Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review

Sign up for a web hosting account at 741.com

ألفصل ألتاسع

 

 

حزب البعث في مأزق ،وانقلاب عبد السلام عارف

 

 

أولاً : الخلافات الداخلية ، والتمزق في قيادة البعث:

ثانياً : الصراع بين الجناحين ،العسكري والمدني :

ثالثاً : الصراع بين البعث ،والضباط القوميين ، والناصريين :

رابعاً : الانقلاب العارفي ضد سلطة البعث :

خامساً : اتفاق الوحدة مع العربية المتحدة :

سادساً : الشيوعيون ،والسلطة العارفية :

سابعاً : البعثيون يحاولون الإطاحة بالسلطة العارفية :

ثامناً : إزاحة الناصريين عن الحكم :

تاسعاً : محاولة الناصريين الانقلابية :

 

 

 أولاً : الخلافات الداخلية والتمزق في قيادة البعث :

 

لم يكن حزب البعث يحوي عنصر التجانس بين أعضائه، فقد كان أعضاءه وقيادييه ينتمون لطبقات  مختلفة ، قسم منهم من الطبقة البرجوازية ، أو البرجوازية الصغيرة، ونسبة قليلة من العمال والفلاحين  والحرفيين ذوي الدخل المحدود .

وكانت قيادة الحزب ، على وجه الخصوص ، تضم حوالي  5 %  من الفلاحين ، أكثرهم من الديوانية   و20 % من العمال من منطقتي الكرخ والأعظمية ، و50 % من الطلاب ذوي الأصول الاجتماعية المختلفة والباقي من الضباط والموظفين والمهنيين (1).

كما كان معظم ضباطهم من الطائفة السنية ، في حين كانت قيادتهم القطرية تتألف من خمسة من الشيعة ، وثلاثة من الطائفة السنية ، ويرجع معظم أعضاء البعث من المناطق الريفية المختلفة نوعا ما والواقعة على نهري دجلة والفرات الأعليين ومن مجموع 52 من قادة  وكوادر الحزب كان 38,5% منهم من السنة ، و53,8 % من الشيعة ، و7,7 % من الأكراد الفيلين (2).

وبسبب هذا التباين في التركيبة القومية ، والطائفية ، والطبقية ، فقد كان من الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في التطلعات  والتوجهات والأفكار والعواطف ، كما أن ما ورد حول ارتباط عدد من أعضاء قيادة الحزب بالاستخبارات الأمريكية ، وتلقيهم الأوامر والتوجيهات منها ، من جهة ، ووجود نسبة عالية من الطلاب ( 50) %الذين لا تتجاوز أعمارهم ، على الأغلب ، 20 عاماً بين صفوفهم ، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً ، حيث كان كل همهم منصباً على حربهم الشعواء ضد الشيوعية ، وحتى قياديي الحزب ، كانوا من هذا الطراز ، كما وصفهم مؤسس الحزب، عندما قال : [بعد الثورة ـ أي انقلاب 8 شباط ـ بدأت اشعر بالقلق من فرديتهم ، وطريقتهم الطائشة في تصريف الأمور ، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة بلد ، وشعب ] .

لقد كان الحزب عبارة عن تجمع لعناصر معادية للشيوعية ، لا يجمعها أي رابط أيديولوجي ، وظهرت بينهم تكتلات أساسها المنطقة ،أو العشيرة ، أو الطائفية . وهكذا كانت التناقضات ، والخلافات تبرز شيئاً فشيئاً على سطح الأحداث والتي كان من بينها :

1 ـ الموقف من عبد السلام عارف :

 

في 11 شباط 963 ، حدث بين قيادة البعث وعبد السلام عارف ، الذي نصبوه رئيساً للجمهورية  صِدامٌ مكشوف ، مما دفع علي صالح السعدي ، أمين سر القيادة القطرية للحزب ، إلى أن يطرح موضوع بقاء عبد السلام عارف ، أو إزاحته من منصبه ، قائلاً :

{ إن عبد السلام عارف سوف يثير لنا الكثير من المتاعب ، وربما يكون خطر علينا ، إلا أن أغلبية القيادة لم تأخذ برأي السعدي ، خلال اجتماع القيادة في دار حازم جواد ، وقد هدد السعدي بالاستقالة إذا لم تأخذ القيادة برأيه ، لكنه عدل عن ذلك بعد قليل ، وبعد نهاية الاجتماع ذهب حازم جواد إلى عبد السلام عارف ، وأخبره بما دار في الاجتماع ، وحذره من أن السعدي ينوي قتله  والتخلص منه } .(3)

 

 2 ـ الموقف من قانون الأحوال المدنية :

حدث خلاف آخر بين أعضاء القيادة القطرية ، حينما طُرح موضوع قانون الأحوال المدنية، رقم 188 لسنة 1959 الذي شرعه عبد الكريم قاسم ، والذي اعتُبر ثورة اجتماعية أنجزتها ثورة 14 تموز فيما يخص حقوق المرأة وحريتها ، وإطلاق سراح نصف المجتمع العراقي الذي تمثله المرأة من عبودية الرجل ، وكان القانون قد ساوى المرأة بالرجل في الإرث ، ومنع تعدد الزوجات إلا في حالات خاصة وضرورية ، ومنع ما يعرف بالقتل غسلاً للعار ، وغيرها من الأمور الأخرى ، وقام عبد السلام عارف بإلغاء القانون في 18 آذار 63 ، أثناء وجود علي صالح السعدي في القاهرة ، وانقسم مجلس قيادة الثورة ذو الأغلبية البعثية وأعضاء القيادة القطرية حول مسألة الإلغاء ، حيث أيده بعض الأعضاء ، وعارضه البعض  الآخر .

 

3 ـ الموقف من الحركات السياسية القومية :

 

كان الخلاف الثالث بين أعضاء قيادة البعث ينصب حول الموقف من الحركات السياسية القومية [القوميون ، والناصريون ، والحركيون ]، وقد أجرت قيادة الحزب نقاشات حادة حول الموقف منهم  و برز خلال النقاش فكرتان متعارضتان ، الأولى تدعو إلى تحجيم القوى القومية ، والأخرى تدعو للتعاون معها ،لكن القيادة البعثية لم تستطع حسم الأمر ، بل على العكس من  ذلك أدى الأمر إلى تعيمق الخلافات ، والصراعات فيما بين أعضاء القيادة .

 

4 ـ الموقف من الحرس القومي :

 

في شهر حزيران 963  ظهرت أسباب أخرى للخلافات بين أعضاء قيادة الحزب حول الحرس القومي ، فقد وجهت القيادة العليا للقوات المسلحة في 4 تموز 1963 برقية إلى قيادة الحرس القومي تحذرها وتهددها بحل الحرس القومي إذا لم تتوقف هذه القوات عن الإجراءات المضرة بالأمن العام  وراحة المواطنين . فقد كانت روائح الجرائم التي يقترفها الحرس القومي ضد أبناء الشعب  يشكل عام والشيوعيين منهم بوجه خاص قد أزكمت الأنوف ، وضجت الجماهير الواسعة من الشعب من تصرفاتهم ، وإجرامهم .

إلا أن القائد العام لقوات الحرس القومي [ منذر الونداوي ] لم يكد يتسلم البرقية حتى أسرع إلى الطلب من القيادة العليا للقوات المسلحة سحب وإلغاء البرقية المذكورة في موقف يبدو منه التحدي  ، مدعياً أن الحرس القومي قوة شعبية ذات قيادة مستقلة ، وأن الحق في إصدار أوامر من هذا النوع ، لا يعود إلى أي شخص كان ، بل إلى السلطة المعتمدة شعبياً والتي هي في ظل ظروف الثورة الراهنة ، هي المجلس الوطني لقيادة الثورة ولا أحد غيره .(4)

وهكذا وصل التناقض والخلاف ، بين البعثيين وضباط الجيش ، وعلى رأسهم عبد السلام عارف ،إلى مرحلة عالية من التوتر ، وبدأ عبد السلام عارف يفكر في قلب سلطة البعثيين بأسرع وقت ممكن .

.

5 ـ الحرب في كردستان :

 

وجاءت الحرب في كردستان ، التي بدأها البعثيون في 1 أيار 63 لتزيد وضعهم حراجة ، وتعمق من الخلافات فيما بينهم حتى اصبح حزب البعث في وضع لا يحسد عليه ، فقد تألبت كل القوى السياسية والعسكرية ضدهم ، وسئمت أعمالهم وتصرفاتهم .حاول عبد السلام عارف ، وأحمد حسن البكر ، بالتعاون مع حازم جواد وطالب شبيب التخلص من علي صالح السعدي وإخراجه من الحكومة ومجلس قيادة الثورة ، إلا أن الظروف لم تكن مؤاتية لمثل هذا العمل ، في ذلك الوقت .

ففي 13 أيلول عُقد المؤتمر القطري للحزب ، وجرى فيه انتخاب ثلاث أعضاء جدد من مؤيدي علي صالح السعدي ، وهم كل من :

هاني الفكيكي ،وحمدي عبد المجيد ، ومحسن الشيخ راضي ،فيما أُسقط طالب شبيب في الانتخابات ، وبقي حازم جواد ، كما فاز أحمد حسن البكر ، وصالح مهدي عماش ، وكريم شنتاف بتلك الانتخابات  .

 وهكذا بدى الانقسام ظاهراً أكثر فاكثر  فجماعة السعدي تتهم جماعة حازم جواد باليمينية ، بينما تتهم جماعة حازم جواد السعدي وجماعته باليسارية ، ووصل الأمر بعلي صالح السعدي إلى الإدعاء بالماركسية ، وحاول أن يبرئ نفسه من دماء آلاف الشيوعيين .

وفي الفترة ما بين 5 ـ23 تشرين الأول ، عُقد المؤتمر القومي لحزب البعث ، في دمشق ، وجرى تعاون بين السعدي وحمود الشوفي ،حيث ضمنا لهما أكثرية من أصوات المؤتمرين العراقيين ، والسوريين ، وسيطرا على المؤتمر ، وقراراته ، وبلغ بهم الحال أن شنوا هجوماً عنيفاً على جناح مؤسس الحزب ـ ميشيل عفلق ـ ، وطرحوا أفكاراً راديكالية فيما يخص التخطيط الاشتراكي ، وحول المزارع التعاونية للفلاحين . (5)

ضاقت الدنيا بميشيل عفلق ، حيث لم يتحمل الانقلاب الذي أحدثته كتلة [السعدي و الشوفي ]داخل المؤتمر ، وجعلته يصرح علناً [ هذا لم يعد حزبي].

 

 ثانياً :الخلافات بين الجناحين المدني والعسكري،في الحزب :

 

بعد أن قوي مركز علي صالح مركزه داخل القيادتين القطرية والقومية ،و بدأ هو وكتلته يطرحون أفكاراً راديكالية ، وتحولا نحو اليسار ، بدأ الضباط البعثيون يشعرون بعدم الرضا من اتجاهات السعدي وكتلته ،و أخذت مواقفهم تتباعد شيئاً فشيئاً عن مواقف السعدي ، وانقسم تبعاً لذلك الجناح المدني للحزب ، فقد وقف الونداوي وحمدي عبد المجيد ومحسن الشيخ راضي ، بالإضافة إلى الحرس القومي ، واتحاد العمال ، واتحاد الطلاب ، إلى جانب السعدي ، فيما وقف حازم جواد ، وطالب شبيب ، وطاهر يحيى ـ رئيس أركان الجيش ـ وحردان عبد الغفار التكريتي ـ قائد القوة الجوية ، وعبد الستار عبد اللطيف ـ وزير المواصلات ، ومحمد المهداوي ـ قائد كتيبة الدبابات الثالثة، الى الجانب المعارض لجناح السعدي ، بينما وقف أحمد حسن البكر ، وصالح مهدي عماش على الحياد ، لكن السعدي أتهمهما بأنهما يدفعان الحزب نحو اليمين ، وانهما تؤيدان معارضيه في الخفاء .

 

ثالثاً : الصراع بين البعث ،والضباط القوميين والناصريين والحركيين :

 

كان أحد العوامل الرئيسية للصراع داخل قيادة حزب البعث ،هو الموقف من القوى القومية ،والناصرية ،والحركية ،فقد انقسمت القيادة القطرية في مواقفها إلى كتلتين ، فكتلة حازم جواد وطالب شبيب كانت تطالب بقيام جبهة واسعة تضم حزب البعث وكل الفئات القومية والناصرية ، والحركية ،فيما كانت كتلة السعدي تعارض هذا التوجه ،وقد أدى ذلك إلى تأزم الموقف ،واشتداد الصراع بين الجناحين وتصاعده حتى وصل الأمر إلى الموقف السعدي نفسه عندما حاول جناح [ جواد و شبيب] إزاحة السعدي متهمين إياه بالتهور والتطرف .

وتعاون احمد حسن البكر مع عبد السلام عارف على إزاحته ، فكانت البداية قد تمثلت بإجراء تعديل وزاري في 11 أيار 963 ،جرى بموجبه إعفاء السعدي من منصب وزير الداخلية ، وتعيينه وزيراً للإرشاد ، فيما عيين غريمه حازم جواد مكانه وزيراً للداخلية .وكان ذلك الإجراء أول ضربة توجه إلى قيادة السعدي . ثم تطور الأمر إلى محاولة إخراجه من الوزارة ، ومجلس قيادة الثورة ، والسيطرة على الحرس القومي الذي يقوده منذر الونداوي ، والذي يعتمد عليه السعدي اعتماداً كلياً .

 

2 ـ عارف يعفي الونداوي من قيادة الحرس القومي،والونداوي يرفض الأمر:

 

وفي 1 تشرين الثاني  صدر مرسوم جمهوري يقضي بإعفاء منذر الونداوي من قيادة الحرس القومي ، وتعيين عبد الستار عبد اللطيف بدلاً عنه ، غير أن الونداوي تحدى المرسوم ،وأصرّ على البقاء في منصبه ، في قيادة الحرس القومي ،وقد أدى ذلك إلى تعقد الموقف وتصاعد حمى الصراع الذي تفجر بعد عشرة أيام .

ففي 11تشرين الثاني ، عُقد مؤتمر قطري استثنائي لانتخاب ثمانية أعضاء جدد للقيادة القطرية ، لكي يصبح العدد 16 عضواً  بموجب النظام الداخلي الذي تبناه المؤتمر القومي السادس [ المادة 38 المعدلة من النظام الداخلي ]، غير أنه ما أن بُوشر بإجراء الانتخاب حتى داهم 15 ضابطاً مسلحاً قاعة الاجتماع بقيادة العقيد محمد المهداوي ، الذي بدأ يتحدث أمام المؤتمرين قائلاً :

{لقد اخبرني الرفيق ميشيل عفلق ، فيلسوف الحزب ،أن عصابة استبدت بالحزب في العراق ،ومثلها في سوريا ، وأن العصابتين وضعتا رأسيهما معاً ،وسيطرتا على المؤتمر القومي السادس ،ولذلك يجب القضاء عليهما }،كما هاجم المهداوي قرارات المؤتمر القومي السادس واصفاً إياه بمؤامرة ضد الحزب ، وطالب بانتخاب قيادة قطرية جديدة ، تحت تهديد أسلحة الضباط المرافقين له. وتظاهر المؤتمر باختيار قيادة جديدة ، واشترك الضباط بالتصويت ،علماً بان بعضهم لم يكن بعثياً على الإطلاق ،وجاء على رأس القيادة الجديدة [ حازم جواد ] بالإضافة الى فوز أنصاره .

غير أن المهزلة لم تنتهِ إلى هذا الحد ،بل أسرع الضباط إلى اعتقال علي صالح السعدي ، ومحسن الشيخ راضي ،وحمدي عبد المجيد ،وهاني الفكيكي ،وأبو طالب الهاشمي ، الذي كان يشغل منصب نائب القائد العام للحرس القومي ،وسُفر الجميع على متن طائرة عسكرية إلى مدريد .

 

3 ـ امتداد الصراع إلى الشارع :

 

هكذا أنفجر الوضع المتأزم في ذلك اليوم ،وامتد الصراع إلى الشارع ، ففي صباح يوم 13 تشرين الثاني اندفعت أعداد غفيرة من مؤيدي علي صالح السعدي ، ومن الحرس القومي ،إلى شوارع بغداد  وأقاموا الحواجز في الطرق ،واحتلوا مكاتب البريد ، والبرق والهاتف ،ودار الإذاعة وهاجموا مراكز الشرطة ، واستولوا على الأسلحة فيها ،و أسرع الونداوي إلى قاعدة الرشيد الجوية ومعه طيار آخر ،وامتطيا طائرتين حربيتين ، وقاما بقصف القاعدة المذكورة ، ودمرا [5 طائرات] كانت جاثمة فيها .

وفي الساعة الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم أذاع صالح مهدي عماش، وزير الدفاع ،بياناً من دار الإذاعة ،حذر فيه أحمد حسن البكر من أن هناك محاولة لجعل البعثيين يقتلون بعضهم بعضاً ،وهذا ما لا يفيد إلا أعداء الحزب ،كما وجه نداءً للعودة إلى العلاقات الرفاقية والى التفاهم  والأخوة ..... .

وفي تلك الأثناء ،فرضت قوات الحرس القومي سيطرتها على أغلب مناطق بغداد ، ورفض البكر وعماش إعطاء الأمر إلى الجيش بالتدخل ،وأصبحت قيادة فرع بغداد للحزب هي التي تقود الحزب في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ حكم البعث ، وطالبت تلك القيادة بإعادة السعدي ورفاقه إلى العراق ،وممارسة مهامهم الحزبية والرسمية ،غير أنها لم تفلح في ذلك ، واضطرت إلى الموافقة على إحالة القضية إلى القيادة القومية لتبت فيها .

 

4 ـ ميشيل عفلق ،وأمين الحافظ في بغداد لمحاولة حسم الصراع :

 

وفي مساء ذلك اليوم ، 13 تشرين الثاني ، وصل إلى بغداد مؤسس الحزب [ ميشيل عفلق ] والرئيس السوري [ أمين الحافظ] بالإضافة إلى عدد آخر من أعضاء القيادة القومية للحزب .

غير أن عبد السلام عارف لم يجر لهما استقبالاً رسمياً ، كما يقتضي البروتوكول والعرف الدبلوماسي ،كما لم يحاول الالتقاء بالوفد ،مما جعل الوفد يحس أن هناك جو غير طبيعي في بغداد ،وأن لابد من أن يكون هناك أمراً يدبر ضد حكم البعث .

حاول ميشيل عفلق ورفاقه في الوفد، التصرف بشؤون العراق ،واصدروا  قراراً بنفي حازم جواد، وزير الداخلية،وطالب شبيب،وزير الخارجية متهمين إياهما بأنهما أساس الفتنة ،كما أصدرالوفد قراراً آخر بحل القيادة القطرية التي جرى انتخابها تحت تهديد الضباط الخمسة عشرة ،وكذلك القيادة القطرية التي كان يقودها علي صالح السعدي ،وأعلن عن تسلم القيادة القومية للمسؤولية لحين انتخاب قيادة قطرية جديدة .

هكذا إذاً كان تصرف عفلق والوفد الموافق له ، تجاهلاً لعبد السلام عارف ، بصفته رئيساً للجمهورية ،كما أن الرابطة التي كانت تجمع الضباط البعثيين بالقيادة المدنية قد تفككت ، ودبت الخلافات العميقة بينهم ،وسارع الجناح المدني في الحزب يتحدى من اسماهم بأعداء الحزب ، ودعى اتحاد العمال ، الذي يسيطر عليه الحزب ،إلى سحق رؤوس البرجوازيين ، الذين خانوا الحزب ،وإعدام أصحاب رؤوس الأموال الذين هربوا أموالهم إلى الخارج ،ودعوا إلى تأميم المصانع ،وكانت تلك الاندفاعات لجناح الحزب المدني كلها  تصب في خانة عبد السلام عارف ،الذي صمم على إزاحة حزب البعث عن السلطة ،وأحكام قبضته على شؤون البلاد دون منازع أو شريك .

 

رابعاً:الانقلاب العارفي ضد سلطة البعث في 17 تشرين الثاني:

 

بعد أن وصلت حالة الحزب إلى أقصى درجات التمزق والتناحر ، وبعد أن عمت الفوضى أرجاء البلاد، وبلغ استياء ضباط الجيش الممسكين بالمراكز القيادية في الجهاز العسكري من تصرف القيادة البعثية مداه، قرر عبد السلام عارف بالتعاون مع تلك العناصر العسكرية توجيه ضربته القاضية لحكم البعث ، وإنهاء سيطرتهم على مقدرات البلاد ،فقد استغل عبد السلام تلك الظروف البالغة الصعوبة التي مرّ بها حزب البعث وبالتنسيق مع عدد من أولئك الضباط  ،كان منهم :

1-عبد الرحمن عارف ، شقيقه ، قائد الفرقة الخامسة .

2 - الزعيم الركن عبد الكريم فرحان ، قائد الفرقة الأولى .

3 - العقيد سعيد صليبي ، آمر الانضباط العسكري .

4 - الزعيم الركن الطيار حردان التكريتي، قائد القوة الجوية [ بعثي] .

5 - اللواء الركن طاهر يحيى ، رئيس أركان الجيش .

هذا بالإضافة إلى العديد من الضباط الآخرين ذوي الميول القومية .

وفي فجر يوم 18 تشرين الثاني 963 ، قامت طائرات عسكرية بقصف مقر القيادة العامة  للحرس القومي في الأعظمية ، ثم تقدمت الدبابات ، والمصفحات لتستولي على كافة المرافق العامة في بغداد  ومقرات الحرس القومي ، وحاول البعثيون مقاومة الانقلاب في بادئ الأمر ، إلا أن الأمر كان قد حسم في نهاية النهار ، فلم يكن باستطاعة الحرس القومي ، وهو يحمل الأسلحة الخفيفة أن يقاوم الدبابات والمصفحات والصواريخ والطائرات .

 سارع أفراد الحرس  إلى إلقاء سلاحهم ، والتخلص منه ، برميه في الحقول والمزارع والمزابل بعد أن هددهم النظام العارفي بإنزال العقاب الصارم بهم  إن هم استمروا على حمل السلاح أو إخفائه، وأجرى الجيش مداهمات لدور أفراد الحرس القومي بحثاً عن السلاح .

 كما جرى إلقاء القبض على أعداد كبيرة من البعثيين لفترة محدودة من الزمن ، حيث تمكن الجيش من إحكام سيطرته على البلاد ، وأخذ النظام فيما بعد يطلق سراح البعثيين المعتقلين  في حين بقي السجناء والموقوفين الشيوعيين والديمقراطيين في السجون ، وجرى تنفيذ أحكام بالإعدام ، كانت قد أصدرتها المحاكم العرفية على عهد البعثيين ، بعد تسلم عبد السلام عارف زمام الأمور في البلاد ، فقد كان العداء للشيوعية هو الجامع الذي جمع البعثيين والقوميين ، دون استثناء ، ربما شيء واحد قد تغير ، هو تخفيف حملات التعذيب أثناء التحقيقات مع المعتقلين،واستمرت المحاكم العرفية تطحن بالوطنيين طيلة عهد عارف .

 

1 ـ عبد السلام عارف يحكم سيطرته على البلاد :

 

في مساء يوم الثامن عشر من تشرين الثاني 963 ، تلاشت مقاومة حزب البعث ، وحرسه القومي في أنحاء البلاد ، وتم لعبد السلام عارف وقادته العسكريين السيطرة التامة على البلاد ، وبدأ على الفور بترتيب البيت ، مانحاً نفسه صلاحيات استثنائية واسعة لمدة سنة ، تتجدد تلقائياً ، إذا اقتضى الأمر ذلك ، وعمد عبد السلام إلى الاعتماد على الروابط العشائرية ، وخاصة عشيرة [ الجميلات ]  فقد عين شقيقه [عبد الرحمن عارف ] وكيلاً لرئيس أركان الجيش ، رغم كونه ليس ضابط أركان .   كما عين صديقه ، وأبن عشيرته [ سعيد صليبي ] قائداً لحامية بغداد ، فيما أعلن عارف نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة ، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة .(6)

كما جاء عارف باللواء العشرين ،الذي كان يقود أحد أفواجه عند قيام ثورة 14 تموز ، واتخذه حرسه الجمهوري الخاص به ، كل العناصر المؤيدة له فيه من عشيرة الجميلات وغيرها من عشائر محافظة الأنبار.

بدأ عبد السلام عارف حكمه معتمداً على ائتلاف عسكري ضم الضباط القوميين والناصريين ، والضباط البعثيين الذين انقلبوا على سلطة البعث ،فقد أصبح [ طاهر يحيى ] رئيساً للوزراء ، و[حردان التكريتي ]، نائباً للقائد العام للقوات المسلحة  ووزيراً للدفاع ،فيما عيين [أحمد حسن البكر] نائباً لرئيس الجمهورية ،والزعيم[ رشيد مصلح ]وزيراً للداخلية وحاكماً عسكرياً عاماً ،ويلاحظ أن هؤلاء جميعاً من تكريت ، ومن العناصر البعثية ،أما العناصر القومية التي شاركت في الحكم فكان على رأسها الزعيم الركن [ محمد مجيد ] ،مدير التخطيط العسكري ،والزعيم الركن[عبد الكريم فرحان] ،الذي عيين وزيراً للإرشاد ،و[عارف عبد الرزاق] ، الذي عيين قائداً للقوة الجوية ، والعقيد الركن [ هادي خماس ] مدير جهاز الاستخبارات العسكرية ، والمقدم [صبحي عبد الحميد]  الذي عيين وزيراً للخارجية .

 

  2 ـ عبد السلام عارف يبعد العناصر البعثية عن الحكم :

 

رغم تعاون الضباط البعثيين مع عبد السلام عارف في انقلاب 18 تشرين الثاني 963 ، ضد قيادتهم المدنية ،واشتراكهم في حكومته الانقلابية ،إلا أن عارف لم يكن يطمأن لوجودهم في السلطة ، ولم يكن إشراكهم في الحكم من قبله سوى كونه عمل تكتيكي من أجل نجاح انقلابه ضد سلطة البعث  وتثبيت حكمه ،لكنه كان في نفس الوقت يتحين الفرصة للتخلص منهم ،وقد ساعده في ذلك ،الكره الشعبي الواسع النطاق للحكام البعثيين ،بسبب ما اقترفوه من جرائم بحق الوطنيين طيلة فترة حكمهم ، وهكذا ،وبعد أن تسنى لعارف تثبيت أركان حكمه ، بدأ بتوجيه الضربات للعناصر البعثية تلك . ففي 4 كانون الأول 964 ،أعفى عارف المقدم[ عبد الستار عبد اللطيف] من وزارة المواصلات وفي 16 منه ، أزاح عارف [ حردان التكريتي ]من منصبه كقائد للقوة الجوية. وفي 4 كانون الثاني 64 ألغي عارف منصب نائب رئيس الجمهورية ، وتخلص من [احمد حسن البكر] الذي كان يشغل المنصب ، وعينه سفيراً بديوان وزارة الخارجية .(7)

وفي 2 آذار 64، أعفى عارف [ حردان التكريتي ] من منصب وزير الدفاع ، وعين محله طاهر يحيى ، بالإضافة إلى منصبه كرئيس للوزراء ، ولم يبقَ إلا رشيد مصلح التكريتي ، وزير الداخلية والحاكم العسكري العام ، الذي ربط مصيره بمصير عارف ، مهاجماً أعمال البعثيين وجرائمهم ، وبذلك أصبح الحكم بقيادة عبد السلام عارف ، وبرز الناصريون في مقدمة النظام ، وبدأ النظام يقلد الجمهورية العربية المتحدة في أساليبها وخططها التنموية ، حيث أقدمت الحكومة على تأميم المصارف  وشركات التأمين مع 32 مؤسسة صناعية وتجارية كبيرة ، وخصصت الدولة 25% من الأرباح للعمال ، والموظفين العاملين فيها ، وقررت تمثيلهم في مجالس الإدارة .

كما أقدم النظام الجديد على تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي في 14 تموز 964 ، على غرار الاتحاد الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة ، ودُعيت القوى السياسية في البلاد إلى الانضواء تحت راية هذا الاتحاد ، وقد أستهوى هذا الإجراء ، وتلك التحولات الاقتصادية جانباً من قيادة الحزب الشيوعي ، حيث برزت دعوة لحل الحزب والانضمام إلى الاتحاد المذكور ، لكن هذا الاتجاه لم ينجح في جر الحزب إليه ، بعد أن وقفت العناصر الحريصة على مصلحة الحزب ضد دعوة الحل والانضمام للاتحاد الاشتراكي .

 

خامساً : اتفاق الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة :

 

تظاهر  النظام الجديد لعبد السلام عارف بالسير باتجاه إقامة أقرب اتفاق ممكن مع العربية المتحدة ، في كل الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية .

ففي 26 أيار 964 أتفق عبد السلام عارف وجمال عبد الناصر على إقامة مجلس رئاسي مشترك ، للتخطيط والتنسيق في المجالات المذكورة كافة باتجاه إقامة اتحاد دستوري بين البلدين فيما بعد .

وفي 16 تشرين الأول 964  جرى توقيع اتفاقية الوحدة وتكوين المجلس الرئاسي المشترك للقيادة السياسية الموحدة للعراق ومصر ، وتعهد الطرفان بإقامة الوحدة بينهما خلال سنتين ، إلا أن تلك القيادة لم تجتمع سوى مرتين خلال هذه المدة ، وجرى نسيانها فيما بعد ، وانتهت إلى الزوال ، فلم يكن عبد السلام عارف جاداً في إقامة الوحدة ، كسابقيه حكام البعث ، وقد اثبت التجارب ، والوقائع أن عبد السلام ، الذي كان أول من شق الوحدة الوطنية ، وتأمر على ثورة الرابع عشر من تموز، وقائدها عبد الكريم قاسم بدعوى الوحدة الفورية مع العربية المتحدة لم يكن يهدف حقاً إقامة الوحدة ، وإنما أراد استخدام مسألة الوحدة ورصيد عبد الناصر للوثوب الى قمة السلطة والاستئثار بها لوحده ، وقد أدرك عبد الناصر أن عبد السلام عارف لا يتمتع بقاعدة واسعة في حكمه ،وأن حكمه عبارة عن أقلية قليلة من الضباط ،لا سند شعبي لهم على الإطلاق ،وأن عارف لا يختلف عن سابقيه حكام البعث بأي حال من الأحوال .

لقد كانت مواقف عبد السلام عارف الحقيقية من الوحدة مع العربية المتحدة سبباً في حدوث شرخ كبير بينه وبين القوى الناصرية والحركية ،وتطور ذلك الشرخ إلى صراع متصاعد ، أدى في النهاية الى تقديم الوزراء الناصريين والحركيين استقالتهم من الحكومة ،والى محاولة هذه القوى قلب السلطة العارفية كما سنرى تفاصيل ذلك فيما بعد .(8)

سادساً : الشيوعيون ،والسلطة العارفية :

 

1 ـ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي تناقش الموقف من السلطة :

بعد سقوط حكم حزب البعث ،في 18 تشرين الثاني 963 ، حدث بعض الانفراج للوضع السياسي في البلاد ، وخفت حملات الاعتقالات  والملاحقات ،وتوقفت أساليب التعذيب ضد المعتقلين السياسيين ،التي كان يمارسها حزب البعث ،كما حدثت تطورات في العلاقات بين القوى السياسية في البلاد ،والعلاقات بين العربية المتحدة والعراق من جهة ،والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى ، وكانت أهم تلك التطورات ما يأتي :

1 ـ عودة العلاقات الطبيعية بين العربية المتحدة  والاتحاد السوفيتي ، وحدوث انفراج سياسي داخل مصر ، تمثل في إطلاق سراح السجناء الشيوعيين ، وتوّجت العلاقة الجديدة بزيارة زعيم الاتحاد السوفيتي [ نكيتا خرشوف ] للقاهرة ، ولقاءه مع الرئيس عبد الناصر .

2 ـ توقف القتال بين الأكراد وقوات الحكومة ، بعد تدخل الرئيس عبد الناصر ، وتوسطه بين الحكومة والقيادة الكردية .

3 ـ عودة نشاط فرع الحزب الشيوعي في كردستان بعد توقف القتال ، وكان تنظيم الحزب في كردستان قد نجا أغلبه من ملاحقة البعثيين إبان حكمهم الأسود .

4 ـ استئناف العلاقات العراقية السوفيتية واستئناف السوفيت تجهيز العراق بالسلاح

5 ـ الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة بدفع من العناصر الناصرية في الحكومة .

كل هذه العوامل دفعت قيادة الحزب الشيوعي إلى إعادة تقييم موقفه من حكومة عارف بعد نقاش للوضع السياسي في اجتماع موسع عقدته اللجنة المركزية للحزب في أواخر آب 964 .

لقد ظهر خلال النقاش داخل اللجنة المركزية تياران متناقضان ، التيار الأول دعى إلى التعاون مع الحكومة العارفية ، مثمناً توجه العراق ،والعربية المتحدة نحو ما سمي بطريق [التطور اللارأسمالي]وباتجاه الاشتراكية ، وذهبت العناصر اليمينية في قيادة الحزب إلى أبعد من ذلك ، فدعت إلى حل الحزب ، والانخراط في الاتحاد الاشتراكي ، معتبرين قيام عبد السلام عارف بانقلابه ضد البعثيين ، وإنهاء سلطتهم الدموية ، قد أوجد شروطاً أكثر ملائمة لنضال القوى المعادية للامبريالية ، من أجل الحفاظ على استقلالنا الوطني ، والعودة إلى قافلة حركة التحرر الوطني للشعوب.

غير أن التيار الثاني في قيادة الحزب كان له تقيماً آخر ،وموقفاً آخر من السلطة العارفية ،ذلك أن أعداداً كبيرة من الشيوعيين كانوا لا يزالون يقبعون في سجون النظام ، كما أن السلطة العارفية كانت قد فسحت المجال واسعاً أمام العناصر الرجعية  والشوفيتية ،لخلق الطائفية وترويجها ،وتواجد أعداد كبيرة من تلك العناصر في مختلف أجهزة الدولة ،هذا بالإضافة إلى تدهور الأحوال الاقتصادية للشعب ، وحالة عدم الاستقرار السياسي بسبب وجود التيارات المتناقضة داخل السلطة. فهناك عناصر رجعية ترتبط بشكل أو بأخر بالإمبريالية ،وهناك عناصر ناصرية تسعى نحو التطور اللارأسمالي كما كان يجري في العربية المتحدة ، ولكن  نتائج الاجتماع صبت  في خانة الإقدام على التعاون مع حكومة عبد السلام عارف .(9)

 

2 ـ استياء لدى كوادر الحزب الشيوعي :

 

أدى اتجاه قيادة الحزب الشيوعي نحو التعاون مع السلطة العارفية إلى موجة من الاستياء في قواعد ، وكوادر الحزب ، الذين رفضوا هذا التوجه والتعاون  مع شركاء البعثيين بالأمس في كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب والوطن والشيوعيين بوجه خاص ، و تلطخت أيديهم بدمائهم الطاهرة وتحدت تلك الكوادر ، وجانب كبير من قواعد الحزب قرارات اللجنة المركزية ، رافضة إياها ، في الوقت الذي أصرت فيه اللجنة المركزية على السير في الطريق الذي رسمه الاجتماع الموسع  مهما كان الثمن .

غير أن الرياح جرت بما لا تشته السفن ،كما يقول المثل ،فقد حدثت تطورات داخلية ، عربية ودولية ،أفشلت مسعى القيادة اليمينية للحزب . فقد استُؤنفت الحرب في كردستان من جديد ،في 5 نيسان 965 ،وشنت حكومة عارف الشوفينية حرباً شعواء ضد الشعب الكردي .

كما أن عبد الناصر أصيب بخيبة أمل مريرة بعبد السلام عارف ، واصبح على يقين أن عارف لا يؤمن إيماناً صادقاً بالوحدة ،وإنما أتخذها وسيلة للوثوب إلى السلطة ، وتدهورت العلاقات بين عارف والقوى الناصرية والحركية والتي انتهت بتقديم الوزراء الناصريين استقالاتهم من حكومة عارف كما اسلفنا سابقاً .

وهكذا اضطرت قيادة الحزب اليمينية إلى تغير سياستها تجاه السلطة العارفية ، ودعت إلى إسقاطها ،وقيام حكومة ائتلاف وطني تضم كل القوى والأحزاب السياسية الوطنية المعادية الإمبريالية . وأشارت قيادة الحزب إلى فشل الاتحاد الاشتراكي ونظرية الحزب الواحد ،وهاجمت السياسة الاقتصادية للحكومة التي شكلها [ عبد الرحمن البراز ] ،وأعلن الحزب أن حكومة البزاز ترعى المصالح الإمبريالية البريطانية ، وشركات النفط .(10)

 

3 ـ الحزب الشيوعي يطرح مسالة استلام السلطة :

 

وفي 9 تشرين الأول 965 ، طرح الحزب الشيوعي مسالة إسقاط حكومة عارف ، واستلام السلطة  في الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب ، وقُدم خلال الاجتماع مشروعان حول الموضوع :

المشروع الأول ، قُدم من قبل [عامر عبد الله ]، الذي رأى أن السلطة العارفية قد أصبحت معزولة  بعد أن خرج منها الناصريون . كما أن عودة الحرب في كردستان ، وزج ثلثي الجيش العراقي فيها  من جهة ، واشتداد الخلافات بين عبد الناصر وعارف من جهة أخرى ، جعلت الظروف في صالح الحزب لتوجيه الضربة القاضية للنظام العارفي  وإسقاطه واستلام السلطة ، معلناً أن مصير الحزب يتقرر هذه الأيام .

أما المشروع الثاني ، الذي طرحه [ بهاء الدين نوري ]فقد شكك في استطاعة الحزب لوحده القيام بالتغيير ، وتخوف من تشكيل جبهة واسعة ضد الحزب ،وادعى أن جماهير الحزب غير مستعدة لمثل هذا العمل كما أن الأوضاع الدولية والعربية لا تساعد على ذلك ، رغم اعترافه بإمكانية نجاح التغيير !! ولكنه رأى أن يسبق ذلك تعاون القوى السياسية المعارضة لحكم عارف ،وقد أيده في موقفه [ عبد السلام الناصري ]،فيما أيد موقف عامر عبد الله كل من [اراخاجادور ] و[صالح دكلة ]، وفي نهاية المناقشات خرج الحزب بستة قرارات ،كان أهمها القرار المتعلق بمسألة قلب السلطة العارفية ،والذي جاء فيه :(11)

{ ومن الضروري التشديد على طريقة النضال التي تبناها الحزب ، والتي تعتمد على الدور الحاسم إلى [ هاء ] ،ويقصد بذلك التنظيم العسكري للحزب ، في الإطاحة بالسلطة الحاكمة ، وسيجد [هاء ]له دعماً في إجراءات ثورية أخرى سيتخذها الحزب ، وفي العمل الشعبي الحيوي في ميادين مختلفة } .

لقد جرى الاتفاق في ذلك الاجتماع على الإعداد للعمل الحاسم ، على أن يبذل كل جهد ممكن لقيام تعاون مع القوى الوطنية الأخرى ،كالحزب الديمقراطي الكردستاني ، والضباط القاسمون والعناصر القومية ،ذات التوجه الاشتراكي، الناصريين،وأن لا يقوم الحزب بمفرده إلا في حالة عدم حصول التعاون المنشود على أن يكون المكتب السياسي مقتنعاً بان الظروف ملائمة والنصر بمتناول اليد.(12)

وفي ختام الاجتماع تقرر إرسال رسالة من قيادة الخارج إلى اللجنة المركزية للحزب في  العراق جواباً على رسالة الحزب ، وكانت وجهة نظر القيادة في الخارج ، تمثل تياراً وسطاً بين جناحي اللجنة المركزية ، ولكنها حذرت اللجنة المركزية من مغبة الإقدام على أي خطوة متسرعة مغامرة ، دون نضوج الشروط الموضوعية اللازمة للتغيير الثوري .

ورفضت لجنة تنظيم الخارج الرأي القائل بإلغاء فكرة  [العمل المستقل للحزب ]ولكن على الحزب أن يحاول تحقيق التعاون الوطني كهدف ثابت له في جميع الأحوال والظروف ، حتى ولو بدت تلك المحاولات صعبة التحقيق في ظل الظروف الراهنة وما يعتريها من صعوبات.

ورأت أن آفاق التعاون ستكون أوسع نطاقاً كلما زاد نفوذ الحزب بين صفوف الجماهير . ورأت أيضاً أن على الحزب أن يلجأ إلى خطة مستقلة ، إذا كانت جماهير الشعب على استعداد كامل للإطاحة بالسلطة ، وتلكأت القوى الوطنية في استيعابها لهذه الإمكانية ، أو رفضتها ، وعلى الحزب في هذه الحالة أن يسعى لتعبئة قوى واسعة من جماهير الشعب .وفي حالة إقدام الحزب على خطة مستقلة ، فإن هذه الخطة يجب أن تؤكد على أن التعاون المشترك ، والدعوة إليه ، من خلال الشعارات التي يتبناها الحزب أثناء تحركه ، وبعده .

كما أيدت لجنة تنظيم الخارج مسألة الإعداد لانتفاضة جماهيرية شعبية من خلال نضال الجماهير نفسها ، مع عدم الاستهانة بالعدو وأساليبه القمعية تجاه الحركات الشعبية ، كما أيدت فكرة الاعتماد على الجهد الفعال لتنظيم الحزب ، داخل صفوف القوات المسلحة،في لحظة تطور الحركة الجماهيرية ووصولها إلى حالة متقدمة [ أي حالة الانتفاض الثوري ]،أي استخدام عناصر الجيش الحزبية في الوقت المناسب تماماً لدعم الانتفاضة الجماهيرية ،وإسنادها نحو تحقيق أهدافها .

كما أن على الحزب أن يأخذ في الحسبان ،احتمال تطور الأوضاع إلى قيام حرب أهلية ، بسبب تواجد القوى الرجعية على الساحة من جهة ، وكون الحزب الشيوعي يمثل الاتجاهات اليسارية التقدمية ، وعليه فالواجب يقتضي الإعداد الجيد للحرب الأهلية ، ووضع الثورة الكردية بعين الاعتبار كعنصر مساعد .

كما حذرت لجنة تنظيم الخارج من التسرع بشكل مصطنع ، أو محاولة القفز فوق المراحل الضرورية للتطور والنضج الطبيعي للحزب ، والانتباه الدقيق لمحاولات الأعداء نصب فخ للحزب للإقدام على خطوة متسرعة لكي يوجهوا له الضربة . وفي الختام حددت الرسالة الأهداف الآنية للحزب  ذات الأهمية الأكثر إلحاحاً وهي :

1 ـ السعي لتقوية مواقع الحزب داخل الجيش ، دون محاولة إحداث أي ضجة ، والعمل على حماية التنظيم العسكري ، وتطوير إمكانياته جنباً إلى جنب مع تطوير إمكانيات الجماهير الشعبية .

 2 ـ بذل الجهود المتواصلة من أجل التعاون الوطني ، والسعي لتشكيل التحالفات مع القوى الوطنية  التي لها الاستعداد للتعاون من أجل الإطاحة بالنظام .

3 ـ تثقيف جماهير الحزب ورفاقه ، بشكل هادئ وتدريجي ، دون إحداث ضجة حول طرق نضال الحزب في المرحلة الراهنة ، وتنشيط الحركة الجماهيرية ومنظماتها كافة ، وتوحيد جهودها ، وحثها على التحرك الجماهيري ، كالإضرابات والاحتجاجات على الحرب في كردستان ، ودفع الفلاحين إلى مقاومة النظام ، والعصيان .

4 ـ التغلب على حالة القصور البارزة في الحزب ، وأهمية إصدار صحيفة الحزب على فترات غير بعيدة  ومنتظمة ، والاهتمام بالكادر ، وأهمية إجراءات الحماية لقيادة الحزب وكوادره ، من أجل حماية أسرار الحزب الهامة .(13)

وفي الختام وجهت قيادة الخارج انتقاداً إلى الإجراءات التي اتخذتها لجنة الحزب المركزية في الداخل ، حول الانتخابات ، وإخراج [ناصر عبود ]من عضوية اللجنة المركزية ، وإدخال خمسة أعضاء جدد في اللجنة ، بالإضافة إلى بقاء كافة الأعضاء السابقين ، سواء الموجود منهم في الداخل أو الخارج .

 

 سابعاً ـ البعثيون يحاولون الإطاحة بحكم عبد السلام عارف :

 

لم يهدأ البعثيون ، بعد أن غدر بهم عبد السلام عارف ، الذي جاءوا به إلى الحكم ، ونصبوه رئيساً للجمهورية ، ولجاءوا إلى العمل السري ، لتجميع قواهم ، والتمهيد للقيام بانقلاب مضاد ، ولاسيما بعد أن غدر  عبد السلام عارف ، للمرة الثانية بالضباط الذين تمردوا على قيادتهم المدنية ، وتعاونوا معه في انقلابه في 18 تشرين الثاني 963 ، وبالفعل استطاع البعثيون تجميع قواهم وتنظيمها ، وتقرر القيام بالحركة يوم 4 أيلول 964 معتمدين في تحركهم على كتيبة الدبابات الرابعة التي استخدموها في انقلاب 8 شباط 963 ، بالإضافة إلى 6 طائرات [ ميك عسكرية ] يأخذ طياريها على عاتقهم قصف طائرة عبد السلام عارف يوم توجهه إلى مؤتمر القمة العربية بالإسكندرية .

غير أن جهاز استخبارات عارف كشف خيوط المؤامرة قبل تنفيذها ،وجرت على الفور حملة إعتقالات واسعة ،في كافة أنحاء العراق ،وزُج بالبعثيين في السجون والمواقف،وسارع عبد الناصر إلى إرسال 600 عسكري إلى العراق لدعم نظام عارف ، وعسكرت هذه القوات في مقر كتيبة الدبابات الرابعة في ابو غريب لشل حركتها وهكذا تم لعبد السلام عارف إجهاض الحركة الانقلابية للبعثيين ، وكنس كل بقايا العناصر البعثية في جهاز السلطة المدنية والعسكرية على حد سواء .

كما أجرى عبد السلام عارف تعديلاً وزارياً في 14 تشرين الأول 964 ، أدخل بموجبه ثلاثة وزراء ناصريين في حكومته ، فاصبح للناصريين ستة مقاعد وزارية ، وبذلك اصبحوا في موقف أقوى تجاه العناصر القومية اليمينية داخل السلطة ، وحاولوا دفع سياسة السلطة نحو إجراء تغييرات أكثر عمقاً ، في المجالات الاقتصادية والسياسية ، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الوحدة مع العربية المتحدة ، مما أثار صراعاً داخل السلطة من جديد ، بين العناصر القومية ذات الاتجاهات المختلفة ، والمتناقضة . فقد حاولت كل مجموعة إزاحة المجموعة الأخرى من أمامها ، وانتهى ذلك الصراع بانتصار الجناح اليميني في الحركة القومية ، وإزاحة الناصريين من الحكم .

 

 ثامناً : إزاحة الناصريين من الحكم :

 

بدأ الناصريون يخسرون مواقعهم داخل السلطة منذُ ربيع عام 965 ، تحت تأثير أسباب عديدة ، منها ما يتعلق بالموقف من عبد الناصر ، ومشروع الوحدة ، ومنها ما يتعلق بالأوضاع الداخلية، وخاصة  الاقتصادية منها ، وما سببته مراسيم التأميم من تأثيرات سلبية بسبب عدم وجود الخبرة لدى أجهزة السلطة تمكنها من إدارة الشؤون الاقتصادية بعد التأميم ، وزاد في الطين بلة قيام أصحاب رؤوس الأموال بتهريب أموالهم إلى خارج البلاد ، وتراجع النمو الاقتصادي ، وارتفاع عدد العاطلين عن العمل ، حيث بلغ عدد المسجلين رسمياً (20 287 )عاطلاً ، ولذلك فقد بدأت العناصر اليمينية في الحكومة تدعوا إلى إعادة النظر في التأميمات التي جرى تنفيذها ، والعدول عن الاتجاه الاشتراكي ، وبالفعل نجحوا في إبطاء حركة التغيير التي بدأها الناصريون .

حاول الناصريون إحكام سيطرتهم على التجارة الخارجية ، في نيسان 965 ، للحد من تهريب رؤوس الأموال ، وتلاعب كبار الرأسماليين في الاقتصاد الوطني ، إلا أنهم فشلوا في إقناع عبد السلام عارف بالسير في هذا الاتجاه مما سبب تباعد المواقف بينه وبين الناصريين شيئاً فشيئاً ،وتطور هذا التباعد،وتعمقت الخلافات ،وأصاب الناصريين اليأس من القدرة على التأثير على سياسة عارف ،وأخيراً أضطر الوزراء الناصريون إلى تقديم استقالاتهم من الوزارة في 4 تموز 965،  وعلى الأثر توترت العلاقات بين عبد الناصر وعبد السلام عارف .

حاول عبد السلام عارف تجنب القطيعة مع عبد الناصر ، فأقدم على تشكيل وزارة جديدة برئاسة [ عارف عبد الرزاق ] ، في 6 أيلول 965 ، واحتفظ عارف عبد الرزاق بوزارة الدفاع ، إضافة إلى رئاسة الوزارة ، كما عين عبد الرحمن البراز نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية والنفط ، و عبد اللطيف الدراجي ، وزيراً للداخلية ليوازن بين الاتجاهين المتناقضين .

 

*********

تاسعاً : محاولة الناصريين الانقلابية : 

 

لم تُجدِ محاولات عبد السلام عارف نفعاً في رأب الصدع بينه وبين الناصريين ، وذهبت تلك المحاولات أدراج الرياح ، ولم تنجح في زحزحة مواقفهم ، بل زادتهم اندفاعاً للقيام بانقلاب عسكري تزعمه عارف عبد الرزاق ، رئيس الوزراء ، ووزير الدفاع ،ووكيل رئيس الجمهورية  ضده في 15 أيلول 965 ، أثناء وجوده في الدار البيضاء لحضور مؤتمر القمة العربي ، إلا أن سعيد صليبي ، أمر الانضباط العسكري ، وآمر حامية بغداد ، والساعد الأيمن لعبد السلام عارف عرف بأمر تحركهم ، فوجه لهم الضربة مسبقاً ، وهرب الانقلابيون إلى خارج العراق ، ووصلت العلاقة بين الحكم العارفي والناصريين إلى القطيعة التامة ، ودخل الحكم العارفي في مرحلة جديدة من الحكم القبلي ، فقد أصبح معظم رجالات الدولة ، وقادتها من قبيلة الجميلات ، وأخذ سعيد صليبي يلعب الدور الرئيسي في إدارة دفة الحكم ، واصبح عبد الرزاق النايف ـ جميلي ـ مديراً للاستخبارات العسكرية ، ولعب دورا كبيراً في الحفاظ على حكم عارف ، فيما اصبح عبد الرحمن البراز رئيساً للوزراء ، ومُنح صلاحية إصدار القرارات ، وتسيير شؤون البلاد ، كما أقدم عبد السلام على حل مجلس قيادة الثورة ، الذي تألف من العسكريين ، وانتقلت السلطة التشريعية إلى مجلس الوزراء ، وأنيطت مسؤولية جهاز الأمن والاستخبارات  بمجلس شُكل حديثاً ، دعي[ مجلس الدفاع الوطني ] بإشراف عبد السلام عارف نفسه .

حاول البراز إضفاء صفة المدنية على جهاز الحكم ، وإشاعة سيادة القانون ، والتسريع لإقامة البرلمان  وإجراء انتخابات نيابية ، وتنشيط الاقتصاد ، وزيادة الإنتاج في القطاعين العام والخاص ، وغيرها من الإصلاحات السطحية الأخرى، غير أن جهود البراز لم ترَ النور ، فقد كان الموت بانتظار عبد السلام عارف في 13 نيسان 966 ،وإخراجه من الحكم بعد أربعة اشهر من تولي عبد الرحمن عارف  شقيق عبد السلام عارف ، بضغط من العناصر العسكرية التي تتمتع بنفوذ كبير في السلطة .

 

 

 

*******

 عاشراً : مصرع عبد السلام عارف :

 

في الثالث عشر من نيسان 966 قطعت محطتا الإذاعة والتلفزيون العراقية بثهما الاعتيادي ، واستعيض بتلاوة آيات من القرآن الحكيم ،وأعلنت فيما بعد ، أن الرئيس عبد السلام عارف قد لقي مصرعه بحادث سقوط طائرة مروحية ، كان يستقلها مع بعض الوزراء  ،وكبار مساعديه ،في جنوب العراق ، قرب القرنة . ولم يُكشف النقاب عن حقيقة مقتل عبد السلام عارف ،إذ أعلنت الحكومة أن الطائرة التي كان يستقلها  عبد السلام عارف قد سقطت  بسبب هبوب عاصفة رملية ،ولكن هناك الكثير من الشكوك حول حقيقة مصرعه ،فهناك الصراعات الداخلية ، بين عارف والعناصر الناصرية من جهة ،وبينه وبين البعثيين من جهة أخرى .

كما كان هناك صراع بين الإمبريالية ،والعناصر الناصرية التي أقلقها محاولاتهم المتكررة إلحاق العراق بالجمهورية العربية المتحدة ،وليس ببعيد أن تكون وراء مصرعه ، وربما كان هناك ما هو أبعد من ذلك ، حيث حاول عبد الرحمن البزاز ، المعروف بولائه للبريطانيين ، الوصول إلى كرسي الرئاسة ،ودخوله في منافسة مع عبد الرحمن عارف ،المدعوم من قبل القوى العسكرية المهيمنة على الحكم فعلياً كما سيرد في الفصل القادم .

 

 

 

 

********

 

التوثيق

 (1) حنا بطاطو ـ العراق ـ ج 3 ص 331 .

 (2)  نفس المصدر السابق .

 (3) نفس المصدر السابق .

 (4) البرقية رقم 7610 في 4 حزيران 963 صادرة من القيادة العليا للقوات المسلحة  إلى قيادة الحرس  القومي ، والرسالة الموجهة من قيادة الحرس القومي رقم 421 في 4 حزيران 963  إلى القيادة العليا للقوات المسلحة .

 (5) نفس المصدر السابق ـ ص 335 .

 (6) العراق ـ حنا بطاطو ـ ج 3 ـ ص 341 .

 (7) الوقائع العراقية ـ العددان 896 ، 898 ـ في 28 تشرين الثاني  ، و15 كانون الأول .

 (8) العراق ـ حنا بطاطو ـ ج 2 ـ ص 347 .

  (9) المصدر السابق ـ ج2 ـ ص 352 ، 353 .

 (10) )نفس المصدر  ـ ص 358  .

 (11) نفس المصدر ـ ص 358 .

 (12) نفس المصدر ـ ص 362 .

 (13) المصدر السابق ـ ص 373 .