Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review
Search Engine Marketing | China Sourcing | Furnished Apartment Toronto | Text Link Marketing | Real Estate Web Site | Property Management Franchise | Barcelona Apartment For Rent | Car Detailing Maryland | Home Theater Seating | Inkjet Refilling Machines | Texas Private Christian School | Carpet Cleaning Atlanta | Messianic Ministry | Heywood Williams - Original Abstract Art | Eastern Mediterranean Travel | Energy Conservation Services Energy Audit | Online Shopping Mall | Laser Vaginal Rejuvenation

ألفصل ألثامن

 

 

 

جمهورية البعث الأولى

                                     

8 شباط 1963

 

أولاً : السلطة الانقلابية الجديدة .

          1 ـ تعيين عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية.

          2 ـ إصدار قانون مجلس قيادة الثورة ، وتشكيله .

          3 ـ تشكيل مجلس الوزراء .

          4 ـ تعيين قيادات الجيش ، والأجهزة الأمنية.

 ثانياً : ما هو برنامج حزب البعث ؟

 ثالثاً : البعثيون والحزب الشيوعي .

 رابعاً : وقوع انقلاب بعثي في سوريا ، ومشروع الوحدة الثلاثية .

 خامساً : البعثيون يشنون الحرب على الأكراد .

 سادساً : انتفاضة الشيوعيين في معسكر الرشيد .

 

 

******

 أولاً : السلطة الانقلابية الجديدة :

         

1ـ عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية ، وأحمد حسن البكر رئيساً للوزراء:

حال ما أستتب الأمر للانقلابيين في السيطرة على الوضع في البلاد ، باشروا باقتسام السلطة ، فجرى تنصيب عبد السلام عارف رئيسا ًللجمهورية ، لكونه أعلى رتبة من البكر ، إضافة إلى وجود عدد كبير من المؤيدين له في صفوف الضباط المشاركين في الانقلاب ، ولدوره السابق  في ثورة 14تموز 958 ، والذي أكسبه الشهرة والتأييد في صفوف القوى القومية .

لقد كان البعثيون مضطرين إلى هذا التعيين ، رغم عدم اطمئنانهم له ، ورغبتهم في مسك السلطة كلياً بأيديهم . ولذلك فقد تم معادلة منصب رئيس الجمهورية بمنصب رئيس الوزراء الذي أسند إلى احمد حسن البكر ، بالإضافة إلى سيطرة البعثيين على معظم الوزارات المهمة ، ومجلس قيادة الثورة الذي شكلوه بعد الانقلاب .

وفي الوقت نفسه كان عبد السلام عارف غير مرتاح لازدواجية السلطة ، وهو معروف بحبه  للاستئثار بها ، ومحاولته قلب سلطة عبد الكريم قاسم في أوائل أيام ثورة 14 تموز 958 ، لكنه تقبل الواقع على مضض ، وبدأ يخطط لانتزاع السلطة من البعثيين في اقرب فرصة سانحة وتصفية نفوذهم، وركز اهتمامه على الجيش نظرا لوجود عددا كبيرا من الضباط المؤيدين له، فيما كان  موقف البعثيين داخل الجيش ضعيفا، ولذلك وجدناهم يركزون اهتمامهم على الحرس القومي  الذي شكلوه من الحزبيين ، والعناصر المؤيدة لهم ، والذي كان تعداده [ 21   ألفاً ]، وعهدوا بقيادته إلي [ منذر الونداوي ] أحد ضباطهم العسكريين ، والطيار الذي هاجم وزارة الدفاع بطائرته يوم الانقلاب ، وعمل الونداوي على توسيع قاعدة الحرس القومي حتى بلغ تعداده  [34  ألفاً ].

1 ـ مجلس قيادة الثورة :

 

كانت الخطوة التالية للبعثيين تشكيل ما يسمى [ مجلس قيادة الثورة ]،  في 8 شباط 63 بموجب البيان رقم 15 ، وأعطى القرار صلاحيات واسعة للمجلس ، تشريعية ، وتنفيذية ومن  تلك الصلاحيات :

1 ـ إصدار القوانين ، وتعديلها .

2 ـ تعين الوزراء ، وإقالتهم .

3 ـ منحه صلاحيات القيادة العامة للقوات المسلحة .

4 ـ الإشراف على شؤون الجمهورية .

5 ـ الإشراف على جهازي الأمن ، والاستخبارات العسكرية

وجاء المجلس المشكل مكوناً من [ 18 عضواً ]، منهم  15 عضواً من حزب البعث ، وعضوين فقط من القوميين ، كان أحدهم عبد السلام عارف الذي رقي من رتبة عقيد ركن إلى رتبة مشير ركن وهي أعلى رتبة عسكرية في الجيش ، وجاء تشكيل المجلس  على الوجه التالي :

1ـ عبد السلام عارف ـ رئيس الجمهورية .

2 ـ  أحمد حسن البكر ـ عضو القيادة القطرية لحزب البعث.

3 ـ علي صالح السعدي ـ  أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث .

4 ـ حازم جواد          ـ عضو القيادة القطرية للحزب

5 ـ طالب شبيب        ـ    "     "      "        "

6 ـ حمدي عبد المجيد     ـ    "     "      "        "

7 ـ كريم شنتاف        ـ     "     "      "        "

8 ـ محسن الشيخ راضي ـ     "     "       "       "

9 ـ صالح مهدي عماش ـ     "     "       "       "

10 ـ هاني الفكيكي    ـ      "     "       "      "

11 ـ حميد خلخال     ـ      "      "       "      "

12 ـ عبد الستار عبد اللطيف ـ عضو المكتب العسكري للحزب .

13 ـ خالد مكي الهاشمي    ـ     "      "         "         "

14 ـ حردان التكريتي      ـ      "      "         "         "

15 ـ عبد الكريم مصطفى نصرت ـ "    "       "        "

16 ـ أنور عبد القادر الحديثي ـ كادر بعثي ، عين سكرتيراً للمجلس.

17 ـ طاهر يحيى     ـ  بعثي أسمياً ، رقي إلى رتبة لواء .

18ـ عبد الغني الراوي  ـ زعيم ركن ، إسلامي النزعة ، وصديق لحزب البعث .

ومن هذه التشكيلة يتبين أن حزب البعث قد احكم سيطرته على هذا المجلس دون منازع ، أصبحت له اليد الطولى في إدارة شؤون البلاد .

2 ـ مجلس وزراء الانقلابيين :

 

تشكل مجلس الوزراء من ( 20 ) عضواً ، كانت حصة حزب البعث منها ( 13 ) عضواً ، أي ثلثي أعضاء المجلس ، واحتفظ البعثيون بأغلب الوزارات المهمة ، وجاء تشكيله على النحو التالي :

1 ـ أحمد حسن البكر   ـ رئيساً للوزراء

2 ـ علي صالح السعدي ـ نائباً لرئيس الوزراء ، ووزيراً للداخلية .

3 ـ صالح مهدي عماش ـ وزيراً للدفاع .

 4 ـ حازم جواد   ـ وزيراً لشؤون رئاسة الجمهورية .

5 ـ طالب شبيب   ـ وزيراً للخارجية .

6 ـ عزت مصطفى  ـ وزيراً للصحة .

7 ـ سعدون حمادي  ـ وزيراً للإصلاح الزراعي .

8 ـ مهدي الدولعي  ـ وزيراً للعدل .

9 ـ مسارع الراوي  ـ وزيراً للإرشاد .

10 ـ صالح كبه     ـ وزيراً للمالية

11ـ أحمد عبد الستار الجواري ـ وزيراً للتربية .

12 ـ عبد الكريم العلي ـ وزيراً للتخطيط .

13 ـ حميد خلخال ـ وزيراً للعمل

14 ـ عبد الستار عبد اللطيف ـ وزيراً للمواصلات .

15 ـ ناجي طالب  ـ وزيراً للصناعة .

16 ـ شكري صالح زكي ـ وزيراً للتجارة .

 17 ـ عبد العزيز الوتاري ـ وزيراً للنفط .

 18 ـ محمود شيت خطاب ـ وزيراً للبلديات .

19 ـ بابا علي الشيخ محمود ـ وزيراً للزراعة .

20 ـ فؤاد عارف  ـ وزير اً للدولة

 وهكذا ضمت الوزارة ثلاثة من  القوميين هم كل من : ناجي طالب ، وشكري صالح زكي ، وعبد العزيز الوتاري ، وضمت واحداً من الإسلاميين هو محمود شيت خطاب ، فيما ضمت اثنان من الأكراد ، هما بابا علي الشيخ محمود ، وفؤاد عارف اللذان لم يستمرا في الوزارة سوى ثلاثة اشهر ، عندما شن البعثيون الحرب على الشعب الكردي في 1 أيار 963.

 

3 ـ الانقلابيون يرتبون أوضاع الجيش ،والأجهزة الأمنية :

 

كما أسلفنا سابقاً كان موقف حزب البعث داخل الجيش ضعيفاً ، ومعظم الضباط البعثيون من ذوي الرتب الصغيرة ، ولذلك فقد جاءت تشكيله قيادات الجيش من عناصر قومية في غالبيتها ، وكان لتلك العناصر الدور الحاسم في إسقاط سلطة حزب البعث ، بعد 9 اشهر من وقوع انقلاب 8 شباط 963 ، وفيما يلي التعينات التي أجريت في الجهاز العسكري إثر وقوع الانقلاب :

1 ـ تعيين العقيد طاهر يحيى رئيساً لأركان الجيش ، مع ترقيته إلى رتبة لواء .

2 ـ تعيين المقدم خالد مكي الهاشمي نائباً لرئيس الأركان ، وترقيته إلى رتبة عقيد .

3 ـ تعيين المقدم حردان التكريتي قائداً للقوة الجوية ، وترقيته إلى رتبة عقيد .

4 ـ تعيين المقدم صبحي عبد الحميد مديراً للعمليات العسكرية ورقي إلى رتبة عقيد

5 ـ تعيين المقدم سعيد صليبي ، أمراً للانضباط العسكري ، ورقي إلى رتبة عقيد .

7 ـ تعيين المقدم محمد مجيد ، مديراً للتخطيط العسكري ، ورقي إلى رتبة عقيد .

8 ـ تعين الرئيس محي الدين محمود ، مديراً للاستخبارات العسكرية .

9ـ تعين العقيد رشيد مصلح التكريتي ،حاكماً عسكرياً عاماً ،ورقي إلى رتبة زعيم .

وفي الوقت نفسه أصدر الانقلابيون قراراً ت أخرى  بتعين قادة الفرق العسكرية ، وجاءت على الوجه التالي :

1 ـ تعين العقيد عبد الكريم فرحان ـ قائداً للفرقة الأولى،ورقي إلى رتبة زعيم.     

2 ـ العقيد إبراهيم فيصل الأنصاري ـ قائداً للفرقة الثانية ،ورقي إلى رتبة زعيم .  

3 ـ تعيين العقيد عيد الغني الراوي  ـ قائداً للفرقة الثالثة  ،ورقي إلى رتبة زعيم .    

4 ـ تعيين الرائد عبد الكريم نصرت قائداً للفرقة الرابعة المدرعة،ورقي إلى رتبة عقيد.

5 ـ تعيين العقيد  عبد الرحمن عارف- قائداً للفرقة الخامسة ، ورقي إلى رتبة زعيم.   

أما كتائب الدبابات ، فقد أسندت إلى الضباط التالية أسماؤهم :

 1ـ المقدم صبري خلف الجبوري ـ قائداً لكتيبة خالد .

2 ـ المقدم الركن حسن مصطفى النقيب ـ قائداً لكتيبة الدبابات الأولى .

3ـ المقدم محمد المهداوي ـ قائداً لكتيبة الدبابات الثالثة .

4 ـ المقدم خالد مكي الهاشمي ـ قائداً لكتيبة الدبابات الرابعة ،إضافة إلى منصبه كنائب لرئيس أركان الجيش .وكان واضحاً أن البعثيين أرادوا إبقاء هذه الكتيبة ، التي كان لها الدور الحاسم في الانقلاب ، بين أيديهم . 

 

ثانياً : ما هو برنامج حزب البعث ؟

 

لم يكن حزب البعث قد وضع له أي برنامج ، سواء قبل استلامه السلطة ، أم بعدها ، وكل من كان لديه هي شعاراته الجوفاء حول الوحدة ، والحرية ، والاشتراكية !!!، تلك الشعارات التي أستخدمها عند قيام ثورة 14 تموز مباشرة ، لشق جبهة الاتحاد الوطني ، واللجنة العليا للضباط الأحرار ، وتبين فيما بعد أن تلك الشعارات لم تكن إلا وسيلة للوثوب إلى السلطة ، فلا وحدة ، ولا حرية ، ولا اشتراكية ، بل كان جُلّ همهم يتركز حول وسائل تثبيت حكمهم ، والسيطرة على المرافق العامة للدولة ، العسكرية منها والمدنية ، وقد جرّت سياستهم تلك إلى فرض حكم الحزب الواحد ، وتقليص دور شركائهم القوميين ، مما أدى إلى قيام ، وتنامي الصراع بين الجانبين .

لقد اعتمد البعثيون في تحقيق آمالهم ، وأهدافهم هذه على قوات [ الحرس القومي ] الفاشية ، التي أعدوها قبل الانقلاب ،وجرى توسيعها ،إعطائها صفة رسمية بعد نجاح الانقلاب ، وضم أعضاء ، ومؤيدي الحزب إليها ، كما ضمت أعداد كبيرة من دعاة القومية ، من العناصر المعادية لثورة 14 تموز ، واتجاهاتها الديمقراطية والتقدمية ، واخذوا  يوسعون قاعدة حرسهم حتى وصل عدده إلى ( 34 ) ألفاً ، هادفين إلى أن يكون لهذه القوات اليد الطولى ،متجاوزين على الجيش وضباطه ، حتى وصل بهم الأمر إلى إهانة الجيش ، وتوقيف ضباطه ، وتفتيشهم ، وإهانتهم ، وبلغ بهم الاستهتار حدوداً بعيدة .

لكن حسابات البعثيين كانت خاطئة ، فالحرس القومي مهما بلغ تعداده ، فهو لا يصل إلى تعداد قوات الجيش ، كما أن السلاح الذي يمتلكه الحرس القومي لا يمكن أن يقاس بما لدى الجيش من أسلحة ثقيلة ، ومعدات ، وطائرات ، وخبرات قتالية ، وإمكانات مختلفة ، هذا بالإضافة إلى افتقار الحرس القومي ، وقيادته إلى الحكمة ، والتبصر ، فقد اتسمت كل تصرفاتهم بالاستهتار ، والتسرع ، والهمجية ، مما أفقدها أي تعاطف ، سواء كان من الشعب ، أو من الجيش ، وزاد في الطين بلة ، سعيهم إلى تقليص نفوذ الضباط القوميين داخل الجيش مما دفع بالصراع بين الطرفين إلى مرحلة أعلى ، وبعد اقل من تسعة أشهر حُسم الصراع لصالح القوميين ، وتم إسقاط سلطة البعث .ولابد أن أشير هنا إلى أن قيادة حزب البعث كلها ، كانت من العناصر الشابة ، التي ينقصها الخبرة السياسية ، وأتسمت قراراتها بالتسرع ، والتهور .

لقد أدرك مؤسس الحزب ـ ميشيل عفلق ـ تلك الحقيقة ، وعبر بوضوح عن حال تلك القيادة في أحد الاجتماعات الحزبية المغلقة ، حيث قال :

{ بعد الثورة ، يقصد انقلاب 8 شباط ، بدأت اشعر بالقلق من فرديتهم ، وطريقتهم الطائشة في تصريف الأمور ، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة بلد وشعب ، بل إنهم يصلحون فقط لظروف " النضال  السلبي " ، ولا يعني ذلك إلا الأعمال الإرهابية ، كالاغتيالات ، والاعتداءات ، وغيرها من الأعمال الإجرامية التي كانوا يمارسونها قبل انقلابهم }.(4)

أما أحمد حسن البكر ـ رئيس جمهوريتهم ـ فقد ذكر لعفلق قائلاً :

{ كنت في السابق الاحظ المحبة في عيون الناس ، أما الآن ، فإني اهرب إلى الشوارع الخلفية غير المطروقة للابتعاد عن عيون الناس ، وتجنب نظرات الكراهية } .(5)

أما ثالثهم على صالح السعدي ـ أمين سر الحزب ، ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية ، فقد صرح قائلاً :

{ لقد ضعنا في الحكم ، وكان انقلاب شباط يمثل قفزة نحو المجهول } .(6)

 

البعثيون والحزب الشيوعي :

 

عندما جاء البعثيون إلى الحكم في 8 شباط 1963 ، كان في مقدمه أهدافهم شن حرب لا هوادة فيها ضد الحزب الشيوعي ، وسائر القوى الديمقراطية ، وكان هذا هو هدف الإمبريالية التي جاءت بهم إلى الحكم ، فلقد راعها المد الشيوعي الذي أعقب ثورة 14 تموز 958، وتعاظم قوة الحزب ولاسيما بعد مسيرة الأول من أيار 959 ، والتي رفع من خلالها الحزب الشعار المطالب بإشراكه في السلطة ، واعتبرت ذلك تجاوزاً خطيراً على مصالحها في هذه المنطقة الهامة من العالم ، حيث تمتلك نصف الخزين العالمي من النفط ، ولذلك فقد سعت الإمبريالية بكل جهودها من أجل إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم ، وإنهاء دور الشيوعيين في العراق ،واستعان الإمبرياليون بحزب البعث ، كما جاء على لسان أمين سر الحزب [ على صالح السعدي ] عندما صرح بأن الحزب جاء إلى الحكم بقطار أمريكي .

جاء البعثيون إلى الحكم  لينفذوا الأهداف التي خططها لهم الإمبرياليون ،فشنّوا حملة إبادة شواء ضد أعضاء ومناصري الحزب الشيوعي وجماهيره ،لم يشهد لها العراق مثيلاً من قبل ، بادئين حملتهم ببيانهم السيئ الصيت [ رقم 13 ] والذي دعوا فيه إلى إبادة الشيوعيين ، وهذا نصه :

 

بيان رقم 13 صادر من الحاكم العسكري العام :

 

نظراً للمحاولات اليائسة للعملاء الشيوعيين ـ شركاء عدو الكريم !!،في الجريمة ، لزرع الفوضى في صفوف الشعب ،وتجاهلهم للأوامر والتعليمات الرسمية ، فقد كُلف قادة الوحدات العسكرية ،والشرطة ،والحرس القومي بالقضاء على كل من يعكر صفو السلام ،وإننا ندعو أبناء الشعب المخلصين إلى التعاون مع السلطات بالإعلام عن هؤلاء المجرمين ،وإبادتهم !!! .

لم يشبع نهم البعثيين ،آلاف الشيوعيين وسائر الوطنيين ، الذين سقطوا دفاعاً عن ثورة الرابع عشر من تموز ، يوم انقلابهم المشؤوم ،فقد بادروا ،بعد أن أستتب لهم الأمر ، إلى شن حملة إعتقالات واسعة شملت العراق ،من أقصاه إلى أقصاه ،مستخدمين حرسهم القومي ،وجهاز الأمن الذي أنشأه ورعاه الإمبرياليون وعملائهم ،وعلى رأسهم [ نوري السعيد ] ،والذي لم يناله من حكومة ثورة 14 تموز سوى الضرر اليسير .

وهكذا جاء اليوم الذي ينفذون فيه الهجوم الكاسح على الحزب الشيوعي والشيوعيين ، وكل من يحمل فكراً ديمقراطياً تقدمياً ، وشملت الإعتقالات مئات الألوف من الوطنيين ، وكانت عصابات الحرس القومي تداهم البيوت ، في الليل والنهار بحثاً عن كل من يمت بصلة مع الشيوعيين.  

ونظراً لكثرة المعتقلين ، فقد استخدم الإنقلابيون الملاعب الرياضية ، ودور السينما ، والنوادي ، والدور السكنية كمعتقلات ، ومارسوا فيها أبشع أنواع التعذيب والقتل ، وتقطيع الأطراف ، وقلع العيون ، والأظافر ، وكل ذلك جرى بموجب قوائم أعدت سلفاً بأسماء الشيوعيين ومؤيديهم ، من قبل المخابرات المركزية الأمريكية ، وكانت إذاعة تابعة للمخابرات المركزية ، تبث من الكويت ، تذيع أسماء وعناوين سكن الشيوعيين المعروفين لغرض اعتقالهم  وتصفيتهم من قبل عصابات البعث .

وقد جاء ذلك على لسان الملك حسين في حديث معه ،أجراه الصحفي المعروف محمد حسنين هيكل رئيس تحرير صحيفة الأهرام القاهرية كما سبق أن مر ذكره من قبل .

لقد بدأت عصابات الحرس القومي التحقيق مع المعتقلين ، عسكريين ومدنيين ، ، ومن ضمنهم معظم قادة الحزب الشيوعي وكوادره ، باستخدام أبشع أساليب التعذيب الجسدي والنفسي ، لمحاولة انتزاع الاعترافات منهم عن تنظيمات الحزب ، وقضى تحت التعذيب عدد كبير منهم ، بعد أن قطعت أطراف البعض ، وقلعت عيونهم ، وأحرقت ألسنتهم ، ونزعت أظافرهم ، وأعتدي على شرف النساء ، أمام أزواجهن وأقاربهن ، وبنيت أعمدة من الطابوق والسمنت حول أجساد عدد منهم، وكان من بين الذين استشهدوا تحت التعذيب من قادة الحزب :

1 ـ سلام عادل ـ حسين محمد الرضي ـ السكرتير الأول للحزب .

2 ـ جمال الحيدري ـ عضو المكتب السياسي للحزب .

3 ـ حسن عوينه  ـ    "       "       "          "  

4 ـ محمد حسين أبو العيس "   "      "          "  

5 ـ نافع يونس   ـ عضو اللجنة المركزية للحزب .

6ـ جورج  تللو  ـ    "      "        "       "   

7ـ طالب عبد الجبار ـ "    "        "       "   

8 ـ محمد صالح العبلي ـ "   "        "       " 

9 ـ عزيز الشيخ     ـ   "    "       "       "

10 ـ شريف الشيخ ـ   "    "       "       "

11 ـ حمزة سلمان  ـ    "    "       "       "

12 ـ عبد الرحيم شريف ـ "   "      "       "

13 ـ عبد الجبار وهبي  ـ  "     "      "     "

14 ـ مهدي كريم   ـ   "      "     "      "

15 ـ لطيف الحاج  ـ عضو قيادة فرع بغداد .

هذا على مستوى القيادة ، أما كوادر وأعضاء ، ومناصري الحزب فلا يمكن عدهم ، فقد بلغ إجرام الحرس القومي ، وعلى رأسه [ عمار علوش ] و[ ناظم كزار ] و[خالد طبره ] واعضاء اللجنة التحقيقية العسكرية في معسكر الرشيد ـ حيث يوجد السجن  رقم واحد ـ وهم كل من :

حازم الصباغ ،وحازم الشكرجي ،وطه حمو ،أقصى درجاته ، فقد كان شغلهم الشاغل ، في الليل والنهار ، هو تعذيب المعتقلين ، مدنيين وعسكريين لنزع الاعترافات منهم ، وقد قضى المعتقلون أشهراً عديدة في المواقف ،ومراكز الحرس القومي ، وقصر النهاية ، السيئ الصيت ،ومقر محكمة الشعب سابقاً ، والتي أتخذها عمار علوش وزمرته مقراً لهم ،وكانوا يمارسون التعذيب فيها بحق المعتقلين ، وكل يوم يمر يموت فيه عدد من المعتقلين بسبب التعذيب ، حتى أزكمت جرائمهم الأنوف ، واضطر الحاكم العسكري العام ، رشيد مصلح التكريتي إلى إصدار أمرٍ بعدم جواز بقاء الموقوفين لدى الحرس القومي ،ووجوب إرسالهم إلى السجن بالنسبة للمدنيين ، والى سجن رقم واحد ،بالنسبة للعسكريين .

وبعد أن أتمت لجانهم التحقيقية عملها ، أحيل المعتقلون إلى المجالس العرفية التي شكلوها ، والتي بدأت بمحاكمتهم ،وإصدار الأحكام القاسية بحقهم ،فأرسلت أعداداً كبيرة منهم الى المشانق ، أو الإعدام رمياً بالرصاص ، وبالآلاف منهم إلى السجن ، محملين بأحكام الطويلة تراوحت بين السجن لمدة ثلاث سنوات ، والسجن المؤبد ، ولم يكتفِ الانقلابيون بذلك ،بل أعادوا محاكمة السجناء السابقين ، الذين حكمتهم المجالس العرفية في عهد عبد الكريم قاسم ، خلافاً للقانون، وحكموا عليهم بالإعدام ، ونفذوا الحكم فيهم في ساحات ، وشوارع الموصل وكركوك .

وحتى الذين لم يثبت انتماؤهم للحزب الشيوعي أمام المجالس العرفية ، فكان رئيس المجلس يطلب منهم سبّ الحزب الشيوعي وقادته ،وعند رفضهم ذلك ،يحكم عليهم بموجب المادة 31 بالسجن لمدة تتراوح بين سنة ،وعشر سنوات ،متخذاً من رفضهم دليلاً على الاتهام .

لقد أدى سلوك حزب البعث هذا ، وحربه الشعواء ضد الحزب الشيوعي ، إلى فقدان علاقاتهم بالاتحاد السوفيتي ،والمعسكر الاشتراكي ، آنذاك ،وأخذت إذاعتهم تتهجم على تلك البلدان ، وغدت الإذاعة وكأنها إحدى إذاعات أمريكا الموجهة إلى البلدان الاشتراكية ، وانجروا نحو الحرب الباردة ،إلى جانب الإمبريالية .

رابعاً : وقوع انقلاب بعثي في سوريا ،ومشروع الوحدة الثلاثية :

 

لم يكد يمضي سوى شهر واحد على وقوع انقلاب 8 شباط 963 في العراق ، حتى قام البعثيون السوريون بانقلاب عسكري في سوريا، في 8 آذار 963 ، بقيادة [ لؤي الأتاسي ] ، بالتعاون مع عدد من الضباط الآخرين .

أثار الانقلاب السوري موجة عارمة من الفرح لدى انقلابيي 8 شباط،في بغداد ، وتملكهم الغرور ، وشعروا أن العالم العربي قد اصبح رهن أيديهم ، وجرى لقاء بين قادة الانقلابيين في العراق وسوريا  وبدأوا يخططون لمشروع وحدة ثلاثية ، تضمهم إلى جانب العربية المتحدة  ، بشروطهم الخاصة .

وبالفعل سافر وفد من بعثي العراق وسوريا، إلى القاهرة ، حيث جري اللقاء مع الرئيس عبد الناصر  وجرت مفاوضات بين الأطراف الثلاثة لإقامة وحدة ثلاثية، خلال سنتين ، يجري خلاها التنسيق بين الأطراف، في المجالات المختلفة ، وكان المشروع لا يعدو عن كونه أدنى من  [الاتحاد الفدرالي ] الذي وقف البعثيون ضده بقوة عند قيام ثورة 14 تموز 958 ، مطالبين بالوحدة الفورية .

وبعد مفاوضات طويلة ، تم عقد [اتفاقية 17 نيسان 963 ]، لقيام علاقات وحدوية مع العربية المتحدة ، لم تصل إلى حتى مستوى الاتحاد الفدرالي ، وعاد الوفدان ، العراقي والسوري إلى بلديهما  وأدرك الرئيس عبد الناصر أن البعثيين لم يكونوا صادقين في شعاراتهم ونواياهم ، وخاب أمله بهم وبحزبهم .

ومما زاد في الطين بلة، اشتداد التناقض بين البعثيين والقوميين ، ومحاولة البعثيين تحجيم العناصر القومية والناصرية والحركية ، الذين حُرموا من المشاركة في المنظمات المختلفة ، ومما زاد في تأزم العلاقة بين الطرفين وقوع مصادمات بين أتباع تلك الحركات وقوات الحرس القومي في الموصل وبغداد ، وغيرها من المدن الأخرى ، ووقوع عدد من القتلى بين الطرفين ، مما حدا بمجلس قيادة الثورة ، الذي يسيطر عليه البعثيون ، أن يصدر بياناً في 25 أيار وَصفَ فيه الحركيين ،بالرجعيين والأذناب ،والانتهازيين و بأنهم عناصر حاقدة تدبر مؤامرة سوداء ضد الدولة (7).

ورد الحركيين على البيان ، واصفين تلك التهم بأنها زائفة ، ولا تعدوا عن كونها محاولة خسيسة لتصفية العناصر الوحدوية ، داخل الجيش وخارجه (8)

لقد كان الشقاق الذي حصل بين حزب البعث ، وبين القوميين والناصريين والحركيين ، لا يعني إلا الشقاق بين حزب البعث وعبد الناصر ، وبالفعل لم يمضِ سوى شهر واحد على اتفاقية 17 نيسان ، حتى طواها النسيان .

أما في سوريا فقد سارت الأمور هناك نحو الأسوأ ، فقد حدث انشقاق في صفوف حزب البعث ، وظهر حزب جديد يقوده [ صلاح جديد ،وحافظ الأسد ومحمد عمران ]، أعلن معارضته إقامة أية وحدة مع العربية المتحدة ، متأثرين بالظروف التي آلت إليها سوريا خلال تجربة الوحدة عام 958 .

وكان هؤلاء الضباط ذوي تأثير ، ونفوذ كبيرين في صفوف الجيش ،وثبتوا أقدامهم بعد انفصام الوحدة ،وعملوا على تطهير الجيش من العناصر القومية المؤيدة للوحدة .

وهكذا كان الفتور في التوجه الحقيقي نحو الوحدة ، بادياً للعيان ، انتهى الاتفاق بعد أسبوع من ولادته .وبدأ عبد الناصر يوجه سهامه نحو عفلق ،وصلاح الدين البيطار ، متهماً إياهم بالخيانة لقضية الوحدة .حاول عبد السلام عارف مصالحة عبد الناصر مع البعثيين ،الا أنه فشل في مسعاه ،وتوسعت الخلافات بين البعثيين وعبد السلام عارف ، والضباط القوميين في صفوف الجيش ،وباتت تنذر بالخطر على سلطة حزب البعث .وهكذا  تخلى البعثيون عن شعار الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة ،ذلك الشعار الذي رفعوه منذُ اليوم الأول لثورة 14تموز ،وكان سبباً في شق وحدة جبهة الاتحاد الوطني ، وحركة الضباط الأحرار ،وفي الصراع السياسي الذي تبع ذلك بين القوى ذات التوجه الديمقراطي ، والقوى ذات التوجه القومي ، والذي أدى بدوره إلى انتكاسة ثورة 14تموز .

 

خامساً : البعثيون يشنون الحرب على الأكراد

 

منذُ أن أصطدم قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بحكومة عبد الكريم قاسم ، عام 1961 ، وقاموا بحركتهم ضد السلطة ، دخلت كردستان في حرب شعواء أستمر لهيبها حتى نهاية حكم عبد الكريم  قاسم ، وفي تلك الفترة كان أعداء ثورة 14 تموز يعدون العدة لإنقلابهم الفاشي .

وفي تلك الأثناء وجد البارتيون أن تحالفهم مع تلك العناصر ، البعثية والقومية ، خير سبيل للانتصار على عبد الكريم قاسم ، ونيل حقوقهم التي يطالبون بها !!وهكذا بدأ البارتيون يغازلون الانقلابيين من أجل إقامة التعاون بينهم لإسقاط حكم عبد الكريم قاسم ، وفي ظنهم أن هذه القوى يمكن أن تمنح الأكراد حقوقهم القومية ، وكان ذلك التفكير ينم عن جهل مطبق ، بطبيعة هذه العناصر ، وتوجهاتها القومية الشوفينية .

ورغم التحذيرات المتكررة التي وجهها الحزب الشيوعي لقادة الحزب البارتي ، من مخاطر انجرارهم إلى التآمر على ثورة تموز ، والتي سوف تصيب الشعب الكردي بأفدح الأضرار ، إلا أن قادة الحزب صموا آذانهم عن تلك النصيحة ، واخذوا يتبادلون المذكرات واللقاءات مع الانقلابيين ، وشاءت الظروف أن تقع بين يديّ ، المذكرات المتبادلة بين إبراهيم احمد ـ سكرتير حزب البارت ، وطاهر يحيى ، ممثل الانقلابيين ، بعد يوم من وقوع انقلاب 8 شباط مباشرة .

وهكذا وضع البارتيون أيديهم بأيدي الانقلابيين ، أعداء القومية الكردية ، الذين لا يعترفون بالأكراد كقومية ، وهللوا وتظاهروا فرحين ، يوم الانقلاب ، في الثامن من شباط ، وأسرع ممثليهم ، صالح اليوسفي ، وفؤاد عارف إلى دار الإذاعة صباح يوم الانقلاب لتقديم التهاني  والتبريكات للانقلابيين فرحين ، فقد حقق البارت الحقوق القومية للشعب الكردي !!!.

غير أن الانقلابيين كانوا يضمرون كل الشر للأكراد ،وتظاهروا في لقاءاتهم ، ومذكراتهم بحرصهم على تلك الحقوق ،وكانوا يهدفون من وراء ذلك تجميد الأكراد يوم الانقلاب ،وضمان عدم التصدي لهم كما فعل الشيوعيون ،ولاشك أنه كانت لهم كل الإمكانية للقيام بدور فاعل في كركوك،والسليمانية ،والموصل،وأربيل وسائر المناطق الكردية ،بالتصدي للانقلابيين ،وإفشال مؤامرتهم ضد ثورة تموز المجيدة .

لكن القادة الأكراد وقعوا في الفخ الذي نُصب لهم ،وتنكّروا  لثورة 14 تموز ،شاؤوا أم أبوا، وضيعوا ليس حقوق الشعب الكردي فحسب ،بل الشعب العراقي كافة ،فلم يكد يمضي سوى أقل من ثلاثة أشهر على الانقلاب حتى بادر الانقلابيون بدون سابق إنذار إلى شن حملة عسكرية واسعة النطاق على كردستان ، مستخدمين أبشع السبل للتنكيل بالشعب الكردي ،وهدم قراهم ،وتقتيل  الآلاف من أبنائهم .

لقد شهدت بأم عيني ماذا فعل الانقلابيون في مدينة السليمانية ،ففي فجر اليوم الأول من أيار 963 طافت سيارات عسكرية تحمل مكبرات الصوت و تدعوا الناس إلى عدم مغادرة منازلهم ، وتعلن منع التجول ،وبنفس الوقت ، تحركت قطعانهم العسكرية ، تداهم المنازل ، منزلاً منزلاً ،وحسب الأرقام ، وتفتشها تفتيشاً دقيقاً ، وتعتقل كل شخص تجاوز السادسة عشرة من عمره .

كنت في ذلك الوقت متخفياً في السليمانية ،منذُ وقوع انقلاب 8 شباط ، وتمكنت ، بأعجوبة من الإفلات من قبضة الانقلابيين .

لقد أعتقل الانقلابيون الآلاف من أبناء الشعب الكردي ،ولم يسلم من الاعتقال الحكام ، والأطباء  والمحامون ، والمهندسون وسائر الموظفين ، وبدأ الانقلابيون يجرون عملية فرز للمعتقلين ، فمن كان شيوعياً ، أو بارتياً أطلقوا عليه الرصاص في الحال ، دون محاكمة ،حيث استشهد منهم المئات ،وكان من بينهم العديد من زملائي ، وقام الانقلابيون بحفر خنادق كبيرة بالبلدوزرات العسكرية ،وتم دفنهم بصورة جماعية ، بصورة سرية ،في مكان قريب من معسكرهم .

أما الذين بقوا رهن الاعتقال في معسكرات الجيش ، فقد أبقاهم الانقلابيون ثلاثة أيام متوالية دون طعام ، ومنعوهم من أخذ أي شيء معهم إلى المعتقل ،ومكثوا في الاعتقال عدة اشهر ،ويوم خروجهم من المعتقلات كانت لحاهم ، وأظافرهم قد أصبحت طويلة جداً ، فلم يسمح لهم الانقلابيون حتى بأخذ ماكنة الحلاقة .

لقد قام الانقلابيون أثناء حملة التفتيش للمنازل بقتل العديد من الأكراد أمام عوائلهم ، ومنعوا ذويهم من الخروج لدفنهم ،مما اضطرهم إلى دفنهم في فناء منازلهم ، كما جرى نهب العديد من المحلات التجارية وحرقها ، وكل هذا ليس إلا غيض من فيض من الجرائم التي أرتكبها البعثيون الفاشست في كردستان ،وسائر المدن العراقية .

أستمر لهيب الحرب في كردستان حتى سقوط حكم البعث ، وتولي عبد السلام عارف الحكم ، إثر انقلابه على البعثيين ،في 17 تشرين الثاني من نفس العام ، حيث توصل البارتيون وعبد السلام عارف ، عبر وساطة الرئيس عبد الناصر ، في 10 شباط 964 إلى إيقاف القتال .غير أن تباين التطلعات القومية لدى القوميين العرب ، والأكراد ، جعل من المستحيل استمرار تلك الهدنة الهشة ، واندلع القتال من جديد في 5 نيسان 965 ، وعلى عهد عبد السلام نفسه أيضاً .

 

 

********

 سادساً : انتفاضة الشيوعيين في معسكر الرشيد ببغداد :

 

بعد وقوع انقلاب 8 شباط ، وحملة التنكيل بالحزب الشيوعي ، وفقدانه الكثير من قياداته  وكوادره،وبعد امتصاص تلك الضربة الموجعة التي وجهها الانقلابيون له ،بدأ الشيوعيون تجميع صفوفهم وتنظيمها من جديد ،وكان هناك عدد من قياديي الحزب مازالوا طليقين ،قسم منهم لم يكن مكشوفاً ،وقسم آخر كان في الاختفاء .

بدأ أولئك القادة حملة نشيطة لإعادة بناء الحزب من جديد ،والنضال ضد الانقلابيين ،وكانت هناك مجموعة كبيرة من العناصر الثورية الجريئة في صفوف الحزب ،وكانت تلك العناصر مستعدة لكل التضحيات في سبيل القضية العادلة التي ناضلوا من اجلها .كان من بين تلك العناصر الوطنية الشجاعة ،مجموعة الشهيد ـ حسن سريع ،التي أخذت على عاتقها القيام بعمل ثوري جرئ ينطوي على مهاجمة معسكر الرشيد القريب من بغداد ، والسيطرة عليه ، وإطلاق سراح الضباط الشيوعيين والديمقراطيين المعتقلين في سجن رقم واحد داخل المعسكر ،وكان عددهم يقدر بأكثر من 1300 ضابط من مختلف الرتب والأصناف ،بينهم مجموعة كبيرة من الطيارين ،وكان إطلاق سراحهم وسيطرتهم على المعسكر ،وقاعدته الجوية  يمكن أن يقلب موازين القوى ، ويقتلع حكم البعث ، ذلك أن الجنود ،وضباط الصف ، كانوا لا يدينون بالولاء لتلك السلطة الغاشمة ، التي أغرقت العراق بالدماء ، بل كانوا ،على العكس من ذلك يدينون بالولاء لثورة الرابع عشر من تموز التي أغتالها الانقلابيون .

كان تحرير الضباط من السجن ،وقيادتهم للجنود ، وضباط الصف والعديد من الضباط ذوي الرتب الصغيرة الذين لم يكشفهم الانقلابيون ،والاستيلاء على قاعدة الرشيد الجوية ، يشكل تهديداً خطيراً لسلطة الانقلابيين.

وبالفعل ،تهيأت تلك المجموعة للعمل ، وأجرت اتصالها بقيادة الحزب عن طريق الشهيد [ إبراهيم محمد علي الديزئي ] عضو ارتباط المجموعة بالحزب ، في 3 تموز 63، وهاجمت المعسكر ،واستطاعت السيطرة على مدخله ،وتوغلت داخل المعسكر ،وتمكنت من اعتقال وزير الخارجية ،طالب شبيب،ووزير شؤون رئاسة الجمهورية حازم جواد ،والقائد العام للجيش الشعبي منذر الونداوي ،حيث كانوا متواجدين داخل المعسكر آنذاك .أسرع الانقلابيون إلى جلب قوات كبيرة مجهزة بأسلحة ثقيلة من خارج المعسكر ،حيث اشتبكت تلك القوات مع المجموعة الثورية المهاجمة ، ودارت معركة شرسة بين الطرفين قبل وصول المجموعة  إلى السجن  لتحرير الضباط ، و بسبب عدم وجود أي تكافئ بين الطرفين من جهة ،واعتماد المجموعة على الأسلحة الخفيفة من جهة أخرى استطاع الانقلابيون إجهاض الانتفاضة ،بعد استشهاد عدد كبير منهم ،وتم اعتقال ما تبقى من المجموعة ،حيث نقلوا إلى مقر التحقيق لزمرة عمار علوش ،وناظم كزار حيث تعرضوا لصنوف من التعذيب الوحشي  الذي أدى إلى استشهاد العديد منهم ،وكان من بين المعتقلين  قائد المجموعة [ أبو سلام ] الذي رأيته ملقى على الأرض في غرفة التعذيب فاقداً الوعي لفرط ما عذبه المجرمون ،زمرة عمار علّوش وناظم كزار . لم يسبق لي التعرف على هذا الشيوعي الشجاع ،لكنني عرفته حين تم اعتقالي مع الشهيد إبراهيم محمد علي،وجئ بنا إلى مقر اللجنة التحقيقية حيث سألني الجلاد ناظم كزار ،إن كنت أعرفه وقد أجبته بالنفي ، ثم عاد وسألني قائلاً : ألا تعرف أبو سلام ؟ هذا أبو سلام ، ولما أجبته ، من هو ابو سلام ؟ أنهال علي ، هو وزبانيته ضرباً مبرحاً وهو يصرخ : ألا تعرف من هو أبو سلام ؟ وعند ذلك عرفت من هو أبو سلام.

وعلى أثر فشل انتفاضة معسكر الرشيد بادرت السلطة الفاشية بنقل كافة الضباط المعتقلين إلى سجن [نقرة السلمان ]الواقع في البادية الجنوبية ،حيث تم حشرهم في عربات الحمل الحديدية التي ليس فيها أي تهوية ، وفي ذلك الشهر الشديد الحرارة من اشهر الصيف ، وكان الفاشيون يرمون بذلك إلى القضاء عليهم بسبب شدة الحرارة ، وفقدانهم للسوائل ، ولولا شهامة سائق القطار الذي أسرع بسيره حتى مدينة السماوة لهلك الجميع . كما كان للموقف الوطني البطولي لأبناء السماوة ،رغم أنف جلاوزة السلطة ،الذين استقبلوا المعتقلين ،وقدموا لهم المياه والملح للتعويض عن السوائل المفقودة لكان الكثير منهم قد هلك ، فقد كان المعتقلون في وضع خطير جداً ،وقد تم بعد ذلك نقل المعتقلين بواسطة السيارات إلى سجن نقرة السلمان ،في وسط الصحراء بعيداً عن أهلهم وذويهم .

 

********

 

التوثيق

 

 (1)المداخلة الأولى لميشيل عفلق ـ صحيفة 4 ـ العراق ـ حنا بطاطو ـ 328

 (2) نفس المصدر  ـ صحيفة 328

 (3) نفس المصدر السابق ـ ص 328 .

  (4) المداخلة الأولى لميشيل عفلق ـ صحيفة 4 ـ العراق ـ حنا بطاطو ـ ص 382  .

 (5) نفس المصدر ـ ص 382 .

 (6) نفس المصدر .

 (7)صحيفة صوت الجماهير ـ26 أيار 963

 (8) صحيفة الأنوار ، بيروت ،26 أيار