![]() |
|
|
الفصل الرابع عشر
|
وثبة تشرين المجيدة عام 1952
أولاً : الأحزاب السياسية ترفع للوصي مذكرة تطالب بها إصلاح أوضاع البلاد .
ثانياً : نص مذكرة الحزب الوطني الديمقراطي للوصي .
ثالثاً : الوصي يرد بانفعال على المذكرات .
رابعاً : الأحزاب السياسية تقاطع الانتخابات النيابية .
خامساً : وثبة تشرين المجيدة عام 1952 .
سادساً : استقالة حكومة العمري، وتكليف رئيس أركان الجيش نور الدين محمود .
سابعاً : ثورة 23 يوليو في مصر، وتأثيرها على مجرى الأحداث في العراق .
ثامناً : استقالة حكومة نور الدين محمود، وتكليف جميل المدفعي .
تاسعاً : تتويج الملك فيصل الثاني ملكاً على العراق .
أولاً:الأحزاب الوطنية تطالب للوصي إصلاح أوضاع البلاد :
بالنظر لتردي الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، بسبب سوء سياسات الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم، ولجوئها الى انتهاك حقوق وحريات الشعب التي نص عليها الدستور، والاستهتار بمصالح الوطن، ووصول تلك الأحوال الى مرحلة أصبح السكوت عنها أمراً مستحيلاً،وبعد أن أصاب تلك الأحزاب اليأس من تلك الحكومات، ولخطورة الأوضاع، فقد لجأت الأحزاب السياسية الوطنية الى رفع مذكرات الى الوصي عبد الإله، تشرح فيها بإسهاب أحوال البلاد وما وصلت إليه من تردي ينذر بتطورات خطيرة إذا لم يتم معالجتها بسرعة .
لقد جاءت المذكرات التي بعث بها حزب الاستقلال، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الجبهة الشعبية متشابهة في مضمونها من حيث شرحها لظروف البلاد المتردية، وانتشار الفساد، وسلب الحريات العامة، وانتهاك الدستور، وتزييف الانتخابات، وغيرها من الأمور الأخرى . كما جاءت بمطالب متشابهة أيضاً، ولذلك فسوف اكتفي بمذكرة الحزب الوطني الديمقراطي وما جاء فيها من شرح لظروف البلاد، وما ترى الأحزاب السياسية ضرورة إجراؤه لإصلاح تلك الأوضاع .
ثانياً : مذكرة الحزب الوطني الديمقراطي :
يا صاحب السمو:
ليست الغاية من تقديم هذه المذكرة الى سموكم هي مجرد شكوى من الأوضاع السيئة القائمة في العراق واستنكارها، إذ طالما سمعنا أن سموكم يبدي شكواه أيضاً في مختلف المناسبات، ولذلك نتقدم بمطالب نأمل أن يساعد تحقيقها، الى حد كبير في إنقاذ البلاد من الوضع الخطير الذي وصلت إليه .
ونحن عندما نخاطبكم بصورة مباشرة بها الشأن، لم يغب عن بالنا أن القانون الأساسي العراقي، على ما فيه من مآخذ قد اعتبر رئيس الدولة، أو من يقوم مقامه، غير مسؤول، وأنه حمل الوزارة جميع مسؤوليات الحكم في الدولة، وأنه فرق بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولكن عدم التقيد بالقانون المشار إليه في ناحية حقوق الملك، وواجباته في الحدود المعينة لها، كان سبباً مهماً لخرق سائر مواده من قبل السلطة التنفيذية، وجعله معطلاً من حيث الواقع، ولذلك لا يسعنا ـ والحالة هذه ـ أن نتجاهل واقع الحال، الذي جعل سموكم مسؤولاً عن هذا الوضع الشاذ .
ونستطيع أن نؤكد أن التردي في الحالة بدأ يأخذ شكلاً واضحاً منذُ أن تم إخضاع البلاد للسلطات الإنكليزية عقب حركة 1941، إذ رافق الاحتلال البريطاني الثاني دور إرهابي، رُكز فيه النفوذ البريطاني والحكم العرفي، والإدارة البوليسية، وظهرت فيه الروح الانتقامية بأجلى مظاهرها، سواء في الاعتقالات الإدارية، أو المحاكمات التي جرت على يد السلطات العسكرية العراقية .
وقد تحمل الشعب العراقي طيلة مدة الحرب ما عانته البلاد من عبث الإدارة العسكرية البريطانية، وتدخلاتها السافرة بشؤونها، وتوجيهها جميع موارد البلاد وإنتاجها لمصلحة المجهود الحربي البريطاني، كما عانى من نتائج التضخم النقدي ما لم يعانيه بلد آخر . فكانت أكثرية الشعب لا تسد رمقها، بسبب الغلاء الفاحش، بينما تُرك الحبل على الغارب لفئة من الاستغلاليين والاحتكاريين، ورجال الحكم المستسلمين والموالين للسلطات البريطانية، والمدافعين عن ذلك الوضع السيئ لتثرى ثراءً فاحشاً على حساب تجويع الأكثرية الساحقة من الشعب . لقد عانى الشعب كل هذه المصاعب، وضحى بحرياته العامة والخاصة، وتحمل الجوع والذل، وصبر على مضض، على أمل أن يحيا في عام ما بعد الحرب حياة سعيدة، تستعيد فيها البلاد استقلالها، وتضمن حرية أفرادها، ويوفر لها قوتها، وتختار الأكثرية فيها الطريقة التي توافقها في الحكم، والهيئة التي تدير شؤونها إدارة وطنية ديمقراطية منبثقة عن مجالس نيابية منتخبة بمحض إرادتها .
ولكن الذي يؤسف له أن الوضع استمر على ما كان عليه بعد انتهاء الحرب، على الرغم من ازدياد الوعي الشعبي، بل أخذت تنمو بذور الفساد بمقياس واسع، فكوفحت الأحزاب الناشئة وصحافتها أشد المكافحة، واُتخذ من القضاء وسيلة لمحاربتها ومحاربة صحافتها، وفقد القضاء استقلاله وصيانته،بنتيجة مداخلات السلطة التنفيذية المستمرة في أعماله، وأخذ أسلوب الحكم يتحول الى نظام بوليسي أكثر فأكثر، يهدر الحريات العامة والخاصة، وخلق جو إرهابي، أرادت به الفئة الحاكمة القضاء على كل مقاومة شعبية، وسارت الفئة الحاكمة على نفس أسلوبها القديم في الانتخابات العامة، بالرغم من أنها تظاهرت بالإصلاح في هذا الشأن، بسن قانون جديد للانتخابات، وقد شهدت انتخابات عامي 1947 و 1948 مداخلات سافرة من غير تحفظ، فقد حدث أن استُدعي المتصرفون الى العاصمة لمقابلة رئيس الديوان الملكي، والمسؤولين من الوزراء، وعادوا الى أماكن عملهم بعد أن زُودوا بتعليمات مشددة لتعيين النواب . وقد نُفذت تلك التعليمات، فكان من الطبيعي أن تضيع مسؤولية الوزارات .أمام تلك المجالس المزيفة، غير المنبثقة عن إرادة الأمة، فتركزت السلطة ـ من دون اعتبار لمبدأ فصل السلطات ـ بيد الحكومة التي راحت تطلق لنفسها العنان في القيام بما تريد به من أعمال مخالفة للقانون الأساسي، والقوانين والأنظمة، ومخلة بالأسلوب الديمقراطي كل الإخلال، فأصبحت المجالس النيابية هي الخاضعة للسلطة التنفيذية، وأصبحت الوزارات تعلق بقاءها في الحكم على إرادة البلاط ومشيئته، فاستسلمت له كل الاستسلام،وأصبح والحالة هذه مرجعاً حقيقياً في كل صغيرة وكبيرة، حتى تعين الموظفين، وإحالتهم على التقاعد، وما أشبه ذلك من الأمور التي يجب أن تكون بعيدة عن هذه المداخلات .
ونحن إذ نوجه هذه المذكرة الى سموكم،لا نود أن يُفهم أننا نطالب بأن يتدخل سموكم في شؤون الدولة خلافاً للدستور، وإنما الذي نبغيه هو وضع حد لهذه المداخلات، وذلك لصيانة الدستور، وإزالة آثار تلك المداخلات .
ونعتقد بأن الإصلاح الذي نطالب به لتغير الأوضاع السيئة القائمة التي بلغت حداً لا يطاق من الفساد، يجب أن يبدأ بتعديل القانون الأساسي الحالي الذي جرى تعديله في ظروف شاذة، يوم كانت البلاد من أقصاها الى أقصاها محتلة بالجيوش البريطانية، وخاضعة للأحكام العرفية، والسجون والمعتقلات ملئ بالمواطنين لأسباب كيفية، وذلك على وجه الخصوص يضمن في نصوصه سيادة الشعب ضماناً تاماً، بحيث لا يدع أي مجال للانتقاص منها، عن طريق التأويل أو التفسير، ويقف بكل سلطة من سلطات الدولة عند الحد الذي يجب أن تقف عنده، وفق مبادئ حكومة دستورية نيابية ديمقراطية مقيدة بالقانون، كما جاء في البيعة التاريخية التي أقرها مجلس الوزراء العراقي بتاريخ 11 تموز 1921، وأعلنها للناس، على أن يشمل التعديل المطلوب النص الذي كان قد ادخل على القانون الأساسي عام 1942، والذي يقضي بمنح حقوقاً أكثر من ذي قبل، كحق إقالة الوزارة، وجعل قرارات مجلس الوزراء مرهونة بموافقته عليها، وما الى ذلك من أمور منافية كل المنافاة للأسلوب الديمقراطي، وأن يتضمن التعديل منع رئيس الدولة، وكل ذي سلطة عامة في الدولة منعاً باتاً من كل عمل مالي أو اقتصادي يمكن أن يؤدي الى استغلال النفوذ .
وفي اعتقادنا أن التعديل المطلوب يجب أن يكون تمهيداً لإعادة الحياة النيابية على أسس سليمة،وفي مقدمتها الأخذ بمبدأ الانتخاب المباشر، عن طريق تعديل قانون الانتخاب الحالي على هذا الأساس، هذا القانون الذي ليس له في الأقطار الديمقراطية ما يماثله من حيث رجعيته، والذي أضيفت إليه أواخر عهد السيد نوري السعيد الأخيرة قيود جديدة على حرية الناخبين، مما يتطلب تبديله لتأمين حق المواطنين في الانتخاب المباشر، وإجراء الانتخابات المقبلة على أساس إحصاء رسمي، على أن يُلغى منه كل قيد يعرقل وصول أي مواطن الى المجلس ـ مهما تكن حالته الاجتماعية أو المالية ـ وان تقوم بإجراء الانتخابات، بعد رفع تلك القيود من هذا القانون، وجعله ملائماً للأسس الديمقراطية، وزارة يطمأن إليها الشعب كل الاطمئنان، لتكون الوزارات التي تتولى الحكم بعد ذلك وزارات منبثقة من مجلس نيابي حقيقي، يمثل إرادة الشعب أصدق تمثيل، وبذلك يمكن أن تكون الوزارات مسؤولة أمامه فقط، فتتولى السير بالبلاد نحو عهد جديد من الحكم الديمقراطي الصحيح، ليستعيد الشعب طمأنينته المفقودة، وتتوفر له الثقة بأسلوب الحكم الذي ينشده .
وبعد فإن الشعب يا صاحب السمو بحاجة الى إزالة القوانين الرجعية التي حرمت عليه ممارسة حريته،وجعلته يعيش في ظل نظام بوليسي يحصي عليه حركاته وأنفاسه، ويأخذ أبناءه بالشبهات، ويزج بهم في المعتقلات والسجون لمجرد رأي أبدوه . وإن البلاد بحاجة ماسة الى قوانين عامة تشمل جميع أبناء الشعب . فكما تكون الجرائم موحدة بين المدن والمناطق الريفية، يجب أن يكون العقاب كذلك واحداً . كما أن البلاد بحاجة ماسة الى تشريع يضمن استقلال القضاء الذي أصبح في وضع لا يستطيع معه المحافظة على كيانه وحرمته واستقلاله، والى مجلس دولة تُعطى له جميع الصلاحيات كاملة غير منقوصة لحماية حقوق المواطنين من عبث السلطة الإجرائية، وتصرفاتها الكيفية، الى جانب إطلاق الحريات السياسية، ومنح العمال وغيرهم من أصحاب المهن حرية تأليف النقابات، بحيث لا تستطيع السلطات الإدارية والبوليسية عرقلة أعمال هذه النقابات والقضاء عليها بحجج واهية، وإعلان العفو العام عن المحكومين السياسيين الذين هم في الواقع ضحايا المجالس العرفية العسكرية، أو المحاكمات غير الأصولية، وإلغاء جميع النصوص التي تتنافى ومبادئ الحكم الديمقراطي، حيثما وجدت في القوانين، واستبعاد فكرة تعديل قانون العقوبات الذي تلوّح به السلطات كسيف مسلط على كل حرية من حريات الرأي، والعمل السياسي، وتطهير جهاز الدولة من المرتشين والفاسدين، والضرب على أيدي المستغلين والمحتكرين، وذلك بتشريع خاص، بحيث لا يفلت من العقاب كل مجرم سابق أو لاحق .
والشعب العراقي الذي ضاق ذرعاً بحالته الاقتصادية السيئة، من حيث تفشي الفقر والبطالة وقلة الأجور، يريدها إصلاحاً جذرياً لهذه الحالة، بإلغاء الإقطاع، وإزالة كل قانون أو نظام من شأنه تثبيته، وتحديد الملكية الزراعية بحد أعلى، وتوزيع الأراضي المتملكة على الزراعي الحقيقيين، وزيادة حصة الفلاح من الحاصل، وتخفيف عبء الضريبة عن المكلفين غير القادرين على دفعها، وفرض ضريبة تصاعدية على أصحاب الدخل الكبير، زراعياً كان أو غير زراعي، وتقليص الضرائب غير المباشرة على المستهلكين، وتحرير الاقتصاد الوطني من الاستغلال والسيطرة الأجنبية، وتأميم المشاريع التي تتصل بالخدمات العامة، والقضاء على الاحتكار الأجنبي في العراق، وتشجيع استثمار رأس المال الوطني في الصناعة الحديثة، والمشاريع الاقتصادية، ومنع استغلال النفوذ الفردي على حساب الصالح العام .
والشعب العراقي الذي يريد جلاء كل قوة أجنبية عن بلاده، يريد التحرر من معاهدة 1930 الجائرة التي قيدت له استقلاله وسيادته الوطنية، وهو كذلك يرفض كل نوع من أنواع الدفاع المشترك، لأنه يرى في هذا المشروع الاستعماري الخطر كل الخطر على كيانه وسلامته .
والشعب العراقي الذي ينشد السلام، يريد أن يعلن حياده تجاه التكتلات الدولية التي لا منفعة له في التورط فيها . لأن كل ارتباط للعراق بالدول الإمبريالية لا يعود إليه بغير الكوارث الجسيمة، ويعرض حياة أبنائه للهلاك، ومرافقه للخراب والدمار .
ولنا الشرف يا صاحب السمو أن نكون قد عرضنا في هذه المذكرة خلاصة ما يشكو منه الشعب العراقي، وعبّرنا عن ما يرغب فيه من حلول لمشاكله، وما يتوق الى تحقيقه من آمال، وتفضلوا يا صاحب السمو بقبول خاص احترامنا .(1)
بغداد في 8 صفر 1372 هجرية المصادف لليوم 28 تشرين الأول 1952 .
كامل الجادرجي
رئيس الحزب الوطني الديمقراطي
وهكذا جاءت المذكرة تعبيراً صادقاً ودقيقاً عن أوضاع الشعب العراقي ومعاناته ووضعت اليد على الداء، وحددت له الدواء، من دون أي مجاملة لرئيس الدولة، أو الحكومة، واستقبلها الشعب بالتأييد الحازم والفعال، فقد كانت قد عبرت حقاً وصدقاً عن ضميره وأحاسيسه، وآماله في الحياة الحرة الكريمة في ظل الاستقلال الحقيقي، وبعيداً عن الهيمنة الإمبريالية .
ثالثاً : الوصي عبد الإله يرد على المذكرات بانفعال :
بدلاً من أن يقوم الوصي عبد الإله بدراسة المذكرة المرفوعة له، والعمل على الاستجابة لمطالب الشعب التي تضمنتها المذكرات، ومعالجة شكاوى الشعب، لجأ الى الرد السريع والانفعالي، مدافعاً عن نفسه وعن حكوماته وسياساتها المعادية لمصالح الشعب والوطن، وجاء ذلك الرد الذي بعث به رئيس الديوان الملكي [ احمد مختار بابان ]، بناء على توجيهات الوصي، الى قادة الأحزاب الوطنية الثلاث، في 28 تشرين الأول 1952، والذي تميز بالانفعال، وحاول الوصي تبرئة نفسه من التدخلات اللادستورية التي مارسها منذُ توليه الوصاية على العرش، في انتخابات المجالس النيابية، وسياسات الوزارات المتعاقبة على الحكم، وتعديله للدستور بحيث خول نفسه حق إقالة الوزارة، والتدخل في كل صغيرة وكبيرة، إضافة الى ارتمائه في أحضان المستعمرين البريطانيين، والرضوخ لمشيئة السفارة البريطانية في تشكيل الوزارات وتحديد سياساتها .(2)
لكن الوصي كان يشعر بقلق شديد من أسلوب المذكرات التي رفعتها الأحزاب السياسية، والتي كانت تنم عن وجود استياء شعبي عام في البلاد، وكان قلق الوصي عبد الإله ناشئاَ أيضاً من خوفه من وقوع انقلاب عسكري في البلاد، كما حدث في سوريا ومصر، ولذلك فقد سارع الى حل مجلس النواب في 27 تشرين الأول 1952، تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة، من دون أن يلتفت الى المطالب الشعبية، ومطالب الأحزاب السياسية المتمثلة بتعديل قانون الانتخاب وجعله مباشراً ـ أي على درجة واحدة ـ منعاً للتزوير، أو شراء ذمم المنتخبين الثانويين . (3)
رابعاً : الأحزاب السياسية تقاطع الانتخابات :
لم تقتنع أحزاب المعارضة الوطنية بالخطوة التي اقدم عليها الوصي لحله البرلمان تمهيدً لإجراء انتخابات جديدة، طالما أنها سوف تجرى بنفس الأسلوب السابق، وبموجب القانون المعمول به، ورأت أن لا فائدة ترجى من اشتراكها في الانتخابات التي بات معروفاً سلفاً من الذي سيفوز فيها من أزلام السلطة والسفارة البريطانية، وأعلنت أنها سوف تقاطع الانتخابات .(4)
وجاء قرار الأحزاب الوطنية المعارضة ليزيد من قلق السلطة والبلاط في اندلاع وثبة شعبية جديدة لا أحد يعرف مداها إن هي حدثت، ولذلك فقد تراجعت الحكومة عن موقفها، وسارعت الى إصدار بيان رسمي 16 تشرين الثاني 1952، الى الشعب، تعلن فيه أنها في صدد تشكيل لجنة من كبار القانونيين، وبمشاركة الأحزاب السياسية، لتعديل قانون الانتخاب وجعله[ مباشراً ]، وأنها سوف تقدم مشروع القانون الى مجلس الأمة الذي سيجري انتخابه، وأن الحكومة سوف تقف على الحياد في تلك الانتخابات !!. كما أعلنت الحكومة في بيانها أنها تدرك ضرورة أجراء الإصلاحات في البلاد، وقامت الحكومة بإبلاغ الأحزاب السياسية بخطتها، ودعت ممثليها للمشاركة في اللجنة المزمع تأليفها لتعديل قانون الانتخاب .
لكن الأحزاب الوطنية لم تنطلِ عليها أحابيل الحكومة لتمرير الانتخابات، والمجيء بمجلس للنواب كما تريد، وعليه رفضت دعوة الحكومة وطالبتها بإصدار مرسوم بتعديل قانون الانتخاب قبل إجراؤها، إن هي جادة في مواقفها، وحتى حزب صالح جبر ـ حزب الأمة الاشتراكي ـ رفض الاشتراك في الانتخابات إذا لم يعدل قانون الانتخاب، وتجرى الانتخابات بصورة مباشرة .
وبسبب تأزم الوضع من جديد طلب رئيس الوزراء من الوصي عبد الإله أن يلتقي بقادة الأحزاب والشخصيات السياسية في البلاد للتداول في سبل الخروج من الأزمة .(5)
مانع الوصي في بادئ الأمر، لكنه عاد وتراجع عن موقفه بعد أن أوضح له رئيس الوزراء خطورة الوضع داخل البلاد، وما جرى ويجري من أحداث في إيران وسوريا ومصر .وهكذا بادر الوصي في 28 تشرين الأول الى دعوة قادة الأحزاب السادة : [كامل الجادرجي ]، [ومحمد مهدي كبه ] [وطه الهاشمي ]، [ونوري السعيد]، [وصالح جبر ]،
وشملت الدعوة إضافة الى رئيس الوزراء [مصطفى العمري] كل من السادة [جميل المدفعي ]،و[علي جودت الايوبي ]،و[محمد الصدر]، [وتوفيق السويدي ]، و[أرشد العمري ]، [وحكمت سليمان ].(6)
بدأ الوصي حديثه مع الحاضرين منزهاً نفسه من أي استغلال لمركزه على قمة السلطة، مدعياً العفة والنزاهة، والحرص على العراق وشعبه !!، مذكراً بأمجاد الملك حسين بن علي . ثم طلب بعد الانتهاء من كلمته أن يسمع أراء الحاضرين في الاجتماع، وخاصة قادة الأحزاب السياسية . لكن قادة الأحزاب أجابوه على الفور انهم قد قدموا كل ما عندهم في المذكرات التي رفعوها لسموه، وأنهم يودون سماع جواب سموه عليها .(7)
كما تحدث كل من طه الهاشمي، وعلي جودت الايوبي حول الأوضاع المتدهورة في البلاد ومطالب الأحزاب السياسية الوطنية، وتطور الحديث الى سجال بين الزمرة الحاكمة وقادة الأحزاب المعارضة .
أثارت صراحة السيد طه الهاشمي الوصي عبد الاله، وجعلته يفقد سيطرته على أعصابه، حيث تطاول على طه الهاشمي، واتهمه مرات عديدة [بالكذب ]. انفعل الهاشمي من تصرف الوصي و همّ بالخروج من الاجتماع، لكن الوصي صرخ في وجهه قائلاً[ اجلس، اجلس ]ورد عليه الهاشمي قائلاً [ أني شريف، إني شريف ] ثم غادر قاعة الاجتماع، وأعقبه الأستاذ كامل الجادرجي وغادر الاجتماع احتجاجاً على إهانة الوصي لطه الهاشمي، وتضامناً معه . وانتهى مؤتمر البلاط الى الفشل الذريع، وغادر الجميع بعد ذلك قاعة الاجتماع .(8)
حاول رئيس الوزراء أن يهدئ الأجواء التي باتت تهدد بالانفجار، واتصل بالسيدين طه الهاشمي، وكامل الجادرجي واعتذر لهم بالنيابة عن الحكومة، وأبدى أسفه الى ما آل إليه مؤتمر البلاط . كما قام كل من رئيس الديوان الملكي [ احمد مختار بابان ] و رئيس التشريفات [تحسين قدري] بزيارة السيد طه الهاشمي في داره ليهونا عليه ألم الإهانة من قبل الوصي .(9)
أما رؤساء الأحزاب السياسية الوطنية فقد وقفوا الى جانب السيد طه الهاشمي، أبدوا استعدادهم لعمل كل ما من شانه أن يرد الإهانة الصادرة من الوصي عبد الاله بحقه .(10)
ونتيجة لفشل مؤتمر البلاط، وتصاعد الأزمة بين الوصي والأحزاب الوطنية، قدم وزير المالية السيد [موسى الشابندر] استقالته من الحكومة متنصلاً من المسؤولية .
كما أبدى كل من الوزراء [جمال بابان ] و[نديم الباجه جي ] و[عبد الله الدملوجي ] قلقهم من تطور الأوضاع، ورغبتهم في التفاهم مع المعارضة، مهددين بالاستقالة إذا لم تلبِ الحكومة طلبهم، مما جعل الوزارة مهددة بالسقوط .
لكن السفير البريطاني سارع للاتصال برئيس الوزراء العمري، حيث أرسل إليه مستشار وزارة الداخلية، طالباً منه الاستمرار في الحكم مهما جرى وعدم التفكير بالاستقالة .(11)
وفي كانون الأول 1952، جرى اجتماع في دار السيد [جميل المدفعي] حضره كل من السادة [نوري السعيد ]، و[علي جودت الايوبي ]، و[محمد الصدر ]، و[توفيق السويدي ]، [ومصطفى العمري ]، وجرى البحث في الأوضاع السياسية في البلاد وتطورات الأزمة، وقد أبدى توفيق السويدي رأيه في قطع المفاوضات مع الأحزاب وحلها، وأجراء الانتخابات النيابية بموجب القانون المعمول به . وقد أيده في رأيه علي جودت الايوبي ونوري السعيد الذي دعا الى توجيه الضربة للشيوعيين، وعدم الرضوخ للمعارضة .
إما الشيخ محمد الصدر فقد طلب السعي لإقناع المعارضة أولاً، فإن رفضت فالحل في حل الأحزاب، وإجراء الانتخابات . (12)
وهكذا تصاعدت الأزمة بين السلطة والمعارضة، وأصبح الانفجار الجديد متوقعاً في كل لحظة، بعد أن رفضت السلطة مطالب المعارضة، وكانت الأوضاع الملتهبة تنتظر حادثاً،مهما كان بسيطا،ً ليشعل فتيل الانتفاضة الشعبية .
*******
خامساً وثبة تشرين المجيدة عام 1952 :
لم تستطع وثبة كانون المجيدة تحقيق كامل أهدافها، فرغم أنها استطاعت أن تسقط حكومة [صالح جبر ـ نوري السعيد ]، وتسقط معها [معاهدة بورتسموث ]، ورغم أنها استطاعت أن تهز العرش الهاشمي وتهدد وجوده، واضطرته، مرغماً، على إقالة الوزارة، وتعين الشيخ محمد الصدر رئيساً للوزراء ـ الذي كان يصنف من المعتدلين حينذاك ـ والذي بادر فوراً بالإعلان عن إلغاء المعاهدة المذكورة، وإطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين الذين شاركوا في الوثبة، وبذل الكثير من الجهود لتهدئة الأوضاع .
إلا أن الهدوء لم يستمر طويلاً بسبب تردي الأوضاع المعيشية للشعب من جهة، وعودة الوجوه البورتسموثية الى واجهة السلطة من جهة أخرى، مما شكل تحدياً لمشاعر الشعب وإرادته، وزاد من توتر الوضع مبادرة هذه السلطة بإجراءاتها القمعية، وانتهاك الحريات العامة من جديد .
ففي عام 1949 أقدمت حكومة نوري السعيد على إعدام قادة الحزب الشيوعي، وشنت حملة شعواء على القوى والأحزاب الوطنية التي شاركت في وثبة كانون المجيدة، وخنقت الحريات العامة والصحافة الوطنية، وأكمّتْ صوت الشعب .
وجاء تخفيض الدينار العراقي المرتبط بالباون الإسترليني، تبعاً لانخفاض الأخير من 4 دولارات و3 سنتات للجنيه الواحد الى دولارين وثمانين سنتاً، والذي سبب أزمة اقتصادية حادة ضاعفت من معاناة الكادحين من أبناء الشعب والطبقة المتوسطة، وأعقب ذلك المفاوضات التي أجراها نوري السعيد مع شركات النفط، والتي جاءت لمصلحة الشركات الاحتكارية الإمبريالية على حساب الشعب العراقي، مما أدى الى موجه من الاحتجاجات على سياسة الحكومة وتفريطها بمصالح الشعب والوطن، ودفع نواب المعارضة في البرلمان، والبالغ عددهم 37 نائباً، الى الاستقالة من عضوية المجلس احتجاجاً على سياسة الحكومة، مما صعد حدة التناقض بين الشعب والسلطة الحاكمة .(13)
وجاء إضراب عمال الميناء في البصرة، المطالبين بحقوقهم، ولجوء الحكومة الى القوة لكسر الإضراب، وسقوط العديد من القتلى والجرحى في صفوف المضربين وأبناء الشعب ليزيد من حراجة الموقف ومن تراكم الغضب الشعبي مما حدا بالأحزاب الوطنية الى تقديم المذكرات إلى الوصي عبد الإله،والتي تضمنت شرحا وافياً لمدى التدهور الحاصل في أوضاع البلاد، وانتشار الفساد وقمع الحريات العامة،وحرية الأحزاب والصحافة وكم أفواه الشعب، لكن تجاهل الوصي لتلك المذكرات والمطالب التي تضمنتها لمعالجة الأوضاع، ولجوئه الى التطاول على السيد طه الهاشمي في مؤتمر البلاط، كل ذلك جعل الشعب العراقي وقواه السياسية الوطنية في حالة من اليأس من إصلاح أوضاع البلاد ورفع من حدة التناقض بين الشعب والزمرة الحاكمة الى الدرجة الحرجة، والتي كانت تنذر بانفجار عنيف يتجاور انفجار كانون الثاني عام 1948 .
كانت الجماهير الشعبية تعيش حالة من الغليان الشديد والغضب العارم من سلوك الحاكمين، وتجاهلهم لإرادة الشعب، وتنتظر الشرارة التي تفجر الانتفاضة .وجاء قرار عمادة كلية الصيدلة والكيمياء القاضي باعتبار الطالب المعيد لدرس ما، معيداً لكافة الدروس، مما أثار غضب الطلاب الذين سارعوا الى إعلان الإضراب عن الدراسة في 16 تشرين الأول 1952 . وأدركت الحكومة خطورة تطور الإضراب واندلاع المظاهرات وتوسعها فأسرعت الى الإعلان أن القرار لا يشمل الصف المنتهي هذا العام.(14)
لكن الطلاب واصلوا إضرابهم مطالبين بإلغاء القرار، ونتيجة الاستمرار الإضراب اضطرت وزارة الصحة الى إصدار قرار جديد يقضي بإلغاء قرار العمادة ،لكن الطلاب فوجئوا في اليوم التالي بوقوع اعتداء من قبل مجهولين داخل الحرم الجامعي على الطلاب الذين كانوا من النشطين خلال الإضراب، مما أدى الى قيام المظاهرات الطلابية، وإعلان كافة طلاب الكليات الإضراب عن الدراسة، ثم تبعهم طلاب المدارس الثانوية والمتوسطة وأعلنوا إضرابهم عن الدراسة في 22 تشرين الثاني، تضامناً مع طلاب كلية الصيدلة .
بدأت موجة المظاهرات تأخذ منحاً جديداً، بعد أن أخذت الجماهير الشعبية تنظم الى الطلاب المتظاهرين وتطورت الى مظاهرات سياسية تطالب بتحقيق المطالب التي تضمنتها مذكرات الأحزاب الوطنية الى الوصي، وإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبسرعة تحولت الاحتجاجات على الأوضاع إلى مظاهرات تهتف بسقوط عبد الاله والحكومة، وإخراج الإمبرياليين البريطانيين والأمريكيين من البلاد.(15)
كان انطلاق المظاهرات الشعبية من [محلة الفضل ]، حيث تصدت لها قوات الشرطة مستخدمة الأسلحة النارية ضد المتظاهرين الذين واجهوهم بالعصي والحجارة وبعض المسدسات، حيث وقعت معارك شرسة بين الطرفين، استبسل فيها أبناء الشعب مبدين بطولة خارقة . واستشهد نتيجة الصدام أحد المتظاهرين وجرح 14 آخرين، فيما أصيب 38 شرطيا بجراح .ونتيجة لتدهور الوضع سارع مصطفى العمري الى تقديم استقالة
حكومته إلى الوصي عبد الإله .(16)
وفي 23 تشرين الثاني اتسع نطاق المظاهرات والاحتجاجات، وجرى المزيد من الصِدام مع قوات الشرطة، حيث أصيب 25 متظاهراً بجراح كان أغلبهم من العمال والكادحين مما ألهب الموقف، واندفع المتظاهرون الشيوعيون، و الديمقراطيون، ورابطة الشباب القومي، بالاستيلاء على مركز شرطة [قنبر علي ] و [ مركز شرطة باب الشيخ ]، وتم الاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة العائدة للشرطة، كما جرى إحراق [مكتب الاستعلامات الأمريكي ] قرب سوق الصفافير، وقد وقع جراء الصِدام مع الشرطة 12 شهيداً من العمال والكادحين، وكان رد فعل الجماهير الغاضبة على استشهاد هذا العدد الكبير من المواطنين أن اقدموا على حرق أحد أفراد الشرطة .وفي المساء كانت السيطرة قد خرجت من أيدي الشرطة، وعمت المظاهرات كل مكان . (17)
سادساً:استقالة العمري وتكليف رئيس أركان الجيش بتشكيل الوزارة:
أصبح الوضع خطيراً جداً في بغداد مساء يوم 23 تشرين الثاني، وحاولت الحكومة الاستعانة بقوات الشرطة السيارة،المدربة خصيصاً لقمع المظاهرات، حيث نزلت الى الشوارع واصطدمت بالمتظاهرين، ووقع المزيد من القتلى والجرحى حيث استشهد 23 مواطناً فيما قتل 4 من أفراد قوة الشرطة السيارة، وتم إحراق عدد من سيارات الشرطة، وانتهت المعركة ذلك اليوم بهزيمة قوات الشرطة السيارة، واصبح الوضع في بغداد خطيراً جداً، كما امتدت التظاهرات الى سائر المدن العراقية الأخرى تضامناً مع جماهير بغداد، ولم يعد لقوات الحكومة القمعية أي سيطرة على الشارع العراقي، مما اضطر الوصي، وقد أصابه الرعب من خطورة الموقف، الى قبول استقالة حكومة مصطفى العمري، واستدعاء رئيس أركان الجيش، الفريق [ نور الدين محمود ] لتأليف وزارة جديدة في ذلك اليوم 23 تشرين الثاني 1952، وتم إنزال الجيش الى شوارع بغداد والمدن الأخرى وجرى تأليف الوزارة على عجل، وجاءت على الشكل التالي :
1 ـ نور الدين محمود رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع والداخلية .
2 ـ علي محمود الشيخ علي ـ وزيراً للمالية .
3 ـ ماجد مصطفى ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للاقتصاد وكالة .
4 ـ فاضل الجمالي ـ وزيراً للخارجية .
5 ـ عبد الرسول الخالصي ـ وزيراً للعدلية، ووزيراً للمواصلات والأشغال وكالة .
6 ـ قاسم خليل ـ وزيراً للمعارف .
7 ـ رابح العطية ـ وزيراً للزراعة .
8 ـ عبد المجيد القصاب ـ وزيراً للصحة .
سارعت الحكومة الجديدة الى إعلان الأحكام العرفية في نفس اليوم، وجرى تأليف المحاكم العرفية العسكرية، وأصدرت أمراً بمنع المظاهرات والتجمعات وحمل الأسلحة، منذرة المخالفين بإنزال أشد العقوبات بحقهم .
كما أعلنت الحكومة عن حل الأحزاب السياسية كافة وتعطيل معظم الصحف، حيث شمل التعطيل صحف الأهالي و لواء الاستقلال والجبهة الشعبية، لسان حال الأحزاب السياسية المعارضة، وكذلك صحف القبس، و النبأ، واليقظة، وصوت الشعب، والسجل، والحصون والأفكار،والوادي،والآراء، والعالم العربي،وعراق اليوم، والجهاد .(18)
لكن المظاهرات استمرت بعنفوانها، متحدية الحكم العسكري الجديد،وكان المتظاهرون يهتفون بسقوط الحكم العسكري، ويطالبون بتشكيل حكومة مدنية برئاسة السيد كامل الجادرجي .
وقام الجيش بالتصدي للمتظاهرين،وجرى إطلاق النار عليهم، حيث استشهد 8 مواطنين، وجرح 84 آخرين، أصدرت الحكومة قرارا بمنع التجول من الساعة السادسة مساءاً وحتى الساعة السادسة صباحاً، وقامت خلال الليل بحملة إعتقالات واسعة في صفوف الشعب، شملت ما يزيد على 3000 مواطنا، بينهم 220 شخصاً من الوزراء لسابقين، والنواب، والصحفيون ورؤساء الأحزاب وشخصيات سياسية معروفة، وجرى تقديمهم جميعاً الى المحاكم العرفية العسكرية، حيث حكم على أثنين منهم بالإعدام، وعلى 958 منهم بالسجن لمدد مختلفة، وعلى 582 آخرين بالغرامة، وعلى 294 بالكفالة، وتم الإفراج عن 1161 فرداً . (19)
وبعد أن تم للحكومة إخماد الوثبة المجيدة بالحديد والنار، ومصادرة الحريات العامة وإغلاق الأحزاب والصحف، والزج بمئات الوطنيين في السجون، لجأت الى بعض الإجراءات لتخفيف الغضب الشعبي العارم، وامتصاصه، فأصدرت عدة مراسيم تتعلق بخفض الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة والمصدرة [ مرسوم رقم 1 ] وإلغاء رسم الاستهلاك وضريبة الأرض عن المخضرات والأثمار الطرية [ مرسوم رقم 2 ] ومرسوم تخفيض ضريبة الأملاك [مرسوم رقم 5 ] وغيرها من المراسيم الأخرى، لكن المرسوم الأهم كان [مرسوم رقم 6 ] الخاص بتعديل قانون الانتخاب وجعله على مرحلة واحدة،أي مباشراً .
لكن تلك المراسيم، باستثناء المرسوم رقم 6، لم تكن إلا إجراءات تخديرية لم تستطع حل المشاكل المعيشية التي يعاني منها الشعب، وحتى مرسوم تعديل قانون الانتخاب فلم يكن سوى حبراً على ورق، ذلك أن التدخلات التي جرت أثناء الانتخابات التي جرت في 17 كانون الثاني 1953 كانت أكثر من مثيلاتها السابقة، حيث فاز فيها بالتزكية 76 نائباً من مجموع 135 نائباً، وقد وصل الأمر بجميل المدفعي، الذي تولى رئاسة الوزارة فيما بعد، أن صرح في 17 شباط وهو في قمة السلطة قائلاً :
{ أنا اعتقد أن بعض الانتخابات غير المباشرة كانت قد جرت احسن من الانتخابات المباشرة الحالية } .(20)
وأكد أحد وزراء نوري السعيد المزمنين السيد [ عبد المهدي ] أن الانتخابات لم تجرِ على الطريقة الصالحة، فقد جرى تهديد المرشحين غير المرغوب بهم بوجوب الانسحاب من الترشيح، وإلا ستجبرهم عصابات السلطة إذا ما أصروا على خوض الانتخابات،
وقد جرى استدعاء متصرفي الألوية وتم إبلاغهم بقوائم مرشحي البلاط وأمروا بالعمل على إنجاحها .(21)
كما أكد صالح جبر ومحمد مهدي كبه وقوع التدخلات الحكومية في الانتخابات، وأعلن حزب الاستقلال اللحاق بالحزب الوطني الديمقراطي، والانسحاب من الانتخابات
لم تثنِ إجراءات حكومة نور الدين محمود أبناء الشعب عن سعيهم للخلاص من الزمرة الحاكمة، وإنقاذ البلاد من الهيمنة الإمبريالية، وبدأت بذور الثورة تنمو في أحشاء المجتمع العراقي من جديد، لإسقاط ذلك النظام الذي كان هو والشعب على طرفي نقيض، مما جعل أي أمل في إصلاح الأوضاع السياسية في البلاد أمرٌ مستحيل، وأيقن الشعب وقواه الوطنية، والضباط الوطنيون في الجيش أن الطريق لإصلاح الأوضاع لا يمكن إلا بقلب النظام القائم، وإنهاء سلطة تلك الزمرة التي باعت نفسها ووطنها للإمبرياليين .
أما حكومة نور الدين محمود فقد أنجزت المهمة التي كلفها بها الوصي عبد الإله في قمع الوثبة الشعبية العارمة، ولم يبقَ أي مبرر لاستمرارها، وعليه تقدم نور الدين محمود باستقالة حكومته الى الوصي في 23 كانون الثاني 1953، وتم الإعلان عن قبول الاستقالة في 29 منه .
سابعاً : جميل المدفعي يؤلف الوزارة الجديدة :
على أثر استقالة وزارة نور الدين محمود، كلف الوصي السيد جميل المدفعي بتأليف الوزارة الجديدة للمرة السادسة في 29 كانون الثاني 1953، وجاءت الوزارة على الشكل التالي :
1 ـ جميل المدفعي ـ رئيساً للوزراء .
2 ـ علي جودت الايوبي ـ نائباً للرئيس .
3 ـ نوري السعيد ـ وزيراً للدفاع .
4 ـ توفيق السويدي ـ وزيراً للخارجية .
5 ـ أحمد مختار بابان ـ وزيراً للعدلية .
6ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمالية .
7 ـ ماجد مصطفى ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
8 ـ ضياء جعفر ـ وزيراً للاقتصاد .
9 ـ حسام الدين جمعة ـ وزيراً للداخلية .
10 ـ عبد الرحمن جودة ـ وزيراً للزراعة .
11 ـ خليل كنه ـ وزيراً للمعارف .
12 ـ محمد حسن سلمان ـ وزيراً للصحة .
13ـ عبد الوهاب مرجان ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .
ومن الملاحظ في التشكيلة الوزارية هذه أنها جاءت تضم أكبر تجمع لأقطاب السلطة الحاكمة منذ تأسيس الدولة العراقية، وجاءت معبئة كل قواها لإعادة البلاد الى مرحلة ما قبل وثبة كانون الثاني المجيدة عام 1948، وكان لهؤلاء الساسة المخضرمين دور غير مشرف في تاريخ العراق السياسي، وكانوا منفذين لسياسة المحتلين البريطانيين، وعاملين بأمرهم .
لقد وقف عدد من النواب الوطنيين في البرلمان يهاجمون الحكومة الجديدة، ويفضحون رجالها، فقال نائب البصرة [ عبد الرزاق الحمود ] مخاطبا المجلس والحكومة قائلاً :
{ يتبادر لذهن قارئ يتلو قائمة هذه الوزارة أن العناصر المحافظة قد حشدت قواها، ونظمت صفوفها لتدعيم مركزها، والرجوع الى عهد ما قبل الوثبة الوطنية عام 1948، وإذا ما تلى أي عراقي هذه الأسماء يجد بعض هؤلاء هم الذين كتبوا بيمينهم تاريخ العراق السياسي الحديث أو معظمه على أقل تقدير، وهذا التاريخ فيه صفحات غير مشرفة، بل صفحات قاتمة فيها أمور تثير الأسى، وتحز في النفوس ....إن على الحكومة أن لا تفكر هذه الأيام في إرضاء المجلس، وهي مستطيعة حتماً، ولكني أتساءل إن كان بإمكانها إرضاء رجل الشارع ؟ لأنه إذا انفجر الشارع مرة أخرى فإنه سيكون كالبركان، يعصف بالجميع } .(22)
أما الشيخ [ محمد رضا الشبيبي ] الذي شارك في العديد من الوزارات السابقة فقد قال :
{ إن البلاد مغلوب على أمرها، وإن الأجنبي الغاشم يتدخل في شؤونها، وإنه يلتزم فريقاً معيناً من الناس ويفرضهم فرضاً على البلاد، ويناهض كل فئة واعية لها آراؤها المحترمة، وتفكيرها السياسي الناضج منذ زمان طويل الى هذا اليوم .لقد انشطرت البلاد ـ مع بالغ الأسف ـ بسبب هذه السياسة، تجاهلنا جيل واعٍ حديث، تفكيره وآراؤه ومناهجه تختلف كل الاختلاف عن تفكيرنا نحن أبناء الجيل القديم الذين اشغلنا المناصب مراراً كثيرة، والذين أبينا أن نفسح المجال في أغلب الأحيان لغيرنا، أو أن نعد أناساً لأشغال هذه المناصب فيما إذا أنتهي أمرنا }. (23)
لقد بقيت البلاد تحكم حكماً عرفياً، وبقت الصحف والأحزاب السياسية ملغاة، والبؤس والفقر يفتك بملايين المواطنين، وكان كل ما تفكر به الوزارة هو تثبيت ذلك لنظام الذي أسسه الإمبرياليون البريطانيون، وتنفيذ كل ما يؤمرون به من قبل السفارة
البريطانية في بغداد، والتي كانت تتدخل بكل صغيرة وكبيرة . فلا يمكن أن تُشكل وزارة دون إرادتها ومباركتها .
لقد استمرت الأحكام العرفية طوال عهد هذه الوزارة والوزارة التي أعقبتها، وكانت برئاسة المدفعي نفسه، واستمر تعطيل الصحف، ولم يُسمح للأحزاب بممارسة نشاطها، رغم المذكرات التي رفعها كل من السادة [كامل الجادرجي ] رئيس الحزب الوطني الديمقراطي، و [محمد مهدي كبه ] رئيس حزب الاستقلال الى رئيس الوزراء، وطالباه فيها إنهاء الأوضاع الشاذة في البلاد، وإلغاء الأحكام العرفية، وعودة الصحافة الوطنية للصدور، واستعادة الأحزاب الوطنية لنشاطها السياسي . فقد بعث السيد محمد مهدي كبه بمذكرته الأولى في 31 كانون الثاني 1953، وبعث السيد كامل الجادرجي بمذكرته الأولى في 1 شباط 1953،ولما كان رد رئيس الوزراء غير مقنع، وكان مقتضباً، وحاول التهرب من الإجابة الصريحة، رافضاً إعطاء موعد محدد لإلغاء الأحكام العرفية، وعودة النشاط السياسي للأحزاب، وعودة الصحف الملغاة، فقد رد الزعيمان كبه ،والجادرجي على رئيس الوزراء بمذكرتين جديدتين في 14 شباط 1953، اتهماه بالمراوغة وتجاهل المطالب التي قدماها له، والمعبرة عن تطلعات الشعب . لكن الحكومة كانت في وادٍ والشعب وقواه السياسية الوطنية في وادٍ آخر، مما دفع بالصراع بين الطرفين الى التصاعد من جديد .(24)
لقد تجلى ذلك الصراع في الإضراب الذي حدث في دار المعلمين الابتدائية، على أثر فصل أحد طلابها في آذار 1953، واعتصام الطلاب في بناية الدار، ومسارعة طلاب كليتي الطب والصيدلة الى إعلان الإضراب عن الدراسة دعماً لموقف طلاب دار المعلمين الابتدائية، كما تقدموا بمطالب سياسية تدعو الى إلغاء الأحكام العرفية، وإشاعة الديمقراطية في البلاد .(25)
وهكذا بدأت نذر الانفجار تتولد من جديد بسبب إصرار النظام القائم على السير في نفس الطريق الذي اختاره لهم أسيادهم الإمبرياليين، غير مبالين بمصالح الشعب وحقوقه المسلوبة، ودون الاتعاظ بالأحداث الماضية، كما سنرى فيما بعد .
*******
ثامناً : تتويج الملك فيصل الثاني :
في الثاني من أيار 1953، بلغ الملك فيصل الثاني سن الرشد، وتولى مهامه الدستورية ملكاً على العراق، وأقيمت في بغداد حفله التتويج، حيث اقسم اليمين القانونية التالية : اقسم بالله العظيم بأن أحافظ على أحكام القانون الأساسي، واستقلال البلاد، وأخلص للأمة {والوطن } .وقد جرت احتفالات رسمية في بغداد والمدن العراقية الأخرى، وأبدى الشعب العراقي سروراً بالغاً بانتهاء وصاية الأمير عبد الإله، لما كان يكنه له من كره، محملاً إياه كل ما حدث في العراق من مآسي وويلات، كما أنه كان وراء مقتل الملك غازي، بالتعاون مع نوري السعيد،والإنكليز .
كان الشعب العراقي يتوق الى التغيير، بعد تولي الملك فيصل الثاني مهامه الدستورية، لكن ظهر فيما بعد أن الملك الشاب كان لا حول له ولا قوة، وكان ألعوبة في يد عبد الاله ونوري السعيد ومن ورائهم الإنكليز،وأصيب الشعب العراقي بخيبة أمل مريرة في إجراء أي إصلاح لأوضاع البلاد .
تاسعاً :ثورة 23 يوليو في مصر،وتأثيرها على مجرى الأحداث في العراق :
كان نفوذ الإمبريالية البريطانية في مصر ممتداً في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية، فقد كان السفير البريطاني هو الذي يقرر تعيين رئيس الوزراء، أو إقالته ـ تماما كما كان يحدث في العراق ـ وكان الملك فاروق أداة طيعة بيد السفير البريطاني .كما كانت القوات البريطانية قد سيطرت على كل المرافق المصرية، وبشكل خاص قناة السويس، واستمر تواجد القوات البريطانية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مما شكل انتقاصاً خطيراً للسيادة المصرية، وأدى الى قيام حركة للمقاومة الشعبية ضد قوات الاحتلال البريطاني، وقدم الشعب المصري تضحيات جسام من أجل جلاء المحتلين، إلا أن المقاومة الشعبية لم تفلح في طردهم بالنظر لمواقف الحكومة المصرية والعرش المتخاذلين، واستمرت حالة الغليان في صفوف الشعب المصري .
وجاءت حرب فلسطين، وانكشاف أمر العتاد الفاسد الذي جُهز به الجيش المصري، والذي أدى الى وقوع خسائر جسيمة في صفوفه، وانكشاف خيانة الطبقة الحاكمة للجيش، وللقضية الفلسطينية، فكان لابد من إجراء تغير للنظام في مصر، وهكذا انبثقت حركة الضباط الأحرار من بين أولئك الضباط الذين شاركوا في حرب فلسطين، وشهدوا خيانة الحاكمين، وأدرك أولئك الضباط الذين كان على رأسهم ـ الرئيس جمال عبد الناصر ـ أن لا سبيل لإصلاح الأوضاع في مصر،وإخراج المحتلين البريطانيين منها، إلا بقلب النظام الملكي والتخلص من الطبقة الحاكمة .
بدأت حركة الضباط الأحرار توسع نشاطها وتكتلها في صفوف الجيش حتى تسنى لها توجيه الضربة القاضية للنظام صبيحة يوم 23 يوليو 1952، بقيادة اللواء [ محمد نجيب ]، و المقدم [جمال عبد الناصر]، وجرى خلع الملك فاروق وتسفيره الى خارج البلاد، ونودي بطفله فؤاد ملكاً على مصر في بادئ الأمر، وعينت الثورة وصياً على العرش، ثم جرى فيما بعد إلغاء النظام الملكي، وإعلان الجمهورية، بعد إزاحة محمد نجيب من السلطة .
أصيبت حكومة بغداد، والوصي على وجه الخصوص بالقلق الشديد حال بلوغهم نبأ الثورة المصرية، وبدأت الزمرة الحاكمة تتحسس رقابها، وتحسب ألف حساب لما حدث، وأقدمت الحكومة على تكثيف جواسيسها، ورقابتها على أبناء الشعب والقوات المسلحة، ومنعت كل أخبار الثورة المصرية، ومنعت الصحف من نشر كل ما يتعلق بالثورة، إلا بالقدر الذي تسمح به هي من أخبار . وبعد أن ثبتت الثورة أقدامها، وأحكمت سيطرتها على الوضع في البلاد، بدأت تضغط على الإنكليز لسحب قواتهم من القناة، وقدمت دعماً قوياً للمقاومة الشعبية ، ومدتها بكل أنواع الأسلحة والإمكانيات، ولعبت المقاومة دوراً بطولياً في هجماتها على القوات البريطانية حتى اضطرت في نهاية الأمر الى التسليم بالجلاء، ودخل الإنكليز في مفاوضات مع حكومة الثورة، استمرت فترة من الزمن، وانتهت الى جلاء تلك القوات عن مصر في 6 حزيران 1954، وأصبحت مصر لأول مرة في تاريخها الحديث سيدة أمرها . لقد كانت الثورة المصرية شعلة أنارت الطريق للوطنيين من الضباط العراقيين، وأعطتهم زخماً قوياً للتحرك من أجل إسقاط النظام الملكي في العراق، وإنقاذ البلاد من السيطرة الإمبريالية وعملائها الذين أوغلوا في طريق الخيانة والارتماء في أحضان الإمبرياليين، وتنفيذ مخططاتهم في العراق والشرق الأوسط.
بدأ الضباط الوطنيون العراقيون ينشطون في تكوين الخلايا الثورية في مختلف صنوف الجيش، وفي كافة أنحاء البلاد، وتطورت تلك الخلايا لتصبح تنظيمات عسكرية متعددة في بادئ الأمر، ثم توحدت تلك التنظيمات فيما بينها مكونة [اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار ] والتي كان لها شرف قيادة ثورة الرابع عشر من تموز التي أطاحت بالنظام الملكي عام 1958 .
إن الثورة المصرية جوبهت بالرفض والمقاومة من قبل الإمبريالية وعملائها من الحكام العرب آنذاك، وخاصة من قبل حكام العراق، وعلى رأسهم عبد الإله، ونوري السعيد، وقد بدى ذلك واضحاً في أجلى مظاهرة أبان العدوان الثلاثي [ البريطاني الفرنسي الإسرائيلي ] على مصر عام 1956 مستفزين مشاعر الشعب العراقي الذي هب في مظاهرات صاخبة تأييداً لكفاح الشعب المصري وقواته المسلحة، وقيادته الثورية، ولشجب سياسة الزمرة الحاكمة في بغداد والتي كان على رأسها نوري السعيد، الذي تصدى لتلك التظاهرات الشعبية مستخدماً كل أجهزته القمعية، مما أدى الى إراقة الدماء الزكية لأبناء الشعب العراقي مرة أخرى، وجرى اعتقال المئات من أبناء الشعب، وجرى إحالتهم الى المحاكم العسكرية التي حكمت بدورها عليهم بالسجن لمدد مختلفة :لقد كانت تلك الأحداث محفزاً كبيراً للإسراع بإنزال الضربة القاضية بالنظام الملكي،وإنهاء السيطرة الإمبريالية على العراق، وإزاحة رجالاته، وكل أعمدته التي اعتمد عليها خلال حقبة الحكم الملكي .
*******
(1)جريدة الجبهة الشعبية ـ العدد 379 في 29 تشرين الأول 1952.
(2) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 8 ـ ص 306 .
(3) نفس المصدر .ـ ص 308 .
(4)صحف الأهالي، لواء الاستقلال، الجبهة الشعبية ـ 14 تشرين الثاني 1952.
(5) ت ، و، ع ـ الحسني ـ ج 8 ـ ص 317.
(6) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج8 ـ ص 318 .
(7) كتاب الأحلام ـ علي الشرقي ـ ص 175 .
(8) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 8 ص 317.
(9) نفس المصدر .
(10)المصدر السابق ـ ص 319 .
(11) نفس المصدر .
(12) نفس المصدر .
(13) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 8 ـ ص 332.
(14)المصدر السابق ـ ج 8 ص 335 .
(15)نفس المصدر .
(16) المصدر السابق ـ ج 8 ـ ص 336.
(17) نفس المصدر .
(18) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 8 ص 336 .
(19) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 8 340 .
(20) نفس المصدر السابق .ص
(21) نفس المصدر .
(22) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج9 ـ ص 8
(23) نفس المصدر السابق .
(24) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 9 ص 12 .
(25) نفس المصدر السابق .