت مساهمة فعالة في قيام الوحدة، وأدى بالتالي الى فشل الوحدة،بعد أربعة أعوام على قيامها.

ولا شك في أن القوى الإمبريالية كان لها دور كبير في إفشال ذلك الحلم الجميل، من خلال السموم التي كانت تبثها حول الوحدة والتباكي على الديمقراطية، لا حباً بالشعب السوري، ولا إيماناً بالديمقراطية، وإنما أرادت فسخ هذه الوحدة بكل الوسائل والسبل، وحركت عملائها للعمل على تخريب الوحدة، مستفيدة من الأخطاء التي رافقت قيامها ، نظراً لكونها كانت تشكل أكبر خطر على المصالح الإمبريالية في الشرق العربي .

وبالرغم من كل ذلك فقد حالت الوحدة دون وقوع العدوان على سوريا وابتلاعها، وضمها للمخططات الإمبريالية، وضاع حلم عبد الإله بعرش على سوريا، بل وجعل النظامين العراقي والأردني يرتعبان مما يمكن أن تخبئه لهما الأيام بعد ذلك المد الثوري العربي الوحدوي الذي تصاعد ليشمل العالم العربي أجمع، كما أن الوحدة جعلت الإمبرياليين يضربون أخماساً بأسداس، كما يقول المثل، فليس أكثر ما يهدد مصالحهم في المنطقة من قيام وحدة عربية صحيحة، وصادقة، على أسس قويمة .

لقد أقلقت الوحدة المعلنة الإمبرياليين كثيراً، ولذلك فقد صممت على إجهاضها بكل الوسائل والسبل، ومنع قيام أي وحدة حقيقية تحقق أماني الأمة العربية .

لقد كانت الوحدة تشكل خطراً على أحلام إسرائيل التوسعية، بل كانت تشكل تطويقاً لها، وخطراً على وجودها وبقائها، ولذلك كان هم الولايات المتحدة وحلفائها العمل على إفشالها، وفصم عراها .

إن فشل تجربة الوحدة يقع على عاتق القيادة المصرية في جانب كبير منه، حيث أن قمع الحريات الديمقراطية التي ضحى من أجلها الشعب السوري كثيراً، قد أساء للوحدة، وجعل القوى السياسية، والشعب السوري يتخلون عنها، ويعملون على فصمها .

غير أننا يجب أن لا ننسى الجهود التي بذلتها الإمبريالية لتشويه صورة الوحدة، وإبراز كل سلبياتها، دون إيجابياتها، والعمل على هدمها بكل الوسائل المتاحة .

ولابد أن أشير هنا الى موقف الشعب العراقي بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 الخالدة من الوحدة، ففي الأيام الأولى للثورة، رفع القوميون، والبعثيون شعار الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، دون الالتفات الى تلك السلبيات التي رافقت الوحدة السورية المصرية، والتي قامت بصورة مستعجلة، وفي الوقت نفسه رفع الشيوعيون والديمقراطيون شعار الاتحاد الفدرالي، تجنباً للأخطاء التي وقعت بها الوحدة، بالنظر لاختلاف الظروف السياسية، والاقتصادية، ووجود قوميات متعددة في العراق . وقد سببت تلك المواقف في قيام صراع سياسي عميق شق وحدة الشعب وقيادة الثورة معاً، وكان ذلك الصراع سبباً لأكبر انتكاسة عرفها شعب العراق في تاريخه الحديث .

 

 سابعاً:قيام الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن :

 

لم تكد سوريا ومصر يعلنان قيام الوحدة بينهما، حتى بدأ النظامين الهاشميين في بغداد وعمان يفقدان صوابهما، فقد كان وضع النظامين قلقاً جداً، والحركة الثورية في كلا البلدين على أشدها، وبشكل خاص في العراق، الذي خاض شعبه خلال فترة زمنية قصيرة ثلاث معارك مع النظام، وكاد يسقطه، لقد خاض الشعب معارك وثبة كانون المجيدة عام 1948، ومعارك وثبة تشرين المجيدة عام 1952، وانتفاضة عام 1956، أبان العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة .

فقيام الوحدة بين سوريا ومصر، وتدفق المد الثوري العربي التحرري من المشرق الى المغرب، حشر النظامين الهاشميين في زاوية حرجة، لا يعرفان كيفية الخروج منها . لقد رفض النظامان الاعتراف بالوحدة، وتجنب السفيران العراقي والأردني تقديم أوراق اعتمادهما لكي لا يكون الاعتراف قانونياً، وتوجه النظامان الى الولايات المتحدة وبريطانيا، يطلبان الدعم والمشورة معاً .

ولاشك أن الإمبرياليين كانوا يشعرون فعلاً بقلق كبير عما يمكن أن تؤول إليه الأمور بعد الوحدة  وإمكانية امتدادها، ولذلك عقدوا العزم على تطويقها،وإفشالها، والقضاء عليها .

كانت الخطوة الأولى في هذا السبيل هي حماية النظامين الهاشميين في العراق والأردن، ولذلك أشارت الولايات المتحدة وبريطانيا الى ضرورة قيام اتحاد هاشمي بين البلدين، لحماية النظام الأردني الضعيف نسبياً، عن طريق استدعاء قوات عراقية لترابط في الأردن تحسباً لكل طارئ.

لقد أقترح وزير الخارجية البريطاني [ سلوين لويد ] خلال الاجتماع الوزاري لحلف بغداد المنعقد في اسطنبول ما يلي : (9)

1ـ قيام اتحاد بين العراق والأردن والسعودية، ليكون أحسن رد على الوحدة المصرية السورية .

2 ـ تشجيع المقاومة السورية، وبث الدعايات لهدم الوحدة، والقيام بعمل عسكري لهدم هذه الوحدة إذا اقتضى الأمر  .

سارع الملك حسين الى إيفاد وزير بلاطه [ سليمان طوقان ] الى بغداد، بناء على اقتراح سلوين لويد، وحمله رسالة إلى الملك فيصل وعبد الإله يدعوهما مع بعض وزرائهما الى عمان للنظر في موضوع الاتحاد  .

وفي 11 شباط 1958 ، طار الملك فيصل،بصحبة وزراء الخارجية والمالية والعدلية، السادة برهان الدين باش أعيان ونديم الباجه جي، وعبد الرسول الخالصي، ثم لحق بهم توفيق السويدي، ورئيس أركان الجيش رفيق عارف، ورئيس الديوان الملكي عبد الله بكر، وبقي الوصي في بغداد في بادئ الأمر، لينوب عن الملك، إلا أنه غادر بعد ذلك الى الأردن ملتحقاً بالركب، في 13 شباط 1958 .حيث جرت اجتماعات مطولة بين الطرفين انتهت الى التوصل الى قيام {الاتحاد العربي } !!بين القطرين  اعتقاداً منهما أن هذا الاتحاد سيكون خير ضامن للعرشين الهاشميين في العراق والأردن، لكنه لا يعدو أن يكون في الحقيقة سوى رداً على الوحدة السورية المصرية، بإيعاز بريطاني ـ أمريكي .

 

الإعلان عن قيام الاتحاد العربي :

 

في 14 شباط 1958 صدر بيان مشترك أذيع من محطتي إذاعة بغداد وعمان يعلن عن قيام ما دعوه بالاتحاد العربي، وهذا هو نصه :

بلاغ مشترك :

تلبية لدعوة حضرة صاحب الجلالة الملك حسين بن طلال، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، حضر الى عمان، يوم الثلاثاء المصادف 11 شباط 1958، حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل الثاني ملك العراق المعظم، وحضر أيضاً يوم الخميس الموافق 13 شباط حضرة صاحب السمو الملكي الأمير عبد الإله، ولي العهد المعظم . وقد عُقدت اجتماعات عدة كانت تظللها ذكرى الثورة العربية الكبرى، وأهدافها، خلال هذه المدة، برئاسة جلالتهما، وحضور سموه الملكي، وحضرها عن الجانب العراقي كل من أصحاب الفخامة والمعالي السادة : توفيق السويدي، عضو مجلس الأعيان، وبرهان الدين باش أعيان، وزير الخارجية، ونديم الباجه جي، وزير المالية، و عبد الرسول الخالصي، وزير العدلية، وعبد الله بكر، رئيس الديوان الملكي، وبهاء الدين نوري، سفير العراق في عمان، والفريق الركن رفيق عارف، رئيس أركان الجيش . وعن الجانب الأردني كل من أصحاب الفخامة والمعالي، والعطوفة السادة : [إبراهيم هاشم ]، رئيس الوزراء، و[سمير الرفاعي ]،نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، و[سليمان طوقان ]، وزير البلاط، [وخلوصي خيري ]، وزير الاقتصاد الوطني، و[ أحمد طراونة ]،وزير التربية والتعليم والعدلية، و [بهجت التلهوني ]،رئيس الديوان الملكي الأردني،و[عاكف الفائز] وزير الدفاع والزراعة، و [فرحان شبيلات]،سفير الأردن في بغداد، و[الفريق حابس المجالي ]،رئيس أركان الجيش الأردني، واللواء [صادق الشرع ]، ومعاون رئيس أركان الجيش . وكانت نتيجة المباحثات التي جرت في تلك الاجتماعات حول الاتحاد بين المملكتين، العراقية والأردنية أن تم التوصل بين الطرفين الى عقد اتفاق لقيام [ الاتحاد العربي ] بين الدولتين الذي أعلن اليوم .

صدر في يوم الجمعة 24 رجب 1377 الموافق 14 شباط 1958، في قصر بسمان العامر بعمان. 

نص اتفاق الاتحاد العربي : (10)

المقدمة :

لما كانت الثورة العربية الكبرى التي قادها جلالة المنقذ الأعظم، الحسين بن علي، إيذاناً ببزوغ فجر جديد للامة العربية، تمثلت بالتضحية والفداء في سبيل تحرير الوطن العربي الكبير، وتوحيد شعوبه وأقطاره، لاستعادة مكانة العرب بين أمم العالم، والمساهمة في تقدم الحضارة الإنسانية، ولما كانت تلك الثورة المباركة قد انبثقت عن إرادة العرب في الحرية والوحدة، مستندة في ذلك الى ماضيها المجيد، وإيمانها بنفسها، وبرسالتها القومية الخالدة، ولما كانت رسالة الثورة العربية التي قضى باعثها في سبيلها، قد انتقلت الى الأبناء والأحفاد، يتوارثونها جيلاً بعد جيل، لتبقى المشعل الذي يهدي الأمة العربية في سيرها نحو أمانيها المنشودة في الوحدة الشاملة المستملكة لجميع أسباب الحرية والسيادة والعزة، لاستعادة الأمجاد، والمحافظة على التراث والمقدسات، والتطلع الى مستقبل مشرق في ظلال هذه الوحدة المباركة، فقد قررت الدولتان الهاشميتان إنشاء اتحاد بينما، يقوم على هذه الأهداف السامية ،وتحقيقاً لهذه الغايات والأماني القومية، تم الاتفاق بين الطرفين على ما يلي :

1 ـ ينشأ اتحاد عربي بين المملكة العراقية والمملكة الأردنية الهاشمية،باسم [ الاتحاد العربي]   اعتباراً من يوم الجمعة 24 رجب 1377هجرية والموافق ليوم 14 شباط  1958 ميلادية، ويكون هذا الاتحاد مفتوحاً للدول العربية الأخرى التي ترغب للانضمام إليه .

2 ـ تحتفظ كل من الدولتين بشخصيتها الدولية المستقلة، وسيادتها على أراضيها، ونظام الحكم القائم فيها .

3ـ  تكون المعاهدات، والمواثيق، والاتفاقات الدولية التي سبق أن ارتبطت بها كل من الدولتين قيل قيام الاتحاد بينهما مرعية بالنسبة للدولة التي عقدتها، وغير ملزمة للدولة الأخرى . أما المعاهدات والمواثيق والاتفاقات الدولية التي ستعقد بعد قيام الاتحاد، والتي تدخل ضمن موضوعات الاتحاد، من اختصاص، وسلطة حكومة الاتحاد .

 4ـ اعتباراً من تاريخ الإعلان الرسمي لقيام الاتحاد، تنفذ إجراءات الوحدة الكاملة بين دولتي الاتحاد في الأمور التالية :

 أ ـ وحدة السياسة الخارجية والتمثيل السياسي .

ب ـ وحدة الجيش العراقي والجيش الأردني .

ج ـ إزالة الحواجز الجمركية بين الدولتين، وتوحيد القوانين الجمركية .

د ـ توحيد مناهج التعليم .

5ـ يتفق الطرفان، بأسرع وقت، على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوحيد النقد، وتنسيق السياسة المالية والاقتصادية بين الدولتين .

6 ـ عندما تقتضي الظروف، ومصلحة الاتحاد، توحيد أي أمر من الأمور الأخرى، غير الواردة في المادة الرابعة، تتخذ الإجراءات اللازمة بموجب دستور الاتحاد، لإدخال ذلك الأمر ضمن اختصاص وسلطات حكومة الاتحاد .

7 ـ يكون علم الثورة العربية، علم الاتحاد، وعلماً لكل من الدولتين .

8 ـ أ ـ تتولى شؤون الاتحاد حكومة اتحادية تتألف من مجلس تشريعي وسلطة تنفيذية .

  ب ـ ينتخب كل من مجلس النواب العراقي والأردني، أعضاء المجلس التشريعي من بين أعضائهما بعدد متساوي من الدولتين .

  ج ـ يعين أعضاء السلطة التنفيذية وفق أحكام دستور الاتحاد، لتولي الأمور التي تدخل

ضمن اختصاص حكومة الاتحاد .

9 ـ يكون ملك العراق رئيساً لحكومة الاتحاد، وفي حالة غيابه، لأي سبب كان، يكون ملك الأردن رئيساً لحكومة الاتحاد، ويحتفظ كل من الملكين بسلطاته الدستورية في مملكته، وعند انضمام دولة أخرى الى الاتحاد، يعاد النظر في وضع رئاسة الاتحاد حسب مقتضيات الأمور .

10 ـ يكون مقر حكومة الاتحاد بصورة دورية في بغداد لمدة ستة اشهر، وفي عمان لمدة ستة أشهر أخرى .

11 ـ أ ـ تضع حكومة الاتحاد دستوراً للاتحاد، وفق الأسس المبينة في هذا الاتفاق، ويعدل دستور كل من الدولتين إلى المدى والحدود التي تقتضيها أحكام دستور الاتحاد .

 ت ـ تتخذ التدابير والإجراءات اللازمة لإقامة حكومة الاتحاد، ووضع دستور الاتحاد في مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر من تاريخ توقيع هذا الاتفاق .

12 ـ يبرم هذا الاتفاق وفق الأصول الدستورية لكل من الدولتين .

صدر عن قصر بسمان العامر، في عمان، في يوم الجمعة 24 رجب 1377 هجرية، المصادف ليوم 14 شباط 1958 ميلادية .

لقد كان واضحاً أن هذا الاتحاد الذي أقيم على عجل ـ بعد عشرة أيام من قيام الوحدة بين سوريا ومصر ـ لم يكن في الحقيقة سوى رداً على هذه الوحدة التي هزت أركان النظامين الهاشميين، مما حدا ببريطانيا والولايات المتحدة الى حثّ الملك حسين، والملك فيصل الثاني، على الإسراع بإقامة هذا الاتحاد، خوفاً من المد الثورة الوحدوي الذي اجتاح العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، وهدد بشكل جدي بقاء واستمرار هذين النظامين المرتبطين بالإمبريالية، أمام ذلك المد الجارف . كما جرت محاولات لجر المملكة العربية السعودية لهذا الاتحاد، إلا أن الحكام السعوديون، الذين كانوا لا يشعرون بالارتياح للهاشميين، ولاسيما بعد أن أنتزع عبد العزيز آل سعود الحكم منهم في الحجاز ونجد، جعلهم لا يقدمون على هذه الخطوة . ولاشك أن للصراع البريطاني ـ الأمريكي على نفط العرب كان له دور في ذلك، فالولايات المتحدة وإن كانت لها مصالح مشتركة مع بريطانيا، إلا أنها كانت ترمي إلى إزاحة السيطرة البريطانية المطلقة على منطقة الخليج، وهذا ما جرى فعلاً، حيث استطاعت الولايات المتحدة أزاحتها شيئاً فشيئاً عن المنطقة، ليصبح لها حصة الأسد في نفط الخليج .

ولابد أن أشير هنا إلى أن قيام الاتحاد بين المملكتين قد قوبل بكل برود، وعدم اهتمام ليس من قبل الشعبين العراقي والأردني فحسب، بل من سائر الشعوب العربية، على عكس ما جرى حين قيام الوحدة بين سوريا ومصر، حيث اجتاحت العالم العربي موجة عارمة من الأفراح بقيامها لأن الشعوب العربية كانت مدركة أن تلك الوحدة كانت موجهة ضد المؤامرات الإمبريالية على العرب، في حين كان واضحاً تماماً أن الاتحاد الهاشمي، هو اتحاد ملوك، لا اتحاد شعوب، اتحاد اقتضته مصالح الإمبرياليين وربيبتهم إسرائيل، لكي يقفً، سداً بوجه المد الثوري الوحدوي العربي  التواق للتحرر من السيطرة الإمبريالية .

ورغم كل ما خططه الإمبرياليون، فقد كان المد الثوري الجارف أقوى منهم ومن مخططاتهم، ولم يستطع ذلك الاتحاد الصمود سوى خمسة أشهر فقط، فقد انهار النظام الملكي في العراق خلال ساعات، أمام ثورة الرابع عشر من تموز 1958 المجيدة، وسقط ذلك الاتحاد المسخ، واضطر الإمبرياليون إلى إنزال قواتهم العسكرية في الأردن ولبنان، لحماية تلك الأنظمة التي صنعوها في هذين البلدين، ولمحاولة الاعتداء على العراق، وإجهاض الثورة . لكن أحلامهم باءت بالفشل، بعد الدعم الحاسم من قبل الشعب العراقي، والجمهورية العربية المتحدة، والاتحاد السوفيتي  وسائر الشعوب العربية للثورة، واضطر الإمبرياليون إلى تبديل خططهم،وتكتيكاتهم، ومحاولة التآمر الخفي، بالتعاون مع عملائهم ، ورجالهم، ومرتزقتهم .لإسقاط النظام الجديد في العراق، واغتيال الثورة بعد بضعة أعوام .

*******

ثامناً :استقالة حكومة مرجان، وتكليف نوري السعيد من جديد:

 

بالنظر للتطورات التي حصلت في المنطقة، بعد قيام الوحدة بين سوريا ومصر، وما سببته تلك الوحدة من قلق بالغ، ليس للنظامين العراقي والأردني فحسب، بل للإمبريالية ومشاريعها ومخططاتها في المنطقة، ولإسرائيل، لذلك وجد الإمبرياليون البريطانيون والأمريكيون أن خير من يستطيع تولي الأمور في العراق في ذلك الوقت، هو نوري السعيد ـ رجل الإمبريالية الأول في المنطقة ـ وهكذا جرى الإيعاز إلى عبد الوهاب مرجان لتقديم استقالة حكومته، بذريعة ضرورة حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة، وإجراء تعديلات على الدستور العراقي، اقتضاها قيام الاتحاد الهاشمي، وهكذا تقدم عبد الوهاب مرجان باستقالة حكومته إلى الملك فيصل، في 2 آذار 1958، وتم قبول الاستقالة في اليوم التالي، وصدرت الإرادة الملكية بتكليف نوري السعيد بتشكيل الوزارة الرابعة عشرة له منذ تأسيس النظام الملكي، وجاءت الوزارة على الوجه التالي :

1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للدفاع .

2 ـ فاضل الجمالي ـ وزيراً للخارجية .

3 ـ سعيد قزاز ـ وزيراً للداخلية .

4 ـ جميل عبد الوهاب ـ وزيراً للعدلية .

5 ـ ضياء جعفر ـ وزيراً للاقتصاد .

6 ـ عبد الكريم الازري ـ وزيراً للمالية .

7 ـ سامي فتاح ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

8 ـ محمد مشحن الحردان ـ وزيراً للزراعة .

9 ـ عبد الحميد كاظم ـ وزيراً للمعارف .

10 ـ عبد الأمير علاوي ـ وزيراً للصحة .

11 ـ صالح صائب الجبوري ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .

12 ـ رشدي الجلبي ـ وزيراً للأعمار .

14 ـ برهان الدين باش أعيان ـ وزيراً بلا وزارة .

15 ـ محمود بابان ـ وزيراً بلا وزارة .

16 ـ رابح العطية ـ وزيراً بلا وزارة .

وقد أعلن نوري السعيد، فور تأليفه للوزارة، أن هذه الوزارة تألفت في ظروف خاصة، ومعلومة يجتازها العراق على وجه خاص، والبلاد العربية بوجه عام، وأن مهمتها ستكون العمل على دعم الاتحاد الهاشمي، وتقويته بجميع الوسائل الممكنة، وتثبيت الاستقرار في البلاد، والأمر المؤكد أن نوري السعيد قد عاد إلى الحكم من جديد بسبب قيام الوحدة بين سوريا ومصر، وما شكلته من مخاطر على النظام في العراق والأردن ولبنان وإسرائيل، وجاء السعيد يحدوه الأمل في تقويض تلك الوحدة وفصم عراها، حتى لو تطلب الأمر التدخل العسكري ضد سوريا، بدعم وإسناد من أسياده الإمبرياليين .

استقبل الشعب العراقي وزارة السعيد بوجوم وقلق شديدين، فقد عوده السعيد عند ما ألف جميع وزاراته الثلاث عشرة السابقة أنه جاء لينفذ مهام خطيرة أوكلها له أسياده البريطانيون، وأنه مقدم على المزيد من الانتهاكات لحقوق وحريات الشعب، وتشديد الخناق عليه .

وكما أسلفنا عند استعراضنا للفترات التي حكم فيها نوري السعيد، أنه لا يتوانى عن استخدام أشد الأساليب القمعية ضد الشعب، وقواه الوطنية، من أجل تنفيذ ما أوكل له من مهام .

ولذلك فقد بادر 41 شخصية سياسية، من رؤساء وزراء، ووزراء سابقين، ونواب وقادة الأحزاب الوطنية، وكبار المحامين ورجال القانون، وأساتذة الكليات، بتقديم مذكرة الى نوري السعيد، تحذره فيها من مغبة السير على نفس الطريق الذي سار عليه، وما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج .

إلا أن نوري السعيد منع  نشر نص المذكرة في الصحف العراقية، وحاول تجاهلها، مما اضطر مقدمي المذكرة إلى نشرها في صحيفة الشعب المصرية، في عددها الصادر في 4 نيسان 1958،وكان لها دوي هائل بين جماهير الشعب العراقي، وفيما يلي نص المذكرة:(11)

فخامة رئيس الوزراء المحترم :

عدتم إلى الحكم في ظروف يقف خلالها العراق في مفترق الطرق، ويتوقف على سلوك الطريق القويم منها مصير الأجيال المقبلة، وقد اخترتم من قبلْ سياسة معينة، أدت إلى تحويل وجهة العراق من الأمة العربية، إلى الارتباط بحلف بغداد، والاتفاق الخاص مع بريطانيا . وفي سبيل تمشية تلك السياسة، عُطلت جميع حقوق الشعب الدستورية، وأصبح من المتعذر في هذا الجو الخانق الذي يسود العراق، أن يعلن أبناء الشعب وجهة نظرهم وهم آمنون من الأذى . لذلك رأينا نحن الموقعون أدناه أن نصارحكم بالحقائق التالية، أملاً في أن نحمل الحكومة على سلوك الطريق الوحيد الذي يتفق مع مصلحة  الشعب، ومطالبه الوطنية، وأمانيه القومية .

إن العراق يا صاحب الفخامة لا يمكن أن ينفصل عن الأمة العربية، فهو جزء لا يتجزأ منها، وقد رأيتم تجاوب الأمة العربية معه في استنكار حلف بغداد، كما رأيتم استحالة مدّ الحلف المذكور إلى أي بلد عربي آخر . فلا بدّ أولاً من الخروج من هذا الحلف، وتحريره من الاتفاق الخاص مع بريطانيا، ليشعر العراق أنه أصبح مستقلاً من التبعية الأجنبية التي كانت وستضل مصدراً لجميع متاعبه الداخلية ومشاكله مع سائر الدول العربية .

وبإقرار هذه الخطوات الأولى، تنتفي أهم العوامل التي أدت إلى تعطيل حقوق الشعب وحرياته، فما مرّ في العراق عهد انتهكت فيه هذه الحقوق، وهدرت فيه هذه الحريات، كالعهد الذي رافق عقد هذا الحلف، والاتفاق الخاص مع بريطانيا . ونحن واثقون أن الشعب حين يجد نفسه حراً من القيود التي كبلته بها الروابط المصطنعة المذكورة، طليقاً من الأصفاد التي غلّت حرياته، سيتجه بكل قواه نحو الاتحاد الشامل مع سائر الدول العربية، ولن يرضَ أن يزعم بضعة أشخاص أنهم يمثلونه حين يدعوه جهراً إلى تفريق الصف العربي، بإعلان عدائهم السافر لتحقيق خطوة كان العرب يعتبرونها حلماً بعيد المنال، ألا وهي اتحاد مصر وسوريا في دولة عربية واحدة، فما

كان لمواطن مخلص أن يتمنى شيئاً أعز من أن تتحمل مصر مسؤوليتها في بناء الوحدة العربية . وقد أعلن المسؤولون عن ميثاق الوحدة أن بابها مفتوح لأي دولة عربية، وبأي شكل تختاره من أشكال الاتحاد .وبالفعل بدأت فوراً مفاوضات الاتحاد بين الجمهورية العربية المتحدة والمملكة المتوكلية اليمنية، وأن مسيرة تحقيق الوحدة بين مصر وسوريا، وممارسة كل منها لحقوق السيادة الكاملة المجردة من أي تبعية لأية دولة أجنبية . فالقول بأن الوحدة بين مصر وسوريا تعتبر تحدياً للعراق، قول لا يقره عاقل، لأن وحدة العرب قوة لجميع العرب، وليس في استطاعة أية دولة أجنبية حمل المواطنين في أي بلد عربي على الاستسلام لها .

ومن العجب أن يتظاهر البعض برغبته في إقامة اتحاد بين سوريا والعراق، وينكر إقامة اتحاد بين العراق من جهة، وسوريا ومصر من جهة أخرى، وكذلك الحال بالنسبة للأردن، فإن دخوله مع العراق في اتحاد يشمل الجمهورية العربية المتحدة، أدعى الى تعزيز وحدة الصف العربي .

إن العراقيين يا صاحب الفخامة، قد ملوا العهد الذي يبيح لبضعة أشخاص أن يدعوا التعبير عن إرادة الشعب، في وقت لا يجد فيه هذا الشعب أي وسيلة للإفصاح عن رأيه في صحف حرة، أو اجتماعات، أو انتخابات سليمة، بعد أن عُطلت  أحكام الدستور التي هي كل لا يتجزأ، لذلك نرى أن من واجبنا أن نهيب بفخامتكم الى الالتفات الى رغبات الشعب، وهي رغبات صريحة توجب توحيد الصف العربي، والتحرر من ميثاق بغداد، والاتفاق الخاص مع بريطانيا، وإطلاق الحريات الدستورية، بما فيها حرية التنظيم الحزبي والنقابي، وحرية الصحافة، والاجتماعات العامة، والإفراج عن المحكوم عليهم في القضايا السياسية، ليستطيع الشعب الجهر بآرائه الرامية الى تحقيق الاتحاد المنشود بين العرب كافة . وتفضلوا يا صاحب الفخامة بقبول فائق الاحترام .

بغداد، في 24 شعبان 1377 هجرية المصادف ليوم 15 آذار 1958 ميلادية .

صورة منه إلى رئيس الديوان الملكي .

الموقعون :

محمد رضا الشبيبي ـ محمد مهدي كبه  ـ ناجي شوكت  ـ مزاحم الباجه جي  ـ تحسين علي ـ سعد عمر  ـ  حسين جميل   ـ  فائق السامرائي  ـ  محمد صديق شنشل   ـ  سامي باش عالم  ـ جمال عمر نظمي ـ  حسن عبد الرحمن ـ علي الصافي ـ محمد حديد ـ جميل كبه ـ محمد أحمد العمر  ـ  نجيب الصائغ  ـ  صالح الشالجي  ـ  محمد بابان  ـ  فيصل حبيب الخيزران ـ كامل الشالجي ـ أحمد زكي الخياط ـ مظهر فهمي العزاوي ـ محمود رامز ـ زكي جميل حافظ  رمزي العمري  ـ ناجي يوسف  ـ عواد علي النجم  ـ إبراهيم عطار باشي  ـ محمود الدرة ـ عبد الحميد الياسري ـ هديب الحاج حمود ـ عبد الشهيد الياسري ـ نعمان العاني  ـ فؤاد الركابي ـ  جميل أمين  ـ  عبد الرحمن البزاز ـ محمد الطريحي ـ د .مصطفى كامل ياسين ـ د . عبد الله إسماعيل البستاني ـ د . فيصل الوائلي ـ د . عباس الصراف .

وقد كلف الموقعون على المذكرة السيد ناجي شوكت ـ أحد رؤساء الوزارات السابقين ـ بمقابلة ولي العهد عبد الإله، وتقديم صورة من المذكرة إليه، والطلب منه العمل على تجميد ميثاق بغداد، وإبعاد نوري السعيد عن سدة الحكم، وتعينه سفيراً في الولايات المتحدة، وتكليف أحمد مختار بابان بتأليف وزارة مختلطة، وإعادة النظر في سياسة الخارجية والداخلية .

لكن عبد الإله رفض الاستجابة لما جاء في المذكرة، وحتى الاستجابة للمقابلة، كما تجاهلها نوري السعيد، وقد عزز هذا الموقف من قبل عبد الإله ونوري السعيد، الرأي القائل أن لا أمل يرتجى من هذا النظام الذي ربط مصيره بمصائر الإمبرياليين، وان لا طريق أمام الشعب وقواه الوطنية سوى العمل على إزاحة هذا النظام بالقوة . (13)

مضى نوري السعيد في تنفيذ سياسته المرسومة، فعدل الدستور في 11 أيار 1958، ليسمح للعراق بإقامة الاتحاد الهاشمي، كما أقدم على حل البرلمان في 28 آذار من العام نفسه ، وحدد موعداً لإجراء الانتخابات في 5 أيار 1958، أعلنت القوى والأحزاب الوطنية، وجماهير الشعب  مقاطعتها للانتخابات في ظل الظروف السائدة، حيث ألغيت الأحزاب والجمعيات، والصحف وسلبت كافة الحقوق والحريات العامة التي نص عليها الدستور، وحيث تُحكم البلاد بموجب المراسيم غير الدستورية الجائرة، فقد كان معروفاً سلفاً نتائج مثل هكذا انتخابات، وقد أسفرت تلك الانتخابات الشكلية عن فوز 118 نائباً سعيدياً بالتزكية، دون منافس، من أصل 148 نائباً  وكان الباقون من مؤيدي سياسة نوري السعيد كذلك، وقد أقّر البرلمان الجديد التعديلات الدستورية، والاتحاد الهاشمي .

وبعد أن أتم نوري السعيد المهمة الموكلة له، تقدم باستقالة حكومته إلى الملك في 14 أيار 1958  ليتفرغ لرئاسة وزارة الاتحاد، حيث تم قبول الاستقالة، وكلف الملك السيد أحمد مختار بابان بتأليف الوازرة الجديدة في 19 أيار 1958، وكلف نوري السعيد بتأليف وزارة الاتحاد .

تاسعاً : نوري السعيد رئيساً لحكومة الاتحاد الهاشمي :

 

على أثر قيام الاتحاد الهاشمي، والذي دُعي ب [ الاتحاد العربي ]، وتقديم نوري السعيد استقالة حكومته إلى الملك فيصل ، كلفه الملك بتشكيل وزارة الاتحاد، حيث صدرت الإرادة الملكية في 19 أيار 1958، وجاءت الوزارة على الوجه التالي ـ

1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء .

2 ـ إبراهيم هاشم ـ نائباً لرئيس الوزراء .

3 ـ توفيق السويدي ـ وزيراً للخارجية .

4 ـ خلوصي الخيري ـ وزير دولة للشؤون الخارجية .

5 ـ سليمان طوقان ـ وزيراً للدفاع .

6 ـ سامي فتاح ـ وزير دولة لشؤون الدفاع .

7 ـ عبد الكريم الأزري ـ وزيراً للمالية .

ورغم أن نوري السعيد قد أصبح رئيساً لوزارة الاتحاد، إلا انه ظل الحاكم الفعلي للعراق دون منازع، وركّز جُلّ اهتماماته لتدعيم الاتحاد من جهة، والعمل على إجهاض الوحدة السورية المصرية، ودعم نظام حكم كميل شمعون في لبنان، ومقاومة ثورة الشعب اللبناني.

كان نوري السعيد يخطط لإرسال القوات العراقية إلى الأردن، واتخاذه نقطة وثوب للعدوان على سوريا، ومحاولة احتلالها، والاندفاع بقواته نحو لبنان، لقمع الثورة الشعبية فيه . لكن الرياح جرت كما لا تشتهي السفن، كما يقول الشاعر، وانقلب السحر على الساحر، وقامت القوات العراقية التي أريد لها أن تقوم بالعدوان على سوريا بالإطاحة بالحكم الملكي في العراق، والقضاء على رموزه، عبد الإله والملك فيصل، ونوري السعيد، وتهاوى كل ما بناه نوري السعيد طيلة الحكم الملكي، خلال ساعات، في صبيحة الرابع عشر من تموز 1958، وأصيبت المخططات الإمبريالية بضربة موجعة لم تعرف لها مثيلاً من قبل، أفقدتها صوابها، وجعلتها تسرع إلى إنزال قواتها في لبنان والأردن لحماية النظامين الرجعيين فيهما، ومحاولة العدوان على العراق، وإجهاض ثورة 14 تموز المجيدة، والعودة بالعراق إلى أحضان الإمبريالية، لكن خططهم باءت بالفشل، وثبّت الثورة أقدامها واستمرت في سيرها إلى الأمام تسندها سواعد العراقيين، وبقية الشعوب العربية، وجميع القوى المحبة للسلام في العالم أجمع، رغم أنف الإمبرياليين .

 

عاشراً : أحمد مختار بابان يشكل آخر وزارة في العهد الملكي :

 

بعد الإعلان عن قيام الاتحاد العربي بين العراق والأردن، واستقالة حكومة نوري السعيد، لكي يتفرغ لرئاسة حكومة الاتحاد، كلف الملك فيصل الثاني، السيد أحمد مختار بابان بتأليف الوزارة العراقية، وجاءت الوزارة على الوجه التالي :

1 ـ احمد مختار بابان ـ رئيساً للوزراء .

2 ـ سعيد قزاز ـ وزيراً للداخلية .

3 ـ نديم الباجه جي ـ وزيراً للمالية .

4 ـ جميل عبد الوهاب ـ وزيراً للعدلية .

5 ـ ضياء جعفر ـ وزيراً للأعمار .

6 ـ عبد الحميد كاظم ـ وزيراً للمعارف .

7 ـ عبد الأمير علاوي ـ وزيراُ للصحة .

8 ـ رشدي الجلبي  ـ  وزيراً للاقتصاد .

9 ـ صالح صائب الجبوري ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .

10 ـ برهان الدين باش أعيان ـ وزيراً للأنباء والتوجيه .

11 ـ جميل الاروفلي ـ وزيراً للزراعة .

12 ـ صادق كمونه  ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

13 ـ عبد الجبار التكرلي ـ وزيراً بلا وزارة .

14 ـ محمود بابان ـ وزيراً بلا وزارة .

15 ـ علي الشرقي ـ وزيراً بلا وزارة .

ولم تكن هذه الوزارة سوى امتداد لوزارة نوري السعيد السابقة، وبقي السعيد في واقع الأمر يحكم العراق، بوصفه رئيساً لوزارة الاتحاد، ويحدد سياسته وتوجهاته، ولم تقدم حكومة بابان أي شيء ملموس لمعالجة الأوضاع المتردية في البلاد، سوى استصدار إرادة ملكية بإعفاء الأستاذ كامل الجادرجي من بقية مدة سجنه، حيث كان المجلس العرفي العسكري قد حكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات، عام 1956 .

أما ما يتعلق بالسياسة الخارجية، فقد استمرت الحكومة بدعم الرئيس اللبناني كميل شمعون ضد شعبه، ومدته بالأسلحة بشكل مكثف ومتواصل، في محاولة لدحر الثورة الشعبية، وقد تكشف أمر هذه الأسلحة بعد قيام ثورة 14 تموز المجيدة، حيث تم فضحها، واعترف القائمون بإرسالها ونقلها، أمام محكمة الشعب ـ المحكمة العسكرية العليا الخاصة ـ فقد اعترف عقيد الجو  [يوسف عزيز ]أمام المحكمة، في 23 آب 1958، انه قد نقل بالطائرة 3 أطنان من الأسلحة والمعدات، في 20 أيار 1958، بناء على أوامر الزعيم [ أحمد مرعي ] ـ معاون رئيس الديوان الملكي ـ وسلمه إياها المقدم [ يوسف محمود ] من الاستخبارات العسكرية . وقد استلمها في بيروت [ سيد عباس ] و شخص لبناني برتبة رئيس درك يدعى [ نخلة مغبغب ]،كما نقل وجبة ثانية في 14 حزيران 1958، وسُلمت إلى الشخصين المذكورين أيضاً .

وفي بيروت ضبطت قوات الانتفاضة اللبنانية سيارة عائدة للسفارة العراقية محملة بالأسلحة،في 15 حزيران 1958، مما يؤكد ضلوع الحكومة العراقية في عملية دعم كميل شمعون ضد الشعب اللبناني .

لكن كل ذلك الدعم لم يفت في عضد الشعب اللبناني وعزمه على إخراج شمعون من السلطة، وانهارت كل أمال شمعون في البقاء، بعد قيام ثورة 14 تموز في العراق، وأعلن رئيس مجلس النواب اللبناني عن عقد جلسة للمجلس، في 24 تموز 1958 لانتخاب رئيس جديد للجمهورية  بدلاً من شمعون،الذي انتهت مدة ولايته في 23 منه، وكان المقرر، حسب الخطة التي وضعها نوري السعيد، أن تدخل قوات عراقية عبر الأردن ، إلى سوريا لاحتلالها، والزحف نحو لبنان لسحق الثورة الشعبية فيها، وتجديد ولاية شمعون، لكن ثورة 14 تموز قلبت السحر على الساحر أفشلت خطط نوري السعيد و أسياده الإمبرياليين.(14)

لم يجد الإمبرياليون بُد، بعد أن تلاشت آمالهم بنوري السعيد وانهيار النظام الملكي العميل، من التدخل المكشوف في لبنان والأردن، حيث تم إنزال قواتهم في البلدين لحماية الأنظمة الرجعية فيها ومحاولة الاعتداء على العراق، وحركوا عملائهم في حلف بغداد ـ الذي أصبح دون بغداد ـ في تركيا وإيران لتحشيد قواتهما على الحدود العراقية استعداداً لعمل عسكري لإجهاض الثورة، لكن موقف الاتحاد السوفيتي الحازم أفشل خطط الإمبرياليين،  وجعلهم يفكرون ألف مرة قبل الأقدام

على مغامرة حمقاء ربما كانت تجر العالم إلى هاوية الحرب بكل أسلحتها التقليدية وغير التقليدية، مما اضطر الإمبرياليين إلى تغير خططهم وتكتيكاتهم، ومحاولة لغم الثورة من الداخل عن طريق تنشيط عملائهم، وشراء عملاء جدد لهم، كما سنرى في فصول الكتاب الثاني من [صفحات من تاريخ العراق ].

 

 

 

*********

أحد عشر : الخاتمة :

 

منذُ نهاية الحرب العالمية الثانية، تصاعدت وتائر الصراع بين الدول الإمبريالية، وحركة التحرر العربي، على الرغم من الصراع الخفي بين الدول الإمبريالية نفسها، حيث كانت الإمبريالية الأمريكية تسعى جاهدة لإزاحة بريطانيا وفرنسا من منطقة الشرق الأوسط، ذات الأهمية الكبرى باعتبارها اكبر مستودع للنفط في العالم، والحلول مكانها .

لكن التنافس الإمبريالي لم يكن يمنع من التعاون فيما بينهم، في صراعهم ضد تنامي حركة التحرر العربي الهادفة للتخلص من الهيمنة الإمبريالية وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي للبلدان العربية التي وقعت فريسة سهلة بيد الإمبرياليين،  بعد اندحار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، والاستحواذ على تلك البلدان التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار العثماني، وهكذا ذهب الاستعمار العثماني المتخلف،  ليحل مكانه استعمار جديد متسلح بكل وسائل العلم والمعرفة التي سخرها لفرض هيمنته على البلدان العربية، ونهب ثرواتها، واستعباد شعوبها، معتمدا في ذلك على عملاء له، تم تنصيبهم حكاماً على بلدانهم،ينفذون كل ما يؤمرون به لخدمة المصالح الإمبريالية في المنطقة .

وهكذا استمر الصراع بين الشعوب العربية من جهة والإمبرياليين، والحكام الذين نصبوهم على بلدانهم من جهة أخرى، وخاضت الشعوب العربية معارك الحرية دون توقف، ودون هوادة، في سبيل الحرية والاستقلال والحكم الديمقراطي الحقيقي، وبذلت دماء زكية في هذا السبيل .

وجاءت ثورة 23 يوليو في مصر لتشكل دفعاً هائلاً لحركة التحرر العربي، وخاصة بعد إقدام الرئيس عبد الناصر على تأميم قناة السويس، والذي أدى إلى وقوع العدوان الثلاثي، البريطاني الفرنسي الإسرائيلي، على مصر الشقيقة، ذلك العدوان الذي أعطى نتائج عكسية تماماً، لما كان يهدف إليه المعتدون، والتهب الشعور القومي في أنحاء العالم العربي، وأعطى زخماً هائلاً لحركة التحرر العربي من المشرق إلى المغرب ، وباءت بالفشل كل محاولات الإمبريالية لاحتواء الثورة المصرية، وضم مصر إلى مشروع [ الدفاع عن الشرق الأوسط ] الاستعماري العدواني، وغيره من المشاريع الإمبريالية الأخرى .وهكذا جاء رد الإمبرياليين على نهوض حركة التحرر العربي بإقامة [ حلف بغداد ] الذي ضم العراق وتركيا وإيران وباكستان وبريطانيا والولايات المتحدة، واستهدف ذلك الميثاق هدفان، الهدف الأول محاولة تطويق الاتحاد السوفيتي، وإبعاده عن منطقة الشرق الوسط ونفط الخليج، والهدف الثاني إجهاض حركة التحرر العربي الصاعدة .

ولعب العراق، بقيادة عبد الإله ونوري السعيد، بتوجيه من أسيادهم الإمبرياليين الدور الرئيسي في الحرب ضد حركة التحرر العربي، لكن جهودهما لم تثمر في جر أي بلد عربي الى حلفهم المشؤوم، بل على العكس أدى ذلك إلى انعزال العراق عن محيطه العربي، بالإضافة الى انعزال النظام العراقي عن شعبه انعزالاً تاماً، بسبب سياسة القمع التي مارسها النظام، وامتهان حقوق وحريات الشعب، والتلاعب بالدستور، وتزوير الانتخابات .

 وعندما قامت الوحدة السورية المصرية، أصيب الإمبرياليون وعملائهم في العراق بصدمة كبرى، لما كانت تمثله هذه الوحدة من مخاطر على مخططاتهم في المنطقة، فسارعوا الى الطلب من حكام العراق والأردن لإقامة اتحاد بين البلدين على عجل، للوقوف بوجه الوحدة السورية المصرية، ومحاولة إجهاضها، وإجهاض الانتفاضة الشعبية في لبنان، ضد حكم كميل شمعون الموالي للغرب  حتى ولو أدى ذلك إلى استخدام القوة العسكرية .

وكان نوري السعيد الذي عُين رئيساً لحكومة الاتحاد الهاشمي، والتي أصبحت مسؤولة عن الشؤون الخارجية والدفاعية، يعمل بكل طاقته في هذا الاتجاه، حيث قام بمد النظام اللبناني برئاسة شمعون، بالأسلحة والأموال، وأرسل جانباً من قوات الجيش العراقي الى الأردن، لأعداد العدة للهجوم على سوريا، والزحف نحو لبنان لتقديم الدعم العسكري لحكومة شمعون .كما تبين من اعترافات أركان النظام العراقي، بعد ثورة 14 تموز المجيدة أمام محكمة الشعب، وكان من المقرر أن تُتبع تلك القوات بأخرى إضافية تتمثل في اللواءين التاسع عشر والعشرين، حيث كان اللواء التاسع عشر بقيادة الزعيم الركن [ عبد الكريم قاسم ] فيما كان اللواء العشرين يقود فوجين من أفواجه الثلاثة كل من العقيد [ عبد السلام عارف ] و العقيد [ عبد اللطيف الدراجي ] وهما من ضباط اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار، بغية مهاجمة سوريا واحتلالها، وإجهاض الوحدة السورية المصرية، ولتقديم الدعم العسكري لشمعون، للقضاء على الثورة اللبنانية، بتخطيط، ودعم من الإمبرياليين .

ظن نوري السعيد أنه قادر على تحقيق هذا المخطط الإجرامي، وكان يبدو مزهواً بقوته، ومتانة حكمه، ويحلو له أن يردد مقولته الشهيرة [ دار السيد مأمونة ] ولكن لم تمضِ سوى أيام معدودة حتى ظهر أن تلك الدار التي ظنها نوري السعيد مأمونة، قد تهاوت بلمح البصر فوق رؤوس أصحابها، فجر الرابع عشر من تموز 1958، حيث كان من المقرر أن يمرّ اللواءان  التاسع عشر، والعشرين، القادمين من جلولاء ،ببغداد، في طريقهما إلى الأردن، ولم يدرِ نوري السعيد أن هذين اللوائين سيحققان نهاية حكمه البغيض، ونهاية النظام الملكي العميل للإمبريالية وليلقى هو، وعبد الإله والملك فيصل الثاني نهايتهم، وتتلاشى أحلام الإمبرياليين في العدوان على سوريا وشعب لبنان، وليسدل الستار على تلك المرحلة من تاريخ العراق، منذ الاحتلال البريطاني إبان الحرب العالمية الأولى، وحتى قيام الثورة المباركة، والتي خاض خلالها الشعب العراقي معارك الحرية والاستقلال، من خلال ثورة العشرين، وحركة أيار 1941، ووثبة كانون المجيدة عام 1948، ووثبة تشرين المجيدة عام 1952، وانتفاضة عام 1956 أبان العدوان الثلاثي على مصر وتكلل كفاح الشعب العراقي بالنجاح فجر يوم الرابع عشر من تموز 1958، وسيكون لنا عودة في الكتاب الثاني[ صفحات من تاريخ العراق الحديث] عن مرحلة ثورة 14 تموز المجيدة، وما حققته من إنجازات، ثم انتكاسة الثورة، وتآمر القوى الإمبريالية عليها، واغتيالها في انقلاب 8شباط المشؤوم عام 1963، وقيام حكم بعثي عميل، جاء بقطار أمريكي، كما اعترف زعيمه [علي صالح السعدي ]، ثم انقلاب [عبد السلام عارف ]في 18 تشرين الثاني من نفس العام، وانقلاب البعث الثاني عام 1968، وما سببه للعراق وشعبه من ويلات ومآسي لا توصف .

*******

التوثيق

 (1)عزيز الشيخ ـ جبهة الاتحاد الوطني، والمهام الملقاة على عاتقها في الظرف الراهن .

 (2) ت، و ن ع ـ الحسني ـ ج 10 ـ ص 152 .

(3)إفادة فاضل الجمالي أمام المحكمة العسكري العليا الخاصة ـ ج 2 ص 1100.

 (4) محاضر جلسات المحكمة العسكرية العليا الخاصة ـ ج 4 ـ ص 1515،و1522.

 (5) نفس المصدر .

(6) ت ، و ، ع  ـ ج 4 ـ ص 1531 .

 (7) نفس المصدرـ ج 10 ـ ص 186 .

  (8)المصدر السابق ـ ج10 ـ ص 180 .

 (9) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 10 ـ ص 196 .

 (10) إذاعة بغداد 14 شباط 1958 .

 (11)صحيفة الشعب القاهرية ـ العدد الصادر في 4 نيسان 1958 .

 (12) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 10 ـ ص 210 .

 (13) وقائع المحكمة العسكرية العليا الخاصة  ـ ج 1 ـ ص 365 .