|
وثبة كانون الثاني المجيدة عام 1948
أولا : استقالة وزارة السويدي،وتكليف أرشد العمري
ثانياً : الشيوعيون يتحدون حكومة العمري .
ثالثاً : حكومة العمري تأمر بإطلاق النار على عمال نفط كركوك .
رابعاً : استقالة وزارة أرشد العمري،ونوري السعيد يؤلف الوزارة الجديدة .
خامسا :الأحزاب الخمسة المعارضة تصدر بيانا يندد بالحكومة وعملية الانتخابات
سادساً : استقالة حكومة نوري السعيد وتكليف صالح جبر
سابعاً :وثبة كانون الثاني المجيدة عام 1948 .
ثامناً : اندلاع وثبة كانون المجيدة .
تاسعاً :إقالة حكومة صالح جبر، وتكليف الشيخ محمد الصدر بتشكيل الوزارة .
أولاً : استقالة وزارة توفيق السويدي،وتكليف أرشد العمري :
عندما تألفت
وزارة توفيق السويدي في 23 شباط 1946، وضعت في منهاجها مسألة نقل البلاد من حالة
الحرب إلى حالة السلم ، وإلغاء المراسيم المقيدة لحقوق وحريات المواطنين ، وإلغاء
الأحكام العرفية ، والسماح بتأليف الأحزاب والجمعيات، وإطلاق حرية الصحافة ، ومنح
امتيازات جديدة للصحف التي سبق أن ألغيت على عهد الوزارات السابقة ، وغيرها من
الإجراءات الأخرى .
وبالفعل أقدمت الوزارة على إلغاء مرسوم صيانة الأمن وسلامة الوطن السيئ الصيت، كما
ألغت الأحكام العرفية ، وأطلقت حرية الصحافة ،وأعلنت موافقتها على تأليف خمسة أحزاب
سياسية ، أربعة منها معارضة ، على الرغم من رفضها إجازة حزب التحرر الوطني الذي
اتهمته بالماركسية ، وبكونه واجهة للشيوعيين .
لم
ترضِ هذه الإجراءات أقطاب السياسة من أذناب المحتلين البريطانيين ، الذين أقاموا
الدنيا على رأس توفيق السويدي متهمين إياه بتهديد الكيان العراقي، واستطاعوا
التأثير على الوصي عبد الإله ، محذرين إياه من خطورة سياسة الوزارة ، وعملوا بكل
الوسائل والسبل على إسقاطها ، مكونين تكتلاً في البرلمان ضدها.
كان
على رأس ذلك التكتل كل من: نوري السعيد، وحمدي الباجه جي، وأرشد العمري،وعبد
المهدي، وعبد الكريم الأزري، ومصطفى العمري وصادق البصام، وأحمد الداؤد، ويوسف
غنيمة . وكان الوصي عبد الإله يلعب دوره من وراء الستار ويحركهم ضد الوزارة
.(1)
ولما
وجد توفيق السويدي عدم تعاون البرلمان مع حكومته ، تقدم إلى الوصي بطلب حله وإجراء
انتخابات جديدة . غير أن الوصي رفض الطلب ، فما كان من توفيق السويدي إلا أن تقدم
باستقالة حكومته في30 أيار 1946، وتم قبول الاستقالة في نفس اليوم .
رشد العمري يؤلف الوزارة الجديدة
على
أثر
قبول
استقالة وزارة توفيق السويدي، كلف الوصي عبد الإله أحد أكثر المتزمتين والمعارضين
لأي توجه ديمقراطي، أرشد العمري بتأليف الوزارة الجديدة ، في 1 حزيران 1946، وتم
تأليف الوزارة على الوجه التالي :
1 ـ
أرشد العمري ـ رئيساً للوزراء .
2 ـ
عبد الله القصاب ـ وزيراً للداخلية .
3 ـ
محمد حسن كبه ـ وزيراً للعدلية .
4 ـ
سعيد حقي ـ وزيراً للدفاع .
5 ـ
فاضل الجمالي ـ وزيراً للخارجية .
6 ـ
يوسف غنيمة ـ وزيراً للمالية، ووكيلاً لوزير التموين .
7 ـ
عبد الهادي الجلبي ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .
8 ـ
بابا علي الشيخ محمود ـ وزيراً للاقتصاد .
9 ـ
نوري القاضي ـ وزيراً للمعارف .
10 ـ
عبد الهادي الباجه جي ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
كان
في جعبة أرشد العمري العمل بكل جهده على تحجيم نشاط الأحزاب السياسية التي سمحت
وزارة السويدي بقيامها ، مختلقاً شتى الأعذار لذلك ، مما أدى إلى تصادم تلك الأحزاب
مع الحكومة ، وخاصة عندما حاولت هذه الأحزاب إثارة القضية الفلسطينية ، على اثر
إعلان مقررات اللجنة البريطانية الأمريكية حول القضية ، والتي دعت إلى تقسيم فلسطين
، وإقامة كيانين فيها ، الأول لليهود والثاني للفلسطينيين، وقد أحدث هذا القرار رد
فعل عنيف في صفوف الشعوب العربية ، مما أجبر معظم الحكام العرب على مجاراة شعوبهم
ظاهرياً خوفاً من وقوع تطورات خطيرة تعصف بتلك الأنظمة .
كانت
الأحزاب السياسية العراقية المعارضة قد اتخذت قراراً بالعمل على مساندة الشعب
الفلسطيني ،وتقديم كل ما يمكن من المساعدات المادية التي تمكنه من الصمود أمام
محاولات الإمبرياليين وأذنابهم الصهاينة ، وشكلوا لجنة للعمل معاً من أجل نصرة
القضية الفلسطينية ، ولجمع التبرعات من أبناء الشعب لهذا الغرض .
إلا
أن حكومة أرشد العمري منعت تلك الأحزاب من القيام بهذه المهمة ، بحجة أن هناك لجنة
حكومية تقوم بهذا العمل . وقد أدى موقف الحكومة هذا إلى وقوع أزمة خطيرة بينها وبين
أحزاب المعارضة الخمسة التي سارعت إلى تقديم مذكرة احتجاج إلى الحكومة ، أعلنت
إيقاف نشاط اللجنة بسبب عدم توفر الظروف الملائمة لاستمرار عملها . ومما جاء في
تلك المذكرة ما يلي :
{
تألفت لجنة الأحزاب العراقية للدفاع عن فلسطين على اثر صدور تقرير لجنة التحقيق
البريطانية الأمريكية ، وقد كانت باكورة أعمالها إعلان الإضراب العام في كافة أنحاء
المملكة ، ذلك الإضراب الذي دل بشموله ، وهدوئه على مقدار الوعي والنضج الذين
أظهرهما هذا الشعب .
ومنذُ أن تألفت الوزارة الحاضرة ، وجدت لجنة الأحزاب نفسها في وضع لا تستطيع معه
القيام بأي عمل جدي مثمر لنصرة الشعب الفلسطيني في محنته الحاضرة ، بالنظر إلى خطة
الحكومة التعسفية التي لم تقتصر على الأحزاب ونشاطها السياسي ، بل تعدته إلى موضوع
فلسطين بالذات ، وكان الظن أن الحكومات المتعاقبة ، مهما اختلفت وجهات نظرها ،
فإنها تتفق في مثل هذا الموضوع الخطير ، حتى أن اللجنة لم يسمح لها بالقيام
بالاكتتاب العام لمساعدة شعب فلسطين .
لذلك
فإن لجنة الأحزاب العراقية، بالنظر إلى موقف الوزارة الحاضرة، وبالنظر لعدم توصلها
إلى اتخاذ خطة موحدة لمجابهة الموقف، لا يسعها ،مع شديد الأسف ، إلا أن تحل نفسها ،
حتى تتهيأ لها الظروف وإمكانيات العمل ، وسوف يستقل كل حزب في عمله السياسي ،
لمعالجة قضية فلسطين، في ضوء خطته }
(2)
بغداد في 14 آب 1946
محمد حديد عزيز شريف محمد مهدي كبه
الحزب الوطني الديمقراطي رئيس حزب الشعب رئيس حزب الاستقلال
عبد الفتاح ابراهيم داخل الشعلان
رئيس حزب الاتحاد الوطني المعتمد العام لحزب الأحرار
وقد
ردت الحكومة على الأحزاب ببيان حاولت فيه تبرير عملها بذرائع غير مقبولة، وكان
واضحاً أنها أرادت منع الأحزاب من القيام بأي نشاط فيما يخص القضية الفلسطينية .
********
ثانياً
: الشيوعيون يتحدون حكومة العمري :
رداً
على سياسة حكومة أرشد العمري تجاه القضية الفلسطينية، وموقفها من الأحزاب السياسية
المعارضة، قام الشيوعيون بمظاهرة صاخبة في بغداد ، في 28 حزيران 1946، احتجاجاً على
الجرائم التي اُرتكبت بحق الفلسطينيين ، من قبل العصابات الصهيونية ، وعلى سياسة
الحكومة البريطانية وقوات احتلالها في فلسطين .
أخذت
المظاهرات بالتوسع خلال سيرها نحو جانب الكرخ ،وكانت قوات الشرطة السيارة التي
أعدت وُدربت لقمع المظاهرات بانتظارها ، حيث اصطدمت معها مستخدمة الرصاص لتفريقها ،
وقد وقعت معركة غير متكافئة بين متظاهرين عزل من أي سلاح ،وتلك القوات المدججة
بالسلاح مما أدى إلى استشهاد خمسة متظاهرين وجرح عدد كبير منهم ، كما اعتقلت الشرطة
عدد كبيراً آخر من المواطنين .
حاولت حكومة العمري التقليل من عدد القتلى والجرحى ، وتبرير فعلتها النكراء، متهمة
المتظاهرين بالإخلال بالأمن ، وغيرها من الادعاءات التي لا يمكن قبولها .
لقد
أحدث إقدام السلطة على استخدام السلاح ضد المتظاهرين غلياناً شعبياً، واحتجاجات
واسعة على سياسة القمع ، وسارعت الأحزاب السياسية المعارضة إلى تقديم مذكرة احتجاج
شديدة اللهجة للحكومة ،وحملتها مسؤولية الأحداث ، وهذا نص المذكرة :
{ إن
ممثلي الأحزاب قد اجتمعوا واستعرضوا الحوادث التي تتابعت ، منذُ أن اضطلعت وزارتكم
المحترمة بمسؤولية الحكم ، فوجدوا أن الحياة السياسية قد أصبحت تعاني من التضييق
والتشديد والاعتداء ، مما أوجب القلق على مصير الحريات الديمقراطية عامة ، وحرية
الرأي خاصة ، هذه الحريات التي ضمنها الدستور العراقي، والتي لم يفتأ الشعب العراقي
يكافح كفاحاً عنيفاً مريراً في سبيل تحقيقها بعد أن أغارت عليها أيدي الاستبداد في
السنين الأخيرة . وقد رأوا أن واجب الدفاع عن هذه الحريات يدعوهم إلى أن يلفتوا نظر
فخامتكم إلى التالي ذكرها :
عندما أشيع غداة تأليف وزارتكم أنها ضد الحريات الديمقراطية ، صرحتم لرؤساء الأحزاب
ببيانات لا لبس فيها ولا إبهام أنكم تستنكرون كل ما أشيع حول إلغاء الحريات العامة
، والانتقاص منها ، وأوضحتم أن وزارتكم هي وزارة انتقالية غرضها إجراء الانتخابات
في جو من الحرية التامة .
غير
أن وزارتكم ، رغم تلك التصريحات ، قامت بسلسلة من الأعمال المناقضة لحرية الرأي ،
فقد عطلت بعض الصحف ، وأنذرت البعض الآخر . وعندما حدثت المظاهرة السلمية يوم
الجمعة الماضية سلكت قوات الشرطة سلوكاً منافياً لأبسط مبادئ الحرية ، حيث أطلقت
النار على المتظاهرين العزل من أي سلاح ، ودون أن يكون هناك أي مبرر ، وكانت
النتيجة سقوط العديد من القتلى والجرحى الأبرياء .
لقد
كان لهذه الأحداث أثرها السيئ على الرأي العام العراقي بأجمعه ، وكان الواجب الوطني
والإنساني يفرض على كل ذي ضمير أن يعلن استنكاره لهذه الأحداث الأليمة ، وهذا ما
قامت به الأحزاب السياسية والصحافة ، على اختلاف أوجه نظرها . إلا أن وزارتكم قابلت
هذا العمل من الأحزاب والصحافة بمنتهى ضيق الصدر، وبمنتهى الشدة، فعطلت بعض الصحف
تعطيلاً إدارياً ، ولفتت نظر بعضها ، وأحالت البعض الآخر إلى محكمة الجزاء ، وقد
أصبح عدد الصحف التي أصابها أمثال هذه التدابير قريباً من نصف عدد الصحف التي تصدر
في بغداد .
ولم
يقف الأمر على مصادرة حرية النشر، هذه الحرية التي لا يمكن أن يكون بدونها وجود
لحرية الضمير والرأي ، أو القيام بأي نوع من الانتخابات الحرة التي أوضحتم أن
وزارتكم جاءت لإجرائها ، وإنما تجاوز الأمر هذا الحد ، فهناك في غياهب المحبس الذي
يسمونه [ توقيفاً ] مواطنون بينهم تلاميذ صغار السن مكدسون أكداساً ، بحيث لا يتيسر
لهم التنفس الكافي ، وقد بقوا في المحبس ببناية الشرطة ، خلافاً للأصول ، ولا يخفى
أن التوقيف أمر اضطراري يُلجأ إليه عندما تقتضيه سلامة التحقيق ، وقد أوجبت
القوانين أن لا يجري فيه تضييق على حرية المتهم وراحته وكرامته ، ولم يشرع للتضييق
والإيذاء ، لأن إيذاء المواطنين تأباه جميع الشرائع غير الدكتاتورية ، وفضلا عن هذا
فهناك ظواهر تدل على أن التحقيق لا يجري باتجاه سليم ، وهذا ما كانت تتوقعه الأحزاب
، وهذا ما دعا كل الأحزاب إلى طلب إيداع التحقيق إلى هيئة قضائية محايدة . فلما
تقدم نطلب من وزارتكم :
1 ـ
الإسراع في إنقاذ الموقوفين من هذا المحبس الذي يعانون فيه مشقات وألام لا تبيحها
القوانين ، وإفساح المجال لهم للتمتع بحقوق الموقوفين .
2 ـ
الإسراع في تأليف هيئة قضائية تقوم بالتحقيق ، لتحديد مسؤولية إطلاق النار، لكي
ينال كل مجرم العقاب الذي يستحقه ، ولكي يتسنى لكل بريء أن ينال حريته في أسرع وقت
.
3 ـ
إعادة النظر في السياسة التي استعرضناها ، وإطلاق حرية الصحف المعطلة، والكف عن
التضييق على الحريات العامة ، بما فيها حرية النشر والاجتماع والإضراب والتظاهر ،
وفسح المجال للأحزاب لتمارس حقوقها كاملة غير منقوصة .
إن
الأحزاب العراقية تطلب من حكومتكم أن تنجز هذه المطالب بسرعة ، لكي تتلاءم سياستها
مع ما صرحتم به من أن وزارتكم وزارة حيادية انتقالية غرضها إجراء الانتخابات في
حرية تامة.
أما
إذا واصلت وزارتكم العمل بالأسلوب الذي تقدم بيانه، فإنها ستخرج بذلك عن كونها
وزارة حيادية ، وتكون مسؤولة عما ينجم عن هذه السياسة التي نعتبرها خطراً يهدد
الأمن }.
(3)
توقيع
كامل الجادرجي ـ رئيس الحزب الوطني الديمقراطي
محمد مهدي كبه ـ رئيس حزب الاستقلال
عبد الفتاح ابراهيم ـ رئيس حزب الاتحاد الوطني
عزيز شريف ـ رئيس حزب الشعب
داخل الشعلان ـ معتمد حزب الأحرار
وقد
قام قادة الأحزاب المذكورة بمقابلة نائب الوصي، الأمير زيد، لتقديم احتجاج أحزابهم
على سياسة الحكومة .
ثالثاً :حكومة أرشد العمري تأمر بإطلاق النار على عمال نفط كركوك :
لم
ترعوِِِحكومة أرشد العمري بما سببته سياسة العنف ضد موجة الاحتجاجات والتظاهرات
الشعبية المنددة بالاستعمار والصهيونية ، ولم يثنها تحذير الأحزاب السياسية في
مذكرتها التي رفعتها لرئيس الحكومة ، بل مضت في سياستها وغيها، واستخدامها لأشد
أساليب العنف ضد أبناء الشعب المطالبين بحقوقهم المشروعة في الحياة الحرة الكريمة .
ففي
3 تموز 1946 أضرب عمال شركة نفط كركوك عن العمل ، مطالبين بزيادة أجورهم ، وتهيئة
دور سكن لعوائلهم ، أو منحهم بدل إيجار، وتخصيص سيارات لنقلهم إلى مقر عملهم في
الشركة ، ومنحهم إكرامية الحرب أسوة بعمال حيفا وعبدان ، واخيراً تطبيق قانون
العمال .
ولما
يئس العمال من استجابة الشركة إلى مطالبهم ، لجاءوا إلى الإضراب عن العمل إلى حين
تحقيق هذه المطالب .وقد مارست الحكومة على العمال كل وسائل الضغط والإرهاب
لإجبارهم على العودة إلى أعمالهم ، متجاهلة كل مطالبهم المشروعة، لكنها لم تفلح في
ثنيهم عن الإضراب ،وأصروا على تلبية مطالبهم العادلة . وفي 7 تموز، حضر وزير
الاقتصاد إلى كركوك في محاولة للضغط على العمال المضربين، مستخدماً أساليب التهديد
والوعيد ، وقد قابله العمال المضربين بتجمع جماهيري واسع في حديقة { كاور باغي
}، وألقيت خلال ذلك التجمع الكلمات التي عبرت عن حقوق العمال ومطالبهم المشروعة .
لكن
الحكومة كانت قد بيتت لهم مذبحة جديدة ، حيث أحاطت بهم قوات من الشرطة تتألف من
فوجين ، وبدأت بإطلاق النار على التجمع لتفريقه ، وأدى ذلك العمل الإجرامي إلى
استشهاد 16 عاملاً، فيما جرح أكثر من 30 عاملا آخر .
ولإعطاء صورة حقيقية عن تلك المذبحة رأيت أن أنقل هنا ما كتبه أحد قضاة كركوك
آنذاك السيد [جهاد الونداوي ]عن تلك المجزرة :
{قتلت الشرطة 16 عاملا وامرأة وطفل ، وإن الذين جرحوا كانوا أكثر من 30 فرداً،
أمتنع معظمهم عن مراجعة المستشفى خوفاً من السجن ، وأن أحد مفوضي الشرطة قطع إصبع
أحد العمال القتلى للاستيلاء على خاتمه . كما أن الشرطة فاجأت المضربين بإطلاق
النار عليهم ، في وقت كانوا هم وذويهم بانتظار عودة ممثليهم الذين كانوا يفاوضون
المسؤولين ، وقد استمر إطلاق النار على المضربين زهاء ساعتين، على الرغم من أنهم
كانوا يهربون من وجه الشرطة.
لقد
حاول رئيس المحاكم السيد [ عبد القادر جميل ] التدخل لتشخيص الجريمة، وتحديد
المسؤولية ، لكن الإدارة والوزارة عارضته } .(4)
ولم
تكتفِ الحكومة بتلك الإجراءات الوحشية ، بل سارعت إلى إنزال قوات الجيش إلى شوارع
كركوك بدباباتها ومدرعاتها ،وأصدرت أمراً بمنع التجول في المدينة خوفاً من ردة فعل
الشعب على تلك الجريمة النكراء ، وهكذا لطخت حكومة أرشد العمري أيديها، مرة أخرى ،
بدماء عمال نفط كركوك ،أضافت جريمة أخرى إلى جرائمها بحق الشعب .
لقد
أشعلت [ مذبحة كاور باغي ] معركة الشعب وقواه السياسية الوطنية ضد الحكومة ،
واستنكرت الأحزاب تلك الجريمة المروعة ، وأدانت الحكومة ،واعتبرتها مسؤولة عما حدث
، وطالبت بمعاقبة المسؤولين عن المذبحة .
ونظراً للهياج الذي أحدثته تلك المذبحة لدى الشعب العراقي ، ونظراً لإصرار الأحزاب
الوطنية على إجراء تحقيق في المجزرة ، ومحاكمة المسؤولين عنها ، اضطرت الحكومة إلى
الإعلان عن إجراء التحقيق، وكلفت نائب رئيس محكمة الاستئناف في بغداد السيد [ احمد
الطه ] في 15 تموز بالسفر إلى كركوك ،وإجراء التحقيقات اللازمة في وقائع المذبحة ،
وقد قام السيد احمد الطه بالمهمة ،وقدم تقريره إلى وزارة العدل وجاء في التقرير ما
يأتي :
1 ـ
إن عمل المضربين كان سلبيا وليس إيجابيا.
2 ـ
لم يكن من اجتماعهم هذا ما يخشى على الأمن .
3 ـ
إن الشرطة نفسها كانت تعلم بهم قبل الحادث ، وكانت تراقبهم ، ولم يزيدوا في اليوم
الأخير الذي وقع فيه الحادث في عملهم شيئاً .
4 ـ
إن المجتمعين جميعا كانوا عزلاً من السلاح .
5 ـ إن كل ما قاموا به أن البعض منهم رجم الشرطة بالحجارة بعد أن
ضربتهم بالعصي ، وأطلقت النار عليهم وفرقتهم .
6ـ
إن القتلى والجرحى معظمهم أصيبوا بعد أن أدبروا ، أي أصيبوا من الخلف .
7ـ
إن الشرطة تجاوزت في عملها حد المعقول في أمر تشتيت المجتمعين .
8 ـ
إن الإدارة أوقفت أشخاصا ليس لهم يد في التحريض على نفس الحادث .
لقد
اتهم التقرير كل من متصرف كركوك [ حسن فهمي ] ومدير الشرطة [عبد الرزاق فتاح ]
بإعطاء الأوامر واعتُبر ضابط الشرطة [ سعيد عبد الغني ] المسؤول المباشر عن المجزرة
.(5)
ورغم
أن الحكومة أعلنت تحت ضغط الرأي العام العراقي ،والأحزاب السياسية الوطنية ،عن
تقديم المسؤولين عن المجزرة للمحكمة ، إلا أن الحكومة لم تكن جادة في ذلك ، بل
أرادت امتصاص غضب الشعب وثورته ، وتهدئة الأوضاع . فلم تكن المحاكمة سوى مهزلة ،
حيث جرت محاكمة المتهمين الرئيسيين الثلاثة في محكمة جزاء كركوك ، التي أصدرت
قرارها ببراءتهم ، وأطلقت سراحهم ، مما دفع بوزير الداخلية [ عبد الله القصاب ] إلى
تقديم استقالته من الحكومة في 17 آب 1946، وقد أكد الوزير القصاب للسيد عبد الرزاق
الحسني ، مؤلف تاريخ الوزارات العراقية ، بعد قيام ثورة 14 تموز وسقوط النظام
الملكي، أن السفارة البريطانية هي التي أمرت الحكومة بعدم إدانة المتهمين، بل وزادت
في ذلك فطلبت عدم سحب المتهمين من وظائفهم في كركوك أو نقلهم إلى أي مكان آخر،
وطلبت كذلك عدم منح أي تعويض لذوي الشهداء والجرحى، بعد أن كانت الحكومة قد قررت
ذلك من قبل، وقد تراجعت الحكومة عن قرارها إذعاناً لطلب السفارة البريطانية .
(6)
ردة فعل الشعب وقواه السياسية الوطنية على المجزرة :
كانت
ردة الفعل على تلك المجزرة الرهيبة ، وعلى سياسة حكومة أرشد العمري المعادية للشعب
وحقوقه المشروعة ، شديدةً جداً تتناسب وتلك الجريمة النكراء ، فقد أخذت الأحزاب
تهاجم الحكومة بعنف ، عبر صحافتها ، فاضحة إجراءاتها المعادية لمصالح الشعب والوطن
، وتدعوا الجماهير الشعبية للتظاهر ضدها ، ودعت إلى إسقاطها . وقد ردت الحكومة
بتعطيل معظم الصحف ، وخاصة الصحف الحزبية، وساقت مدرائها المسؤولين ومحرريها إلى
المحاكم ، بتهمة التحريض ضد السلطة، وكانت تعيد الكرة بعد كل محاكمة لتوجه اتهامات
جديدة وتجري المحاكمات الجديدة لهم ، وزجت بالعديد منهم في السجن .
وبسبب تلك الإجراءات اللادستورية ،دعت الأحزاب الوطنية الثلاثة ، حزب الاتحاد
الوطني، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الشعب، في 30 آب 1946 إلى عقد اجتماع عام
حضره جمع غفير من أبناء الشعب ، جاوز 5000 مواطن ، حيث ألقيت الخطب المنددة
بالحكومة ، والمعبرة عن سخط الشعب وقواه السياسية الوطنية من سياستها ، والجرائم
التي اقترفتها بحق الشعب وسلبها لحقوقه الدستورية ، وتجاوزها على الأحزاب وصحافتها.
وفي
ختام الاجتماع تم الاتفاق على رفع مذكرة احتجاج شديدة اللهجة إلى الحكومة والى
الوصي على العرش [ عبد الإله]، وقد جاء في المذكرة :
(7)
{إن
الجموع الغفيرة المجتمعة بدعوة من حزب الاتحاد الوطني والحزب الوطني الديمقراطي
وحزب الشعب ، لمناقشة الموقف السياسي الراهن ، هالها موقف الوزارة الحاضرة ،
بمكافحة الأحزاب السياسية ، ومحاولة شل نشاطها ، وغلق صحفها، وإحالة رؤساء تحريرها
إلى المحاكم ، وسجن بعض أعضاء هذه الأحزاب لمجرد إبداء آرائهم في السياسة العامة ،
وهو حق من حقوق كل مواطن في بلد له دستور يحترم حرية الرأي، ويأخذ بنظام الحكم
الديمقراطي . غير أن الوزارة الحاضرة تجنبت الحكم الديمقراطي ، واتجهت بحكم البلاد
اتجاهاً استبدادياً مخالفا لأحكام القانون الأساسي،
وهي
تتعمد إهماله ولا تحترم ما فيه من نصوص عن حقوق الشعب وحرياته الديمقراطية ، وقد
وقع في عهدها من الأحداث الجسام ما روع العراقيين كافة ، وما أنذرهم به من خطر جسيم
يهدد كيان الشعب ومستقبله ، وما اصبح معه العراقيون غير آمنين ولا مطمئنين على
حقوقهم وحرياتهم ، بل وحياتهم .
بالإضافة إلى ذلك لم تستطع أن تصون سيادة العراق وكيانه الدولي ، ففي عهدها نزلت
القوات البريطانية في البصرة ، في الوقت الذي يطالب به الشعب العراقي بالجلاء ، ولم
تستطع الوقوف الموقف الصحيح لمعالجة مشكلة خطيرة تتعلق بكيان الشعب العربي
الفلسطيني ، بل بكيان ومصالح البلاد العربية كافة ، وذلك بعرض القضية على مجلس
الأمن الدولي ، وهو مطلب الشعب العربي الفلسطيني والشعوب العربية بصورة عامة ، فهي
بأعمالها التي أفصحت عن استهانتها بحقوق الشعب وحرياته ، وقانونه الأساسي، غير
جديرة بتحمل مسؤولية الحكم ، ولا بالإطلاع بالمهمة التي أعلنت أنها تتولى الحكم
لإتمامها ، وهي مهمة انتقالية حيادية تتلخص بإجراء انتخابات حرة لمجلس جديد . فنحن
نطالب بتنحي هذه الوزارة ، وإقامة وزارة دستورية يرتضي الشعب سياستها } .
أما
السيد عبد الرزاق الحسني فيقول : إننا لو أردنا نشر كافة الاحتجاجات ضد حكومة أرشد
العمري لتطلب ذلك مجلدات .
ونتيجة للضغوط التي تعرضت لها حكومة العمري ،اضطرت الوزارة إلى تقديم استقالتها في
16 تشرين الأول 1946، وتم قبول الاستقالة في نفس اليوم ، ودون أن تستطيع إجراء
الانتخابات العامة .
رابعاً : نوري السعيد يؤلف الوزارة الجديدة :
بعد
استقالة وزارة أرشد العمري ،شرع الوصي بمشاوراته لتأليف وزارة جديدة، فطلب إلى عمه
[الأمير زيد ] تأليف الوزارة ، إلا أن الأخير اعتذر عن المهمة بسبب الظروف الصعبة
التي تمر بها البلاد ،وحاول الوصي تكليف السيد [ حمدي الباجه جي] لكنه اعتذر هو
الأخر عن المهمة بعد أن حدثت بينه وبين [ صالح جبر ] خلافات حول مهمة الوزارة التي
أريد لها أن تكون انتقالية، تقوم بإجراء الانتخابات العامة .ولما فشل [الباجه جي]
أراد الوصي أن يكلف أرشد العمري بتأليف وزارة جديدة، إلا أن وزير الخارجية
البريطانية [ المستر بيفن ] أسرع إلى إرسال برقية إلى الوصي يطلب منه عدم تكليف
العمري من جديد ، وطلب منه أن يعهد إلى نوري السعيد بتأليف الوزارة .
(8)
وهكذا تم ما أراده [ بيفن ] ،وصدرت الإرادة الملكية بتكليف نوري السعيد بتأليف
وزارته التاسعة في 21 تشرين الثاني 1946، فقد أراد الإنكليز أن يمهّد نوري السعيد
الأجواء إلى [صالح جبر] رجل بريطانيا الجديد ، لتنفيذ المهام التي أراد الإنكليز
تكليفه بها ، وأعني تجديد المعاهدة العراقية البريطانية .
أراد
نوري السعيد تهدئة الأوضاع المتأزمة التي سببتها الوزارة السابقة فأجرى اتصالات مع
الحزب الوطني الديمقراطي ، وحزب الأحرار ، داعياً إياهما للاشتراك في الحكومة ،
محاولاً خلق شعبية لوزارته ، وبالفعل تمكن من إقناع الحزبين بمشاركة عضو عن كل
منهما في الوزارة، وفق الشروط التي حدداها بكون الوزارة انتقالية تهدف إلى إجراء
انتخابات حرة لمجلس النواب ، مع ضمان إطلاق حرية الأحزاب والصحافة ، وضمان حق
المواطنين في انتخاب العناصر التي يثقون فيها دون تدخل الإدارات المحلية في عملية
الانتخاب ، والسماح بفتح فروع لهما في الألوية ، وممارسة حقهما في الدعاية
الانتخابية بكل حرية ، وقد رد نوري السعيد على الحزبين بالإيجاب ،وتم تشكيل
الوزارة، ودخلها عن الحزب الوطني الديمقراطي السيد [ محمد حديد ] وعن حزب الأحرار
السيد [ علي ممتاز الدفتري ]، وجاءت الوزارة على الشكل التالي :
1 ـ
نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء ووزيرا للداخلية
2ـ
عمر نظمي ـ وزيراً للعدلية .
3ـ
صالح جبر ـ وزيراً للمالية .
4 ـ
صادق البصام ـ وزيراً للمعارف .
5 ـ
علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .
6 ـ
فاضل الجمالي ـ وزيراً للخارجية .
7 ـ
بابا علي الشيخ محمود ـ وزيراً للاقتصاد .
8 ـ
جميل عبد الوهاب ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
9 ـ
محمد حديد ـ وزيراً للتموين .
10 ـ
شاكر الوادي ـ وزيراً للدفاع
وكانت باكورة أعمال الوزارة السعيدية إقدامها على حل مجلس النواب تمهيداً لإجراء
انتخابات جديدة ، حيث صدرت الإرادة الملكية بحله في 21 تشرين الثاني 1946، وبوشر
بالإجراءات اللازمة لانتخاب المجلس الجديد قبل أن يتم فتح فروع للأحزاب السياسية في
الألوية ، والتي تعتبر مهمة جداً لهما للقيام بالدعاية الانتخابية .
ولدى
البدء في إجراء انتخاب المنتخبين الثانويين ، ورغم تعهد نوري السعيد بأن تكون
انتخابات حرة ونزيهة ، فقد قام تكتل في الوزارة يقوده [ صالح جبر ] وزير المالية
بتدخل سافر في تلك الانتخابات ، مما دفع الحزبين المشاركين في الوزارة بالاحتجاج
لدى رئيس الوزراء الذي حاول تطمينهما ، لكن التدخلات استمرت وتصاعدت ، فلم يرَ
الحزبان المذكوران بداً من سحب ممثليهما من الوزارة ، وتقدم محمد حديد ، ممثل الحزب
الوطني الديمقراطي ، وممتاز الدفتري ، ممثل حزب الأحرار باستقالتهما من الوزارة
،وصدر الإرادة الملكية بقبولهما في 31 كانون الأول 1946.
استمرت الحكومة بخططها لإكمال الانتخابات وفق مقاسها ، هادفة إلى إنجاح مرشحيها ،
وكانت التدخلات تجري بشكل سافر مما أجبر بعض الأحزاب الوطنية إلى مقاطعة الانتخابات
.
ولما
وجد الوصي عبد الإله أن تلك التدخلات بلغت حداً لا يمكن السكوت عنه، استدعى متصرفي
الألوية ، متجاوزاً الحكومة ، وطلب إليهم إنجاح المرشحين الذين يختارهم البلاط
الملكي ، وهكذا دخل الوصي على الخط ليكون له النصيب الأوفر في نتائج الانتخابات ،
متجاهلا إرادة الشعب وحقوقه التي ضمنها الدستور .(9)
ورغم
أن الحزب الوطني الديمقراطي لم يقاطع الانتخابات ، واستمر فيها إلى النهاية، وفاز
بخمسة مقاعد ، إلا أنه قرر بعد الانتخابات سحب نوابه الخمسة من المجلس احتجاجاً على
التدخلات السافرة من قبل الحكومة والبلاط . وقد أكد الحزب في بيانه الذي أعلن
بموجبه سحب النواب انه إنما استمر في خوض الانتخابات لكي يكون قريباً منها ، وليفضح
التدخلات التي مارستها الحكومة وأجهزتها الإدارية والتي كان من نتائجها أن النواب
جرى تعينهم سلفاً ، وان تلك العملية الانتخابية لم تكن إلا لذر الرماد في العيون ،
ومحاولة خداع الشعب وقواه السياسية الوطنية ، ودعا بيان الحزب في النهاية أبناء
الشعب إلى مواصلة الكفاح من اجل حقوقهم الدستورية.
خامساً:الأحزاب الخمسة تصدر بياناً يندد بالحكومة وبعملية الانتخاب:
لم
تلبث الأحزاب السياسية الخمسة أن دعت بعد الانتخابات إلى لقاء لممثليها في 24آذار
1947 للتداول في الأوضاع السياسية للبلاد ، وما آلت إليه الانتخابات المزعومة من
نتائج . وقد تم في ذلك اللقاء تقيم دقيق للموقف ، أصدرت في نهاية الاجتماع بياناً
شديد اللهجة ، اتهم الحكومة بتزييف إرادة الشعب ، وسلبه حقوقه وحرياته ، والإتيان
بمجلس لا يمثله على الإطلاق ، بل جرى تعينه سلفاً ، وأعلن البيان عدم اعترافه
بشرعية نتائج الانتخاب ، ودعت إلى حل المجلس ، وتشكيل حكومة محايدة تجري انتخابات
حرة ونزيهة وشريفة ، يقول فيه الشعب العراقي كلمته بكل حرية في من يمثله صدقاً
وحقاً، ومحذرة من أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه ينذر بعواقب وخيمة .
*******
سادساً : استقالة حكومة نوري السعيد، وتكليف صالح جبر :
بعد
أن اكمل
نوري
السعيد المهمة التي جاء من أجلها ، وهيأ الأجواء لصعود صالح جبر إلى قمة مجلس
الوزراء ، بناء على رغبة الإنكليز ،
قدم
استقالة حكومته
إلى
الوصي عبد الإله ، في 11آذار 1947، وتم قبول الاستقالة بعد 16 يوماً ، لغرض الفراغ
من تأليف الوزارة الجديدة ،وتم الإعلان عن قبول الاستقالة في 29 منه، وعهد الوصي
إلى [ صالح جبر ] بتأليف الوزارة الجديدة التي جاءت على الشكل التالي :
1 ـ
صالح جبر ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية .
2 ـ
فاضل الجمالي ـ وزيراً للخارجية .
3 ـ
شاكر الوادي ـ وزيراً للدفاع .
4 ـ
يوسف غنيمة ـ وزيراً للمالية .
5 ـ
توفيق وهبي ـ وزيراً للمعارف .
6 ـ
عبد الاله حافظ ـ وزيراً للتموين .
7 ـ
جمال بابان ـ وزيراً للعدلية ووكيلاً للاقتصاد .
8 ـ
جميل عبد الوهاب ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
9 ـ
ضياء جعفر ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .
جاءت
هذه الوزارة بأمر من الإنكليز، وتم وضع منهاجها بالاشتراك مع أقطاب السفارة
البريطانية ، وبوحي من وزارة الخارجية البريطانية ، وكان في مقدمة أهدافها تحقيق ما
يأتي
:
1 ـ
تجديد المعاهدة العراقية البريطانية [ معاهدة 1930].
2 ـ
مكافحة الشيوعية، أو ما سمته الحكومة [ المبادئ الهدامة ] !!.
3 ـ
تنفيذ المخطط البريطاني ـ الأمريكي حول القضية الفلسطينية .
4 ـ
تقوية، وتوسيع جهازي الأمن والشرطة ، والعناية بتدريب منتسبيهما .
وقد
غلفت الحكومة منهجها هذا بجملة مشاريع وهمية ، لا تعدو عن كونها وسيلة لتغطية
المخطط الذي جاءت لتنفيذه ، والذي قال عنه السيد عبد الرزاق الحسني أن المنهاج
أحتوى على آمال ،وخيالات لا يتسنى للبلد تحقيقها إلا بنصف قرن ، وأضاف انه لو تسنى
تحقيق عشر ما جاء به منهاج هذه الوزارة لتحول العراق إلى جنة عدن ، لكن المنهاج لم
يكن سوى حبرً على ورق .
(10)
عودة البارزانيين بعد إسقاط جمهورية مهاباد،وتجدد الثورة الكردية :
بعد
أن انتهت الحرب العالمية الثانية، قام الأكراد بتشكيل [جمهورية مهاباد ] في
كردستان إيران وذلك في 23 كانون الثاني 1946، وقد ساعدهم في ذلك وجود القوات
السوفيتية في المنطقة . وعندما تم الاتفاق بين بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد
السوفيتي على سحب القوات الأجنبية من إيران التي دخلتها خلال الحرب، أقدم رئيس
حكومة [مهاباد] على إعلان الولاء للحكومة الإيرانية ، و أرسل برقية بذلك إلى رئيس
الوزراء الإيراني [ قوام السلطنة ] لكن هذا الأخير لم تقنعه تلك البرقية ،وسير
جيوشه لسحق الجمهورية الكردية بقوة السلاح، وتمكن من إسقاطها .
كان
الملا مصطفى البارزاني وأتباعه قد لجاءوا إلى إيران، بعد فشل حركتهم ضد الحكومة في
آب 1945، وعندما قامت جمهورية مهاباد اشترك البارزاني وأتباعه في الدفاع عن تلك
الجمهورية الوليدة ، واستقروا هناك .
لكن
الملا مصطفى البارزاني ،وشقيقه الشيخ أحمد ، وأتباعهما اضطروا للعودة إلى العراق
بعد سحق جمهورية مهاباد .
عاد
الشيخ احمد بادئ الأمر في 18 نيسان 1947، وأعلن ولائه للحكومة هو وأتباعه البالغ
عددهم [1550 رجل ] و [ 1686 امرأة ] و [ 2329 طفل ]وقد سمحت الحكومة بعودتهم ورتبت
موضوع إسكانهم تحت سيطرتها التامة ، غير أنها نكلت بالضباط الأربعة الشهداء مصطفى
خوشناو، وعزت عزيز، وخير الله عبد الكريم، ومحمد القدسي الذين عادوا معهم، ونفذت
بهم حكم الإعدام .
(11)
أما
مصطفى البارزاني فقد طلب من الحكومة إصدار عفو عنه وعن أتباعه قبل دخوله العراق
،لكن الحكومة رفضت الطلب، أصرت على محاسبته هو وأتباعه ، مما دفع الملا مصطفى إلى
التسلل إلى داخل العراق مع أتباعه ، من المنطقة القريبة من الحدود التركية ، وقد
اصطدموا خلال تسللهم بأحد مخافر الشرطة وقتلوا أحد أفراده . فلما بلغ الحكومة ذلك
الحادث ،أسرعت إلى إعلان الأحكام العرفية في المنطقة المحصورة بين قضائي[ الزيبار ]
و [ راوندوز ]،وسيرت قوات
عسكرية لملاحقة البارزاني ، مما جعله مضطراً للعودة مع أتباعه إلى الأراضي
الإيرانية من جديد، لكنهم جوبهوا بملاحقة القوات الإيرانية ، وتعرضهم لقصف شديد من
الجانبين العراقي والإيراني، واضطر البارزاني وأتباعه إلى دخول الأراضي التركية ،
غير أن القوات التركية كانت قد استعدت لهم وبدأت بملاحقتهم ، لكنهم استطاعوا عبور
نهر [ آراس] الفاصل بين الحدود التركية والسوفيتية ، واستقبلتهم الحكومة السوفيتية
، ومنحتهم حق اللجوء السياسي ، حيث بقوا هناك حتى قيام ثورة 14 تموز 1958، حيث
عادوا إلى العراق ، وجرى لهم استقبال حافل عند نزولهم في ميناء البصرة من الباخرة
التي نقلتهم من الاتحاد السوفيتي ، وقد قدمت لهم حكومة الثورة كل ما يلزم لإسكانهم
، ومنحتهم رواتب شهرية ،كما تم منح الملا مصطفى البارزاني راتب وزير واسكن في قصر
نوري.
الحكومة تلغي إجازتي حزب الشعب،والاتحاد الوطني :
تنفيذا للمخطط الذي رسمته الحكومة بوحي من السفارة البريطانية ، والقاضي بما دعته
بمكافحة بالمبادئ الهدامة ، أصدرت حكومة صالح جبر في 29 أيلول 1947 بياناً تتهم فيه
حزبي الشعب والاتحاد الوطني بنشر [المبادئ الهدامة ]!!، وإثارة القلاقل والاضطرابات
ضد الحكومة ، وتحريض الشعب على الثورة ، واتهمتهما بتلقي أموال من مصادر مجهولة ،
وأعلن البيان سحب إجازتيهما ، واعتبرتهما حزبين غير شرعيين، وشنت حملة واسعة ضد
أعضائهما .
وعلى
الفور سارع قادة الأحزاب الثلاثة الباقية ، الحزب الوطني الديمقراطي ، وحزب
الاستقلال وحزب الأحرار إلى رفع مذكرة شديدة اللهجة إلى الحكومة، احتجوا فيها على
إلغاء إجازة الحزبين ،دون الإتيان بمبررات مقبولة ومقنعة ، وأكدت المذكرة أن هذا
الإجراء يعتبر تهديداً للحياة الحزبية وللديمقراطية ، واعتداء على الحقوق الدستورية
، وطالبت المذكرة بتعديل قانون الأحزاب والجمعيات بما يضمن حرية الأحزاب من تجاوزات
الحكومة .
(12)
*******
سابعاً : وثبة كانون المجيدة عام 1948:
ممهدات الثورة :
منذُ
أن أقدم الإمبرياليون البريطانيون على احتلال العراق من جديد ، في مايس عام 1941،
وإسقاط حكومة رشيد عالي الكيلاني ،وتشكيل حكومة المدفعي بأمر من السفارة
البريطانية، اصبح الشعب العراقي وحاكميه على طرفي نقيض، وتباعدت الهوة بينهما إلى
أبعد الحدود، وخصوصاً بعد الإجراءات الانتقامية التي قامت بها حكومتي المدفعي
،ونوري السعيد ضد كل من شارك أو ساند حركة الكيلاني ،والعقداء الأربعة، أو وقف ضد
الاحتلال البريطاني .
لقد
أدركت السلطة الحاكمة أن الأمور لا بُدّ وان تؤدي إلى الانفجار إذا ما سارت على ذلك
المنوال ، وبغية امتصاص الغضب الشعبي العارم ، أقدم الوصي عبد الإله على تأليف
وزارة توفيق السويدي ، وأعلن في خطاب العرش عن عزم الحكومة إعادة الأوضاع الطبيعية
للبلاد وإنهاء الأحكام العرفية وإطلاق حرية الصحافة والسماح بتأليف الأحزاب
السياسية ، وخلال فترة حكم تلك الوزارة تنفست الصحافة الصعداء ، وظهرت العديد من
الصحف الوطنية ، وتم إجازة خمسة أحزاب معارضة ، وهكذا خلق توجه الحكومة انفراجا
نسبيا في أوضاع السياسية للبلاد .
لكن
هذا التوجه لم يرق للمحتلين وأزلامهم ،وعلى رأسهم نوري السعيد وشلته التي سعت بكل
الوسائل والسبل لإسقاط وزارة السويدي ، وتصفية كل مظاهر الديمقراطية ، واضطهاد
الصحافة والأحزاب ، والعودة بالأمور من جديد .
لقد
تم لنوري السعيد وأسياده المحتلين ما أرادوا ، وسقطت وزارة السويدي ، ليؤلف أرشد
العمري وزارة جديدة ، ادعى حين تأليفها أنها جاءت لإجراء الانتخابات النيابية ،
لكنها في حقيقة الأمر جاءت لتصفية الحياة الحزبية ، وشل الصحافة، وقمع الشعب ،
ومصادرة حقوقه وحرياته العامة ، وبدأت وزارة العمري تمارس سياسة القمع ، مما دفع
بالأوضاع نحو التدهور من جديد ، وتصاعد التناقض بين الشعب وحاكميه .
وجاءت قضية فلسطين ، وقرار اللجنة البريطانية ـ الأمريكية القاضي بتقسيم فلسطين بين
العرب واليهود الصهاينة القادمين من مختلف أنحاء العالم ، تنفيذا لوعد [بلفور]
بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ، وقد أدى ذلك القرار إلى إثارة الغضب الشعبي
العارم في كافة أنحاء العالم العربي ، وقيام المظاهرات الجماهيرية الواسعة في بغداد
وسائر المدن الأخرى ضد السياسة البريطانية والأمريكية ،وضد حكومة ارشد العمري
الممالئة للإنكليز ، وقد لعب الحزب الشيوعي دوراً طليعيا في تلك المظاهرات الكبرى ،
التي جرت في 28 حزيران ،والتي قابلتها الحكومة وأجهزتها القمعية بالرصاص ، حيث
استشهد العديد من المواطنين ، وجرح أعداد كثيرة أخرى، وقامت الحكومة باعتقال المئات
من المحتجين على سياستها .
ثم
تلتها [مذبحة كاور باغي ] التي نفذتها حكومة العمري ضد عمال شركة النفط في كركوك
لتزيد الغليان الشعبي إلى درجة خطيرة .
وجاءت أزمة الحبوب وفقدان رغيف الخبز في مطلع عام 1947 لتصاعد من حدة التناقض بين
الشعب وحاكميه ، ولترفع من حرارة الغليان الشعبي .
فبسبب سياسة الحكومة الاقتصادية الرعناء ، حيث سمحت بتصدير كميات كبيرة من الحبوب ،
إرضاءً لكبار الإقطاعيين والملاكين الزراعيين ، على الرغم من سوء الموسم الزراعي
ذلك العام بسبب شحة الأمطار ، ورغم كل التحذيرات التي وُجهت للحكومة من خطورة
الوضع ، وضرورة منع التصدير ذلك العام ، إلا أن الحكومة أغمضت عيونها عن تلك
التحذيرات ، واستمرت في سياستها المتعارضة ،ومصالح الشعب وحياته المعيشية ، مما سبب
فقدان الحبوب في الأسواق ، وارتفاع أسعارها، وقد لاقى الشعب صعوبات بالغة في الحصول
على رغيف الخبز الذي اشتهر في تلك الأيام ب [ الخبز الأسود ] لكثرة ما خلط فيه من
مواد غريبة ، وكانت صفوف المنتظرين أمام المخابز تثير الأسى والحزن على ما يلاقيه
الناس للحصول على الخبز .
لقد
كانت أزمة الخبز أحد الأسباب الرئيسية لقيام وثبة كانون الثاني المجيدة في مطلع
عام 1948، فقد بلغ السيل الزبى ، كما يقول المثل ، وكانت الأوضاع تنتظر من يشعل
الشرارة لتنفجر ثورة عارمة ضد نظام الحكم القائم .
وجاء
تسرب أنباء عن وصول وفد بريطاني بصورة سرية لأجراء مفاوضات مع حكومة صالح جبر لوضع
مسودة معاهدة جديدة تحل محل معاهدة 1930، وضم الوفد البريطاني نائب مارشال الجو
السير [ بريان بيكر ] والبريكادير [ كيرتس ] ونائب مارشال الجو [ كراي ]، والمستر
[ بسك ]، والميجر [ رنتن ]، والميجر [برتواك ] فيما كان الوفد العراقي قد تألف من
[صالح جبر ] و [شاكر الوادي ] و [ صالح صائب الجبوري ] رئيس أركان الجيش ، وتبين أن
المفاوضات بين الطرفين كانت قد بدأت في 8 مايس1947 واستمرت حتى 17 منه
(13)
وتم
إجراء المفاوضات في قصر الرحاب ، تحت أشراف الوصي عبد الإله الشخصي . كما سافر عبد
الإله إلى لندن في 15تموز، وأجرى مباحثات مع المستر [ بيفن ] استكمالاً للمحادثات
التي بدأت في بغداد ، وبعد عودة الوصي إلى العراق استأنفت المباحثات بين الطرفين في
22 تشرين الثاني ، واستمرت حتى 4 كانون الأول ، وكان الجانب البريطاني يتقدم
بمسودات متعددة للمعاهدة الجديدة ، وسافر [نوري السعيد ]و[ فاضل الجمالي ]وزير
الخارجية إلى لندن ، وأجريا لقاءات متعددة في وزارة الخارجية البريطانية ، حيث قدم
لهما مساعد وزير الخارجية مسودة جديدة للمعاهدة، وقد اتصل نوري السعيد برئيس
الوزراء [صالح جبر] داعيا إياه إلى الحضور إلى لندن لاستكمال المباحثات حول مسودة
المعاهدة ، وقد لبى صالح جبر الدعوة ،وغادر إلى لندن وبصحبته وزير الدفاع [ شاكر
الوادي ] و[ توفيق السويدي ] بعد الاجتماعين الذين تمم عقدهما في قصر الرحاب ،
برئاسة عبد الإله ، وكان الاجتماع الأول في 28 كانون الأول ، وضم ذلك الاجتماع 7
رؤساء وزارات سابقين ، و12 وزيراً بالإضافة إلى رئيس الديوان الملكي [ أحمد مختار
بابان ]، ثم تلاه الاجتماع الثاني في 3 كانون الثاني حيث نوقشت فيه النقاط الأساسية
التي سيتم التفاوض بشأنها. ويقول السيد توفيق السويدي في مذكراته أن صالح جبر كان
قد وزع على الحاضرين مسودة المعاهدة باللغة الإنكليزية ، وعندما طالبته بنسخة عربية
أجابني أنه لم يتسنى لنا ترجمتها إلى العربية ، ويضيف السويدي قائلا بأنه لم يجد ما
يستوجب الاعتراض من الجانب السياسي ، ولكن وجدت الجانب العسكري عليه الكثير من
الاعتراضات ، وقد رد عليّ صالح جبر بان هذا الأمر مدروس من قَبلْ ، ومتفق عليه بهذا
الشكل ، وليس فيه ما يستوجب الاعتراض ، الأمر الذي دل بوضوح على أن المعاهدة قد
وضعت ، واتُفق على موادها سلفاً ،وإن الوصي أراد إضفاء الشرعية عليها ،وفي نهاية
الاجتماع تم تخويل الوفد برئاسة[ صالح جبر ]صلاحية التوقيع على المعاهدة .
(14)
وعندما سرت أنباء اجتماعات قصر الرحاب ، سارعت الأحزاب الوطنية إلى الاحتجاج عليها
بسبب استبعاد الشخصيات الوطنية منها ، أصدرت بيانات تندد بالحكومة وتستنكر سعيها
لربط العراق بمعاهدة جديدة اشد وطأة ، وتمتهن سيادة واستقلال البلاد ، مستهترة
بإرادة الشعب وحقوقه المشروعة ، وظهرت تلك البيانات في الصحف في اليوم التالي .
لكن
الحكومة مضت في خططها لإتمام الصفقة مع المحتلين البريطانيين متحدية إرادة الشعب ،
حيث أعلن عن سفر الوفد العراقي إلى لندن في 5 كانون الثاني 1948 .
وجاءت تصريحات وزير الخارجية فاضل الجمالي ، والتي أشاد فيها بالمعاهدة العراقية
البريطانية الموقعة في حزيران 1930، وبجهود الحكومة لعقد معاهدة جديدة مع الحليفة
بريطانيا ، وأهمية وضرورة عقدها ، لتشعل أول شرارات الوثبة ، فقد كانت تصريحات
الجمالي استفزازية وقحة دفعت طلاب الكليات إلى الخروج في مظاهرات صاخبة تستنكر سعي
الحكومة لعقد المعاهدة الجديدة، وقام طلاب كلية الحقوق بدور بارز في تلك التظاهرات،
لكن الحكومة سارعت إلى دفع قوات الشرطة للتصدي للمظاهرات مستخدمة أساليبها القمعية
المعروفة لتفريقها، وقد أصيب عدد من الطلاب في الصدام، واعتقل البعض الأخر، وأقدمت
الحكومة على تعطيل الدراسة في كلية الحقوق ، في 5 كانون الثاني، وقد احتج أساتذة
الكلية على إجراءت الحكومة وأساليبها القمعية في تعاملها مع الطلاب المتظاهرين ،
لكن الحكومة ردت باعتقال عدد من أساتذة الكليات والطلاب ، واتهمتهم بحمل المبادئ
الهدامة .
ونتيجة لسلوك الحكومة هذا إزاء الطلاب وأساتذة الكليات أعلن طلاب الكليات والمعاهد
العالية إضرابهم عن الدراسة ، وخرجوا في مظاهرات صاخبة سارت حتى بناية مجلس النواب
للاحتجاج على الحكومة .
وبسبب تسارع الأحداث وتطورها ، حاول وكيل رئيس الوزراء [ جمال بابان ] تهدئة
الأوضاع فأمر بإعادة فتح كلية الحقوق ، وإطلاق سراح الطلاب ، وأساتذتهم المعتقلين .
توقيع معاهدة بورتسموث في 15 كانون الثاني 1948 :
وصل
الوفد العراقي المفاوض إلى لندن في 6 كانون الثاني ، حيث عقد الوفدان العراقي
والبريطاني، في مقر وزارة الخارجية اجتماعاتهما حول المعاهدة المقترحة، والتي كانت
قد أعدت سلفاً ، واستغرقت الاجتماعات أربعة أيام ، وانتهت في 10 كانون الثاني بعد
أن جرى الاتفاق على بنودها ، وتقرر التوقيع عليها في 15 منه في ميناء [بورتسموث
]،وأرسل صالح جبر نسخة من مسودة المعاهدة المتفق عليها باللغة الإنكليزية ، طالبا
عدم نشرها لحين ترجمتها إلى العربية، وتم بالفعل ترجمتها وإذاعتها في 16 منه
وتناقلت الصحف نشر نصوصها ، وقد أحدث نشرها غليانا شعبياً واسعاً ينذر بالانفجار في
أية لحظة .(15)
تاسعاً : اندلاع الوثبة كانون الثاني المجيدة :
على
أثر إعلان نص المعاهدة التي وقعها [صالح جبر ] مع
[ارنست
بيفن ] وزير الخارجية البريطاني اجتاحت البلاد موجة عارمة من الغضب الشعبي العارم ،
ونشرت الأحزاب الوطنية في 18 كانون الثاني البيانات المنددة بالحكومة والمعاهدة ،
وطالبت البيانات باستقالة حكومة صالح جبر ، ورفض المعاهدة التي جاءت أقسى من معاهدة
1930 وأشد وطأة .
وسارع طلاب الكليات والمعاهد العالية إلى إعلان الإضراب العام ، وتشكيل [ لجنة
التعاون الطلابي ] التي ضمت مختلف الاتجاهات السياسية والحزبية ، وقامت المظاهرات
الصاخبة في بغداد ، ثم ما لبثت أن امتدت إلى مختلف المدن العراقية في 18 كانون
الثاني ، وتصاعدت موجة المظاهرات في اليوم التالي عندما انضم إليها العمال
والكادحين من سكان الصرائف المحيطة ببغداد ، والكسبة والمدرسين والمحامين وسائر
طلاب المدارس الثانوية والمتوسطة ، واتجهت المظاهرات إلى بناية مجلس النواب، وكانت
الجماهير تنظم إليها خلال مسيرتها ، والكل يهتفون بسقوط الحكومة وحلّ المجلس
النيابي ، ورفض المعاهدة .
سارعت الحكومة إلى إصدار بيان أذيع من دار الإذاعة ، هددت فيه بقمع المظاهرات بكل
الوسائل والسبل ، وقد شكل البيان استفزازاً كبيراً لجماهير الشعب دفعهم إلى تحدي
السلطة ، وأعلن طلاب المدارس كافة تضامنهم مع جماهير الشعب ، وتحدي البيان.
وفي
20 كانون الثاني انطلقت المظاهرات الواسعة يتقدمها طلاب كلية الشريعة ،بجبهم ،
وعمائمهم البيضاء ، هاتفين بسقوط حكومة صالح جبر والمعاهدة، وجابهتهم قوات كبيرة من
الشرطة مطلقة الرصاص على المتظاهرين ، مما أوقع العديد من الشهداء والجرحى الذين
نقلوا إلى المعهد الطبي ، والمستشفى التعليمي بجوار كليتي الطب والصيدلة ، وقد أدى
ذلك الصدام إلى انتشار لهيب الوثبة في بغداد وسائر المدن الأخرى ، وتصاعدت موجات
المظاهرات التي اشتركت فيها جميع فئات الشعب من الطلاب ،والعمال ،والمثقفين
،والكسبة ،والكادحين من سكان الصرائف،واشتبكوا مع قوات الشرطة التي لم تستطع مجابهة
المتظاهرين ،وولت هاربة رغم السلاح الذي كانت تحمله بين أيديها ، ولازلت أذكر تلك
الأيام المجيدة من تاريخ كفاح الشعب العراقي بدقائقها ، حيث كنت أحد الطلاب
المشاركين فيها وشاهدت شرطة النظام وهي تولي هاربة من غضب الجماهير الشعبية ،
وأسفرت تظاهرات يوم الثلاثاء 20 كانون الثاني في بغداد عن استشهاد أربعة من الطلاب
والمواطنين ، إضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى، لكن تلك التضحيات كانت حافزاً قوياً
دفع جماهير الشعب على مواصلة الكفاح حتى تحقيق أهدافها في إسقاط الوزارة والمعاهدة
معاً .وفي يوم الأربعاء 21كانون الثاني توجهت جماهير الشعب نحو المستشفى التعليمي
لاستلام جثث الضحايا ، لكن الشرطة فاجأتهم بوابل من الرصاص ، وحاولت الجماهير
الاحتماء في بناية كليتي الطب والصيدلة ، وبناية المستشفى ، ولاحقتهم الشرطة داخل
البنايات المذكورة ، وقتلت أثنين منهم ، كان أحدهم طالبا في كلية الصيدلة مما أشعل
الموقف، ودفع عميدي كليتي الطب ، والصيدلة ، وأساتذة الكليتين إلى الاستقالة
احتجاجا على انتهاك حرمة الكليّتين ، واحتجت الجمعية الطبية العراقية ببيان شديد
اللهجة على تصرف الحكومة .
وتدهور الوضع في بغداد والمدن الأخرى بسرعة أرعبت الحكومة والوصي [عبد الاله] الذي
سارع لدعوة أعضاء الحكومة ، وعدد من رؤساء الوزارات السابقين ، وممثلي الأحزاب
السياسية الوطنية ، إلى عقد اجتماع في قصر الرحاب في 21كانون الثاني، لتدارس الوضع
، والخروج من المأزق الذي وضعت الحكومة نفسها فيه ، وكان من بين الحاضرين الشيخ [
محمد الصدر ] و [جميل المدفعي ] و [ حكمت سليمان ] و [ حمدي الباجه جي ] و [ارشد
العمري ] و [نصرت الفارسي ] و [ جعفر حمندي ] و [ محمد رضا الشبيبي ] و [ ومحمد
مهدي كبه ] زعيم حزب الاستقلال و [ كامل الجادرجي ] زعيم الحزب الوطني الديمقراطي و
[ وعلي ممتاز الدفتري ]ممثلا لحزب الأحرار، و [عبد العزيز القصاب ] و [ صادق
البصام ] ونقيب المحامين [ نجيب الراوي ] .وجرت في الاجتماع نقاشات حامية حول تطور
الأوضاع بين الموالين للسلطة والمعارضين لها ، وقد اتهم الوزير [ عبد المهدي
]المتظاهرين بأنهم عناصر شيوعية هدامة ، ورد عليه السيد كامل الجادرجي بقوله [ إن
المتظاهرين هم عناصر وطنية وقومية عربية صرفه ]
(16)
شعر
الوصي عبد الإله بخطورة الموقف ، وعدم استطاعة الحكومة مجابه الشعب ، وبعد مداولات
دامت أكثر من خمس ساعات أصدر الوصي بياناً إلى الشعب يعلن فيه تراجع الحكومة عن
المعاهدة ، ومما جاء في بيانه قوله : { إذا كان الشعب لا يريد هذه المعاهدة فنحن لا
نريدها أيضاً } .
لقد
أراد الوصي أن يمتص ببيانه هذا الغضب الجماهيري العارم ، الذي بات يهدد النظام ،
وهو في حقيقة الأمر كان مرغماً على تلك الخطوة ، وهذا ما أكده وكيل رئيس الوزراء [
جمال بابان ] نفسه للسيد عبد الرزاق الحسني ، بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 ، من أن
الوصي عبد الإله أصّر في بادئ الأمر على استخدام الشدة والعنف مع المتظاهرين ،
وحصدهم حصداً !!، وبرر سكوته عن ذلك طيلة تلك المدة إرضاءً للوصي ، وتستراً على
موقفه من قصة رفض الشعب للمعاهدة ، التي عقدت بمعرفته وبتوجيهاته .
(17)
أدى
بيان الوصي عبد الإله إلى حدوث انشقاق في صفوف الأحزاب الوطنية ، فقد
انشق
حزب الاستقلال داعياً جماهير حزبه إلى التوقف عن التظاهر بعد بيان الوصي، فيما أصرت
بقية القوى الوطنية على مواصلة الكفاح حتى سقوط حكومة صالح جير، وقيام حكومة حيادية
تأخذ على عاتقها إجراء انتخابات حرة ونزيهة ، وتطلق سراح كافة المعتقلين السياسيين
.
وفي
الوقت الذي كان الوصي يسعى بكل جهده لتهدئة الوضع ، طلع علينا صالح جبر ـ رئيس
الوزراء ـ بتصريح في لندن ، في 22 كانون الثاني ، يتهم المتظاهرين بأنهم عناصر
هدامة من الشيوعيين والنازيين الذين اعتقلهم عام 1941، بعد إسقاط حكومة الكيلاني
على يد جيش الاحتلال البريطاني . وقد توعد جبر في تصريحه بالعودة إلى بغداد لسحق
رؤوس العناصر الفوضوية !!!، وكان صالح جبر بتصريحه هذا قد صب الزيت على النار،
فانطلقت مظاهرات عارمة ضد الحكومة.
وفي
25 منه أعدت الحكومة البريطانية طائرة خاصة لنقل صالح جبر وبقية أعضاء الوفد إلى
بغداد لمعالجة الوضع ، وكبح جماح المعارضة الوطنية ، لكن الطائرة لم تستطع الهبوط
في مطار بغداد لذي طوقته الجماهير ، واضطرت إلى الهبوط في القاعدة الجوية
البريطانية في الحبانية ، وتم نقله والوفد المرافق له بواسطة المصفحات والمدرعات ،
إلى قصر الرحاب خفية ، حيث التقى بالوصي بحضور نوري السعيد، وتوفيق السويدي ، وقد
اتهم صالح جبر وكيله جمال بابان بالتهاون في قمع المظاهرات ، وطلب من الوصي منحه
الصلاحيات اللازمة للقضاء على الثورة الشعبية خلال 24 ساعة
.(18)
لكن
جمال بابان أكد استحالة إنهاء المظاهرات دون استقالة الحكومة ، وأيده في موقفه جميل
عبد الوهاب ، وزير الشؤون الاجتماعية ، فيما وقف نوري السعيد إلى جانب صالح جبر
داعياً إلى استخدام أقسى أساليب العنف ضد المتظاهرين ، فما كان من جمال بابان إلا
أن قدم استقالته من الحكومة احتجاجاً على انتقادات صالح جبر .
وفي
ليلة 26 / 27 كانون الثاني أصدر صالح جير بياناً يحذر فيه أبناء الشعب من التظاهر ،
ويتوعدهم بإنزال العقاب الصارم بهم ، وخول متصرفي الألوية ، وأمين العاصمة ، ومدراء
الشرطة صلاحية استخدام السلاح لتفريق المظاهرات ، وإنزال قوات كبيرة من الشرطة
لتحتل المراكز الحساسة في العاصمة ،وبقية المدن الأخرى .
وتحدت الجماهير الشعبية صالح جبر ونوري السعيد ، واجتاحت شوارع بغداد وسائر المدن
الأخرى مظاهرات هادرة ، منددة بالحكومة ، ومطالبة بسقوطها ،وسقوط المعاهدة ، وبات
الوضع خطيراً جداً في تلك الليلة ، حيث كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق من قبل
الشعب من جهة ، والحكومة وقواها القمعية من جهة أخرى ، انتظاراً لصباح اليوم التالي
27 كانون الثاني . فلما حلّ ذلك الصباح تحولت شوارع بغداد والمدن الأخرى إلى ساحات
حرب حقيقية ،فقد نشرت الحكومة قوات كبيرة من الشرطة المزودة بالمصفحات في الشوارع
الرئيسية ، فيما نصبت الرشاشات الثقيلة فوق أسطح العمارات العالية ومنارات الجوامع
، استعداداً للمعركة الفاصلة .
وفي
الساعة التاسعة صباحاً بدأت الجماهير الشعبية في الأعظمية ،والكاظمية ، وفي جانبي
الكرخ ، والرصافة تتجمع في الساحات العامة ، ثم انطلقت في مسيرتها للالتقاء ببعضه ،
وقابلتها قوات الشرطة بوابل من رشقات الرصاص ، استشهد على أثرها أربعة من
المتظاهرين ، ووقع العديد من الجرحى ، مما زاد في اندفاع الجموع الهادرة واندفاعها،
وإصرارها على التصدي لقوات القمع ، وتقدمت مظاهراتان من جهة الأعظمية ، ومن جوار
وزارة الدفاع لتطويق قوات الشرطة التي حاولت الانسحاب إلى شارع [ غازي ] سابقا،
والكفاح حالياً ، ولاحقتها جموع المتظاهرين مشعلة النيران بسياراتها ومصفحاتها ،
واستولت الجماهير على مركز شرطة [العباخانة ]، وتوجهت إلى ساحة [ الأمين ]،
[الرصافي حالياً] في طريقها للالتحام بجماهير الكرخ عبر جسر المأمون [ الشهداء
حالياً ] .
كانت
قوات الشرطة قد استعدت عند مدخل الجسر ، حيث نصبت رشاشاتها فوق أسطح العمارات ،
ومنارات الجوامع عند طرفي الجسر في جانبي الكرخ، والرصافة لمنع مرور المتظاهرين عبر
الجسر، ومعهم أمر بإطلاق النار على المتظاهرين المندفعين نحو الجسر، واستطاعت قوات
الشرطة إيقاف زحف الجماهير نحو الجسر من جانب الرصافة في بادئ الأمر ، مما دفع
بجماهير الكرخ إلى الاندفاع نحو الجسر بغية عبوره، والالتحام بجماهير الرصافة
المتواجدة في ساحة الأمين . وعند منتصف الجسر جابهتهم قوات الشرطة بنيران رشاشاتها
المنصوبة فوق منارة جامعي [ الوزير ] و [الآصفية ] في جانب الرصافة ،ومنارة جامع [
حنان ] في جانب الكرخ ، ومن المدرعات الواقفة في مدخل الجسر ، وقد استشهد ما يزيد
على 40 مواطنا ، وجرح اكثر من 130 آخرين ، وتناثرت جثث الضحايا فوق الجسر .
اشتد
ضغط الجماهير في ساحة الأمين على قوات القمع ، مما أجبرها على الانسحاب نحو الجسر،
وتقدم المتظاهرون عبر الجسر ، ومرة أخري أنهمر عليهم الرصاص واستشهد عدد آخر وجرح
الكثيرون ، لكن الجموع ازدادت بأساً واندفاعاً أوقع الهلع في صفوف قوات القمع التي
خافت أن تقع في أيدي الجماهير الغاضبة فولت هاربة تاركة ساحة المعركة تملأ جثث
الشهداء والجرحى .
حاول
عبد الإله استخدام الجيش ضد الشعب ، وأجرى اتصالا تلفونياً مع رئيس أركان الجيش
الفريق [ صالح صائب الجبوري] في 27 كانون الثاني ، حوالي الساعة الثالثة والنصف
عصراً ، طالباً منه إدخال عدد من قطعات الجيش إلى شوارع بغداد، لكن الجبوري حذر
الوصي من مغبة إدخال الجيش في شوارع بغداد ، ولاسيما وانه لا يزال يعاني من مرارة
الاحتلال البريطاني عام 1941، وأكد الجبوري للوصي عدم ضمان وقوف الجيش ضد الشعب ،
واقتنع الوصي برأي الجبوري ، وطلب منه البقاء على اتصال دائم بالقصر حتى ينجلي
الوقف
.(19)
وفي
الوقت الذي كانت الأزمة تتصاعد ، قدم 20 نائبا في البرلمان استقالتهم، احتجاجا على
الأساليب القمعية للحكومة ضد أبناء الشعب ، بالإضافة إلى استقالة وزير المالية [
يوسف غنيمة] ووزير الشؤون الاجتماعية [ جميل عبد الوهاب ] .
وفي
الوقت نفسه كان عبد الإله مجتمعا في قصر الرحاب مع الشيخ [محمد الصدر ]و [ نوري
السعيد ] لبحث الموقف وسبل الخروج من الأزمة .
كان
نوري السعيد يلح على الوصي بقمع الحركة الشعبية ، وطالب بإعلان الأحكام العرفية
ومنع التجول ، لاحتواء المظاهرات ، فيما نصح الشيخ محمد الصدر الوصي بإقالة الوزارة
لتهدئة الأوضاع ، ولاسيما وأن المظاهرات قد امتدت إلى جميع المدن العراقية ، وفقدت
الشرطة سيطرتها على الموقف ، وأشعل المتظاهرون النار في مكاتب الإرشاد البريطانية ،
في السليمانية ، وكركوك ، والموصل .
وأخذ
الوصي برأي الشيخ الصدر على مضض،رغم كونه كان في الواقع يسعى لقمع الحركة الشعبية
، وأوعز إلى رئيس الديوان الملكي [ أحمد مختار بابان ] للاتصال بصالح جبر ، والطلب
منه تقديم استقالة حكومته، في 27 كانون الثاني 1948 الذي شهد أشد المعارك بين الشعب
وقوات الحكومة ، وقدم صالح جبر استقالته التي تم قبولها فوراً ، وتوجه الوصي بخطاب
إلى الشعب من دار الإذاعة ، أعلن فيه استقالة الحكومة ، داعيا الشعب للإخلاد إلى
الهدوء !!.
حقق
الشعب في وثبته هدفان ، فقد اسقط المعاهدة ، واسقط الحكومة ،لكن الوثبة لم تستطع
حسم الصراع مع السلطة الموالية للمحتلين البريطانيين ، على الرغم من هروب نوري
السعيد ، وصالح جبر إلى خارج العراق ريثما تهدأ الأوضاع ، فقد كانت حياتهم مهددة
بخطر حقيقي لو تسنى للجماهير الوصول إليهما .
********
تاسعا : الشيخ محمد الصدر يؤلف الوزارة الجديدة :
حاول
الوصي عبد الإله تكليف الشيخ محمد الصدر بتأليف الوزارة الجديدة ، نظراُ لتمتعه
بمركز ديني كبير ، إضافة إلى كونه من الطائفة الشيعية ، حيث وجد أن الشيخ الصدر هو
خير من يستطيع تهدئة الأوضاع .
لكن
الصدر اعتذر عن المهمة رغم إلحاح الوصي ، مما اضطره إلى تكليف أرشد العمري ،وقد
حاول العمري بالفعل القيام بهذه المهمة لكنه جوبه بمعارضة شديدة من قبل الأحزاب
الوطنية التي لازالت تذكر الأعمال التي قام بها عند تشكيل وزارته السابقة، فهو
بالنسبة للأحزاب الوطنية والشعب ، غير مرغوب فيه ، وهكذا فشل العمري في مهمته .
وفي
الوقت نفسه أصدرت الأحزاب الوطنية [ الوطني الديمقراطي والاستقلال والأحرار ] بيانا
إلى الشعب عن تلك الأحداث التي عصفت بالحكومة ، وتضمن البيان ستة مطالب من الحكومة
القادمة وهي :
1 ـ
الإعلان الرسمي عن بطلان معاهدة بورتسموث .
2 ـ
إجراء تحقيق دقيق عن مسؤولية إطلاق النار على أبناء الشعب .
3 ـ
حل المجلس النيابي ، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة .
4 ـ
احترام الحريات الدستورية .
5 ـ
إفساح المجال للنشاط الحزبي .
6 ـ
حل مشكلة الغذاء ، بشكل يوفر للشعب قوته
.(20)
كما
قام زعماء الأحزاب الثلاثة بالاتصال بالشيخ الصدر طالبين منه الرجوع عن موقفه ،
والقبول بتأليف الوزارة ، ونزولاً عند رغبتهم قبل الصدر المهمة رسمياً في 29 كانون
الثاني 1948، وتشكلت الوزارة على الوجه التالي :
1ـ
محمد الصدر ـ رئيساً للوزراء .
2 ـ
جميل المدفعي ـ وزيراً للداخلية .
3 ـ
حمدي الباجه جي ـ وزيراً للخارجية .
4 ـ
ارشد العمري ـ وزيراً للدفاع .
5 ـ
عمر نظمي ـ وزيراً للعدلية .
6 ـ
مصطفى العمري ـ وزيراً للاقتصاد .
7 ـ
محمد رضا الشبيبي ـ وزيراً للمعارف .
8 ـ
نجيب الراوي ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
9 ـ
صادق البصام ـ وزيراً للمالية .
10 ـ
محمد مهدي كبه ـ وزيراً للتموين .
11 ـ
جلال بابان ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .
12 ـ
نصرت الفارسي ـ وزيراً بلا وزارة
13 ـ
داود الحيدري ـ وزيراً بلا وزارة .
14 ـ
محمد الحبيب ـ وزيراً بلا وزارة .
وهكذا جاءت وزارة الصدر من نفس الفئة الحاكمة ، باستثناء محمد مهدي كبه، ومن
العناصر المعروفة بولائها للمحتلين البريطانيين ، ممن لا يرتاح إليهم الشعب، ولاشك
أن للسفارة البريطانية دوراً في اختيار الوزراء .
كانت
وزارة الصدر، وزارة تهدئة بعد تلك الوثبة الجبارة التي أوشكت أن تطيح بالنظام ،
واستطاعت إسقاط حكومة صالح جبر ، وإسقاط المعاهدة ، ومن أجل تهدئة لأوضاع أقدم
الصدر على تنفيذ الإجراءات التالية :
1 ـ
أتخذ مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 31 كانون الثاني قراراً بإلغاء معاهدة
بورتسموث ، وإبلاغ الحكومة البريطانية برغبة العراق بعقد معاهدة جديدة تحقق طموحات
الشعب العراقي في الحرية والاستقلال الناجزين ، وقد عارض القرار الوزير عمر نظمي ،
الذي قدم استقالته من الحكومة احتجاجا على القرار!! .
2 ـ
قررت الحكومة في 2 شباط تأجيل جلسات مجلس النواب لمدة 50 يوماً، لامتصاص غضب
الجماهير ، لكن الحملة اشتدت على المجلس من قبل الأحزاب الوطنية ، والصحافة ،
والاحتجاجات الشعبية ، طالبين حلّ المجلس وأجراء انتخابات حرة ونزيهة ، ولم ترَ
الوزارة بد اً من النزول عند الضغط الشعبي ، وضغط الأحزاب الوطنية والصحافة ،
واضطرت إلى اتخاذ قرار بالطلب من الوصي بإصدار الإرادة الملكية بحل المجلس النيابي
في 22 شباط ، تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة .
3 ـ
كانت حكومة صالح جير قد اتخذت العديد من الإجراءات ضد الصحف، أحالت العديد من
محرريها ومدراها المسؤولين إلى المحاكم ، أصدرت الأحكام الجائرة بحقهم ، بسبب
مواقفهم المناهضة لمعاهدة بورتسموث ، وقد اتخذ مجلس الوزراء قراراً بعودة الصحف
المعطلة للصدور من جديد ، وإطلاق سراح الصحفيين المعتقلين، والذين صدرت بحقهم
الأحكام بالسجن ، كما جرى إطلاق سراح معظم الطلاب الذين اعتقلوا خلال أحداث الوثبة
، وأعادتهم إلى مدارسهم وكلياتهم .
4 ـ
قرر مجلس الوزراء فسح المجال للنشاط الحزبي ، بعد أن كانت الحكومة السابقة قد ضيقت
عليها بكل الوسائل والسبل ، بسبب مناهضتها لمعاهدة بورتسموث .
5 ـ
تم سحب البعثة العسكرية البريطانية من الجيش العراقي في 22 آذار 1948، والتي كانت
المهيمن الحقيقي على الجيش .
6 ـ
سعت الحكومة إلى الاتصال بمجلس الطعام الدولي لغرض الحصول على 30 ألف طن من الحنطة
بشكل عاجل ، لمعالجة أزمة الخبز التي سببتها حكومة أرشد العمري .
7 ـ
وافقت وزارة الداخلية على جمع مبلغ 50 ألف دينار لغرض توزيعها على عائلات الشهداء
والجرحى ، الذين سقطوا خلال الوثبة الوطنية .
ورغم
كل هذه الإجراءات،استمرت المظاهرات تجوب شوارع بغداد احتجاجاً على عدم إطلاق سراح
المعتقلين والسجناء الشيوعيين، وعلى رأسهم مؤسس الحزب [يوسف سلمان ] فهد، ورفيقيه[
زكي بسيم] و[حسين محمد الشبيبي ]، أعضاء المكتب السياسي، وكذلك المطالبة بفسح
المجال لحزب الشعب، وحزب التحرر الوطني الذين ألغت حكومة العمري إجازتيهما، للعمل
الحزبي من جديد، ومطالبة الحكومة باتخاذ سياسة أكثر حزماً تجاه الهيمنة البريطانية
على العراق،وتجاه القضية الفلسطينية،التي يعتبرها العرب قضيتهم الأساسية، والوقوف
ضد المخطط الإمبريالي الأنكلوـ أمريكي الهادف الى إقامة كيان سياسي لليهود في
فلسطين، وتشريد أبناء الشعب الفلسطيني .
********
التوثيق
(1)تاريخ الوزارات العراقية ـ الحسني ـ ج 7 ـ ص 85 .
(2) المصدر السابق ـ ج 7 ـ ص 101.
(3) المصدر السابق ـ ج 7 ـ ص 111.
(4) مقال حول المذبحة للونداوي نشرته صحيفة التآخي في عددها الصادر
في 6 أيار 1972 .
(5)ت ، و ، ع ـ ج 7 ـ ص 116 .
(6) نفس المصدر ـ ص 119 .
(7) صحيفة صوت الأهالي ـ العدد 1244 ـ ايلول 1946 .
(8)مذكرات توفيق السويدي ـ ص 450 .
(9) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 7 ـ ص 149 .
(10)صحيفة الأهالي ـ 25 آذار 1947 .
(11)ت ، و ، ع ـ ج7 ـ ص 168
(12) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 7 ـ ص177.
(13)مذكرات توفيق السويدي ـ ص 459 .
(14)نفس المصدر ـ ص 464.
(15) ت، و، ع ت ـ الحسني ـ ج 7 ـ ص 257.
(16) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 7 تـ ص 257
(17)المصدر السابق ـ ج 7 ـ ص 259 .
(18)نفس المصدر ـ ص 264 .
(19)المصدر السابق ـ ج 7 ـ ص 257 .
(20) المصدر السابق ـ ج 7 ـ ص 280.
|