Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review
الفصل العاشر

 

نوري السعيد ينتقم من الانقلابيين

 

أولاً : نوري السعيد يؤلف وزارته السادسة بطلب من المحتلين .

ثانياً : نوري السعيد يعلن الحرب على دول المحور .

ثالثاً : السعيد يجري انتخابات جديدة،ويعيد تشكيل حكومته .

رابعاً :استقالة نوري السعيد،وحمدي الباجه جي يؤلف الوزارة الجديدة .

خامساً : الباجه جي يعيد تأليف وزارته لإخراج وزير الدفاع .

سادساً :العراق يعيد علاقاته الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي .

سابعاً : تأسيس الجامعة العربية .

ثامناً : انتهاء الحرب العالمية الثانية باندحار دول المحور . 

تاسعاً : مؤتمر سان فرنسسكو، وتوقيع ميثاق الأمم المتحدة .

عاشراً :تجدد الثورة البارزانية في آب 1945 .

حادي عشر : استقالة حكومة الباجه جي،وتوفيق السويدي يؤلف الوزارة الجديدة .

ثاني عشر : بريطانيا والولايات المتحدة تتآمران على العرب .

ثلاث عشر : بعث الحياة الحزبية في العراق .

******

أولاً : نوري السعيد يؤلف وزارته السادسة

 

فور استقالة حكومة جميل المدفعي، في 21 أيلول  1941، أوعزت السفارة  البريطانية الى الوصي عبد الإله أن يستدعي نوري السعيد، الذي كان يشغل منصب وزير العراق المفوض في القاهرة لتشكيل الوزارة الجديدة، وهذا ما كان، فقد صدرت الإرادة الملكية بتكليفه في 9 تشرين الأول 1941، وبدأ نوري السعيد باختيار أعضاء وزارته من العناصر المشهود لها بالولاء التام لبريطانيا، وعدائها لحركة الكيلاني والعقداء الأربعة، لكي تستطيع تصفية الحسابات مع جميع العناصر التي ساندت حكومة الكيلاني، ولتنفيذ معاهدة 1930 العراقية البريطانية، بما يؤمن مصالح بريطانيا ومجهودها الحربي في العراق . وجاءت الوزارة على النحو التالي :

1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع .

2 ـ صالح جبر ـ وزيراً للداخلية .

3 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمالية .

4 ـ صادق البصام ـ وزير العدلية .

5 ـ تحسين علي ـ وزيراً للمعارف .

6 ـ محمد أمين زكي ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .

7 ـ جمال بابان ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية  .

8 ـ عبد المهدي ـ وزيراً للاقتصاد .

وضع نوري السعيد في منهاج حكومته ثمانية أهداف سطرها في رسالة شخصية الى السفير البريطاني، وبعث بنسخة منها الى السفير الأمريكي، الذي أرسلها بدوره الى حكومته، ببرقيته المرسلة في 15 تشرين الأول 1941، وجاء فيها : (1)

1ـ تنفيذ المعاهدة العراقية البريطانية بصورة كاملة، ولاسيما بالنسبة لتحضيرات بريطانيا الدفاعية، والمواصلات .

2ـ تطهير الجيش من العناصر المؤيدة لحركة رشيد عالي الكيلاني وللمحور .

3 ـ إحالة الكيلاني والعقداء الأربعة الذين ساهموا وساندوا الحركة الى القضاء.

4 ـ فصل كافة الموظفين المؤيدين لحركة الكيلاني والمحور ،واعتقال العناصر النشطة منهم.

5ـ فصل كافة المعلمين والأساتذة الذين أيدوا حركة الكيلاني، وتغير كافة المناهج والكتب المدرسية المعادية لبريطانيا .

6ـ إجراء تغيرات واسعة في وزارة الداخلية، بمشورة المستشار البريطاني للوزارة .

7 ـ عدم إثارة قضية فلسطين والقضايا العربية الأخرى خلال فترة الحرب .

8 ـ غلق سفارة حكومة [ فيشي ] الفرنسية التي نصبها الألمان بعد سحق فرنسا .

وهكذا بدأ نوري السعيد خططه باعتقال عدد من كبار الشخصيات السياسية الوطنية، وتم حجزهم في معتقل الفاو في جنوب البصرة ، في 29 تشرين الأول 1941، ثم أعقبهم بمجموعة أخرى جاوزت الأربعين من الشخصيات السياسية المعارضة للاحتلال البريطاني، في 20 تشرين الثاني ، ثم جرى اعتقال مجموعة كبيرة من الضباط الذين أحيلوا على التقاعد بعد فشل حركة الكيلاني في 27 منه، وتم إيداعهم معتقل الفاو أيضاً .(2)

وفي 7 آذار 1942 جرى اعتقال وجبة رابعة من الوطنيين وسيقوا الى معتقل الفاو كذلك، ثم تلتها وجبة خامسة في 7 تموز من نفس العام، وجرى إيداعها معتقل العمارة، وقد ضمت تلك الوجبات خيرة الشخصيات الوطنية من المهندسين والأطباء والمدرسين وأساتذة الكليات ورجال الصحافة، والسياسيين الحزبيين ، والكسبة والعمال والطلاب والتجار، وقد جرى اعتقالهم جميعاً بموجب مرسوم [ صيانة الأمن العام وسلامة الدولة ]رقم 56 لسنة 1940 الذي تم بموجبه تعطيل الحقوق الدستورية للمواطنين، وإطلاق أيدي الأجهزة القمعية لوزارة الداخلية [ الأمن والشرطة] لتعتقل من تشاء دون أسانيد أو أدلة أو مسوغ قانوني .

وبسبب تمادي نوري السعيد في حملته ضد الوطنيين، استقال وزير العدل احتجاجاً على تلك السياسة، وقد تم قبول استقالته في 9 شباط 1942، وصدرت الإرادة الملكية بتعين [ داؤد الحيدري]  بدلاً منه .

بدأت حكومة السعيد، بعد تلك الاعتقالات بمحاكمة الكيلاني ورفاقه الوزراء كل من : علي محمود الشيخ علي، ويونس السبعاوي، والفريق أمين زكي،وكيل رئيس أركان الجيش والعقداء قادة الجيش صلاح الدين الصباغ، ومحمود سلمان، وكامل شبيب، وفهمي سعيد ،حيث أصدر المجلس العرفي العسكري حكمه بالإعدام غيابياً بحق الجميع ، وتم أبدل حكم الإعدام الصادر ضد الفريق أمين زكي الى الأشغال الشاقة المؤبدة . كما صدر حكم بالأشغال الشاقة لمدة 15 عاماً على الوزير ناجي شوكت ، وحكم على الدكتور محمد حسن سلمان بالسجن لمدة سنة ،وعلى صديق شنشل بالسجن لمدة 5 سنوات .

ولم يكتفِ نوري السعيد بكل ذلك ، بل حرض المحتلين على اعتقال الوزراء السابقين كل من ناجي السويدي ، ورؤف البحراني، ومحمد علي محمود، وموسى الشابندر  وعبد القادر الكيلاني ، وتم إبعادهم إلى [ سالسبوري ] في جنوب أفريقيا .

وفي 4 مايس 1942، سلمت بريطانيا كل من : يونس السبعاوي، ومحمود سلمان، وفهمي سعيد الى الحكومة العراقية التي أعادت محاكمتهم بنفس اليوم أمام المجلس العرفي العسكري، الذي أيد الحكم السابق الصادر بحقهم، والقاضي بإعدامهم، ونفذ بهم الحكم في اليوم التالي المصادف  5 مايس 1942، بحضور عبد الإله ونوري السعيد .

كان الجو العام ذلك اليوم مكفهراً ، وكان الحقد والغضب على حكومة نوري السعيد ،وعبد الاله والمحتلين البريطانيين يتطاير كالشرر من عيون أبناء الشعب ،مما ألقى الرعب في نفوس أولئك القتلة لدرجة أن نوري السعيد لازم داره شهراً كاملاً، خوفاً من غضب الجماهير . وقد رثى الشاعر العراقي الكبير [ معروف الرصافي ] أولئك الشهداء بقصيدة عصماء .

بعد تنفيذ تلك الأحكام طلبت حكومة نوري السعيد من بريطانيا إعادة المعتقلين في  جنوب أفريقيا لمحاكمتهم، وقد تمت إعادتهم بالفعل، وأحيلوا الى المجلس العرفي العسكري الذي أصدر حكمه على كامل شبيب بالإعدام في 16 آب 1944ونفذ الحكم فيه في اليوم التالي المصادف  17 آب.

كما حكم على كل من الوزراء  : محمد علي محمود، وموسى الشابندر، ورؤف البحراني  بالسجن لمدة خمس سنوات، وعلى الوصي [ شريف شرف ]بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وعلى رؤوف البحراني بالسجن لمدة سنتين، وعلى عبد القادر الكيلاني بالسجن لمدة ثلاثة أشهر، وقد أمر عبد الإله اعتبار هولاء جميعا سجناء عاديين، كما أمر بربط أرجلهم بالسلاسل الحديدية.

أما صلاح الدين الصباغ فقد فرّ الى تركيا، وبقي هناك حتى عام 1945، حيث سلمته الحكومة التركية، تحت الضغط الشديد من الحكومة البريطانية، الى الحكومة العراقية، في  تشرين الأول 1945، حيث جيء به الى بغداد، وأمر الوصي عبد الإله بشنقه أمام وزارة الدفاع صباح يوم 16 تشرين الأول، وبقي معلقاً فـوق مشنقته لعدة ساعات، وحضر الوصي لمشاهدته، والشماتة به . أما ناجي شوكت فقد اعتقلته القوات الأمريكية بعد نهاية الحرب في إيطاليا، وأعيد الى العراق حيث حكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً .(3)

أدت إجراءات نوري السعيد القمعية ضد الوطنيين من أبناء الشعب، والطاعة العمياء لإرادة المحتلين البريطانيين، الى خلق جو من التذمر الشديد ، وصل حتى الى مجلس وزرائه ، وأخذ الوزراء يتسللون من الوزارة واحداً تلو الآخر ، بحجج شتى، تخوفاً مما قد تسببه سياسة نوري السعيد من رد فعل شعبي ، مما اضطر نوري السعيد الى تقديم استقالة حكومته الى عبد الاله  في 3 تشرين الأول 1942 ، بغية إعادة تأليفها من جديد،وجاءت الوزارة على الوجه التالي .

1 ـ نوري السعيد رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع .

2 ـ تحسين العسكري ـ وزيراً للداخلية .

3 ـ صالح جبر ـ وزيراً للمالية .

4 ـ عبد الإله حافظ ـ وزيراً للخارجية .

5 ـ داؤد الحيدري ـ وزيراً للعدلية

6 ـ عبد المهدي ـ وزيرا للأشغال والمواصلات .

7 ـ تحسين علي ـ وزيراً للمعارف .

8 ـ عبد المحسن شلاش ـ وزيراً للاقتصاد .

9 ـ احمد مختار بابان ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

وفي معرض حديثه عن منهاج وزارته الجديدة ، قال نوري السعيد أن الوزارة الجديدة هي امتداد للوزارة السابقة ، وأنه سوف يركز جهوده لإصلاح وزارة المعارف !!، وعلى تنظيم الشؤون الاقتصادية ، وقضايا التموين .

لم يمضِ أسبوعان على تأليف الوزارة حتى استقال اثنان من أعضائها هما عبد المحسن شلاش  وزير الاقتصاد ، وعبد المهدي وزير الأشغال والمواصلات ، بسبب خلافاتهم مع نوري السعيد حول السياسة الاقتصادية والخارجية ، واضطر السعيد الى إدخال وزيرين جديدين في وزارته هما عبد الرزاق الازري ،وسلمان البراك .

 

 ثانياً : نوري السعيد يعلن الحرب على دول المحور :

 

كان على نوري السعيد أن يمضي قدماً في تنفيذ كل ما يطلبه منه المحتلون البريطانيون، وفي مقدمة تلك المطالب إعلان الحرب على دول المحور، وهكذا لم يمضِ على تأليف الوزارة سوى 28 يوما حتى أعلن السعيد الحرب على تلك الدول ، حيث صدرت الإرادة الملكية بإعلان الحرب ليلة 16 / 17 كانون الثاني 1943، وبذلك أدخل نوري السعيد ،وعبد الإله العراق في أتون تلك الحرب ، التي لا مصلحة له فيها سوى خدمة المحتلين البريطانيين ، وأخذ السعيد يوغل في سياسة القمع واعتقال الوطنيين، وكل من يشم منه رائحة العداء لبريطانيا ، واستمرت المحاكم العرفية العسكرية تطحن بالأبرياء ، فلم يكن نوري السعيد سوى أداة منفذة لإرادة الإمبرياليين البريطانيين الذين صاروا هم الحكام الفعليين للبلاد ، يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة ، ويصدرون الأوامر باعتقال وسجن من يشاءون من المواطنين .

كما عمل نوري السعيد على تعديل القانون الأساسي ، ووسع بموجبه صلاحيات الملك ، وخاصة منحه صلاحية إقالة الوزارة ، وإقرار تنصيب عبد الاله ولياً للعهد .

 

ثالثاً : نوري السعيد يجري انتخابات جديدة، ويعيد تأليف وزارته:

 

في التاسع من حزيران 1943، أقدم نوري السعيد على حل البرلمان ، وأجرى انتخابات جديدة تحت ظل الأحكام العرفية ، و [مرسوم صيانة الأمن العام وسلامة البلاد ] السيئ الصيت ، وقد تم إعداد قائمة بمرشحي الحكومة والسفارة البريطانية والوصي عبد الاله ، وجاء المجلس الجديد بأكثرية موالية للوصي .وبعد الانتهاء من الانتخابات تقدم نوري السعيد باستقالة حكومته ، في 19 كانون الأول 1943، وتم قبول الاستقالة، وكلفه عبد الاله من جديد بتأليف الوزارة الجديدة في 15 منه، وجاءت الوزارة على الوجه التالي :

1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للدفاع .

2 ـ توفيق السويدي ـ نائباً لرئيس الوزراء .

3 ـ محمود صبحي الدفتري ـ وزيراً للخارجية .

4 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للداخلية .

5 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمالية .

6 ـ أحمد مختار بابان ـ وزيراً للعدلية .

7 ـ صادق البصام ـ وزيراً للأشغال والمواصلات

8 ـ عبد الإله حافظ ـ وزيراً للمعارف .

9 ـ سلمان البراك ـ وزيراً للاقتصاد .

10 ـ محمد حسن كبه ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

11 ـ ماجد مصطفى ـ وزيراً بلا وزارة .

كان في مقدمة المهام التي أخذها نوري السعيد على عاتقه ، بعد تأليف وزارته الجديدة ، هي ترويض الجيش ، عن طريق تقليصه وإضعافه ، وتجريده من سلاحه، لكي يأمن جانبه بعد تلك الحركة التي قادها الكيلاني خلال شهري نيسان وأيار  1941، والتهاب الشعور الوطني الجياش الذي عم جنوده وضباطه على حد سواء، وخاصة بعد اصطدامه بالجيش البريطاني ، الذي احتل العراق مجدداً . فبعد أن كان الجيش العراقي قبل أحداث مايس 1941 يضم [ 45 ألف جندي ] و[1800 ضابط ] قلص نوري السعيد عدد أفراده  الى [ 25 الفا ]، كما فصل عدداً كبيراً من الضباط ،كما فصل عدداً كبيراً من الضباط ،وضباط الصف ، وأعاد إليه الضباط والمستشارين البريطانيين الذين كانت حكومة الكيلاني قد أنهت خدماتهم . وبنفس الوقت سعى نوري السعيد الى زيادة عدد أفراد جهازي الأمن والشرطة ، وتنظيمهما وتدريبهما ، وتم رفع ميزانيتهما الى ثلاثة أضعاف عما كانت عليه قبل أحداث مايس  941 ، من أجل إعدادهما لقمع الحركة الوطنية .(4)

كما أقدم نوري السعيد على إعارة كل ما لدى العراق من معامل عسكرية وذخائر للجيش البريطاني ، لتعزيز مجهوده الحربي ، وجاء فيضان نهر دجلة ، وغرق معسكر الرشيد ، ومعسكر القوة الجوية ، وغرق مخازن العتاد المشيدة تحت الأرض فيهما، على البقية الباقية من العتاد الذي أصابه التلف ، وبذلك غدا السلاح العراقي البسيط أصلاً ، بدون عتاد . كما أقدم نوري السعيد على زج بقية القطعات العسكرية في الحرب ضد الأكراد في كردستان ، حيث أعلن الملا مصطفى البارزاني تمرده على الحكومة ، وقيل آنذاك أن بريطانيا ، وسفارتها في بغداد ،لم تكن بعيدة عن تدبير ذلك ، فقد كان المخطط البريطاني يرمي الى إضعاف الجيش العراقي وإنهاكه ، عن طريق إشغاله في حرب أهلية مع الأكراد .

ولم يكتفِ نوري السعيد بكل ذلك ، بل سخر كل إمكانيات البلاد المدنية والعسكرية ، والخدمات المخصصة أصلاً لأبناء الشعب ،لخدمة جيش الاحتلال . فقد وضع الميناء ،وسكك الحديد، ودوائر البريد والبرق والهاتف في خدمة القوات البريطانية دون مقابل ، حارماً أبناء الشعب من الاستفادة منها ، وحتى المستشفيات، ومديرية الأشغال العامة ، والمعامل العائدة لمدارس التدريب اليدوي كلها تم وضعها في خدمة القوات البريطانية . كما أدى استخدام القوات البريطانية للآليات الثقيلة إلى إتلاف الطرق العراقية دون أن تقدم بريطانيا أي تعويض عن تلك الأضرار . وخلاصة القول لم يترك نوري السعيد شيئاً إلا وقدمه للمحتلين ، ودون مقابل ، فيما سيطرت قوات الاحتلال على الفائض الزراعي والحيواني ، كالقطن والصوف ، والتمور وبذور السمسم ، والحبوب ، والفواكه الخضراوات وغيرها، لقاء أسعار زهيدة ، مما سبب في قلة المعروض في السوق ، وبالتالي ارتفاع أسعارها ، وتحمل أبناء الشعب لعراقي الذي يعاني أصلاً من ضائقة اقتصادية صعبة، أعباء اقتصادية جديدة ، نيابة عن المحتلين .

وعلى الصعيد المحلي ، أقدم نوري السعيد على إلغاء رخص كافة الأحزاب والجمعيات ، التي كانت موجودة اسمياً ، ومجمدة فعلياً بسبب سياسة القمع ، وذلك بموجب قانون جديد للجمعيات أصدرته حكومته ، وخول القانون المذكور وزير الداخلية صلاحية تصفية كافة ممتلكاتها لصالح الدولة .

إن السياسة التي سارت عليها حكومات نوري السعيد الثلاثة المتعاقبة ، كانت تلقى الاستهجان والازدراء من قبل الشعب العراقي ، وكلما كانت تلك الحكومات  توغل في جرائمها بحق الشعب والوطن ، كلما كانت المعارضة لنوري السعيد تتصاعد حتى وصلت الى النواب الذين جاء هو بهم الى المجلس النيابي ، وبدأ العديد من النواب يشنون حملات عنيفة على الحكومة ،وإجراءاتها المعادية لمصالح الشعب والوطن .

 

 

 

******

رابعاً : استقالة السعيد،وحمدي الباجه جي يؤلف الوزارة الجديدة :

 

 ضاق نوري السعيد ذرعاً بالنواب المعارضين له ، وشكاهم للوصي عبد الإله، ولاسيما وأن قسماً منهم كان يلمح الى أنهم مسندون من البلاط ، وفي حقيقة الأمر أن عبد الاله نفسه لم يكن مرتاحاً لاستئثار نوري السعيد بكل شيء ، وخاصة بالنسبة لعلاقاته بالسفارة البريطانية ، مما جعل نفوذه يتصاعد يوماً بعد يوم ، وقيل آنذاك أن الوصي نفسه أوعز لبعض النواب المحسوبين على البلاط ، ليهاجموا نوري السعيد وحكومته بأقذع الكلام ، مما دفع السعيد الى تقديم استقالة حكومته في 19 نيسان 1944، بعد أن أرفق استقالته بمذكرة رفعها للوصي ، تحدث فيها عن أعماله، ومنجزات حكوماته الثلاث، صانعاً من نفسه ذلك الرجل الذي خدم بلاده وشعبه اعظم خدمة !!!، في حين لم يكن سوى خادماً مطيعاً للمحتلين البريطانيين .

لم يستطع الوصي البت في استقالة حكومة السعيد فوراً ، إذ كان عليه أن يحصل على موافقة السفارة البريطانية قبل البت فيها، والاتفاق على شخصية رئيس الوزراء الجديد ، ولذلك فقد تأخر البت في الاستقالة أكثر من شهر ، فما كان من السعيد إلا أن بعث للوصي بمذكرة جديدة في 23 مايس ،إتسمت بلهجة حادة ، أثارت غضب عبد الإله وانزعاجه ، حيث سارع الى قبول الاستقالة ، وصدرت الإرادة الملكية في 3 حزيران 1944، من دون أن يشير عبد الاله الى مذكرة نوري السعيد ، بل تجاهلها تماماً .وتم تكليف [حمدي الباجه جي ] في نفس اليوم ،تأليف الوزارة الجديدة ، وتم تأليفها على الوجه التالي :

1 ـ حمدي الباجه جي ـ رئيساً للوزراء .

2 ـ أرشد العمري ـ وزيراً للخارجية، ووزيراً للتموين .

3 ـ مصطفى العمري ـ وزيراً للداخلية .

4 ـ صالح جبر ـ وزيراً للمالية .

5 ـ أحمد مختار بابان ـ وزيراً للعدلية .

6 ـ تحسين علي ـ وزيراً للدفاع .

7 ـ عبد الأمير الأزري ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .

8 ـ إبراهيم عاكف ـ وزيراً للمعارف .

9 ـ توفيق وهبي ـ وزيراً للاقتصاد .

10 ـ محمد حسن كبه ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

 جاءت هذه الوزارة على غير انسجام بين أعضائها ، فقد ضمت عناصر تريد السير في ركاب المحتلين البريطانيين ، دون قيد أو شرط ، وعناصر أخرى تحاول الموازنة بين مصالح المحتلين ومصالح البلاد ، وكان على رأس المجموعة الأخيرة ، وزير الدفاع، تحسين علي ، الذي اختلف مع رفاقه الوزراء حول طلب الجنرال [ رنتن ] الذي أرسلته بريطانيا على رأس وفد عسكري لتفقد الجيش العراقي ، فقد طلب رنتن إلغاء فرقتين من الجيش العراقي المؤلف من أربعة فرق ، وعارض تحسين علي الطلب البريطاني ، وأحال تقرير[ رنتن] الى مجلس الدفاع الأعلى لدراسته ،وإبداء وجهة نظره في الموضوع ، وجاء قرار مجلس الدفاع بالإبقاء على الفرق الأربعة خلافاً لإرادة البريطانيين، والعمل على تنفيذ قانون التجنيد الإجباري من قبل الأجهزة الإدارية والعسكرية، لرفد فرق الجيش بالجنود وإكمال نواقص الملاك في الوحدات العسكرية، ووقف وزير الدفاع ، تحسين علي الى جانب المجلس الأعلى للدفاع ،ولجأ الجنرال رنتن الى عبد الإله ، شاكيا له موقف وزير الدفاع ، الذي سارع الى عقد اجتماع في   مصيف سرسنك،حضره وزير الدفاع ، تحسين علي ، ووكيل رئيس أركان الجيش، الفريق إسماعيل نامق ، ومدير الحركات ، الزعيم الركن إسماعيل صفوت ، والمقدم وفيق عارف ، وحضر الاجتماع الجنرال رنتن ، وقد جرى نقاش مطول حول طلب الجنرال رنتن ، وفي ختام الاجتماع تقرر ، كحلٍ وسط، الإبقاء على الفرقتين المطلوب حلهما ، على أن تكون غير مسلحة ، وتخصص للتدريب.

جراء هذا الأجراء، أصبح حوالي 400 ضابط خارج ملاك الجيش ،وقد وإرتأ وزير الدفاع عدم إحالتهم على التقاعد ، وتوزيعهم على ملاكات الجيش ، لكن وزير الخارجية أرشد العمري أعترض في اجتماع مجلس الوزراء على خطة وزير الدفاع، وأصر على إحالة هؤلاء الضباط على التقاعد ، ونتيجة لذلك حدثت مشادة بين الوزيرين ، حيث اعتبر وزير الدفاع موقف أرشد العمري تدخلاً في شؤون وزارته، وهدد بالاستقالة .

غير أن وكيل رئيس الوزراء [ صالح جبر ] قرر إرجاء البت في الموضوع لحين عرضه على الوصي عبد الإله ، ولدى عرض الموضوع عليه ، أيّد الوصي موقف أرشد العمري ، مما دفع بوزير الدفاع إلى تقديم استقالته والخروج من الاجتماع ، وكان ذلك في 28 آب 1944 . لكن وزير الدفاع فوجئ بصدور إرادة ملكية بتعينه وزيراً  للأشغال والمواصلات ، بدلا من قبول استقالته ، وقد رفض القبول بالمنصب وأصر على الاستقالة ، وفي الوقت نفسه هدد كل من أرشد العمري ومصطفى العمر وصالح جبر بالاستقالة إذا ما بقي تحسين علي وزيراً للدفاع . (5)

 

خامساً : الباجه جي يعيد تأليف وزارته لإخراج وزير الدفاع

 

لم يكن أمام رئيس الوزراء إلا أن يقدم استقالة حكومته ، بغية التخلص من تحسين علي ، وعليه فقد توجه إلى الوصي عبد الإله في 28 آب 1944، لتقديم استقالة حكومته ، وقد تم قبول الاستقالة  وكلف الوصي رئيس الوزراء المستقيل بتأليف الوزارة الجديدة في اليوم التالي 29 آب ، وجاءت على الوجه التالي :

1 ـ حمدي الباجه جي ـ رئيساً للوزراء .

2 ـ ارشد العمري ـ وزيراً للخارجية، ووزيراً للدفاع وكالة .

3 ـ صالح جبر ـ وزيراً للمالية، ووزيراً للتموين وكالة .

4 ـ عبد الأمير الأزري ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .

5 ـ توفيق وهبي ـ وزيراً للاقتصاد .

6 ـ محمد حسن كبه ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

7 ـ مصطفى العمري ـ وزيراً للداخلية .

8 ـ أحمد مختار بابان ـ وزيراً للعدلية .

9 ـ إبراهيم عاكف ـ وزيراً للمعارف

وهكذا تبين أن الهدف من التغير الوزاري كان التخلص من وزير الدفاع ، تحسين علي ، وتنفيذ ما أراده الجنرال [رنتن] في تقريره لتقليص الجيش ، وإحالة الضباط على التقاعد .

 

 

******

سادساً : العراق يقيم علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي :

 

عندما حاول رشيد عالي الكيلاني ،اثناء توليه رئاسة الوزارة عام 1941، إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي ، أقامت بريطانيا الدنيا أقعدتها بسبب هذا التوجه من قبل الكيلاني ،واتخذت من اللقاء الذي جرى بين وزير العراق المفوض في تركيا والوزير المفوض السوفيتي هناك ،حجة إضافية للصدام مع الجيش العراقي، وإسقاط حكومة الكيلاني .

لكن بريطانيا ، ولضرورات اقتضتها قضية التعاون بين الاتحاد السوفيتي وبريطانيا ، بعد أن شنت ألمانيا الحرب على الاتحاد السوفيتي ، أشارت هي نفسها إلى الحكومة العراقية لإقامة العلاقات الدبلوماسية مع السوفيت ، واستجابت الحكومة لذلك، وبعث أرشد العمري ببرقية إلى وزير الخارجية السوفيتية [ مولو توف ] أعرب له فيها عن رغبة العراق إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي  ، وقد سارع مولوتوف إلى إرسال برقية جوابية رحب فيها برغبة الحكومة العراقية، وتم الاتفاق على تبادل المبعوثين الدبلوماسيين بين البلدين .

 

سابعاً : تأسيس الجامعة العربية :

 

كان الحلم العربي باستقلال البلاد العربية التي ظلت تحت نير الاستعمار العثماني لأربعة قرون ، وإقامة وحدة عربية ، يراود أبناء الأمة العربية التي عانت أشد المعانات من ذلك الحكم البغيض .

لكن العرب صُدموا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ، عندما نكث المستعمرون الجدد، بريطانيا وفرنسا ، بالوعود التي قطعوها لهم ، وتبين أنهم قد قرروا اقتسام البلاد العربية فيما بينهم بموجب معاهدة [ سايكس بيكو ] وهكذا وجد العرب أنفسهم مرة أخرى تحت نير استعمار عالمي جديد.

لكن عزم الشعب العربي على تحقيق الاستقلال ، وإقامة الوحدة العربية لم يفتر، وبقيت الجماهير العربية تناضل من أجل تحقيق هذا الهدف ، وخاضت ضد المحتلـين الجدد معارك قاسية ومتواصلة وقدمت الآلاف من الضحايا في هذا السبيل .

وعندما قامت حكومات محلية في العراق ، وسوريا ، ومصر وشرق الأردن ، واليمن، والسعودية ظلت الجماهير العربية تضغط على حكامها من أجل قيام الوحدة العربية، بعيداً عن الهيمنة البريطانية والفرنسية ، ونتيجة لذلك جرت لقاءات بين تلك الحكومات للبحث في موضوع الوحدة ، لكن إرادة المستعمرين الجدد كانت فوق الشعوب العربية ، لأن الوحدة لا تتفق ومصالحهم إطلاقاً ، ولذلك فكر المستعمرون في طريقة لامتصاص مطالب الجماهير العربية في  الوحدة ، فكان مشروع إقامة نوع من الارتباط بين تلك الأقطار، يحتفظ بموجبه كل قطر عربي باستقلاله ، فكان مشروع الجامعة العربية ، وبناء على ذلك عقد الحكام العرب مؤتمراً لهم في القاهرة، في 22 مايس 1945، وتقرر في ذلك المؤتمر إقامة الجامعة العربية .

لكن الجامعة العربية لم تستطع تحقيق حلم الشعوب العربية في الوحدة الحقيقية ، فقد كان تأثير تلك الهيمنة البريطانية والفرنسية على الحكام العرب يشكل أكبر عائق لتحقيق الوحدة ، وأثبت الأيام أن الجامعة العربية لن تحقـق طموحات الأمة العربية ،بل على العكس من ذلك، انتقلت إليها الصراعات العربية ، وأخذت سلطتها تضعف شيـئاً فشيئاً ، حتى أصبحت قريبـة من التلاشي ، ولم يبقَ لها سوى دور ثانوي في القضايا العربية .

ثامناً : انتهاء الحرب العالمية باندحار دول المحور :

 

في بداية عام 1945، كانت الحرب العالمية الثانية قد أوشكت على نهايتها، وتقرر مصيرها باندحار دول المحور ، وانتصار الحلفاء ، فقد كانت القوات السوفيتية تزحف نحو برلين من جهة الشرق ، فيما بدأت القوات الأمريكية والبريطانية ، وقوات الجنرال [ديكول ] تزحف من جهة الغرب ، وأخذت القوات الألمانية تتراجع أمام ضربات القوات السوفيتية والأمريكية والبريطانية ،فيما كانت القوات الإيطالية قد انهارت أمام زحف قوات الحلفاء ، وتلاشت مقاومتها تماماً .

 وفي الأول من أيار عام 1945 أطبقت القوات السوفيتية على برلين واحتلتها ،وفي الوقت نفسه كانت  القوات الأمريكية والبريطانية قد توغلت في غرب البلاد، وانهارت المقاومة الألمانية ، وانتحر دكتاتور ألمانيا  [هتلر ]،وأعلن الأميرال الألماني  [دونتز ] استسلام  ألمانيا دون قيد أو شرط للحلفاء ، وبذلك انتهت الحرب في أوربا ، واحتفل الحلفاء بنصرهم على ألمانيا وإيطاليا.

أما الحرب في الشرق الأقصى فقد استمرت بضعة أشهر أخرى ، حيث بقي اليابانيون يقاومون ، لكن الحرب كان مصيرها قد تقرر، وكانت اليابان على وشك أن تعلن استسلامها عندما فاجأت الولايات المتحدة العالم في 6 آب 1945 بإلقاء أول قنبلة ذرية على مدينة [ هيرو شيما]  اليابانية ، فكانت مجزرة رهيبة ، ذهب ضحيتها أكثر من 180 ألفاً من المواطنين اليابانيين الأبرياء في الحال ، دون أي مبرر . وبعد أسبوع أتبعتها بقنبلة ثانية ألقتها على مدينة [ناكازاكي ] فكانت كارثة كبرى ثانية أدت بأرواح عشرات الألوف من السكان الأبرياء ، وتحولت المدينتين إلى أكوام من الحجارة الممزوجة بالدم والأشلاء ،وفي الحال أعلنت اليابان استسلامها دون قيد أو شرط ، وبذلك انتهت فصول تلك الحرب الإجرامية المفزعة التي أشعلها هتلر ،والتي ذهب ضحيتها أكثر من 50 مليون إنسان ، ناهيك عن تخريب المدن ، والبنية التحتية للاقتصاد العالمي وما سببته تلك الحرب من ويلات وماسي وجوع وخراب ودمار .

 ولابد أن أشير هنا إلى أن إلقاء القنبلتين الذريتين على مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين  كانت جريمة كبرى اقترفتها الولايات المتحدة بحق الإنسانية ،لم يكن لها ما يبررها سوى رغبتها  في  أن ترعب بلدان العالم الأخرى ، وبوجه خاص الاتحاد السوفيتي ، بهذا السلاح الفتاك ، وتتباهى بأنها أقوى بلد في العالم أجمع ، وقد دفع تصرفها هذا إلى أن يسعى الاتحاد السوفيتي إلى امتلاك هذا السلاح الخطير، لكي يعيد توازن القوى بين المعسكرين ، الشرقي والغربي ، حيث توصل إلى أسرار هذا السلاح الرهيب . ثم تبع ذلك توصل بريطانيا وفرنسا والصين وإسرائيل والهند ،إلى إنتاج هذا السلاح الفتاك .

وفي ظل الحرب الباردة التي نشأت بين المعسكرين استمر سباق التسلح ، وإنتاج المزيد من تلك الأسلحة ، ووسائل نقلها إلى أية بقعة في العالم ، وتطويرها بحيث أصبح الطرفان يملكان ترسانة نووية قادرة على إفناء البشرية ، وتدمير كوكبنا الأرضي مئات المرات ، وأصبحت هذه الأسلحة عبئاً ثقيلاً ، وخطراً مميتاً يهدد البشرية في كل وقت وحين .

 

تاسعاً : مؤتمر سان فرانسيسكو،وتوقيع ميثاق الأمم المتحدة :

 

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وجهت الولايات المتحدة، نيابة عن الاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا والصين ، الدعوة إلى 49 دولة لحضور مؤتمر يعقد في مدينة [ سان فرنسيسكو ] للبحث في إنشاء هيئة جديدة، على أنقاض عصبة الأمم التي انهارت بقيام الحرب العالمية الثانية ، وتحدد عقد المؤتمر في 26 حزيران 1945، الذي حضرته وفود تلك الدول ، وكان العراق من بينها، حيث مثله وفد عالي المستوى برئاسة وزير الخارجية [ أرشد العمري ] وضم في عضويته كل من نوري السعيد ، وتوفيق السويدي ، وعلي جودت الأيوبي ، ونصرت الفارسي ، وفاضل الجمالي. 

وقبل بدء المؤتمر توفي الرئيس الأمريكي [ فرانكلين روزفلت ]، وتولى المنصب بعده نائبه  [هاري ترومان ] .

جرى افتتاح المؤتمر في 26 حزيران 1945، وبدأت المداولات لوضع ميثاق جديد ينظم العلاقات بين دول العالم ، دعي فيما بعد [ ميثاق الأمم المتحدة ] وتضمن الميثاق تشكيل مجلس للأمن الدولي ، كما جرى البحث في مسودة محكمة العدل الدولية ، لحل الخلافات بين الدول .

لم يكن للدول التي دُعيت للمؤتمر ، ما عدا الدول الخمس الكبرى ، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا والصين ، دور هام في وضع الميثاق ، وطريقة تشكيل مجلس الأمن ، الذي منح تلك الدول صلاحيات واسعة للهيمنة على العالم، فقد تقرر أن يكون عدد أعضاء المجلس 15 عضواً ، خمسة منهم أعضاء دائمين ، وهم الدول الكبرى المذكورة ، و8 أعضاء ينتخبون كممثلين للمناطق الإقليمية كل سنتين . لكن المهم في الأمر أن الأعضاء الدائميين قد منحوا أنفسهم صلاحية النقض لأي قرار لا توافق عليه حكومة أي منهم ، وبذلك أصبحت مقدرات الشعوب بيد الخمسة الكبار ، مما سبب خيبة أمل كبيرة لشعوب وحكومات الدول الأخرى ، حتى أن رئيس الوفد العراقي [ أرشد العمري ] رفض توقيع الميثاق ، وعاد إلى بغداد، وقد قامت الحكومة العراقية بتكليف نوري السعيد بالتوقيع عليه .

 

******

عاشراً : تجدد الثورة الكردية بقيادة البارزاني في آب 1945 :

 

لم تهدأ الحركة الكردية رغم ما أصابها على يد الجيش العراقي ، وازداد إصرار أبناء الشعب الكردي على نيل حقوقهم القومية ، ومطالبتهم بتخصيص نسبة عادلة من موارد الدولة لتنمية المنطقة الكردية ، والنهوض بها من حالة التخلف ، والعمل على حل المشاكل المعيشية التي يعانون منها ، وقد تقدم الملا مصطفى البارزاني بمطالب تضمنت ما يلي :

1 ـ تعيين موظفين إداريين أكراد في منطقة كردستان .

2 ـ  تعين مساعد كردي لكل وزارة .

3 ـ  اعتبار اللغة الكردية اللغة الرسمية في المنطقة الكردية .

4 ـ  إطلاق سراح المعتقلين والمسجونين الأكراد الذين تم اعتقالهم بسبب القضية الكردية .

لكن الحكومة تجاهلت تلك المطالب ، ولجأت على الضد من ذلك إلى تصعيد مواقفها تجاه الحركة الكردية وقيادته، وطالبت بتسليم كافة الأسلحة التي بحوزتها ، وتسليم عدد من المطلوبين الأكراد .

كان مجلس الوزراء قد قرر في 25 كانون الثاني 1944 إبعاد الملا مصطفى البارزاني من منطقة بارزان ، وأجبرته على الإقامة في [ بيران ] فلما وجد أن الحكومة لا تنوي الاستجابة للمطالب التي بعث بها إليها ، ترك منطقة إقامته المحددة تلك ، وبدأ يجري اتصالاته مع العديد من رؤساء العشائر الكردية ، وحثهم على التعاون والتآزر، للوقوف بوجه الحكومة ومشاريعها الهادفة إلى إخضاع الشعب الكردي . فقد زار البارزاني منطقة [ براد وست ] و [ بالك ] و [ به دنان ] وتنقل في العمادية ،وعقرة والشيخان، حاثاً الشعب الكردي على الوقوف صفاً واحداً للضغط على الحكومة من اجل تنفيذ مطالبهم المشروعة .

كما نشطت المنظمات السياسية الكردية ، وعلى رأسها منظمة [ هيوا ]، أي الأمل، التي بادرت بالاتصال بعدد من الضباط الأكراد العاملين في الجيش والمتقاعدين ، داعية إياهم إلى الانضمام إلى الحركة الكردية ، وقد لبى نداءهم كل من الضباط [عزيز عبد الشمزيني ]، والرئيس[ مير حاج أحمد]، والمقدم[ أمين الراوندوزي ]،والرئيس [مصطفى خوشناو ]، والملازم الأول [خير الله عبد الكريم ] ، والملازم [محمد القدسي ]. وهكذا توسعت الحركة الكردية لتشمل جانبا كبيراً من العسكريين الأكراد .ولما وجد السفير البريطاني أن الأمور قد تطورت إلى درجة خطيرة ، أرسل معاونه لمقابلة البارزاني ،محذراً إياه من الإقدام على أي تحرك ضد الحكومة ، وأبلغه أن القوات العراقية والبريطانية سوف تجريان مناورات عسكرية في كردستان ، محذراً إياه من التصدي لهذه القوات ، ونصحه بوجوب إطاعة الحكومة وتنفيذ أوامرها ، وطالبه بعودة الضباط الذين التحقوا بالحركة إلى وحداتهم العسكرية .

وقد رد البارزاني بأنه لن يبدأ بإطلاق النار على قوات الحكومة إذا فعلت الشيء نفسه ، أما مسألة عودة الضباط فتتطلب اتخاذ إجراءات من قبل وزارة الدفاع لضمان سلامتهم .

وفي الفترة ما بين 5 ـ 14 آذار، بدأ الفوج الرابع من الجيش العراقي بمهمة استطلاعية ، مما أثار الشكوك لدى القيادة الكردية ، وجاء مقتل أحد أخوال البارزاني [ أولوبيك ]على أيدي قوات الشرطة التي حاولت نزع السلاح من مرافقيه ، فكانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير ، حيث اندفع البارزانيون نحو مخفر الشرطة واستولوا علي ه، وقتل مأمور المخفر، وقد ترك البارزاني مقر سكنه عائداً إلى بارزان، معقله الحصين ، وعمل على تعبئة قواته ، استعداداً لملاقاة الجيش العراقي الذي كان قد تم تحشيده ما بين قضاء [ عقرة ] جنوباً و[بافستيان ] شرقاً ، فيما تجمعت الشرطة في منطقة [ ريكان ]، وقامت الطائرات البريطانية بقصف القرى والقصبات الكردية بوابل من قنابلها .

وفي الوقت نفسه توجه البارزاني إلى عقرة مستحثاً العشائر الكردية على الانضمام للحركة الكردية ، واستطاع استمالة عدد كبير منها ، وبدأ الطرفان يستعدان ليوم النزال ، فقد اتخذ مجلس الوزراء في 8 آب 1945 قراراً باحتلال المنطقة الكردية عسكرياً ، وخول وزير الدفاع اتخاذ كل ما يلزم لتنفيذ هذه المهمة .

بدأت القوات العراقية ، بالتعاون مع القوات البريطانية ، بالزحف على معاقل الحركة الكردية حيث احتلت منطقة [ نهلة ] بين جبل عقرة وجبل بيرس بعد معارك عنيفة مع القوات الكردية التي كان البارزاني يقودها بنفسه ، ووقعت إصابات كبيرة في صفوف الطرفين . ثم تقدمت قوات الحكومة نحو منطقة شرق العمادية ،وواصلت تقدمها نحو منطقة [ نيروه ريكان ] ثم استطاعت فيما بعد من دخول منطقة [بارزان ]، معقل البارزاني، واستطاعت تلك القوات السيطرة على  منطقة [سيدكان] و [براد وست ] كما تقدمت قوات أخرى على محور [بافستيان ] واستطاعت أن تطوق قوات البارزاني ، وتحتل جبل [ بيرس ].

وفي 3 تشرين الأول 1945 عبرت القوات العراقية نهر الزاب واحتلت مركز قضاء الزيبار [بله]وانسحبت القوات الكردية إلى جبل [ شيرين ] .

كما تقدمت قوة عسكرية أخرى في منطقة [ ديزي ] واحتلت قرية [ أركوش ] وواصلت تقدمها على طريق [خليفان ـ ريزان ] واحتلت جسر [ خلان ]وقرية [ جعفريان ] .

وفي 6 تشرين الأول 1945 احتلت قوات الحكومة كامل منطقة بارزان ، ثم واصلت تقدمها نحو [ميركه سور ] واحتلتها ، كما استولت على [ كلي بالندا] .

واستمرت قوات الحكومة في تقدمها فاستولت على [ شروان مازن ] و [ جامة ] و [ كاني وطن ] واضطرت القوات الكردية إلى التراجع نحو الحدود الإيرانية ، حيث لم يكن هناك تكافؤ بين الطرفين من حيث التسليح والطائرات والدعم البريطاني المكشوف ، واضطر الملا مصطفى البارزاني ،وشقيقه الشيخ احمد البارزاني  للهرب إلى إيران ، وبذلك انهارت الحركة الكردية ، وتمكن الجيش من السيطرة على كامل منطقة كردستان .

وبدأت الحكومة بإحالة المشاركين في الحركة إلى المحاكم العرفية العسكرية ، حيث حُكم على مصطفى البارزاني وشقيقه الشيخ أحمد مع  35 فردا ً آخرين ، من بينهم 7 ضباط، بالإعدام ، وحُكم على 70 آخرين بالأشغال الشاقة المؤبدة ، وقد تم القبض على الضباط الشهداء مصطفى خوشناو ، وعزت عزيز، وخير الله عبد الكريم، ومحمد القدسي، وتم تنفيذ حكم الإعدام بهم ، وقد اعتبرتهم قيادة ثورة الرابع عشر من تموز 1958 شهداء الوطن ، وتقرر منح عوائلهم تعويضاً ورواتب تقاعدية .

 

******

استقالة حكومة الباجه جي :

 

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتهاء الحركة الكردية ، رأى حمدي الباجه جي أن يحل مجلس النواب ، ويجري انتخابات جديدة لمرحلة ما بعد الحرب، وحاول استصدار الإرادة الملكية بحله ، تمهيداً لإجراء الانتخابات الجديدة ، وأعلنت الحكومة عن عزمها إنهاء الأوضاع الاستثنائية في البلاد ، وإجراء إصلاحات ديمقراطية ، بإطلاق حرية تأليف الأحزاب والجمعيات ، وحرية الصحافة ، وتعديل قانون الانتخابات ، والعمل على إحداث إصلاحات اجتماعية ، وغيرها من الأمور الأخرى ، لامتصاص نقمة الشعب .

لم يرق هذا التوجه الجديد لحكومة الباجه جي للسفارة البريطانية ،فأوعزت إلى الوصي لإجراء تغير وزاري ، بعد أن بقت حكومة الباجه جي في الحكم سنتان وثلاثة اشهر، حيث لمّح عبد الإله لرئيس الوزراء خلال اجتماع لمجلس الوزراء برئاسته إلى وجود خلافات بين أعضاء الوزارة ، وفهم الباجه جي ما قصده الوصي ، حيث سارع إلى تقديم استقالة حكومته في 29 كانون الأول  1946، وتم قبول الاستقالة في اليوم التالي .

 

حادي عشر : توفيق السويدي يشكل الوزارة الجديدة :

 

بعد أن قبل الوصي استقالة حكومة الباجه جي في 30 كانون الثاني 1946، ترك الاستقالة جانباً وسافر إلى عمان في 2 شباط ، حيث مكث فيها عدة أيام . وبعد عودته استدعى عدد من الشخصيات السياسية للتباحث معها في تشكيل الوزارة الجديدة  ،وجرى خلال الاجتماع نقاشات مطولة حول الأوضاع العامة في البلاد، وقد تحدث توفيق السويدي فاتهم الوزارات السابقة بالضعف ، وبعدم تمثيلها للشعب بصورة حقيقية ، ولا تستند إلى مجالس نيابية منتخبة بصورة صحيحة ، وطالب بإجراء تعديل على قانون الانتخاب ، وإجراء انتخابات نزيهة ، كما دعا عدد من الحاضرين إلى تأليف وزارة حيادية تقوم بهذه المهمة، فيما دعا آخرون إلى تأليف حكومة قومية تضم جميع الاتجاهات . وفي اليوم التالي حاول عبد الإله تشكيل وزارة برئاسة نوري السعيد ، إلا أن السعيد فشل في مهمته ، ثم كلف الوصي أرشد العمري بالمهمة ، لكنه فشل هو الآخر، وأخيراً كلف الوصي السيد [توفيق السويدي ] بالمهمة ، وأعطاه حرية اختيار أعضاء حكومته .

كما خوله بحل مجلس النواب إذا وجد أن الانسجام غير ممكن مع وزارته ، وهكذا انتهت الأزمة الوزارية ، وصدرت الإرادة الملكية بتكليف السويدي ، في 23 شباط 1946، وباشر السويدي مشاوراته لتأليف الوزارة، حيث فرغ من تأليفها ، وجاءت على الوجه التالي :

1 ـ توفيق السويدي ـ رئيساً للوزراء ،ووزيراً للخارجية .

2 ـ عبد الوهاب محمود ـ وزيراً للمالية .

3 ـ عمر نظمي ـ وزيرا للعدلية .

4 ـ نجيب الراوي ـ وزيراً للمعارف .

5 ـ سعد صالح ـ وزيراً للداخلية .

6 ـ عبد الهادي الظاهر ـ وزيراً للاقتصاد .

7 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .

8 ـ أحمد مختار بابان ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

9 ـ إسماعيل نامق ـ وزيراً للدفاع .

10 ـ عبد الجبار الجلبي ـ وزيراً للتموين .

وقد ضمت الوزارة ثلاثة من الوزراء الذين سبق وأن تعاطفوا مع حركة الكيلاني ،و هم كل  من نجيب الراوي ، وعبد الوهاب محمود ، وإسماعيل نامق .

وفي أول خطاب لرئيس الوزراء، بعد تأليف الوزارة ، أكد على ضرورة إنهاء كافة الأوضاع الاستثنائية وقوانينها ، وتنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد ، بعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية ، وزالت كل مبررات الأوضاع الاستثنائية  وقد لقيت توجهات السويدي قبولاً واستحساناً لدى القوى الوطنية .

وقد جاء في منهاج الحكومة ما يلي :

1 ـ العمل على تعديل المعاهدة العراقية البريطانية  .

2 ـ تمتين الروابط بين البلاد العربية ، ودعم الجامعة العربية ،وإعطاء أهمية كبيرة لقضية فلسطين .

3 ـ إنهاء الأوضاع الاستثنائية وقوانينها .

4 ـ إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ، وإطلاق حرية التنظيم الحزبي ، وحرية الصحافة .

5 ـ تشريع قانون جديد للانتخاب يؤمن حرية الانتخابات .

6 ـ النهوض بالحياة الاقتصادية للبلاد ، ورفع قيود التموين التي فرضتها ظروف الحرب .

7 ـ الاهتمام بالقوات المسلحة ، وتسليحها وتدريبها .

8 ـ تطهير جهاز الدولة من العناصر الفاسدة والمرتشية .

و كان باكورة أعمال الوزارة استصدار الإرادة الملكية بإلغاء الأحكام العرفية ، في 3 حزيران 1946، كما أبلغ رئيس الوزراء كافة متصرفي الألوية بالكف عن استخدام مرسوم صيانة الأمن العام وسلامة الدولة ، وتم إلغاء المرسوم في 31 آذار 1947.

كما ألغت الحكومة جميع الامتيازات التي منحها نوري السعيد للقوات البريطانية فيما يخص وسائل النقل والمواصلات .

وفي 20 أيار قررت الحكومة إلغاء وزارة التموين ، بعد انتفاء الحاجة إليها ، بنهاية الحرب .

 

اثنا عشر : بريطانيا والولايات المتحدة تتآمران على العرب :

 

لم تكد الحرب العالمية الثانية تنتهي، ويعم السلام في الأرض، وتُؤسس هيئة الأمم المتحدة التي ذكرت ديباجتها بأنها أُنشأت لإقرار السلام والعدل بين الشعوب ، حتى ظهرت حقيقة النوايا الأنكلوـ أمريكية في انتزاع قلب العالم العربي فلسطين، وتسليمها للحركة الصهيونية ، وفتح الباب على مصراعيه لهجرة مئات الألوف من اليهود ، من مختلف أنحاء العالم ، تمهيداً لتأسيس الدولة العبرية ، وقد ساعد موقف الحكام العرب وتخاذلهم ، وانصياعهم لرغبة الإمبرياليين على تنفيذ ذلك المشروع، فيما كانت الشعوب العربية لا حول لها ولا قوة ، وكل ما استطاعت فعله الاحتجاجات والتظاهرات .

وهكذا ترك الحكام العرب شعب فلسطين يتصدى لوحده للمخططات الإمبريالية، ودفع ثمناً غالياً من دماء أبنائه ، في كفاحه من أجل حقوقه المشروعة في أرضه ووطنه.

أما العصابات الصهيونية فقد عملت بكل الوسائل والسبل الإجرامية القسرية على تهجير وطرد السكان العرب من ديارهم ، وإسكان الوافدين اليهود مكانهم

 

ثلاثة عشرة : بعث الحياة الحزبية في العراق :

 

كان الوصي عبد الإله قد أشار في خطابه في 27 كانون الأول 1945 إلى أهمية العمل على عودة الحياة الطبيعية للبلاد ، وإنهاء الظروف الاستثنائية ، والمراسيم المناهضة لحقوق وحريات الشعب ، وإشاعة الديمقراطية في البلاد .

وجاء برنامج الحكومة بما يشير إلى رغبة الحكومة بانتهاج هذا السبيل ، ووجدت الشخصيات الوطنية أن من الضروري استثمار هذه الفرصة ، رغم عدم ثقتهم بنوايا البلاط والحكومة والمحتلين الإنكليز ودعواهم ، فقد ذكر زعيم حزب الاستقلال في مذكراته ما يلي :

{ لم يكن الوصي ، ولا الطبقة الحاكمة ،ولا الإنكليز جادين في تنفيذ هذه السياسة الجديدة التي أعلن عنها الوصي . ولم نكن نحن ولا الساسة والعناصر الوطنية التي بادرت إلى تأليف الأحزاب والجمعيات السياسية واثقين من حسن نوايا الحاكمين وجديتهم في انتهاج السياسة التي أعلن عنها الوصي ، غير أننا وباقي العناصر الوطنية من رجال الأحزاب الآخرين رأينا من واجبنا انتهاز هذه الفرصة لتنظيم الحياة السياسية في البلاد ، وجمع العناصر الوطنية فيها ، ونشر الوعي السياسي والوطني بين أبناء الشعب . وهكذا تقدمت تلك العناصر الوطنية بطلب إجازة أحزابها  ،ووافقت الحكومة على إجازة خمسة أحزاب منها ، فيما رفضت إجازة حزب سادس يقوده الشيوعيون ، وهو [ حزب التحرر الوطني ] .(6)

 أما الأحزاب التي أجيزت فهي :

1 ـ الحزب الوطني الديمقراطي ـ بزعامة السيد كامل الجادرجي .

2 ـ حزب الاستقلال ـ بزعامة الشيخ محمد مهدي كبه .

3 ـ حزب الأحرار ـ بزعامة الشيخ داخل الشعلان .

4 ـ حزب الشعب ـ بزعامة السيد عزيز شريف .

5ـ حزب الاتحاد الوطني ـ بزعامة السيد عبد الفتاح ابراهيم .

أما الحزب الشيوعي فقد بقي يمارس نشاطه السياسي بصورة سرية ، بعد أن حجبت عنه الحكومة حقه في ممارسة نشاطه العلني ، وكان له دور فاعل ومؤثر على الساحة السياسية ، وفيما يلي نبذة موجزة عن هذه الأحزاب .

 

1ـ الحزب الوطني الديمقراطي :

 

يعتبر هذا الحزب امتداداً لجماعة الأهالي التي ظهرت أولى حلقاتها في الثلاثينات، وضمت عناصر وطنية مثقفة أخذت على عاتقها تنوير الشعب العراقي ،ودفعه للنضال من أجل تحقيق آماله وأهدافه في الحياة الحرة الكريمة ، وفي حياة سياسية تسودها الديمقراطية وحقوق الإنسان .

كانت صحيفة الأهالي في تلك الفترة تلعب دوراً بارزاً في الحركة الوطنية ، حيث الحريات السياسية ، وحرية الصحافة مقيدة ، ولا يسمح بصدور أي صحيفة يسارية  فكانت الأهالي هي صحيفة كل الوطنيين المثقفين .

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حدث نوع من الانفراج السياسي في البلاد ، حيث قررت الحكومة في 2 نيسان 1946 السماح بتأليف الأحزاب والجمعيات .

وعلى أثر ذلك تقدم الوطني البارز السيد كامل الجادرجي بطلب تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي ، وقد ضمت هيئته المؤسسة كل من السادة :

1 ـ محمد حديد       2 ـ يوسف الحاج الياس           3 ـ عبد الكريم الأزري

4 ـ حسين جميل       5 ـ عبد الوهاب مرجان         6 ـ هديب الحاج حمود

7 ـ عبود الشالجي     8 ـ صادق كمونه

أما أهداف الحزب فكانت ترمي إلى إجراء إصلاح شامل لجميع نواحي الحياة السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والثقافية ، وفق دراسة علمية لتطوير البلاد ودفعها إلى الأمام ، للوصول إلى مصاف الدول المتقدمة . وقد طرح الأستاذ الجادرجي أفكار الاشتراكية الديمقراطية في عام 1950، واتخذها فلسفة لحزبه .ومن طبيعة تكوين الحزب وانتماءات أعضائه المؤسسين  يتبين لنا أن الحزب يمثل البرجوازية الوطنية خير تمثيل ، وكانت البرجوازية الوطنية هذه تناضل جنباً إلى جنب مع سائر الطبقات المضطهدة وقواها السياسية ، كما كان لها دور فاعل ومؤثر في إقامة الجبهة الوطنية عام  1954، لخوض الانتخابات البرلمانية ، وفي قيام جبهة الاتحاد الوطني، عام 1957، والتي كان لها دور فاعل في نجاح ثورة الرابع عشر من تموز 1958، وكان للحزب أكبر عدد من المقاعد في أول وزارة تم تشكيلها بعد نجاح الثورة، وكان عبد الكريم قاسم على صلة بالجادرجي قبل الثورة ، وكان يأمل في اشتراكه في الوزارة ، وإسناد وزارة الاقتصاد إليه ، إلا أن الجادرجي رفض المشاركة المباشرة في وزارة يقودها العسكريون .

 

2 ـ حزب الاستقلال :

 

يعود تاريخ هذا الحزب في الأساس إلى نادي المثنى ،الذي كان يجمع العديد من العناصر القومية التي كانت تسعى للتخلص من النفوذ البريطاني ، وتدعو للوحدة العربية في الثلاثينات .

ولم يركز نادي المثنى اهتماماته حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية ،بل كان جلّ همه قضية الوحدة العربية وسبل تحقيقها .

وفي عام 1946، إثر قرار الحكومة إجازة الأحزاب السياسية ، تقدم الشيخ محمد مهدي كبه بطلب تأسيس حزب الاستقلال ، وكان أبرز أعضاء  هيئته المؤسسة السادة :

1 ـ صديق شنشل  2 ـ فائق السامرائي   3 ـ داؤد السعدي   4 ـ خليل كنه .

ويعتبر حزب الاستقلال حزباً قومياً برجوازياً ، حيث أن كافة مؤسسيه من الطبقة البرجوازية ، ولذلك فقد كانت قاعدته الحزبية ضعيفة جداً ، حيث لم يكن له برنامج إصلاحي شامل ، كما كان للحزب الوطني الديمقراطي ، وكان نشاطه السياسي يعتمد في الغالب على تقديم المذكرات ،والاحتجاجات إلى البلاط الملكي، والحكومات المتعاقبة على سدة الحكم .

كما كان لعدد من قياديه علاقات وثيقة بعدد من الضباط في صفوف الجيش ، كما ساهم بعضهم في حركة رشيد عالي الكيلاني ، عام 1941، وكان أبرزهم صديق شنشل ، أمين سر الحزب، الذي حُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات بعد القضاء على حركة الكيلاني .

تعاون الحزب مع بقية الأحزاب الوطنية في النضال ضد الحكومات المتعاقبة على الحكم ، والتي انتهكت الدستور ، وحقوق وحريات المواطنين ، وكانت أداة طيعة بيد المحتلين البريطانيين .

كما كان أحد الأحزاب المشاركة في الجبهة الوطنية عام 1954، لخوض الانتخابات النيابية ، وكذلك جبهة الاتحاد الوطني التي قامت عام 1957، وكان للحزب دور مشهود في ثورة الرابع عشر من تموز 1958، وكان أمين سر الحزب صديق شنشل على صلة وثيقة بسكرتير اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار ،واشترك الحزب في أول حكومة بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، بشخص صديق شنشل ،كما تم اختيار زعيمه محمد مهدي كبه عضواً في مجلس السيادة .

إلا أن الحزب اتخذ له موقفاً آخر من ثورة 14 تموز وقيادتها ، إثر إعفاء عبد السلام عارف من مناصبه ، ولعب دوراً في حدوث الانقسام في الصف الوطني ، وتخريب جبهة الاتحاد الوطني بالتعاون مع حزب البعث ، بسبب الموقف من الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة الذي طرحته القوى القومية ، و استقال ممثله في الوزارة ، السيد صديق شنشل .

 

3ـ حزب الأحرار :

 

وقد ضمت الهيئة المؤسسة  لهذا الحزب السادة  :

  1 ـ داخل الشعلان         2 ـ عبد العزيز السنوي        3ـ نوري الأورفلي 

  4 ـ فخري الجميل          5 ـ حسن النقيب              6 ـ كامل الخضيري

  7 ـ توفيق السويدي        8ـ عبد الوهاب محمود         9 ـ سعد صالح

10 ـ عباس السيد سلمان    11 ـ عبد القادر باش أعيان

وقد أجيز الحزب في 2 نيسان 1946، وانتُخب توفيق السويدي رئيساً له ، كما انتُخب سعد صالح نائباً للرئيس .

غير أن هذا الحزب كان دون قاعدة شعبية ، ودون منهاج حقيقي يهدف لخدمة الشعب وقضاياه العامة ، بل كان حزب أشخاص تواقين للسلطة ، سرعان ما يتخلى عن كل شيء عندما يصبح قادته أعضاء في الوزارة ، ولذلك فهو حزب خرج من نفس الطبقة الحاكمة ،ولم يكن له أي دور وطني ، وتميز بالمحافظة ، وتأييد النظام الملكي، وبريطانيا .

 

4 ـ حزب الشعب :

 

تأسس هذا الحزب في 2 نيسان ، بقيادة الشخصية الوطنية البارزة عبد الفتاح ابراهيم، وضم  نخبة من الشخصيات الوطنية المعروفة كان من بينها :

1 ـ محمد مهدي الجواهري          2 ـ وجميل كبه           3 ـ موسى صبار

4 ـ موسى الشيخ راضي            5 ـ أدور قليان            6 ـ عطا البكري

وتميز هذا الحزب بخطه الماركسي التقدمي ، حيث دعا ميثاقه إلى تحرير العراق من السيطرة الإمبريالية ، وتوثيق الروابط مع البلدان العربية ، ومكافحة الصهيونية، ومعالجة الأوضاع الاقتصادية ،والاجتماعية للشعب .

اصدر الحزب صحيفة الرأي العام التي كان يديرها الشاعر الجواهري ،وكانت الصحيفة تركز على أهمية وحدة القوى الديمقراطية في البلاد .

وفي 14 نيسان 1946 أصدر الحزب نداءاً إلى الحزب الوطني الديمقراطي ، وحزب الشعب ،دعاهم الى تكوين حزب ديمقراطي موحد ، غير أن مساعيه لم تكلل بالنجاح ،لم تشعر السلطة الحاكمة آنذاك بالارتياح لتوجهات الحزب فأقدمت على حله، وإلغاء إجازته، في 19 أيلول 1947، متهمة إياه بخلق الاضطرابات ، والعمل على دفع الشعب للثورة ، وقد تفرق أعضائه ، وانتمى قسم كبير منهم للحزب الشيوعي .

 

6 ـ الحزب الشيوعي :

 

يعتبر الحزب الشيوعي العراقي من أكثر أحزاب المعارضة العراقية عمقاً ، وأشدها اندفاعاً في معارضته للسلطة الحاكمة في العراق ، وأوسعها من حيث القاعدة الحزبية، وأحكمها تنظيماً ، كما أن برنامجه السياسي أكثر جذرية ، هذا بالإضافة إلى أن للحزب ارتباطات أممية مع جميع الأحزاب الشيوعية في العالم ، وبشكل خاص مع الأحزاب الشيوعية العربية ، ومع الحزب الشيوعي السوفيتي ، والتي تسعى جميعاً إلى تحقيق نفس الأهداف المتمثلة في إقامة النظام الاشتراكي القائم على أساس الملكية العامة لوسائل الإنتاج ، على النقيض من النظام الرأسمالي الذي يقدس الملكية الفردية، والتقسيم الطبقي للمجتمع .

وبسبب هذا التناقض بين النظامين ، الرأسمالي والاشتراكي ،كان هناك صراعاً مريراً بينهما ، وكل نظام كان يسعى لقهر النظام الآخر في نهاية المطاف ، وهكذا كان الحزب الشيوعي العراقي طرفاً في ذلك الصراع ، وأصبح هدفاً لقمع كل الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم منذ تأسيسه في 31 آذار 1934، وتعرض خلال مسيرته إلى حملات واسعة ومركزة ، للحيلولة دون مواصلة نشاطه ،على الرغم من كونه حزباً سرياً ، وذا تنظيم محكم . فمن أجل قمع هذا الحزب لجأت السلطة الحاكمة إلى إصدار المراسيم والقوانين التي تساعدها في كبح جماحه وشل نشاطه، واستخدمت كل الوسائل والسبل لملاحقة أعضائه واعتقالهم وتعذيبهم وسجنهم، ووصل الأمر إلى حد إعدام قادة الحزب الثلاثة، يوسف سلمان [ فهد ]مؤسس الحزب و زكي بسيم[حازم] وحسين محمد الشبيبي [ صارم ] عضوي المكتب السياسي، عام 1949

دخلت الأفكار الماركسية إلى العراق في العقد الثاني من القرن العشرين ، فقد ظهر عدد من المثقفين الذين تأثروا بالأفكار الماركسية والاتحاد السوفيتي ، وجلبوا عددا من الكتب الماركسية من سوريا ، وبلدان أخرى ، وانكبوا على دراستها وتداولها بين عدد محدود من الأشخاص في بادئ الأمر ، خوفا من اكتشاف السلطة لهم . وتلى ذلك ظهور أول الحلقات الماركسية التي ضمت السادة :

1 ـ حسين الرحال           2 ـ عوني بكر صدقي        3 ـ مصطفى علي   

 4 ـ محمد سليم              5 ـ محمد احمد المدرس       6 ـ عبد الله جدوع

وقد أصدر هؤلاء مجلة علنية باسم [ الصحيفة ] تصدر مرتان في الشهر ، وصدر العدد الأول منها في 28 أيلول 1924، وعالجت المجلة أوضاع العراق الاجتماعية والاقتصادية والفكرية ، وركزت هجومها على الاستعمار، والإقطاع ،والعنصرية والطائفية . إلا أن هذه المجلة لم تدم طويلاً ، فقد بادرت السلطة الحاكمة إلى غلقها بسبب توجهاتها الماركسية .

وفي عام 1930 تكونت خلية أخرى في الناصرية ، ضمت يوسف سلمان [ فهد ] و[عبد الكريم حسون الجار الله ] وآخرين، وأصدرت منشوراً شيوعياً بخط يد فهد، بعنوان [ يا عمال وفلاحي البلاد العربية اتحدوا ] وقد عالج المنشور الوضع السياسي في البلاد ، والهيمنة البريطانية ، وكان المنشور موقعا باسم [الحزب الشيوعي العراقي] ووزع في الناصرية عام 1932 .

وفي 31آذار 1934 انعقد مؤتمر تأسيسي للحزب ، ضم عدداً غفيراً من الماركسيين من مختلف أنحاء البلاد، وقرر المؤتمرون تكوين تنظيم مركزي واحد بأسم [ لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار ] وتم انتخاب أول لجنة مركزية ، وأصبح [ عاصم فليح ] أول سكرتير للحزب ، فيما أصبح فهد عضواً في اللجنة المركزية .

وفي عام 1935 اتخذت اللجنة المركزية قراراً بإعلان اسم الحزب الشيوعي العراقي بدلاً من الاسم السابق ، وصدرت صحيفة [ كفاح الشعب ] مطبوعة بالرونيو، واستطاع الشيوعيون بنضالهم الدؤوب  توسيع قاعدتهم الحزبية ، والتوغل في صفوف العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين ، من الطلاب والمدرسين والمحامين وغيرهم، وعملوا على إحكام تنظيم الحزب .

سافر فهد إلى موسكو، للدراسة في جامعة [كادحي الشرق ]، حيث بقي هناك حتى عام 1938،ودرس خلال وجوده هناك العلوم الماركسية، وأساليب التنظيم في الحزب الشيوعي . وعند عودته الى العراق، قاد الحزب ، وأصدر صحيفته المركزية[القاعدة]  وقد توسعت على عهد قيادته قاعدة الحزب ، وانتشر في جميع مدن العراق وريفه .

وفي عام 1945 تم عقد كونفرنس حزبي ، تم فيه إقرار النظام الداخلي للحزب، واستمر نشاط الحزب بصورة سرية حتى عام 1946، عندما حاولت قيادة الحزب الحصول على شرعية العمل العلني ،فتقدمت بطلب إجازته باسم [حزب التحرر الوطني] غير أن الحكومة رفضت الطلب .

بعد رفض إجازة الحزب ، أوعز الحزب إلى العديد من نشطائه الى الانتماء إلى حزب الشعب العلني، الذي كان يقوده السيد [ عزيز شريف ] ،والى حزب الاتحاد الوطني، الذي يقوده الأستاذ [عبد الفتاح ابراهيم ]،وعندما اكتشفت السلطة تسلل العناصر الشيوعية إلى الحزبين المذكورين، سارعت إلى سحب إجازتيهما، وإغلاقهما .

وفي عام 1948، بلغ الحزب قمة نشاطه أبان وثبة كانون الثاني المجيدة ، وكان له دوراً كبيراً وحاسماً في تعبئه الجماهير ،ودفعها للنضال ضد حكومة صالح جبر ـ نوري السعيد، وضد [معاهدة  بورتسموث ]،إلا أن الحزب أصيب بنكسة كبيرة عندما ألقت سلطات الأمن القبض على قادته يوسف سلمان ، وزكي بسيم ، وحسين محمد الشبيبي ، وأحيلوا إلى المحكمة العرفية العسكرية ، وحُكم عليهم بالسجن مدى الحياة ، وأودعوا سجن الكوت . لكن فهد استطاع قيادة الحزب وهو داخل السجن ، حيث كان يواصل إرسال الرسائل باستمرار إلى اللجنة المركزية، ويستلم منها الرسائل السرية .

وفي 9 تشرين الأول 1948، تحول العضو المرشح للجنة المركزية [ عبد الوهاب عبد الرزاق ] إلى عميل لجهاز الأمن ، وقام بالإبلاغ عن مقر اللجنة المركزية للحزب، الكائن في الدار المرقمة 17/ 16 بمحلة البتاوين ، وتم كبس الدار من قبل جهاز الأمن واعتقال [ مالك سيف ] و  [يهودا صديق ] و [ جاسم حمودي ]،أعضاء اللجنة المركزية ، وتعرض الجميع للتعذيب الشديد طيلة 28 يوماً ، أنهار بعدها يهودا صديق واعترف للمحققين بأن مالك سيف هو الذي يقود الحزب .

وعلى الفور انهار مالك سيف ، وكشف كل أسرار الحزب لجهاز الأمن ، بل وأكثر من ذلك أظهر استعداده للتعاون مع الجهاز المذكور في ملاحقة الشيوعيين .

سبب انهيار مالك سيف الإيقاع بالمئات من الكادر الشيوعي ،وأعضاء الحزب، والأسوأ من ذلك كله اعترافه بأن فهد يقود الحزب من داخل سجنه ،وقدم لجهاز الأمن الرسائل التي كان يتلقاها منه ، وهي مكتوبة بماء البصل ، وبخط يد فهد نفسه، مما جعل الحكومة تقرر إعادة محاكمة فهد ،ورفيقيه زكي بسيم ،وحسين محمد الشبيبي مجدداً أمام المجلس العرفي العسكري ، والحكم عليهم بالإعدام ، في 10 شباط 1949، وتم تنفيذ الحكم بهم فجر يومي 14، و15 من الشهر نفسه، حيث اعدم مؤسس الحزب فهد في ساحة المتحف ، فيما اعدم زكي بسيم وحسين محمد الشبيبي في ساحة الباب الشرقي ، وبقيت جثثهم معلقة في الساحتين لساعات عديدة ، بغية إرهاب الشعب ، وقد تم تسليم جثتي بسيم والشبيبي إلى ذويهما، فيما قام جهاز الأمن بدفن فهد في مكان سري ، وكان آخر ما قاله فهد قبل إعدامه [ الشيوعية أقوى من الموت ، وأعلى من أعواد المشانق ، ولو قدر لي أن اخلق من جديد لما اخترت غير هذا الطريق ] .

وفي 2 كانون الثاني 1949، تولى قيادة الحزب [ شلومو دلال ]، وبقي في مركزه القيادي حتى 19 شباط من العام نفسه ، وتميزت سياسته باليسارية المتطرفة ، رافعاً شعار [ أرادوها حرب إبادة فلتكن ] !!، داعياً أعضاء الحزب إلى حمل السلاح بوجه السلطة ، من دون أن تكون للحزب القدرة على تحقيق أي نصر ، وكان ذلك لا يعني سوى انتحار الحزب .وقد تسبب ذلك الوضع إلى حدوث انشقاقات خطيرة داخل الحزب ،حيث انشق إلى خمسة مجموعات هي : [النجمة ] و [القاعدة ] و [ الحقيقة] و [ والصواب ] و [ الاتحاد ] .

غير أن الحزب استطاع لملمة صفوفه من جديد ، وانتخب لجنة مركزية جديدة بقيادة [ بهاء الدين نوري ـ باسم ] واستطاع الحزب أن يقوم بدور كبير في وثبة تشرين، عام 1952 . غير أن انشقاقاً جديداً حدث في صفوف الحزب ، في شباط من عام 1953، حيث خرج قسم من قياديه وأعضائه، مكونين تنظيماً جديداً ، وأصدر هذا التنظيم صحيفته [ راية الشغيلة] ،وأطلق التنظيم على نفسه  [رفاق فهد ]، وشن هجوماً عنيفاً على التيار اليساري الذي يقوده بهاء الدين نوري ، الذي كان قد رفع شعار [ جمهورية وطنية ديمقراطية محبة للسلام ]، وكان على رأس تلك المجموعة التي انشقت عن الحزب الشهيدان [ جمال الحيدري ] و[ حمزة سلمان ]  .

وفي 13 نيسان 1953، وقع بهاء الدين نوري في قبضة جهاز الشرطة السرية ، وتولى قيادة الحزب [حميد عثمان ]الذي أصبحت له الكلمة النافذة في الحزب ، وسار على خطى بهاء الدين المتطرفة ، رافعاً الشعارات اليسارية غير القابلة للتحقيق ،والتي الحقت الضرر الكبير بالحزب . إلا أن حميد عثمان ما لبث أن وقع هو الأخر في قبضة الشرطة السرية ، وادخل السجن .

وفي أواخر صيف عام 1953 نجحت العناصر المعتدلة ، بزعامة الشهيد حسين محمد الرضي  [سلام عادل ] في دفع الحزب إلى اتخاذ مواقف معتدلة ، وبالفعل صدر بيان عن الحزب في 2 أيلول ، يدعو إلى حكومة وطنية ديمقراطية ، تخدم السلام ، وتحقق طموحات الشعب .

وفي 16 حزيران 1954 نجح حميد عثمان في الهروب من السجن ، وعاد إلى قيادة الحزب ، واخرج سلام عادل من اللجنة المركزية ، متهماً إياه بالانحراف اليميني، وأعاد الحزب نحو التطرف اليساري من جديد .لكن حميد عثمان لم يستمر طويلاً في قيادة الحزب ، فقد تمت إزاحته في حزيران من عام 1955، وعاد سلام عادل لقيادة الحزب من جديد ، وتمكن الحزب من إعادة توحيد صفوفه مرة أخرى ، عام 1956، وتم انتخاب سلام عادل سكرتيراً عاماً للحزب .

وفي عام 1957، قام الحزب بدور فعّال في تكوين جبهة الاتحاد الوطني ، كما كان له دور بارز في التهيئة ،والأعداد  لثورة الرابع عشر من تموز، فقد كان له تنظيم عسكري خاص به هو [ اللجنة الوطنية للضباط الأحرار ] التي كانت تصدر نشرة باسم  [حرية الوطن ]، وكان للتنظيم المذكور دور هام في نجاح الثورة ، حيث وصلت أولى الدبابات التابعة للتنظيم إلى دار الإذاعة وكان عددها 7 دبابات، ثم وصلها عبد السلام عارف وبصحبته دبابتين ، وتمت السيطرة على دار الإذاعة حيث أذاع عبد السلام عارف البيان الأول للثورة ، والذي كان بمثابة ساعة الصفر لتحرك قوى الثورة صبيحة 14 تموز 1958 .

كانت اتصالات عبد الكريم قاسم بالحزب الشيوعي مستمرة منذ عام 1956، عن طريق صديقه [رشيد مطلك ] . وفي 11 تموز عام 1958 أبلغ رشيد مطلك قيادة الحزب بأن الثورة ستنطلق فجر الرابع عشر من تموز ـ أي بعد ثلاثة أيام ـ وبالفعل أصدرت قيادة الحزب توجيها إلى الكادر المتقدم في الحزب، في 12 تموز ينبئ بوقوع أحداث خطيرة في البلاد ، وعما يجب القيام به في تلك الظروف المستجدة والشعارات التي يجب التركيز عليها .كما قام [ كمال عمر نظمي ] أحد قيادي الحزب بإبلاغ جبهة الاتحاد الوطني بالأمر ، وتم وضع قوى الجبهة تحت الإنذار لمساندة الثورة يوم 14 تموز 1958 .(7)

وما بين عامي 1958ـ 1959 شهد الحزب الشيوعي نمواً وتطوراً هائلاً ، لم يسبق له مثيل ، واصبح الحزب القوة الكبرى على الساحة السياسية في البلاد ، وبقي الحزب تحت قيادة سلام عادل حتى وقوع انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، حيث اعتقل هو ومجموعة من قيادي الحزب ، وعذبوا من قبل عصابات البعث ، واستشهدوا تحت التعذيب .واستطاع انقلابيوا  8  شباط توجيه ضربة موجعة للحزب لم يعرف لها مثيلاً من قبل .

وبعد تلك الضربة الشعواء التي تلقاها الحزب ، بدأ يلملم صفوفه ، ويضمد جراحه، وتكونت لجنة مركزية جديدة بقيادة [ عزيز محمد ـ معين ] الذي استمر في قيادة الحزب حتى انعقاد المؤتمر الخامس للحزب في تشرين الأول 1993، حيث نحي عزيز محمد، من قيادة الحزب ، وتم انتخاب قيادة جديدة ، والتي انتخبت بدورها [حميد مجيد البياتي ] سكرتيراً عاماً للحزب ، وفي هذا المؤتمر أجرى المؤتمرون تعديلات واسعة وأساسية على ميثاق الحزب ،ونظامه الداخلي ،بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية ، حيث ألغيت [ دكتاتورية البرولتاريا ] ،وكذلك  [اللنينية ] واقتصرت نظرية الحزب على الماركسية فقط.

 

(7)نوري السعيد،وصالح جبر يؤلفان لهما حزبين سياسيين :

 

رداً على قيام أحزاب للمعارضة الوطنية في البلاد عام 1946، أقدم نوري السعيد، وصالح جبر على تأليف حزبين سياسيين لهما ليقفا بوجه تلك الأحزاب . فقد قام نوري السعيد بتأليف حزب  [الاتحاد الدستوري ] في 24 تشرين الأول 1949، وضم الحزب في قيادته كل من :

1 ـ نوري السعيد          2 ـ احمد مختار بابان        3 ـ عبد الوهاب مرجان   

4ـ نايف الجريان

وغيرهم من رجالات الحكم والإقطاعيين والملاكين الكبار المرتبطين بعجلة الإمبريالية البريطانية والعرش الهاشمي .

أما صالح جبر فقد أسس حزبه [ الأمة الاشتراكي ] !!في 24 حزيران 1951، وضم أركان حزبه تجمعاً من العناصر الإقطاعية والملاكين العقاريين، وكبار الرأسماليين ، وبذلك فأن أسمه كان يتناقض تمام التناقض مع شخصيات قادته وتوجهاتهم . وقد اتصف الحزب بالطائفية .

لم تكن للحزبين السياسيين المذكورين أي قاعدة جماهيرية في صفوف الشعب ، بل كانا مجرد تجمعين للطبقة الحاكمة ، وكان جلّ هم قادة الحزبين الوصول إلى الحكم .

وفي السنوات التالية ظهر في العراق حزبان قوميان ، أحدهما عربي ، وهو [ حزب البعث العربي الاشتراكي ] والثاني كردي ، وهو [ الحزب الديمقراطي الكردستاني ]،و هذه  نبذة مختصرة عنهما :

 

1 ـ حزب البعث العربي الاشتراكي :

 

حزب البعث العربي الاشتراكي ، حزب قومي يضم فئات من البرجوازية الصغيرة على الأغلب ، وهو فرع من حزب البعث الذي أسسه [ ميشيل عفلق ] في سوريا، حيث سعى عفلق إلى تأسيس فروع للحزب في الأقطار العربية ، واتخذ له شعار [الوحدة والحرية والاشتراكية ]، ودعا الحزب إلى الوحدة العربية ، واتخذ له تنظيمات تشبه إلى حد بعيد تنظيمات الحزب الشيوعي ، حيث كون الخلايا الحزبية السرية، حيث كان نشاطه في جميع الأقطار العربية سرياً عدا سوريا ، وقد لعب الحزب دوراً كبيراً في حكم سوري ا، وكان له الدور الأكبر في إقامة الوحدة السورية المصرية عام 1958 .

تأسس الحزب في العراق عام 1952، واصبح أحد فروع الحزب ، حيث كونت الفروع  [القيادة القومية ]، وسميت قيادة الفرع  [ القيادة القطرية ] .

لم يكن للحزب دور بارز على الساحة السياسية في العراق قبل ثورة 14 تموز ، فقد كان عدد أعضائه قليلاً، وتركز معظم نشاطه في منطقة الأعظمية ببغداد ، وفي مدينة الموصل ،وعند قيام جبهة الاتحاد الوطني كان الحزب أحد المشاركين فيها ،وكان يقود الحزب المهندس [ فؤاد الركابي]،الذي كان يعمل موظفاً في وزارة الأعمار، لكنه فُصل من الخدمة في عهد نوري السعيد ، وعند قيام ثورة 14 تموز عين وزيراً للأعمار.

غير أن الحزب ما لبث منذ اليوم الأول للثورة ، يدعو إلى الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة ، واضعاً كل ثقله إلى جانب عبد السلام عارف ، واستطاع لف جانب كبير من العناصر القومية حوله ، وأدى بسياسته تلك إلى شق جبهة الاتحاد الوطني ، والشعب العراقي، ولما يمض على قيام الثورة سوى بضعة أيام حتى دخل في صراع حاد مع الحزب الشيوعي ، وكانت صحيفة  [الجماهير ] التي أصدرها عبد السلام عارف ، وتنازل عنها لحزب البعث تلعب دوراً خطيراً في تخريب جبهة الاتحاد الوطني ، مما اضطر عبد الكريم قاسم إلى إعفاء فؤاد الركابي من منصب وزير الأعمار وتعيينه وزيراً بلا وزارة ، وما لبث أن استقال من الوزارة بعد إعفاء عبد السلام عارف من مناصبه ، واتخذ الحزب طريقه نحو النشاط السري ،والتآمر على ثورة الرابع عشر من تموز وقيادتها، واشترك في محاولة عبد الوهاب الشواف الانقلابية الفاشلة ، كما قام الحزب بمحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد عام 1959، وأخيراً انقلاب 8 شباط 1963  الفاشي ، وما تلاه من أعمال إجرامية ، وتصفيات جسدية، وتعذيب حتى الموت لخصومهم السياسيين ، مركزين حملاتهم على الحزب الشيوعي ورفاقه حتى بلغ عدد الذين استشهدوا على أيدي البعثييين خلال تسعة اشهر من حكمهم ، قبل أن يقوم عبد السلام عارف بالانقلاب ضدهم في 18 تشرين من نفس العام  الألوف من أبناء الشعب ، ناهيك عن عشرات الألوف من المعتقلين الذين لاقوا شتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي على أيدي عصابات الحرس القومي البعثية المجرمة .

 

2 ـ الحزب الديمقراطي الكردستاني :

 

حزب قومي كردي جرى تشكيله على يد عدد من العناصر الكردية المثقفة ، وعلى رأسهم المحامي  ابراهيم احمد ، مؤسس الحزب، مارس الحزب نشاطه بصورة غير رسمية ، وكان موضع ملاحقة الحكومة في العهد الملكي ، وقد اعتقل زعيم الحزب، ابراهيم احمد ، قبل ثورة 14 تموز ،وفرضت عليه الحكومة الإقامة الجبرية في كركوك

اتخذ الحزب الماركسية اللنينية نظرية له ، وكان على علاقة وثيقة بالحزب الشيوعي، رغم التنافس والتناقض الذي كان يحصل بينهما على الساحة الكردستانية .

حاول الحزب الدخول في جبهة الاتحاد الوطني عام 1957، لكن حزب الاستقلال  رفض قبوله عضواً في الجبهة ، مما دفع الحزب الشيوعي إلى تكوين تحالف ثنائي بين الحزبين ، خارج إطار جبهة الاتحاد الوطني .

وبعد قيام ثورة 14 تموز ،وصدور العفو عن القائد الكردي ،الملا مصطفى الباررزاني ورفاقه الذين كانوا قد لجاءوا إلى الاتحاد السوفيتي، بعد فشل الثورة الكردية عام 1945، عاد البارزاني إلى العراق ، وتولى رئاسة الحزب ، وساهم بنشاط ، جنباً إلى جنب مع بقية القوى السياسية الوطنية .

 غير أنه لم يمضِ وقت طويل على علاقة الحزب الطيبة بالسلطة ، حتى بادر الحزب إلى المطالبة بالحقوق القومية للشعب الكردي في الحكم الذاتي ، وأدى ذلك إلى حدوث تصدع في العلاقة بين الحزب وعبد الكريم قاسم ، وأخذ التوتر بين الحكومة والحزب يتصاعد يوما بعد يوم حتى وصل إلى مرحلة الصدام المسلح عام 1961 ،واندلاع الحرب في كردستان ،والتي استمرت حتى وقوع انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، على أيدي البعثييين،غير أن البعثيين ، ذوي الأفق القومي المتعصب ، ما لبثوا أن أشعلوا الحرب ضد الأكراد من جديد بعد ثلاثة أشهر من وقوع ونجاح انقلابهم المشؤوم.

ولابد لي أن أشير هنا إلى مسألتين هامتين تتعلقان بسياسة الحزب الديمقراطي الكردستاني ،المسألة الأولى تتعلق بوقوف الحزب ضد سلطة الثورة ، وحمل السلاح ضدها ، وتغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي بين السلطة الثورية وأعداء الثورة ، وكان ذاك الموقف يتسم بالخطأ الجسيم بكل تأكيد وأضر ليس فقط بمصلحة الشعب الكردي ، بل بمصلحة الشعب العراقي كله ،بعربه ،وأكراده ،سائر أقلياته و كان عاملاً رئيسياً في إضعاف سلطة الثورة ، وبالتالي إسقاطها على أيدي انقلابيي شباط 1963 .

أما المسألة الثانية فإنها تتعلق بالتعاون الذي جرى بين انقلابيي شباط والحزب الديمقراطي الكردستاني ،والتنسيق بينهما قبل الانقلاب ، والاتفاق على إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم ،واغتيال الثورة . وقد اعتقدت قيادة الحزب ـ وكان ذلك الاعتقاد يعبر عن قصر نظر سياسي خطير ـ أن حقوق الشعب الكردي سوف يلبيها الانقلابيون ، ولم يدركما أن أولئك الانقلابيين هم قوميون متعصبون حتى النخاع، لا يؤمنون بوجود غير القومية العربية في العراق ، ويسعون إلى تعريب جميع القوميات الأخرى ، وهذا ما أثبته الأحداث فيما بعد . فلم يمضِ سوى أقل من ثلاثة أشهر على انقلاب شباط ، حتى سارع البعثيون إلى شن أشرس حملة عسكرية ضد الشعب الكردي، في 1 أيار 1963، شملت كافة أنحاء كردستان ، منزلين الخراب والدمار بالمدن والقرى والقصبات الكردية، وقد ملأ الحقد العارم قلوبهم على الشعب الكردي حيث تم إبادة عشرات الألوف منهم دون رحمة .

لقد كان ينبغي على الحزب الديمقراطي الكردستاني اللجوء إلى الوسائل السلمية للضغط على السلطة، والتنسيق مع الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي ، من أجل إنهاء الفترة الانتقالية ، وإجراء انتخابات المجلس التأسيسي ، وسنّ دستور دائم للبلاد ، وهذا هو السبيل الوحيد لنيل الشعب الكردي حقوقه القومية .

********

التوثيق

(1)نفس المصدر ـ ص 52 .

 (2) المصدر السابق ـ ص 72 .

 (3)ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 6 ـ ص 72 .

 (4) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 6 ـ ص 170 .

 (5) ت، و، ع ـ الحسني ـ ص 181 .

 (6) في صميم الأحداث ـ محمد مهدي كبة ـ ص 111.