Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review

ألفصل ألسادس

 

 

 

 

الحزب الشيوعي والسلطة

 

 

أولاً : العلاقات بين الحزب الشيوعي والسلطة .

ثانياً : الحزب الشيوعي يطلب إشراكه في السلطة .

ثالثاً : عبد الكريم قاسم يوجه ضرباته للحزب الشيوعي .

رابعاً : حزب البعث يحاول اغتيال عبد الكريم قاسم .

خامساً : عبد الكريم قاسم يصدر قانون الأحزاب ويرفض إجازة الحزب الشيوعي

سادساً : انشقاق الحزب الوطني الديمقراطي .

سابعاً : الحزب الشيوعي يحاول تشكيل جبهة وطنية ديمقراطية .

ثامناً : عبد الكريم قاسم ، والقضية الكردية .

 

 

أولاً : العلاقات بين الحزب الشيوعي والسلطة :

 

1ـ إسناد الحزب الشيوعي للسلطة دون قيدٍ أو شرط منذُ 14 تموز 958 :

من المعلوم أن الحزب الشيوعي لم يشترك في حكومة الثورة التي شُكلت صبيحة الرابع عشر من تموز 1958 ،رغم ثقله السياسي الكبير ، ورغم مساهمته الفعالة في نجاح الثورة ، وإسنادها فيما بعد .

لم يطلب الحزب الشيوعي ، آنذاك ، إشراكه في السلطة بسبب الظروف الدولية الخطيرة ، التي كانت تحيط بالثورة ، فالقوات البريطانية نزلت في الأردن ، والقوات الأمريكية نزلت في لبنان ، والقوات التركية تمّ حشدها على الحدود الشمالية ، وكان واضحاً أن الإمبرياليين وعملائهم في تركيا  وإيران ،والأردن قد صُدموا بقيام الثورة التي هدمت أحد أهم أركان حلف بغداد ، وأضاعت أحلامهم في ضم بقية الدول العربية إلى ذلك الحلف ، وخاصة سوريا .ولم يكن الحزب الشيوعي ، ولا السلطة الثورية الجديدة يريدان مزيداً من الاستفزاز للإمبرياليين آنذاك ، لكي لا تصور ثورة 14 تموز على أنها ثورة شيوعية ، قامت في بلد، كالعراق ، له أهمية قصوى في حساباتهم ، فالعراق بلد نفطي أولاً ، ويقع على رأس الخليج ثانياً ، ومعلوم أن الخليج يتسم بأهمية كبرى ، بكونه أكبر مورد للنفط في العالم ، لذلك كله ، سكت الحزب الشيوعي عن المطالبة في إشراكه في السلطة ، أسوةً ببقية أحزاب جبهة الاتحاد الوطني ، ولم يكتف بسكوته ، ، بل بادر منذُ الساعات الأولى لانبثاق الثورة ، إلى إرسال برقية إلى الزعيم عبد الكريم قاسم ، يبلغه أنه قد وضع كافة إمكانيات الحزب في خدمة الثورة ، وحمايتها ، دون قيدٍ أو شرط .

لقد أدرك الحزب الشيوعي ، تماماً ، أن المهمة الأولى هي صيانة الثورة ، وحمايتها من تدخل الإمبرياليين ، ونشاط الرجعيين الرامي إلى إجهاضها ، وأعادت العراق الجامح إلى سيطرتهم من جديد ، وهذا نص البرقية التي بعثها الحزب الشيوعي إلى عبد الكريم قاسم :

2ـ برقية الحزب الشيوعي للزعيم عبد الكريم قاسم :

سيادة رئيس مجلس الوزراء عبد الكريم قاسم المحترم :نهنئكم من صميم قلوبنا على خطوتكم المباركة التي وضعت نهاية حاسمة لعهد طويل من المآسي ، والمحن ، والتي قاسى منها شعبنا المجاهد النبيل ، على يد الاستعمار وأعوانه .

إننا نعبر عن تفاؤلنا بأن هذه الخطوة الحاسمة ستكون فاتحة عهد جديد ، عهد حرية ، وتطور عراقنا الحبيب ، وتبوء شعبنا البطل مركزه في الموكب الظافر ، موكب العروبة المتحررة  الناهضة ، المحبة للسلام ، ومواكبة الإنسانية العاملة من أجل تحررها الأبدي من الاضطهاد ، والاستعمار .

إن شعبنا العراقي ، بعربه وأكراده ، سيسجل لكم بفخر جرأتكم ، وتفانيكم ، من أجل تحقيق أهدافه الوطنية الكبرى ، وهو يحمي ، ويصون بدمائه الغالية جمهوريته الوطنية الفتية ، وإنه لعلى ثقة كبرى من أن قدرته على القيام بهذا الواجب المقدس ، ومن مساندة قوى التحرر العربية في جميع ديارها ، وعلى رأسها الجمهورية العربية المتحدة ، ومن قوى الحرية والسلم في جميع أنحاء العالم وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي .

إن اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي ، تضع قوى الحزب لمؤازرتكم ، وللدفاع عن جمهوريتنا البطلة .

                                     سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي

                                                       14 تموز 1958

 

3ـ مذكرة الحزب الشيوعي الإيضاحية إلى عبد الكريم قاسم :(1)

 

لم يكتفِ الحزب الشيوعي ببرقيته المرسلة إلى عبد الكريم قاسم ، صبيحة الرابع عشر من تموز 958 ،بل أتبعها بمذكرة إيضاحية حول السياسة التي يرى أهمية الأخذ بها لقيادة مسيرة الثورة ، وهي مذكرة تعبر عن سياسة الحزب تجاه الأحداث الجارية ، والمستقبلية للثورة .

ركزت المذكرة على انتهاج سياسة وطنية واضحة ، وذلك عن طريق الإعلان الرسمي لانسحاب العراق الفوري من حلف بغداد ، وإلغاء كافة الاتفاقات المعقودة مع بريطانيا ، والولايات المتحدة ، التي تخل بسيادة العراق واستقلاله ، وتتعارض مع سياسة الحياد الإيجابي  والتعاون مع جميع الدول ، على قدم المساواة ، من أجل مصلحة الشعب والوطن .

كما دعت المذكرة إلى إعلان الاتحاد الفدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة ، وإلى تبادل التمثيل الدبلوماسي مع البلدان الاشتراكية ، وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي ، وقيام علاقات اقتصادية ، وثقافية وغيرها ،مما يعزز موقف العراق ،ويحمي مصالحه .

كما دعت المذكرة إلى فرض رقابة حازمة على مؤسسات شركات النفط ، والبنوك ، وكافة المؤسسات الاقتصادية الكبرى ، ذات العلاقة الكبيرة بحياة الشعب ، وحماية اقتصاد البلاد من مؤامرات الإمبريالية وعملائها في الداخل ، الهادفة إلى تخريب الاقتصاد الوطني ، ومنعه بشتى الوسائل والسبل ، من التطور والنمو، لخدمة طموحات الشعب والثورة .

كما دعت المذكرة إلى انتهاج سياسة وطنية ، أساسها الثقة بالشعب ، وإطلاق الحريات الديمقراطية ، والسماح للشعب بممارسة حقوقه السياسية ، بتأليف الأحزاب ، والجمعيات ، والمنظمات الجماهيرية ،وحرية الصحافة ،والعمل على إطلاق سراح كافة السجناء السياسيين ،بأسرع وقت ممكن ،وتكوين فصائل المقاومة الشعبية ، وتسليحها ، لتكون درعاً واقياً للثورة ،جنباً إلى جنب مع جيشنا المقدام ،وتطهير جهاز الدولة ، والأمن ، والشرطة ، من العناصر الفاسدة ، والمعادية للثورة .

كما دعى الحزب الشيوعي إلى الاهتمام بالأعلام ،ووضعه في أيدي أمينة على مصالح الشعب والوطن ، نظراً للدور الهام الذي يلعبه الإعلام في الدفاع عن مصالح الشعب وحماية الثورة ،وفضح ألاعيب المستعمرين ، وأذنابهم في الداخل .

لقد كانت العلاقات بين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم على ما يرام ، فقد إلتفّ الحزب حول قيادته ،وسانده منذُ اللحظات الأولى للثورة ،ووقف ضد كل المحاولات التآمرية ،التي جرت ضد قيادته ، وضد مسيرة الثورة ،وخاصة عندما قاد عبد السلام عارف ،في أوائل أيام الثورة ، ذلك الانشقاق بين الفصائل الوطنية محاولاً فرض الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة ،ودعم الأحزاب القومية له في تلك المحاولات التي انتهت بالتآمر المسلح .

لقد وقف الحزب الشيوعي موقفاً حازماً من أولئك الذين حاولوا قلب السلطة ، وسيّر المظاهرات المؤيدة لعبد الكريم قاسم ، والتي ضمت الآلاف المؤلفة من جماهير الشعب الداعية إلى الاتحاد الفدرالي مع العربية المتحدة ، ونبذ أسلوب الإلحاق القسري ، وكان عبد الكريم قاسم بحاجة ماسة لدعم الحزب ومساندته آنذاك في صراعه مع القوى القومية .

 

 

*********

4 ـ بيان الحزب الشيوعي حول الاتحاد الفدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة :

 

في خضم الانقسام الذي قاده عبد السلام عارف ، بالتعاون مع الأحزاب القومية ، في محاولة لفرض الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة ، بادر الحزب الشيوعي إلى إصدار بيان هام للشعب بعنوان { حول الاتحاد } ، وجاء في البيان :

[ إن الحزب الشيوعي ، والقوى الديمقراطية الأخرى ، وأوساط وطنية مختلفة ، وجماهير شعبية غفيرة قد أبدت رأيها ، حتى الآن ،باعتبار الاتحاد الفدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة ، واليمن ،هي خير خطوة يعمل من أجلها العراق في كفاحه القومي نحو الوحدة العربية الشاملة .إن الحزب الشيوعي العراقي ،والقوى الوطنية الديمقراطية لم ترفع شعار الاتحاد الفدرالي على اعتباطاً ،ولا هي مدفوعة بعواطفها فحسب ،بل أن الدراسة الموضوعية ،والذاتية النزيهة لواقع شعبنا ،وواقع أُمتنا ، والشعور بالمسؤولية التاريخية إزاء القضية القومية العربية ،ومستقبل تطورها الوطني الديمقراطي ،هما العاملان الأساسيان اللذان أوصلاهما إلى رفع هذا الشعار .

كما أكد البيان أن الجمهورية العراقية الفتية ،تحمل معها الآن آمال جماهير شعبنا ، بعربه وأكراده ، وبمختلف طبقاته الاجتماعية ، وتعطشها إلى الحريات الديمقراطية ، التي حرمها منها الاستعمار ، طوال عشرات السنين ، بغية تمكين سيطرته عليها ، ومنعها من تنظيم نفسها ، والإفصاح عن إرادتها للدفاع عن حقوقها العادلة . وهي عندما تسمع بالانضمام للجمهورية العربية المتحدة ، تقلق أشد القلق على مصير حقوقها الديمقراطية ، بسبب انعدام حرية التنظيم الحزبي ، والاجتماعي ، وحرية إبداء الرأي في الجمهورية العربية المتحدة .

ولا يهون عليها أن تستسلم لمستقبل لا يضمن لها حرية النشاط الوطني ، السياسي والاجتماعي والفكري ، والكفاح الاقتصادي في  الدفاع عن حقوقها المعيشية .كما أن الشعب الكردي ، الذي امتزجت دماء أبنائه الشجعان ، بدماء أبناء الشعب العربي الميامين في الكفاح ضد عهود الظلم والطغيان ، هو الأخر قلق على مصير حقوقه القومية ، كشعب ينشد لنفسه بحق ، أسباب التقدم والرفاه .

كما أكد البيان على أن اختلاف التطور الاقتصادي بين العراق والعربية المتحدة ، والتأخر الناجم عن عهود التخلف ، والسيطرة الإمبريالية ، يتطلب استثمار ثروات البلاد لتطوير الاقتصاد ، والرأسمال الوطني ، ولتأمين الحاجات المادية الملحة لسائر جماهير الشعب . وإن إلحاق العراق بالعربية المتحدة ، بالأسلوب الذي نادت به الأحزاب القومية سوف يلحق الضرر الكبير بمصالح الشعب العراقي ، وسوف لا يوفر الفرص الكافية للازدهار ، والتطور ، ولا شروطاً عادلة للتعاون الاقتصادي ، نظراً لاختلاف درجات تطور كل منها . (2)

 

 ثانياً : الحزب الشيوعي يطلب إشراكه في السلطة :

 

في الخامس من تشرين الثاني 1958، رفع الحزب الشيوعي إلى عبد الكريم قاسم مذكرة هامة دعاه فيها إلى الاعتماد على الحزب الشيوعي ، والحزب الوطني الديمقراطي ، مذكراً إياه باشراك كافة أحزاب جبهة الاتحاد الوطني في السلطة باستثناء الحزب الشيوعي ، وفي حين كانت الأحزاب القومية لا تنسجم مع اتجاه ومسيرة الثورة ، ومحاولاتهم المتكررة لإلحاق العراق بالجمهورية العربية

المتحدة ، وكان الحزب الشيوعي يقف جنبا إلى جنب مع السلطة الوطنية ، مسخراً كل قواه من أجل دعم مسيرة الثورة ، وأهدافها ، وفي حين كانت رائحة التآمر تبدو واضحة على الثورة وقيادتها  ذاد الحزب الشيوعي عن السلطة ، وحمى الجمهورية من كيد المتآمرين عليها ، وقدم التضحيات الكبيرة في هذا السبيل ، وعى ذلك فإن من حق الحزب الشيوعي أن يعامل على قدم المساواة مع بقية الأحزاب السياسية على الأقل ، وفيما يلي نص المذكرة :

 

1ـ مذكرة الحزب الشيوعي لعبد الكريم قاسم :(3)

 

سيادة الزعيم عبد الكريم قاسم المحترم :

نعتقد أيها الأخ أن تجربة الحكم ،خلال الأشهر القلائل التي انقضت ، منذُ بدء الثورة ، قد أوصلتكم إلى حقائق واضحة نرجو أن تسمحوا لنا في التحدث معكم بشأنها .

إن اصطفاؤكم للحكم بعض العناصر الحزبية ، ولاسيما بعض قادة الحزب الوطني الديمقراطي ، هو بلا شك عمل سديد ، وقد برهنت التجربة على سداده ، حيث قام وزيرا الحزب الوطني الديمقراطي بواجباتهما بكفاءة ، وإخلاص كما نظن . وكان اختياركم لبعض العناصر المستقلة ، في بدء الثورة أمراً ربما وجدتم أن الظروف كانت تستلزمه وقتئذٍٍ. لكن سير الثورة الحثيث ، بقيادتكم الواعية والنشطة ، قد خلق للحكم مهمات جديدة وخطيرة ، عاصرتها بعض الصعوبات الجدية ، المنبعثة أساساً من نشوء تناقض بين تركيب السلطة ، وبين القوى الشعبية الحقيقية التي تمثلها هذه السلطة .

ومن المعلوم أيها الأخ ، أن الغالبية الساحقة من أبناء الشعب ، هي من الفلاحين والعمال ، والجماهير الكادحة ، وثمة تاريخ طويل من الجهاد يشهد بأن ليس في العراق حزب من الأحزاب يستطيع أن يمثل أماني وأهداف هذه الجماهير كما يمثلها حزبنا أولاً، وسائر الأحزاب ،والقوى الديمقراطية ثانياً .

إن تاريخنا حافل بالحقائق ، يشهد بأن هذه الجماهير قد أولت حزبنا ، وسائر القوى الديمقراطية ثقتها التامة ، ومنحتها حق التعبير عن مصالحها ، هذا بالإضافة إلى فئات واسعة من المثقفين ترى في كفاح حزبنا تحقيقاً لأمانيها في التحرر ، والازدهار .

ومما لا ريب فيه ، أن متابعة السير في إبعاد الممثلين الحقيقيين لهذه الجماهير ، عن السلطة السياسية ، سيوجد حالة من التناقض يستعصي حلها ، وسينشأ من ذلك صعوبات حقيقية في إدارة شؤون السلطة ، كما أتضح من تجربة الأشهر الأخيرة .

لقد كان اعتمادكم في تكوين السلطة على بعض العناصر البعيدة في أفكارها عن مشاعر الشعب ، والتي لا تملك تجربة جهادية ، تمكنها من التعرف على حقائق الوضع الشعبي ، قد أوجد للحكم بعض الصعوبات التي لا تخفى عليكم ، وأقام في طريق الثورة بعض العراقيل .كما أن إدخالكم في السلطة ، بعض العناصر المشبوهة ، أو الضعيفة القدرة على تفهم حقيقة الثورة ، ومجاراة سيرها الحثيث ، قد خلق للحكم ، ولكم شخصياً ، صعوبات وأعباء ، نعتقد أنكم قد عانيتم منها الكثير.

ونتيجة لذلك كله ، اضطررتم إلى توزيع الجهد ، بدلاً من تركيزه ، واضطررتم لأن تعملوا بيد واحدة ، وتحجزوا الخطر باليد الأخرى ، اضطررتم لأن تناموا بعين واحدة ، وتتركوا الأخرى ساهرة مترقبة .

نحن نعرف ـ كما يعرف أبناء الشعب ـ أنكم أصبحتم مضطرين ، بسبب هذا الوضع ، غير الطبيعي ، في تركيب السلطة ، أن تكرسوا قسطاً كبيراً من جهودكم ، ومن وقتكم ، لرقابة المساعي المريبة ، ولشل الأيدي العابثة . كما حمّلتم أنفسكم مهمة أخذ الأعباء عن بعض المسؤولين ، الذين تعوزهم الجدارة ، والنية الخالصة ، وكذلك عن بعض الأجهزة التي لم تبرهن على نزاهة قصدها ، في تثبيت كيان الجمهورية ، ومسايرة سياستها الديمقراطية .

لقد أصبح واضحاً أنكم أخذتم بأيديكم جملة من المسؤوليات والمهام التفصيلية ، حرصاً منكم على تحقيق أهداف الثورة ، وضمان سيرها المظفر ، ومما لاشك فيه أن هذه المسؤوليات والمهام ، لو كانت بأيدي أمينة وقديرة ، لما اضطررتم إلى ذلك ، ولتيسّر لكم وقتٌ فسيح تستطيعون فيه التفكير  والمساهمة بقسط أوفر في رسم السياسة العليا للبلاد ،والتركيز على المسائل الكبرى فقط .

إننا نعلم أن رئيس الوزراء يأخذ على عاتقه الآن قسطاً كبيراً من المهام ، الكثيرة والثقيلة ، وإنه لهذا السبب ، يحمل نفسه فوق طاقتها ، ونحن على يقين ، بأن ذلك ليس في مصلحة الجمهورية أبداً ، لأن شؤون الحكم ينبغي أن توزع على أيدٍي مخلصة ،وأمينة ، لكي يستطيع قائد الدولة أن ينصرف إلى مسائل السياسة العليا .

إن تفسيرنا لهذا الوضع المرهق هو ، كما بينا ،وضع غير طبيعي في تركيب السلطة . إن في العراق وضع خاص وفريد ، ونحن لا نضيف إلى الحقيقة جديداً ، عندما نذكر أن القوى الديمقراطية في البلاد ، هي القوى الساحقة الكفوءة ، والدرع الحقيقي لوقاية مكاسب الثورة والحكم الوطني . تلك هي الحقيقة التي برهنتها حقائق السنوات العصيبة ، قبل الثورة ، وكشفت عنها وقائع ما بعد الثورة .

وليس اعتباطاً أن تمنح الجماهير الشعبية ثقتها المطلقة للحركة الوطنية الديمقراطية ، وتتبنى شعاراتها  وأهدافها ، وتذود عن سياستها . إن الجماهير الساحقة من الشعب تجنح  بقوة لا مثيل لها صوب الحركة الديمقراطية ، وهي تفعل ذلك عن وعي أصيل ، وإدراك واقعي سليم .

لقد تعرفت الجماهير ، من تجاربها المريرة ، أن القوى الديمقراطية ، إنما تمثل ،عن إخلاص وجدارة ، أعز أمانيها ، ومطامحها ، وإنها تضم في صفوفها صفوة من أبناء البلاد النجباء ، البواسل ، الذين لم يتلوثوا بأدران الخيانة ، ولم يهادنوا المستعمر ، أو استسلموا لطغيانه ، ولم يطمحوا الى أكثر من تحقيق الخير للبلاد .

تعلمون أيها الأخ  أن القوى الديمقراطية كانت ولا تزال وستظل إلى النهاية الأساس للحكم الوطني الشعبي الأصيل ، والصخرة العنيدة ، التي تتحطم عليها مؤامرات المستعمرين  ومكائد أعداء الثورة . ولقد رأى الجميع بأم أعينهم ، أن الذين تنكبوا عن الحقيقة وراحوا يناطحون الصخرة لم يجنوا من وراء طيشهم  غير تهشيم رؤوسهم ، وارتدادهم إلى أعقابهم خاسرين ، ذلك هو واقع العراق أيها الأخ .

ولذلك يصبح واضحاً أن قضية الحكم  لا يمكن أن تحل إلا بالاستناد إلى هذا الواقع ، وإن أي حل آخر ، لا يمكن أن ينتهي إلا إلى نتيجة واحدة ، إلى أن تأخذوا على عاتقكم أعباء تفيض عن قابلية الإنسان ، وفي هذه الحالة ستجدون أنفسكم في حالة من الإرهاق المستمر ، تعملون بيدٍ، وتضربون باليد الأخرى ، وتنامون بعينٍ ، وتحرسون بالعين الأخرى .

إن الحل الوحيد ، الحل الطبيعي ، المنسجم مع واقع الحال في العراق ، هو الحل الذي يتوجه إلى إعادة النظر في تشكيلات السلطة ، على أساس الاستناد إلى مبدأ التعاون بين قيادة الحكم   العليا من جهة ، وبين الجبهة الشعبية ، المكونة من الحزب الشيوعي ، والحزب الوطني الديمقراطي ، والقوى الديمقراطية الجديدة في الجيش ، والأوساط الديمقراطية الأخرى ، والعناصر القومية النظيفة .

تلك هي الحقيقة الكفوءة المخلصة ، التي تمثل عن جدارة وحق، أهداف ومصالح الغالبية الساحقة من الشعب . وإن الحكم الذي يستند إلى هذه القاعدة الشعبية الواسعة والمتينة ، هو الحكم الديمقراطي الصحيح ، والسلطة التي تتكون على هذا الأساس ، هي السلطة القوية التي تتمتع بالنفوذ  والبأس ، والقادرة فعلاً على قيادة الثورة نحو أهدافها ، والصمود بوجه أحداث الزمن .ثمة من له مصلحة في تجنيب سياسة البلاد عن السير في هذا الطريق القويم . إنهم يهدفون إلى تعميق التناقض في طبيعة الحكم ، وإرباك مسيرة الثورة ، وبالتالي إضعاف السلطة ، وحفر هوة بينها وبين الجماهير الواسعة من الشعب .

إن هؤلاء ، الذين يضربون على وتر [ الخطر الشيوعي ] ، إنما هم أناس يرددون شعارات الاستعمار ، وينفذون خططه ، ومؤامراته على كيان جمهوريتنا البطلة . إنهم يسيرون على سِنة الاستعمار ، في التخريب ، والدس ، على ذات الطريق التي سار عليها نوري السعيد ، وإضرابه من الطغاة ، في كل زمان ومكان .

إنهم ، مثلاً، يهوشون ويفترون ويدسون على حزبنا المنشورات ،والشعارات ، والسياسات ،ويزعمون أننا إذ نضع إمكانياتنا وطاقاتنا في خدمة أهداف الثورة ، وحراسة الحكم الوطني من الأخطار ، إنما نسعى إلى هدف خفي ، ألا وهو اغتصاب السلطة ، وفرض النظام الشيوعي !! .

إن المرء لا يحتاج إلا إلى قليل من حسن النية ، لكي يتبين أهدافنا الحقيقية في دعم الحكم الوطني ، تلك هي الأهداف التي ليس من أخلاقنا أن نكتمها على أحد .

إن الشيوعيين أُناس لا يتقنون صناعات السياسة ، وهم إذ ينبرون للدفاع عن حياض الثورة ، ويدعمون قيادة عبد الكريم قاسم ، وسياسته ، إنما هم يفعلون ذلك عن إيمان ، بأن في عملهم هذا خدمة كبرى لمصالح شعبنا ، ولذلك فهم رغم كل هذه الضوضاء التي تثار حولهم واثقون بأنفسهم  ثقة لا تتزعزع ، وسيتابعون موقفهم هذا إلى نهاية الطريق ، وبمزيد من الإصرار ، ونكران الذات .

وثمة آخرون يدعون إلى [ الاعتدال ]، لكنهم ، رغم نياتهم الحسنة ، يلتقون مع الفريق الأول في نتيجة واحدة ، هي وضع السلطة في موضع صعب ، لا يأتلف مع واقع العراق ، وهو بالتالي يساهم في عزل السلطة عن الجماهير الشعبية الواسعة ، ويضعف كفاءتها القيادية .

إن هؤلاء مثلاً ، يصرون على إبعاد الشيوعيين ، والتقدميين ، والعناصر الديمقراطية الكفوءة عن الحكم ، ذريعتهم في ذلك هو تحاشي استفزاز المستعمرين . إن الإنسان السوي لا يحتاج إلى أعمال الفكر لكي يدرك بوضوح ،أن المستعمرين قد استفزوا ، وروعوا وانتهى الأمر ،منذُ صبيحة 14 تموز . لقد استفزوا منذُ أن دُكت هياكل نظامهم الاستعماري ، وأبيد عملائهم صبيحة 14 تموز . وإن عدوهم اللدود الذي أستفزهم هو عبد الكريم قاسم وصحبه ، وليس الشيوعيين وحدهم ، ولذلك عملوا ، وسوف يعملون كل ما في وسعهم لتحطيم النظام الذي قام على أنقاض نظامهم البائد ، ومصالحهم الزائلة ،وإن كانوا لم يستطيعوا حتى الآن أن يبلغوا هدفهم ،فليس ذلك إلا لأن يدٍ قديرة ماحقة ستلطمهم ،ولأن الشعب العراقي وجيشه يقفان حارسان قويان على مصائر الوطن .

إن تجربة سوريا ، ومصر ، وإندونيسيا ، وإيران والأردن ، وكل بلد أنتزع حريته من بين مخالب الوحش الاستعماري ، تدل دلالة قاطعة على أن المستعمرين لا يرتضون بأقل من عودة نظام عبوديتهم القديم ، بقيادة صنائعهم ،وأذنابهم ، كما تدل هذه التجارب على أن المراضاة ، والمصانعة لا تجدي مع  المستعمرين .

إن ثورة العراق الظافرة قد جاءت ضربة موجعة ، هائلة للمستعمرين وأعوانهم ، ولذلك فسيظل العراق هدفاً لمؤامراتهم ، وعدوانهم ، سواء أتجه الحكم نحو إشراك التقدميين في الحكم ، أو سار في طريق المراضاة ، والمصانعة .

تلك هي مسألة فوق الجدل ، وفوق كل ريب . إن تهويشات عملاء الاستعمار في الداخل ضد الخطر الشيوعي المزعوم ، وسعيهم المحموم لإبعاد التقدميين ، والشيوعيين ،والديمقراطيين ، والعناصر النظيفة والكفوءة عن المساهمة في أجهزة السلطة ، ليس إلا تنفيذاً أميناً لخطط الاستعمار الرامية إلى إضعاف السلطة تمهيداً لضربها ، وإسقاطها .

إن دعاة " الاعتدال " و" تحاشي استفزاز العدو" ، رغم نياتهم الحسنة ، هم على خطأ بّين ، وسيظلون ينقبون عبثاً ، ودونما طائل ، عن عناصر معتدلة ، لاحزبية ، غير مشهورة بأفكارها التقدمية ، كفوءة ،ومخلصة ، ونزيهة !! .

إن مثل هذه العناصر الفريدة موجودة فعلاً ، لكنها غير موجودة إلا في أوساط الحركة الديمقراطية ، وأوساط الشيوعيين ، والحزب الوطني الديمقراطي ، والجيش ، والديمقراطيين المستقلين ، والقوميين الحقيقيين النظيفين .

هذا هو الطريق الوحيد ، والصحيح ، والمؤتلف مع حقيقة الواقع , إن هذا هو الحل الجدي والصائب لمسألة الحكم . وإن الأخذ بهذا الواقع هو الذي سيرسي قواعد الحكم على أسس ديمقراطية وطيدة ، ويهيئ لقيادة البلاد جهازاً كفواً ، فعالاً ومخلصاً ، يأخذ على عاتقة نصيبه من مهام قيادة الحكم ، ويوفر لزعيم البلاد معالجة مسائل السياسة العليا للبلاد .

إننا أيها الأخ الكريم ، إذ نضع أمامكم هذه الحقائق ، نرجو أن تكونوا على يقين أننا لا نفكر قط بأنفسنا ، ولا نجني أي مكاسب حزبية ، وإنما نفكر أولاً ، وقبل كل شيء بمصلحة البلاد ، بنجاح الثورة ، بترصين الحكم الوطني ، والسير معكم نحو الظفر النهائي ، هذا وتفضلوا بقبول خالص اعتزازنا ، واحترامنا .

                                         

                                           المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي

                                                         15 تشرين الثاني 1958

 

لقد كان لهذه المذكرة دوي كبير في الأوساط السياسية و للسلطة العليا على حد سواء ، فالقوى القومية فسرته بأنه خطة الحزب الشيوعي في التمهيد للوثوب إلى السلطة ، أما الحزب الوطني الديمقراطي ، ممثل البرجوازية الوطنية في السلطة ، فقد أبدى تخوفاً من تنامي قوة الحزب الشيوعي ، وتأثير ذلك على مستقبل الحكم في البلاد ، أما الزعيم عبد الكريم قاسم ، فقد كانت الريبة والشكوك تخالجه من تنامي قوة الحزب الشيوعي من جهة ، وحبه الشديد للاستئثار بالسلطة لوحدة من جهة أخرى ، ولذلك فقد تجاهل مذكرة الحزب ، ولم يرد عليها ، وكان على الحزب الشيوعي أن يعي ذلك منذُ ذلك الوقت .

 

2ـ مسيرة 1 أيار 959 ومطالبة الحزب الشيوعي إشراكه في السلطة:

 

جاءت مسيرة الأول من أيار ـ  عيد العمال العالمي ـ في بغداد ، والتي نظمها الحزب الشيوعي ، طارحاً من خلالها شعار [ إشراك الحزب الشيوعي في السلطة ] بيد الجماهير ، وضخامة تلك المسيرة ، التي ضمت مئات الألوف من أعضاء ، ومؤيدي ، وجماهير الحزب ، من عمال وفلاحين ، ومدرسين وطلاب وأطباء ومحامين ومثقفين ، كصاعقة نزلت على الرؤوس جميعاً ، وأدخلت الرعب فعلاً في قلب عبد الكريم قاسم ، والقيادة اليمينية في الحزب الوطني الديمقراطي ، المتمثلة بكتلة [ محمد حديد وحسين جميل ] ورفاقهم، فقد شعروا أن الأرض قد زلزلت تحت أقدامهم وهم يسمعون هتاف الجماهير الصاخبة مطالبين إشراك الحزب الشيوعي في الحكم ، وبدا أن الشعب كله يقف وراء الحزب ، ونزل الجنود ، والضباط المؤيدين  والمناصرين للحزب الى الميدان أيضاً ، وشعر المراقبون في ذلك اليوم أن الحزب الشيوعي قد بات قاب قوسين أو أدنى من الحكم .

وفي 13 تموز ، وتحت ضغط الحزب الشيوعي ، أجرى عبد الكريم قاسم تعديلاً وزارياً ، أدخل بموجبه الدكتورة [نزيهة الدليمي ]، عضوة اللجنة المركزية للحزب في الوزارة ، وعينها وزيرة للبلديات ، كما عين المحامي [عوني يوسف] ـ ماركسي ـ وزيراً للأشغال والإسكان  والدكتور [ فيصل السامر ] ـ يساري ـ وزيراً للإرشاد ، والدكتور[ عبد اللطيف الشواف ]، وزيراً للتجارة . لكن إجراء  قاسم لم يكن سوى خطة تكتيكية ، ولفترة محدودة من الزمن ، ريثما يحين الوقت المناسب لتوجيه ضربته للحزب الشيوعي .

أما الإمبريالية ، فقد راعها أن ترى تلك المسيرة تملأ شوارع بغداد ، وسائر المدن الأخرى ، تهتف للحزب الشيوعي ، وتطالب بإشراكه في الحكم ، و أصابها دوّار شديد ، وقلق لا حدود له ، حتى أن رئيس جهاز المخابرات الأمريكية[ آلن دلس ] صرح آنذاك قائلاً :

{ إن أخطر ما يواجه عالمنا اليوم هو الوضع الخطير في العراق } ، وباشرت أجهزته على الفور تحبك الدسائس ، عن طريق عملائها وأزلامها ، لتشويه سمعة الحزب الشيوعي ، وإدخال الخوف ، والرعب في نفوس قيادة الحكم ، والبرجوازية الوطنية ، ودفعها الى مرحلة العداء للحزب الشيوعي ، والعمل على تصفية نفوذه ، تمهيداً لعزل السلطة وإضعافها ، وبالتالي إسقاطها فيما بعد .

وحقيقة القول ، أن للحزب الشيوعي كل الحق في الاشتراك في تسيير دفة الحكم ، والمشاركة في السلطة ، شأنه شأن بقية أحزاب جبهة الاتحاد الوطني ، على أقل تقدير ، إن لم يكن له دور مميز في جهاز السلطة ، نظراً للجهود التي بذلها الحزب من أجل حماية الثورة ، والدفاع عنها ، وصيانتها من كل محاولات التآمر ، ووقوف الحزب الى جانب قيادة الثورة ، وزعيم البلاد عبد الكريم قاسم ، مسخراً كل قواه ، دون قيد أو شرط .

إذاً ليس في ذلك ، من حيث المبدأ ، خطأ في مطالبة الحزب الشيوعي إشراكه في السلطة ، غير أن الأسلوب الذي تم فيه طلب إشراكه في السلطة ، ونزول ذلك الطلب الى جماهير الشعب ، من أجل الضغط على عبد الكريم قاسم ، أعطى نتائج عكسية لما كان يهدف إليه الحزب من تلك المسيرة .

لقد أخطأ الحزب في أسلوب معالجة مسألة إشراكه في السلطة ، ثم عاد وأخطأ مرة أخرى عندما تراجع ، واستمر في تراجعه أمام ضغط عبد الكريم قاسم ، وضرباته المتلاحقة ، مستغلاً أحداث الموصل وكركوك ، وكان بإمكانه وهو في أوج قوته أن لا يسمح لقاسم أن يوغل في مواقفه العدائية تجاه الحزب .(5)

أن لجوء قاسم الى سياسة العداء للحزب الشيوعي لم يكن هناك ما يبررها إطلاقاً ، فلم يكن في سياسة الحزب  وتفكيره إطلاقاً الوثوب الى السلطة ، وهو لو أراد ذلك لكان من السهل جداً له استلام السلطة عام 1959 ، عند ما كان الحزب في أوج قوته ، سواء بين صفوف جماهير الشعب  أو في صفوف القوات المسلحة ، لكن الحزب لم يقرر هذا الاتجاه مطلقاً بل كان جُلّ همه حماية مسيرة الثورة ودفعها الى الأمام ، من أجل تحقيق المزيد من الإنجازات والمكاسب للشعب ، وكان وفياً لعبد الكريم قاسم ، وهو الذي منحه صفة [الزعيم الأوحد ] ، ووقف الى جانبه حتى النهاية . وفي المقابل وقع عبد الكريم قاسم في خطأ جسيم عندما سلك سبيل العداء للحزب الشيوعي وعمل على استمالة القوى القومية ، محاولاً إرضائها دون جدوى ، فقد كانت تلك القوى قد حزمت أمرها على تصفية الثورة ، وتصفيته هو بالذات .

لقد استفادت تلك القوى فائدة كبرى من مواقف قاسم العدائية تجاه الحزب الشيوعي ، التي أدت الى انعزاله عن الشعب ، وعن القوى التي وقفت بكل أمانة ، وإخلاص الى جانبه ، وكانت محاولة عبد السلام عارف الانقلابية ، ومؤامرة رشيد عالي الكيلاني ،  ومحاولة حزب البعث اغتيال قاسم نفسه ، في رأس القرية ، ومحاولة العقيد الشواف الانقلابية الفاشلة ، أكبر برهان على صواب مواقف الحزب الشيوعي من تلك العناصر التي سلكت طريق التآمر منذُ الأيام الأولى للثورة .

وفي الوقت نفسه أثبتت تلك الوقائع خطأ الطريق الذي سلكه عبد الكريم قاسم ، وإجراءاته المعادية للحزب الشيوعي ، والتي مهدت السبيل لانقلابيي 8 شباط ، لاغتيال الثورة ، واغتياله ، وإلحاق أفدح الأضرار بالشعب العراقي ، والتي استمرت الى يومنا هذا .

 

ثالثاً : عبد الكريم قاسم يوجه ضرباته للحزب الشيوعي :

 

بدأ عبد الكريم قاسم ، بعد أن أرعبته مسيرة الأول من أيار يخطط لكبح جماح الحركة الشيوعية في العراق ، وجاءت أحداث الموصل وكركوك لتعطي له المبرر لبدء حملته الشعواء ضد الحزب عبر خطاباته المتلاحقة ، والتي كان يهدف منها الى تشويه سمعة الشيوعيين ، متهماً إياهم بكونهم أسوأ من هولاكو وجنكيز خان !!!، اللذان دمرا بغداد ، وسفكا دماء مئات الألوف من أبنائها ، ليتخذ من ذلك الحجة لتقليم أظافر الحزب الشيوعي  وتجريده من أسباب قوته ، وإنزال الضربات المتلاحقة به ،ومن أجل تحقيق هذا الهدف اتخذ العديد من الإجراءات التي كان أهمها ما يلي :

 

1 ـ حل المقاومة الشعبية :

 

كان أول ما فكر به عبد الكريم قاسم لتحجيم الحزب الشيوعي ، هو تجريده من أقوى سلاح يمتلكه ، المتمثل بهيمنته على قوات المقاومة الشعبية ، فقد بدا واضحاً ، وبشكل خاص ، بعد وقوع انقلاب العقيد الشواف الفاشل في الموصل ، أن المقاومة الشعبية فرضت سيطرتها على الشارع العراقي ، وفي كافة المدن العراقية ، وكان واضحاً أيضاً أن الهيمنة الحقيقية على تلك القوات كانت بيد الشيوعيين ، وأصدقائهم ، وعلى ذلك أقدم عبد الكريم قاسم على الخطوة الأولى المتمثلة في سحب السلاح من قوات المقاومة الشعبية .

وبعد إن تم تجريد المقاومة من سلاحها ، أصبح من اليسير على قاسم أن يصدر قرار حلها ، وهذا ما تم بالفعل ، وخلال فترة وجيزة .

رضخ الحزب الشيوعي للقرار ، فقد كان الحزب قد اتخذ سياسة التراجع، حرصاً منه ـ كما كان يظن ـ على العلاقة مع عبد الكريم قاسم ، لكن تلك السياسة لم تجلب ِللحزب نفعاً ، فبقدر ما كان الحزب يتراجع ، بقدر ما كان عبد الكريم قاسم يندفع في إجراءاته ضده .

لكن الخسارة الحقيقية الكبرى الناجمة عن إجراءات قاسم كانت ليس للحزب الشيوعي وحده ، وإنما للثورة ، ولقاسم نفسه ، الذي دفع حياته ثمناً لتلك الأخطاء ، فلو لم يلجأ قاسم الى حل المقاومة الشعبية ، ومحاربة الحزب الشيوعي ، لما استطاع انقلابيي 8 شباط  تنفيذ جريمتهم بحق الشعب ، والوطن عام 1963.

 

2 ـ تصفية قيادات المنظمات،والاتحادات،والنقابات الوطنية :

 

كانت خطوة عبد الكريم قاسم التالية ، بعد حل المقاومة الشعبية ، تتمثل بسحب كافة المنظمات الجماهيرية ، واتحاد النقابات ، واتحاد الجمعيات الفلاحية ، واتحاد الطلبة ،وكافة النقابات المهنية، كنقابة المعلمين ، والمهندسين ، والأطباء ، والمحامين ، وسائر المنظمات الأخرى ، من أيدي الشيوعيين ، لكي يجرد الحزب الشيوعي من جماهيريته في تلك المنظمات والاتحادات والنقابات ، ذات التأثير الكبير على سير الأحداث .

لم يكن عبد الكريم قاسم ، ولا البرجوازية الوطنية ، المتمثلة بالحزب الوطني الديمقراطي ، بقادرين على استقطاب تلك المنظمات والاتحادات ، والنقابات ، والسيطرة عليها ، فكانت النتيجة أنْ وقعت جميعها تحت سيطرة أعداء الثورة ، والمتربصين بعبد الكريم قاسم نفسه ،وبالحزب الشيوعي ، سند الثورة العنيد والقوي .

لقد فسح عبد الكريم قاسم المجال واسعاً أمام تلك القوى ، من بعثيين ومدعي القومية من الرجعيين  وأذناب الاستعمار ، لكي يسيطروا سيطرة كاملة على تلك المنظمات والاتحادات والنقابات ،بأسلوب من العنف والجريمة لم تعرف له البلاد مثيلاً من قبل .

كانت العصابات البعثية ، والقومية ، وقد لفّت حولها كل العناصر الرجعية ، تترصد لكل من يبغي الوصول الى صناديق الاقتراع لانتخاب قيادات تلك المنظمات والاتحادات والنقابات بأسلحتها النارية ، وسكاكينها ، وعصيها ، وحجارتها ،لدرجة أصبح معها من المتعذر حتى للمرشحين الديمقراطيين والشيوعيين الوصول الى صناديق الاقتراع والإدلاء بأصواتهم ، أفليست هذه هي الديمقراطية التي أرادها عبد الكريم قاسم ؟

أن قاسم ، شاء أم أبى ، قد وضع السلاح بأيدي أعداء الثورة والشعب ، لكي يتم نحر الجميع يوم الثامن من شباط 1963 .

 

3 ـ تصفية القيادات الوطنية في الجيش،والجهازين الإداري،والأمني :

 

كانت الخطوة الثالثة لعبد الكريم قاسم تتمثل في تصفية نفوذ الحزب الشيوعي في الجيش ، وفي الجهازين الإداري والأمني ، فقد قام عبد الكريم قاسم بحملة واسعة جرى خلالها إحالة أعداد كبيرة من العناصر الشيوعية ، أو العناصر المؤيدة للحزب الشيوعي الى التقاعد ، وأحلّ محلهم عناصر إما أنها إنتهازية ، أو معادية للثورة ، في صفوف الجيش ، وجهازي الشرطة والأمن ، والجهاز الإداري ، كما أبعد أعداد كثيرة أخرى من المناصرين للحزب الشيوعي الى وحدات غير فعالة ، كدوائر التجنيد  والميرة ، أو جرى تجميدهم في إمرة الإدارة ، أو تم نقلهم الى وظائف مدنية ثانوية ، بالإضافة الى اعتقال أعداد أخرى منهم .

ولم يكتفِ قاسم بكل ذلك ، بل التفت الى الكليات ، والمدارس ، ليزيح كل العناصر الشيوعية ، ومناصريهم من مراكزهم الإدارية ، وليعيد تسليمها الى تلك العناصر الحاقدة على الثورة ، والتي وقفت منذ اللحظة الأولى ضدها ، وكانت أداة طيعة بيد السلطة السعيدية السابقة ، وهكذا مهد قاسم السبيل للرجعية ، والقوى المعادية للثورة لاغتيالها ، واغتيال آمال الشعب العراقي وأحلامه التي ناضل طويلاً من أجلها ، وكان باكورة نتائج السياسة التي سار عليها عبد الكريم قاسم وقوع محاولة اغتياله هو بالذات ، ومحاولة اغتصاب السلطة  في 7 تشرين الأول 1959 ، على أيدي زمر البعثيين في شارع الرشيد .

 

رابعا : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم :

 

في 7 تشرين الأول 1959 ، جاء أول الغيث من القوى المعادية للثورة وقيادتها ، ففي ذلك اليوم جرت محاولة خطيرة لإغتيال عبد الكريم قاسم ، في رأس القرية ، بشارع الرشيد ، وهو  في طريقه الى بيته في العلوية  دون حماية ، حيث كان يرافقه مرافقه الخاص [ قاسم الجنابي]  بالإضافة الى سائقه فقط.

قام بتدبير المحاولة حزب البعث ، بالتعاون مع جانب من القوميين المتعاطفين معه ، لكن من المؤسف أن تكون للجمهورية العربية المتحدة يدُ فيها .

فقد ذكر [ علي صالح السعدي ] أمين سر حزب البعث ، في [ نضال البعث ] في الصفحة 17 ، أن فؤاد الركابي الذي كان أمين سر الحزب آنذاك ، تلقى بواسطة [ خالد علي الصالح ] و[ أياد سعيد ثابت ] مبلغ [ 7000 جنيه مصري] ، من الملحق العسكري المصري  العقيد [ عبد المجيد فريد ] لتسهيل عملية تصفية عبد الكريم قاسم جسدياً .

أصيب عبد الكريم قاسم بعدة رصاصات ، في كتفه وصدره ، وقتل سائقه ، وجرح مرافقه  [قاسم الجنابي ] ، وتم نقل عبد الكريم قاسم الى مستشفى السلام على الفور ، حيث اُجريت له عمليات جراحية لاستخراج الرصاصات من جسمه ومكث في المستشفى فترة من الزمن .

وفي أثناء تبادل إطلاق النار بين المهاجمين من جهة ، وعبد الكريم قاسم ومرافقه من جهة أخرى ، قتل أحد المهاجمين البعثيين ، المدعو [ عبد الوهاب الغريري] ، واستطاع المحققون من التوصل الى كل المدبرين ، والمساهمين ، والمنفذين لتلك المحاولة ، التي تبين من سير التحقيقات إنها لم تكن تستهدف حياة عبد الكريم قاسم وحده ، بل كان هناك مخطط واسع للاستيلاء على السلطة ، وإغراق البلاد بالدماء .

إلا أن سرعة تحرك الحزب الشيوعي ، والقوى الديمقراطية الأخرى ، وجماهير الشعب الغفيرة  ونجاة عبد الكريم قاسم من الموت بتلك المحاولة ، حال دون تنفيذ بقية المؤامرة التي تبين اشتراك عدد من كبار الضباط فيها ، ومن جملتهم رئيس مجلس السيادة [ نجيب الربيعي] الذي توجه الى وزارة الدفاع ، مقر عبد الكريم قاسم ، وقد لبس بزته العسكرية ، وهو محال على التقاعد منذُ بداية الثورة ، لكن سيطرة العناصر الوطنية على الوزارة أسقط في يده واستطاعت السلطة إلقاء القبض على ما يقارب 75 فرداً من المتآمرين ، فيما هرب عدد آخر منهم الى سوريا ، وكان من بينهم  [صدام حسين ] أحد المشاركين الفعليين في تنفيذ محاولة الاغتيال .

لقد كان دور الحزب الشيوعي في إفشال مخططات القوى الرجعية ، وأسيادهم الإمبرياليين ، مشهوداً ، لقد وقف الى جانب عبد الكريم قاسم ، يذود عن سلطته ، على الرغم من كل ما أصابه منه، ولم يفكر الحزب في استغلال الفرصة  والوثوب الى السلطة ، وهو لو أراد ذلك  في مثل ذلك اليوم ، لفعل ونجح بكل يسرٍ وسهولة ، فقد كان كل شيء تحت سيطرته في ذلك اليوم .

لكن الحزب الشيوعي بقي مخلصاً لعبد الكريم قاسم ، معتبراً إياه قائداً وطنياً معادي الاستعمار أولاً ، ومعتبراً ما أصابه منه لم يكن سوى مجرد أخطاء ثانياً ، ومعتقداً أن الظروف المستجدة سوف تؤكد له خطأ سياسته ومواقفه ثالثاً.

 إلا أن عبد الكريم قاسم ، الذي خرج من المستشفى ، بعد شفائه عاد من جديد الى نفس سياسته السابقة تجاه الحزب الشيوعي ، ساعياً الى إضعافه  وتحجيمه ، دون الإتعاض بالتجربة الخطيرة التي مرً بها لتوه ، بل على العكس من ذلك لم يمض ِوقت طويل حتى أصدر عبد الكريم قاسم قراراً بالعفو عن المجرمين الذين أدانتهم محكمة الشعب ، وقائلاً قولته المعروفة { عفا الله عما سلف } لكن عفوه ذاك كان مخصصاً لأولئك المجرمين ، وأعداء الشعب ، والثورة ،ومستثنياً كل الوطنيين المخلصين ، الذين زج بهم في السجون ، بل وأكثر من ذلك صادق في الوقت نفسه على إعدام العضو في الحزب الشيوعي [ منذر ابو العيس ] وحدد يوم تنفيذ الاعدام ‎في صباح اليوم التالي الا أن المظاهرة الجماهيرية الكبرى التي أحاطت بوزارة الدفاع ، مقر عبد الكريم قاسم ، أجبرته على إيقاف التنفيذ ، وبقي الشهيد ابو العيس في السجن حتى وقوع انقلاب 8 شباط 63، حيث نفذ الانقلابيون حكم الإعدام فيه  .

 

 

 

*******

خامساً  : عبد الكريم قاسم يحاول تجميد نشاط الحزب الشيوعي  :

 

في محاولة من عبد الكريم قاسم لاحتواء الحزب الشيوعي ، توجه بطلب إلى الأحزاب السياسية لتجميد نشاطها بحجة أن العراق يمرّ بفترة انتقال ، متناسياً أن الأحزاب السياسية المنضوية تحت راية جبهة الاتحاد الوطني كان لها الدور الكبير في التهيئة والإعداد لثورة 14تموز ، وتقديم الدعم الكامل  والسريع لها حال انبثاقها ، مما أدى الى شل قوى النظام السابق ومنعه من القيام بأي تحرك ضد الثورة .

كان هناك في الحقيقة حزبان يعملان بصورة علنية بعد انسحاب القوى القومية والبعثية من السلطة ، ولجوئها الى العمل السري ، وهذان الحزبان هما الحزب الشيوعي ، والحزب الوطني الديمقراطي ، وكان قصد عبد الكريم قاسم من طلبه ذاك حرمان الحزب الشيوعي من نشاطه العلني ، بعد أن جرده من سلطانه على المنظمات المهنية والنقابات والاتحادات العمالية  و الفلاحية  والطلبة .

سارعت القيادة اليمينية في الحزب الوطني الديمقراطي ، وقد سرها ذلك الطلب ، منتهزة فرصة وجود زعيم الحزب ، الوطني البارز [ كامل الجادرجي ] خارج العراق ، في رحلة للاستشفاء في موسكو ، معلنة قرارها بإيقاف نشاط الحزب تلبية لدعوة عبد الكريم قاسم مستهدفة من ذلك إحراج الحزب الشيوعي ، ودق إسفين جديد بينه وبين عبد الكريم قاسم لكن الحزب الشيوعي تجاهل الطلب هذه المرة ، وشن حملة واسعة ، في جملة من المقالات التي طلعت بها صحيفة الحزب [ اتحاد الشعب ] على ذلك الطلب ، وعلى الجناح اليميني في الحزب الوطني الديمقراطي ، لقراره بتجميد نشاط الحزب ، وأستمر الحزب الشيوعي على نشاطه ، رافضاً أي تجميد .

أما الأستاذ [كامل الجادرجي ] زعيم الحزب فقد وجه نقداً شديداً للقيادة اليمينية للحزب  عند عودته الى بغداد ، على قرارها بتجميد نشاط الحزب ، وأدى ذلك الموقف الى حدوث تصدع كبير في قيادة الحزب ، وخاصة بعد ما طلب الأستاذ الجادرجي من عضوي الحزب في الوزارة [ محمد حديد] و[هديب الحاج حمود ]، الاستقالة من الوزارة  ، ورفض الوزيران طلب زعيم الحزب ، الجادرجي ، مما دفع الأستاذ الجادرجي الى تقديم استقالته من رئاسة الحزب وعضويته ، واحتجاب صحيفة الحزب ـ صدى الأهالي ـ مما أدى الى تعميق الأزمة السياسية في البلاد .(6)

 

2 ـ عبد الكريم قاسم يصدر قانون الأحزاب ويرفض إجازة الحزب الشيوعي :

 

نتيجة لعدم التزام الحزب الشيوعي بالطلب الذي دعا إليه عبد الكريم قاسم ، بتجميد نشاط الأحزاب السياسية ، محاولة منه منع الحزب الشيوعي من ممارسة نشاطه السياسي ، أقدم على إصدار قانون الأحزاب والجمعيات في 1 كانون الثاني 1960 ، في محاولة منه لحرمان الحزب الشيوعي من إجازة ممارسة النشاط السياسي بصورة قانونية  

فعلى أثر صدور القانون تقدم الحزب الشيوعي ، والحزب الوطني الديمقراطي ، والحزب الديمقراطي الكردستاني ، بطلباتهم لإجازة أحزابهم ، إلا أن الحزب الشيوعي فوجئ باعتراض وزارة الداخلية على ميثاق الحزب  طالبة إجراء تغير  وحذف لعدد  من العبارات الواردة في الميثاق ، في حين وافقت على إجازة الحزبين الآخرين .

ومع ذلك فقد أعاد الحزب صياغة ميثاقه من جديد ، وأجرى التغيرات التي طلبتها وزارة الداخلية ، إلا أن الحزب فوجئ مرة أخرى بحكومة عبد الكريم قاسم تجيز حزباً مسخاً بزعامة [ داؤد الصايغ] يحمل أسم الحزب الشيوعي العراقي وضمت هيئته المؤسسة عددا من الشخصيات غير المعروفة لدى الشعب العراقي ، وهم :

1 ـ داؤد الصائغ        2 ـ إبراهيم عبد الحسين      3 ـ جميل العلوي       

 4 ـ زكية ناصر        5 ـ كاظم الشاوي            6 ـ سالمة جاسم              

7 ـ عجاج خلف        8 ـ عبد محسن                9 ـ كاظم محمد    

 10 ـ جاسم محمد      11 ـ سليم شاهين

غير أن ستة من هؤلاء ما لبثوا أن استقالوا من الحزب ، بعد أن أدركوا أن في الأمر مؤامرة على الحزب الشيوعي  لمنع نشاطه .

أوقع انسحابهم من الهيئة المؤسسة داؤد الصايغ والسلطة في حيرة ، أسرعت السلطة في اختيار بديل عنهم  من العناصر النكرة ، التي لا يعرف أحدُ عنهم  أي تاريخ نضالي ،

وقيل أن عدد منهم من رجال الأمن ، في حين جمع الحزب الشيوعي أكثر من 360 ألف توقيع من رفاقه ومؤيديه .

لقد كان عبد الكريم قاسم قد صمم على عدم منح الحزب الشيوعي الإجازة ، لكي يصبح الحزب بموجب القانون غير شرعي ، وبالتالي خارجاً على القانون ، وليتخذ من ذلك ذريعة لضربه ، ومطاردة رفاقه ، ولم يدرك قاسم أنه بعمله هذا ، إنما يوجه السهام الى صدره ، وصدر الثورة .

وهكذا فقد تم رفض طلب إجازة الحزب مجدداً ، ولكن هذه المرة بحجة أن هناك حزب شيوعي مجاز بهذا الاسم .

ومع ذلك تدارست قيادة الحزب الوضع ، واتخذت قراراً بتقديم طلب جديد باسم [ اتحاد الشعب] لكن طلبه رفض مرة أخرى من قبل وزارة الداخلية ، عند ذلك أدركت قيادة الحزب أن قرار عبد الكريم قاسم لا رجعة فيه ، ولم يحاول الحزب الاعتراض لدى محكمة التمييز ـ حسب نص القانون ـ حيث وجد  أن لا فائدة من ذلك ، فقد عقد عبد الكريم قاسم العزم على حرمان الحزب من ممارسة نشاطه بصورة قانونية ، وبالتالي ملاحقة رفاقه من قبل الأجهزة الأمنية  .

 

3 ـ السلطة ترفض إجازة الحزب الجمهوري :

 

لم يكتفِ عبد الكريم قاسم وحكومته برفض إجازة الحزب الشيوعي ، بل تعدى ذلك الى رفض إجازة الحزب الجمهوري ، الذي كان قد تقدم بطلب تأسيسه في 12 شباط 1960 ، نخبة من الشخصيات السياسية المشهود لها بالوطنية ، وهم السادة :

1ـ عبد الفتاح إبراهيم                  13 ـ الشاعر مهدي الجواهري

2 ـ أحمد جعفر الأوقاتي                  14 ـ الدكتور صديق الأتروشي   

 3 ـ الدكتور عبود زلزلة                15 ـ المهندس عبد الرزاق مطر           

 4 ـ الدكتور طه باقر                    16 ـ عبد الحميد الحكاك        

 5  ـ  صالح الشالجي                     17 ـ  الدكتور عبد القادر الطلباني  

6 ـ رفيق حلمي                          18 ـ الدكتور عبد الصمد نعمان

 7 ـ جلال شريف                       19 ـ الدكتور عبد الأمير الصفار

 8 ـ حسن الأسدي                     20 ـ عبد الحليم كاشف الغطاء

 9 ـ شاكر الحريري                     21 ـ حسن جدوع   

 10 ـ نيازي فرنكول                    22  ـ نايف الحسن

11 ـ سعيد عباس                        23 ـ مهدي فريد الأحمر        

 12 ـ سليم حلاوي

غير أن عبد الكريم قاسم رفض إجازة الحزب المذكور ، بحجة أنه يضم عناصر ماركسية ، لها علاقات طيبة بالحزب الشيوعي ، وهكذا أصرّ قاسم على مواصلة السير في الطريق الخاطئ ، الذي أبعده عن جماهير الشعب  وقواه الوطنية ، وترك نفسه أعزلاً ، أمام قوى الردة التي أخذت تتحين الفرصة لتوجيه ضربتها له ولثورة الرابع عشر من تموز المجيدة .

 

4 ـ إجازة الحزب الوطني الديمقراطي :  

 

  في 9 كانون الثاني 1960، تقدم محمد حديد ورفاقه  بطلب تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي  ، وقد ضمت هيئته التأسيسية كل من :

1 ـ محمد حديد              2  ـ حسين جميل         3 ـ هديب الحاج حمود

4 ـ جعفر البدر              5 ـ عواد علي النجم      6 ـ خدوري خدوري

7 ـ مظهر العزاوي           8 ـ عبد الله عباس         9 ـ نائل سمحيري

10 ـ يوسف الحاج الياس     11 ـ سلمان العزاوي     12  ـ عراك الزكم

13 ـ محمد السعدون          14  ـ الدكتور حسن زكريا

وهكذا جاءت الهيئة المؤسسة للحزب خالية من قائد الحزب ، الشخصية الوطنية البارزة ، الأستاذ  [كامل الجادرجي ] ، وذلك بسبب الخلاف الحاصل مع زعيم الجناح اليميني في الحزب [ محمد حديد ] ، عندما طلب منه ، ومن رفيقه [ هديب الحاج حمود ] الاستقالة من الوزارة ، ورفضا ذلك . وقد تمت إجازة الحزب دون تأخير .

 

5 ـ إجازة الحزب الديمقراطي الكردستاني :

 

في 9 كانون الثاني 1960 ، تقدم السيد مصطفى البارزاني بطلب تأسيس الحزب [الديمقراطي الكردستاني] الى وزارة الداخلية ، وقد ضمت هيئته المؤسسة كل من السادة :

1 ـ مصطفى البارزاني              2 ـ إبراهيم أحمد        3 ـ نوري صديق شاويس

4 ـ عمر مصطفى             5 ـ علي عبد الله        6 ـ صالح اليوسفي

7 ـ ملا عبد الله إسماعي      8 ـ حلمي علي شريف  9 ـ إسماعيل عارف

10 ـ شمس الدين المفتي

وقد تمت الموافقة من قبل وزارة الداخلية على الطلب دون تأخير ، أو اعتراض على ما ورد في ميثاق الحزب ، حيث أشار الميثاق الى إيمان الحزب بالماركسية اللينينية ، وهي نفس العبارة التي اعترضت عليها وزارة الداخلية ، عندما قدم الحزب الشيوعي طلبه بإجازة الحزب ، وهذا ما يؤكد أن اعتراضات وزارة الداخلية على ميثاق الحزب ، لم تكن سوى ذريعة لحرمانه من ممارسة نشاطه السياسي ، بصورة رسمية .

 

6 ـ إجازة الحزب الإسلامي العراقي :

 

في 2 شباط تقدمت مجموعة من العناصر الرجعية ، المتخفية وراء الإسلام ، بطلب تأسيس حزب جديد ، بأسم [ الحزب الإسلامي العراقي ] ، وقد ضمت هيئته المؤسسة كل من :

1 ـ إبراهيم عبد الله شهاب   2 ـ نعمان عبد الله            3 ـ فاضل دولان

4ـ صبري محمود الليل        5 ـ وليـد  الأعظمي         6 ـ جاسم العاني

 7 ـ إبراهيم منير المدرس     8 ـ فليح حسن الصالح        9 ـ محمد اللامي    

 10 ـ حميد الحاج حمد ذهبية 10 ـ عبد الجليل ابراهيم       12 ـ يوسف طه                  

وقد تضمن منهاج الحزب ، العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية ، ومحاربة الإلحاد !! ، والأفكار والمفاهيم الشيوعية ، ومعاداة الأفكار الديمقراطية .

ورغم أن وزارة الداخلية رفضت إجازته ، مستندة الى كون الحزب لا يؤمن بالأفكار الديمقراطية ، ولا يسير في خط الثورة ، إلا أن هيئته المؤسسة اعترضت لدى محكمة تمييز العراق ، التي أبطلت قرار وزارة الداخلية ، وسمحت لها بممارسة النشاط السياسي .أصدر الحزب صحيفته [ الحياد ] التي ركزت جهدها لمحاربة الشيوعية ، بادئ الأمر ثم تحولت نحو مهاجمة ثورة 14 تموز ، وعبد الكريم قاسم بالذات ، حيث وصفت حكمه بكونه حكماً استبدادياً عسكرياً ، مما أضطر عبد الكريم قاسم الى إلغاء إجازته فيما بعد .

7 ـ رفض إجازة حزب التحرير الإسلامي :

 

بتاريخ 12 شباط 1960 ، تقدمت مجموعة من الإسلاميين بطلب تأسيس حزب سياسي جديد باسم [ حزب التحرير ] ، وهو حزب لا يختلف في أهدافه ، وتوجهاته عن الحزب الإسلامي ، لكن وزارة الداخلية رفضت الطلب ، وقد ضمت هيئته المؤسسة كل من :

1 ـ عبد الجبار عبد الوهاب                   2 ـ محمد عبيد البياتي         

3 ـ عبد الجبار حسين  الشيخلي              4 ـ غصوب يونس الجبوري 

 5 ـ صالح عبد الوهاب بكر                  6 ـ علي السيد فتحي

7 ـ محمد سليم الكواز                        8 ـ عبد الهادي علي النعيمي  

9 ـ حسن سلمان النعيمي                    10 ـ أحمد حامد الإبراهيمي

 

سادساً:انشقاق الحزب الوطني الديمقراطي وحديد يؤلف الحزب الوطني التقدمي :          

 

تفاقمت الخلافات بين أقطاب الجناحين ، اليميني واليساري داخل الحزب الوطني الديمقراطي بسبب المواقف التي وقفها جناح محمد حديد من مسألة تجميد نشاط الحزب ، بناء على طلب عبد الكريم قاسم ، أثناء غياب رئيس الحزب الأستاذ كامل الجادرجي عن العراق مما دفع الجناح اليساري في الحزب الى إعلان عدم اعترافه بقرار التجميد ، معلناً عزمه على مواصلة نشاط الحزب ، ومتحدين قرار القيادة اليمينية ، وكان على رأس هذا الجناح كل من السادة :

1 ـ عبد الله البستاني        2 ـ عبد المجيد الونداوي       3 ـ علي عبد القادر

4 ـ نايف الحسن            5 ـ حسان عبد الله مظفر     6 ـ ناجي يوسف

7 ـ علي جليل الورد       8 ـ حسين أحمد العاملي       9 ـ سليم حسني

10 ـ عادل الياسري 

تصاعدت الأزمة بين الجناحين عندما عاد الجادرجي الى بغداد ، ووجه انتقاداً شديداً لقرار التجميد و لمحمد حديد ، نائب رئيس الحزب ، طالباً منه ومن زميله هديب الحاج حمود الإستقالة من الوزارة  بعد إقدام عبد الكريم قاسم على تنفيذ حكم الإعدام بالضباط المشاركين في محاولة العقيد الشواف الانقلابية في الموصل ،  ولعدم امتثال الوزيرين  لطلبه سارع الجادرجي  الى تقديم استقالته من رئاسة الحزب ، وعضويته .

كان لقرار الجادرجي بالاستقالة أثر كبير على تفاقم الأزمة بين الجناحين داخل الحزب ، وخصوصا بعد فشل المساعي التي بذلها الجناح اليساري لعودة الجادرجي لقيادة الحزب ، وتباعدت مواقف الجناحين عن بعضهما ، نظراً لما يكنه قادة الجناح اليساري للحزب من احترام وتقدير لشخص الجادرجي ، واعتزازاً بقيادته التاريخية للحزب .

وبسبب تفاقم الأزمة داخل الحزب ، أقدم جناح محمد حديد على تأسيس حزب جديد باسم [الحزب الوطني التقدمي ] ، وتقدم بطلب إجازة الحزب في 29 حزيران 1960 ، وضمت هيئته المؤسسة كل من السادة :

  محمد حديد              2 ـ خدوري خدوري       3 ـ محمد السعدون

4 ـ نائل سمحيري             5 ـ عراك الزكم        6 ـ سلمان العزاوي

7 ـ عباس حسن جمعة        8 ـ رجب علي الصفار     9 ـ د.جعفر الحسني

10 ـ د .رضا حلاوي        11 ـ عبد الأمير دروي      12 ـ عباس جودي

13 ـ حميد كاظم الياسري   14 ـ عبد الرزاق محمد 

وقد تمت إجازة الحزب دون أي تأخير ، واستمرت قيادة الحزب في دعم سياسة عبد الكريم قاسم ، وخاصة فيما يتعلق بمواقفه من الحزب الشيوعي .

ومن الملاحظ أن أغلبية قيادة الحزب جاءت من بين العناصر البرجوازية ، ومن الملاكين ، ورجال الصناعة ، الذين كانوا يشعرون بالقلق الشديد من تنامي قوة الحزب الشيوعي .

 

سابعاً:الحزب الشيوعي يحاول تكوين جبهة وطنية ديمقراطية جديدة :

 

نتيجة للشرخ الكبير ، الذي حدث في صفوف جبهة الاتحاد الوطني ، خلال الأشهر الأولى من عمر الثورة ، وانسحاب الأحزاب القومية منها ومن الحكومة ، لم يبقَ في الجبهة سوى الحزب الوطني الديمقراطي ،والحزب الشيوعي ،وحتى العلاقة بين هذين الحزبين أخذت بالتردي يوماً بعد يوم ،بعد اتساع المد الشيوعي وسيطرته على الشارع العراقي ، وهيمنة الحزب الشيوعي على كافة المنظمات الجماهيرية ، والنقابات المهنية والعمالية ، واتحاد الجمعيات الفلاحية ، واتحاد الطلبة ، وتلك كانت أحد الأخطاء الكبرى التي وقع فيها الحزب الشيوعي  والتي سببت ابتعاد الحزب الوطني الديمقراطي ،وبشكل خاص جناحه اليميني عنه ،وسعيه الحثيث لكبح جماح الشيوعية ، وتحريض عبد الكريم قاسم على الوقوف بوجه الحركة الشيوعية ، حرصاً على مصالحه الطبقية .

كان على الحزب الشيوعي ، الذي حرصت قيادته على اعتبار تلك المرحلة ، مرحلة الوطنية الديمقراطية ، عدم استفزاز البرجوازية الوطنية ، واستبعادها عن النشاطات الديمقراطية ، والاستئثار بكافة المنظمات الجماهيرية ، والنقابات المهنية والاتحادات العمالية ، والفلاحية .

أخذت العلاقات بين الحزبين بالتردي ، كما أسلفنا يوماً بعد يوم حتى وصلت الى طريق اللا عودة ، عندما حدث الانشقاق في صفوف الحزب الوطني الديمقراطي ، ومن ثم استقالة رئيسه الأستاذ كامل الجادرجي ، ومن ثم استقالة الجناح اليميني ، بزعامة محمد حديد من الحزب ، وتأليفهم [الحزب الوطني التقدمي ].

لقد لعب الحزب الشيوعي دوراً في ذلك الانشقاق عندما دفع ، وشجع العناصر اليسارية في الحزب الوطني الديمقراطي ، إثر قرار الجناح اليميني تجميد نشاط الحزب ، الى تشكيل قيادة جديدة للحزب  ومواصلة النشاط السياسي . وهكذا أقدم عدد من الشخصيات السياسية المحسوبة على الجناح اليساري على إصدار بيان يستنكر فيه إقدام محمد حديد وكتله على قرار تجميد نشاط الحزب ، بتحريض من الحزب الشيوعي .فقد أصدر الحزب الشيوعي بياناً في 22 مايس 1959 بعنوان [ حول إيقاف نشاط الحزب الوطني الديمقراطي ] ، شجب فيه قرار التجميد ، داعياً العناصر اليسارية في الحزب الى مواصلة النشاط السياسي .

وعلى أثر ذلك أصدرت الكتلة اليسارية في الحزب ، والتي ضمت كل من السادة :

1 ـ عبد الله البستاني        2 ـ عبد المجيد الونداوي        3 ـ علي عبد القادر

4 ـ نايف الحسن            5 ـ حسان عبد الله مظفر      6 ـ ناجي يوسف

7ـ علي جليل الوردي      8ـ حسين أحمد العاملي        9 ـ سليم حسني

10 ـ عادل الياسري

بياناً في 22مايس 959 ، حول رفض قرار التجميد ، ومما جاء في البيان :

{  ونحن إذ نعلن مخالفتنا لقرار التجميد فإننا ندعو أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي ، المؤمنين بأداء واجبهم الحزبي في هذه الظروف ، الى الاستمرار في النشاط الحزبي ، كما نعتبر أن الذين أصدروا قرار وقف نشاط الحزب ومن يؤيدهم من أعضاء الحزب  إنما قرروا ذلك بالنسبة لأنفسهم فقط } .

لقد كانت تلك الخطوة من جانب الحزب الشيوعي ، والجناح اليساري في الحزب الوطني الديمقراطي خطوة انفعالية بلا شك عمقت من الشرخ بين الحزبين من جهة ، وبين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم من جهة أخرى ، فقد كان واضحا أن قاسم سوف يقف بوجه الحزب الشيوعي مهما فعل ، أضافه الى دفع العلاقة بين الحزبين الى مرحلة اللا عودة .

لكن الحزب الشيوعي ذهب الى أبعد من ذلك عندما دعى الجناح اليساري في الحزب الوطني الديمقراطي ، والجناح اليساري في الحزب الديمقراطي الكردستاني ، الى إقامة [جبهة وطنية ديمقراطية جديدة ] ، وتوصل معهما الى مشروع ميثاق جديد للجبهة المذكورة ، في 28 حزيران 1959 ، وتضمن الميثاق الجديد البنود التالية :

1 ـ صيانة الجمهورية ، والحفاظ على خط سيرها ، باتجاه الديمقراطية ، وتطهير كافة مؤسسات الدولة ، والقوات المسلحة من العناصر المعادية للثورة ، وإحلال العناصر المخلصة  والكفوءة محلها .

2 ـ التضامن مع كافة البلاد العربية المتحررة في كفاحها ضد الاستعمار والصهيونية

3 ـ السير على سياسة الحياد الإيجابي ، ومقاومة الإمبريالية .

4 ـ تعزيز الأخوة العربية الكردية ، والسعي من أجل الوحدة الوطنية .

5 ـ اعتماد مبدأ الديمقراطية الموجهة ، وإشاعة الحريات الديمقراطية ، وحرية التنظيم الحزبي  والنقابي ، وحرية الصحافة ، لكل القوى التي تدافع عن الجمهورية ، ومكاسب ثورة 14 تموز المجيدة .

 وقد وقع على ميثاق الجبهة عن الحزب الشيوعي كل من السادة :

1 ـ عامر عبد الله          2 ـ عبد القادر إسماعيل      3 ـ زكي خيري

4 ـ عزيز الحاج           5 ـ بهاء الدين نوري         6 ـ كريم أحمد

 7 ـ محمد حسين أبو العيس

فيما وقعها عن الجناح اليساري للحزب الوطني الديمقراطي كل من السادة :

1ـ المحامي ناجي يوسف         2 ـ  صلاح خالص         3 ـ  أحمد الجلبي

4ـ المحامي عبد المجيد الونداوي  5 ـ علي جليل الوردي     6 ـ نايف الحسن

7 ـ حسين أحمد العادلي

أما الجناح اليساري للحزب الديمقراطي الكردستاني فقد وقع عنه كل من السادة :

1 ـ المحامي حمزة عبد الله       2 ـ خسرو توفيق      3 ـ عزيز صالح الحيدري

4 ـ المهندس نوري شاويس     5 ـ نزار أحمد         6 ـ شمس الدين المفتي

7 ـ صبغة الله المزيوري

وقد سارع الموقعون على ميثاق الجبهة الجديدة الى إرسال مذكرة الى عبد الكريم قاسم ، تشرح فيها الأوضاع السائدة في البلاد ، والمخاطر التي تجابه الثورة ومكاسبها ، وأهمية الوحدة الوطنية في الكفاح ضد الاستعمار والرجعية ، وتعلن فيها عن إقامة الجبهة ، وأهدافها  وفيما يلي نص المذكرة :

 

1 ـ نص مذكرة الجبهة الوطنية الديمقراطية للزعيم عبد الكريم قاسم :

 

سيادة الزعيم عبد الكريم قاسم المحترم :

منذُ أنْ وطأ الاستعمار بلادنا ، وطوال سنوات الكفاح المريرة ، في العهد المباد ، كان العمل من أجل وحدة الصف الوطني ، هدف الشعب الأسمى ، وسلاحه التعبوي الحاسم لتحقيق انتصاراته ، وبالعكس كانت الفرقة ، أحد الأسباب الرئيسية للانتكاسات ، وفي غمرة الكفاح الوطني ، في ظروف مده وجزره ، ومن خلال تجارب النجاحات والإخفاقات ، انبثقت فكرة الجبهة الوطنية الموحدة وتبلورت ، وغدت ستار الشعب الحقيقي .

 وكان لابدّ للقوى والأحزاب والعناصر الوطنية أن تستجيب لإرادة الشعب في الوحدة ، فتظافرت جهودها ، واتحدت صفوفها ، وأدركت كل واحدة منها بتجربتها ، وتجربة الحركة الوطنية عموماً ، وبالاستناد الى تقدير موضوعي ، أن أية قوة بمفردها ، وبدون مساندة الشعب ، لن يكون بمستطاعها تحقيق مهمة الانتصار على الاستعمار وأعوانه .

 وبفضل تضامن الجيش ، والقوى السياسية ، وبفضل جهودهما المشتركة ، بصرف النظر عن تباين الأساليب ، وتفاوت الطاقات العملية ، وبفضل مساندة الشعب الحازمة ، كُتب الانتصار الساحق  والسريع لثورة 14 تموز الظافرة عام 1958.

إن هذه الحقيقة لم تفقد أهميتها وصحتها بعد الانتصار وبعد تحقيق أهداف الشعب في ضرب النظام الملكي الاستعماري الإقطاعي ، وفي إقامة نظام حكم جمهوري وطني متحرر ، فلم يكن بإمكان أي قوة بمفردها أن تصون الثورة وجمهورية الرابع عشر من تموز ، فقد آزر الشعب جيشه الباسل ، وحكومته الوطنية ، ووقف الجيش مع الشعب ، واستندت الحكومة على الشعب وقواه الوطنية المناضلة المخلصة ، وظل المخلصون لإرادة الشعب ، ومبادئ الثورة ، وانتم على رأسهم متمسكين في كل الظروف والأوقات العصيبة التي مرت بجمهوريتنا بشعار [ وحدة الصفوف ] هذا الشعار الذي التزمت به ، ودافعت عنه الغالبية الساحقة من القوى الوطنية ، ولم تشذ عنه سوى العناصر والجماعات التي تظافرت جهودها مع جهود الطامعين ، والقوى المعادية للجمهورية ، من الاستعماريين ، والإقطاعيين . ولولا وعي الشعب ويقظته ويقظة القوى الوطنية ، لكان بمستطاع تلكم الزمر المعادية والمفرقة شق وحدة الشعب ، وتلاحم صفوفه ، والتسبب في جلب الكوارث الحقيقية على البلاد .

بيد أن الشعب فوت الفرص على الأعداء والطامعين ، ومفرقي الصفوف ،وبقي صامداً موحداً تحت زعامتكم ،وقد أصبح ذلك ممكناً بفضل وحدة الجيش والشعب بقيادتكم الحكيمة الحازمة ،هذه الوحدة التي كانت العامل الأساس الذي مكن البلاد من تخطي المؤامرات والهزات التي تعرضت لها ،والقضاء عليها بتفوق باهر،وسرعة فائقة .

وكما أن الشعب ، وقواه الوطنية ، وقيادة البلاد ، أدركت أهمية الوحدة الوطنية ، وضرورتها التي لا غنى عنها ، فقد أدرك الاستعمار وأعوانه الطامعون كذلك ، عظم وخطر وحدة الصف على مشاريعهم ،ومؤامراتهم ،ومآربهم الهادفة إلى نسف كيان الجمهورية ، وضرب زعامتكم . لقد ركز الاستعمار خلال الأشهر الأخيرة ،بوجه خاص ،كل جهوده من أجل بث الشكوك  والريبة داخل القوى الوطنية ،بغية الإخلال بوحدتها ،وتأليب بعضها ضد البعض الآخر،لفتح الثغرات ،والنفوذ منها ،جرياً على سياسة " فرق تسد " ، وتعلمون سيادتكم أن الاستعمار لا ينهج لتحقيق أغراضه سُبلاً مكشوفة  يمكن تمييزها بسهولة ويسر ، بل يعمد  وهو العدو المسلح بتجربة واسعة في هذا المضمار إلى استخدام أعقد الخطط ، وأكثر السبل الماكرة ، وغير المباشرة ، والملتوية والخبيثة .

ولئن كان الاستعمار أخفق في نسف استقلال البلاد ، وقلب الحكم الجمهوري الديمقراطي ، والإطاحة بزعامتكم ، فإن هدفه هذا لم يتغير ، ولن يتغير ، حيث لا يمكن للاستعمار أن يتخلى عن مساعيه ، ودسائسه ، في سبيل إرجاع نيره المهشم ، واستعادة نفوذه المنهار حتى لو أدى ذلك الى إغراق الوطن في بحر من الدماء الزكية.

إن مما يأسف له كل مخلص ، حدوث بعض الأمور ، والملابسات والمواقف التي صدرت من هذا وذاك من الأطراف الوطنية ، والتي أدت الى تقوية أمل المستعمرين ، وانتعاش مقاصدهم اللئيمة ضد بلدنا الحبيب ، وكان من نتائج ذلك ، مع الأسف ، هذه البلبلة الواضحة التي سرت في صفوف الشعب ، وقواه الوطنية ، وخلخلت الصف الوطني .

إننا حينما نشير الى هذا الوضع المؤسف ، فنحن لا نتطير منه بحال من الأحوال ، ولسنا مساقين بنظرة التشاؤم ، وإنما نستند الى وقائع ملموسة ، اطلع عليها الرأي العام ، وتحسستها أوسع الجماهير  والعناصر الوطنية المخلصة ، وفعلت فعلها السلبي في سريان القلق المشروع في الأوساط الشعبية ، والجماهير محقة كل الحق ،في استنتاجاتها وشعورها ، خاصة وأن الشعب تعلم من خلال تجربته ، وتجارب الأمم الأخرى ، أن الاستهانة بالأعداء المتربصين ، سواء كانوا داخليين أم خارجيين ، هي داء وبيل ، أصابت عدواه حركات وطنية كثيرة ، وأدت بها الى الانتكاس والخذلان .

 ومما لا ريب فيه أن المخلصين كافة لا يوجد بينهم من يرغب ، أو يقبل مثل هذا المصير لثورتنا المباركة المظفرة ، التي هي كما أكدتم سيادتكم دائماً للشعب إنها حصيلة دماء غزيرة ، وعزيزة ، وجهود ، وآلام بذلتها الملايين من أبناء الشعب خلال سنوات طويلة من الكفاح ، والعذاب المتواصل . وقد آن للشعب المكافح الصابر عقوداً من السنين ، بل دهوراً ، أن يحصد الثمار ، ويتمتع بحريته الكاملة ، وحقوقه الديمقراطية العادلة ، وخيرات بلاده الوفيرة ، وهذا ما يناضل من أجله كل المخلصين ، كما سبق لسيادتكم أن صرحتم به دائماً . إن الواقع للوضع المؤسف هذا الذي أشرنا إليه قبل قليل  قد أثار ، ولم يكن بالإمكان أن لا يثير ، أقصى درجات اليقضة لدى الشعب ، وحفز وعيه على الاستعانة بتجاربه ، وتجارب الأمم الأخرى التاريخية ، فبرز على الألسن ، كما تغلغل في القلوب أكثر من أي وقت مضى ، شعار وحدة [الصف الوطني ] وتقويته ، والدفاع عنه وعن الجمهورية ،و مكاسب ثورة الشعب وجيشه المقدام .

وما كان لهذه الرغبة النبيلة الواعية لدى جماهير الشعب ، إلا أن تنعكس على مختلف قواه الوطنية التي يقف على رأسها ويرعاها سيادتكم .

ونحن كجزء من هذه القوى الوطنية حملنا شعورنا بالمسؤولية ، إزاء هذا الوضع الراهن ، وإزاء مهمة الحفاظ على مكاسب الشعب ، وعلى تظافر الجهود ، ودفعنا الى التقارب بين بعضنا ، لدراسة المعالم المميزة للظرف الذي يكتنف الجمهورية ، وتحديد واجباتها فيها .

ولقد توصلنا بنتيجة دراستنا للعوامل التي أدت الى الإخلال بوحدة الصف الوطني والإساءة إليه ، وتحري الحلول الممكنة ، والعملية التي تساعدنا على بعثها مجدداً ، وعلى أفضل وجه ، وتوصلنا الى مواصلة نشاطنا في [ جبهة الاتحاد الوطني ] ، واتخاذ جميع الخطوات المقتضية لإعادة حيويتها ، وتحويلها الى واقع ملموس ، وجهاز وطني فعّال ، قادر على تعبئة ، وتوحيد صفوف الشعب ، وبناء عليه ، فقد تم الاتفاق فيما بيننا  على إقرار[ ميثاق إنشائي ]  نبلور ونصوغ فيه وجهة نظرنا المشتركة في المسائل الكبرى التي نصت عليها بنود الميثاق ،  والتي تواجه البلاد في الظرف الراهن ، سواء ما يتعلق منها بصيانة الجمهورية ، أو بتخطيط ، وبناء مستقبل البلاد ، وهذا الميثاق الوطني ، هو عهد مقدس بين القوى المنضوية ، أو التي ستنضوي في المستقبل تحت لواء جبهة الاتحاد الوطني ، والتي ستمارس نشاطها المشترك تحت قيادتكم الحكيمة .وما من شك أن ما جاء في هذا الميثاق ، قد يحتمل الإضافة ، أو التعديل ، متى ما أرادت  الأطراف المشتركة فيه ، أو متى ما ارتأت القوى الوطنية ضرورتها .وباعتقادنا أن خطوتنا هذه من أجل وحدة الصفوف ، ستكون ذات أهمية كبرى ، وأكثر جدوى ، في خدمة الجمهورية ، كلما ضمت جبهة الاتحاد الوطني قوى شعبية أخرى ، وإمكانيات جديدة .إننا إذ نتقدم إليكم بصورة من ميثاقنا الوطني ، الذي تم اتفاق كلمتنا عليه ، برغم الاختلاف في اتجاهاتنا ، وميولنا السياسية ، نحن القوى المؤتلفة في جبهة الاتحاد الوطني ، لنا وطيد الأمل بأننا سنجد من لدن سيادتكم كل التشجيع ، والرعاية ، وتقبلوا فائق احترامنا . (7)

                                                          بغداد 28 حزيران 1959

 

2 ـ عبد الكريم قاسم يتجاهل المذكرة ويواصل سياسته تجاه الحزب الشيوعي :

 

إن عبد الكريم قاسم ، الذي كان قد عقد العزم على ضرب الحزب الشيوعي ، والحد من نشاطه ، والسير في طريق الحكم الفردي ، والاستئثار بالسلطة ، تجاهل تلك المذكرة ، وتجاهل الجبهة ، بل  وأوغل أكثر فاكثر في سياسته الهادفة الى تجريد الحزب الشيوعي من كل أسباب قوته ، وجماهيريته ، وتوجيه الضربات المتلاحقة له ، ولم تفد الحزب تلك العبارات التي أطرى بها على قاسم ، وسياسته الحكيمة!! في زحزحته عن مواقفه تجاه الحزب ، بل جعلته يندفع أكثر فأكثر في هذا السبيل ، مصمماً على حرمان الحزب من ممارسة نشاطه السياسي ، استناداً لقانون الأحزاب والجمعيات الذي أصدره في 1 كانون الثاني 1960 .

أما محمد حديد ورفاقه في الحزب الوطني التقدمي ، فقد رفضوا الانضواء تحت راية تلك الجبهة ، معللين ذلك بأن الحزب الشيوعي قد عمل من وراء ظهر الأحزاب ، وأن تلك الجبهة هي من صنع الشيوعيين ، ورفضوا أي نوع من التعاون مع الحزب الشيوعي ، ومع الجبهة المعلنة .

وهكذا ، فإن هذه الجبهة لم تستطع أن تؤدي مهامها ، وتحقق أهدافها ، نظراً لتعقد الظروف السياسية ، وتدهور العلاقات بين أطراف القوى الوطنية من جهة ، ومواقف عبد الكريم قاسم من جهة أخرى ، إضافة للشرخ الذي أصاب الحزب الوطني الديمقراطي ، وانعزال القوى القومية ، وتنكبها لمسيرة الثورة ، ولجوئها الى التآمر المسلح ، والمكشوف ، لإسقاطها  والإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم .

 

 ثامناً: تدهور العلاقة بين الأكراد والسلطة ولجوء الطرفين إلى السلاح :

 

كان ثالثة الأثافي في تدهور الأوضاع السياسية في البلاد ، وانقسام القوى الوطنية ، حدوث الخلافات العميقة بين السلطة وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني ، ولجوء الطرفين الى الصراع المسلح ، واستخدام السلطة للجيش في ذلك الصراع . ولم تجد نفعاً كل النداءات التي وجهها الحزب الشيوعي لكلا الطرفين لإيقاف القتال ، واللجوء الى الحوار ، لحل المشاكل المعقدة ، إلا أن جهوده باءت بالفشل ، واستمرت الحرب بين الطرفين حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963 .

بدأت العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني  والسلطة بالتدهور عام 1961 ، عندما هاجمت صحيفة الحزب [ خه بات ] أسلوب السلطة في إدارة شؤون البلاد ، وطالبت بإلغاء الأحكام العرفية ، وإنهاء فترة الانتقال ، وإجراء انتخابات عامة حرة ، وسن دستور دائم للبلاد ، وإطلاق سراح السجناء السياسيين الأكراد ، واحترام الحياة الحزبية ، وحرية الصحافة .(8)

كان الرد من قِبل عبد الكريم قاسم أن أمر بغلق مقر الحزب في بغداد ، وغلق صحيفة الحزب  ومطاردة قادته ، واعتقال البعض منهم في آذار 1961 ، واستمرت العلاقة بين الطرفين بالتدهور حتى بلغت مداها في شهر تموز من ذلك العام .

وفي 20 تموز 961 ، قدم المكتب السياسي للحزب مذكرة الى عبد الكريم قاسم ، طالبه فيها بتطبيق المادة الثالثة من الدستور المؤقت ، والتي نصت على حقوق الشعب الكردي ، كما طالبت بسحب القوات العسكرية المرسلة الى كردستان ، وسحب المسؤولين عن شؤون الأمن والشرطة والإدارة ، الذين كان لهم دور بارز في الحوادث التي وقعت في كردستان ، وإعادة الموظفين الأكراد المبعدين الى كردستان ، وإطلاق الحريات الديمقراطية ، وإنهاء فترة الانتقال ،وانتخاب مجلس تأسيسي ، وسن دستور دائم للبلاد وإلغاء الأحكام العرفية ، وتطهير جهاز الدولة من العناصر المعادية لثورة 14 تموز .(9)

لكن عبد الكريم قاسم تجاهل المذكرة ، واستمر في حشد قواته العسكرية في المناطق المحاذية لإيران ، حيث كانت قد اندلعت أعمال شغب قام بها كبار الإقطاعيين ، بقيادة الإقطاعيين الكبيرين [ رشيد لولان ] و[ عباس مامند] بدعم وإسناد من النظام الإيراني ، والسفارة الأمريكية في طهران ، وقد أستهدف رشيد لولان ، وعباس مامند ، إلغاء قانون الإصلاح الزراعي ، فيما استهدفت الإمبريالية

الأمريكية ، وعميلها [شاه إيران ] زعزعة النظام الجديد في العراق ، وإسقاطه .(10)

لكن من المؤسف أن الحزب الديمقراطي الكردستاني ، وزعيمه الملا مصطفى البارزاني ، ركبوا نفس الموجة التي ركبها رشيد لولان ، وعباس مامند ، وحملوا السلاح بوجه السلطة ، دون أن يقدروا دوافع تلك الحركة ، والقائمين بها ، والمحرضين عليها ، ومموليها ، مغلّبين التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي مع الإمبريالية .

كما أن عبد الكريم قاسم ركب رأسه ، ورفض اللجوء الى الحوار وحل المشاكل مع القيادة الكردية ، وإيجاد الحلول للأزمة السياسية التي كانت تعصف بالبلاد ، وظن أن اللجوء الى السلاح سينهي الأزمة خلال أيام ، ويصفي كل معارضة لسياسته في البلاد ، لكن حساباته كانت خاطئة ، وبعيدة جداً عن واقع الحال ، وكانت تلك الحرب في كردستان أحد أهم العوامل التي أدت الى اغتيال ثورة 14 تموز يوم الثامن من شباط 1963 .

أستهل الحزب الديمقراطي الكردستاني صراعه مع السلطة بإعلان الإضراب العام في منطقة كردستان  في 6 أيلول 961 ، حيث توقفت كافة الأعمال و أصاب المنطقة شلل تام ، وقام المسلحون الأكراد باحتلال مناطق واسعة من كردستان ، فكان رد السلطة دفع قطعات الجيش في 9 أيلول ، لضرب التجمعات الكردية مستخدمة كافة الأسلحة ، والطائرات ، وهكذا امتدت المعارك وتوسعت لتشمل كافة أرجاء كردستان ، واستمرت المعارك حتى وقوع انقلاب 8 شباط 963 ، وتبين فيما بعد أن الحزب الديمقراطي الكردستاني قد تعاون مع انقلابيي شباط ، حيث كانت الاتصالات بينهم مستمرة قبل الانقلاب ، كما شارك الطلبة الأكراد في الإضراب الذي أعلنه البعثيون قُبيل وقوع الانقلاب .لقد وقع قادة الحركة الكردية في خطأ جسيم آخر ، عندما وضعوا أيديهم بأيدي أولئك الفاشيين ضد السلطة الوطنية بقيادة عبد الكريم قاسم ، ظنناً منهم أن بالإمكان حصول الشعب الكردي على حقوقه القومية على أيدي أولئك الانقلابيين الفاشيين المتعصبين .

لقد كان موقفهم هذا ، أقل ما يقال عنه ، أنه موقف لا ينم إلا عن قصر نظر سياسي كبير ، وعن جهل بطبيعة حزب البعث ، والقوى القومية المتعصبة ، الذين لم يكّنوا يوماً المحبة للشعب الكردي ، ورفضوا حتى إشراك الحزب الديمقراطي في جبهة الاتحاد الوطني عام 1957 .وهكذا فلم تمض ِسوى ثلاثة أشهر على انقلاب 8شباط ، حتى بادر الانقلابيون في 1 أيار 1963 الى شن حملة شعواء على الشعب الكردي ، لم يشهد لها مثيلاً من قبل ، منزلين فيه الويلات ، والمآسي ، و ألوف القتلى ، وتهدم القرى ، وتهجير الشعب الكردي .

لقد تمزقت الوحدة الوطنية ، وتحولت الجبهة الوطنية الى الصراع المرير بين أطرافها ، ومع السلطة ، جراء الأخطاء القاتلة لكافة الأحزاب السياسية والسلطة على حد سواء ، فقد كان لكل طرف حصة ونصيب في تلك الأخطاء التي أدت الى التمزق  والصراع ، وضياع الثورة ، وتصفية كل مكاسب الشعب ، وإغراق البلاد بالدماء .

ولاشك أن عبد الكريم قاسم يتحمل القسط الأكبر من مسؤولية تلك الأخطاء ، لأنه كان على قمة السلطة ، وكان بإمكانه أن يفعل الكثير من أجل إعادة اللحمة للصف الوطني ، ومعالجة المشاكل ، والتناقضات التي نشأت ، والتي يمكن أن تنشأ مستقبلاً ، بروح من الود والتفاهم ، والمصلحة العامة لشعبنا ووطننا ، والتحلي بإنكار الذات ، وتغليب مصلحة الوطن على كل المصالح .

كان بإمكانه أن يعمل على إنهاء فترة الانتقال ، ويجري انتخاب المجلس التأسيسي، وسن الدستور الدائم للبلاد ، وإرساء الحكم على أسس ديمقراطية صلبة ، ولو فعل ذلك لتجنّب ، وجنّب الشعب العراقي كل تلك الويلات ، والمصائب ، والمصير المظلم الذي حلّ بالبلاد على أيدي انقلابيي 8 شباط 1963 .

 

التوثيق

 

 (1)صحيفة اتحاد الشعب ـ العدد 147 ـ 18 تموز .

 (2) بيان صادر عن الحزب الشيوعي في 3 أيلول 1958

(3) صحيفة اتحاد الشعب ـ 16 تشرين الثاني  1958

 (4) بيان صادر من ا الشيوعي العراقي في 3 أيلول 1958

 (5)تقرير الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ـ أواسط تموز 1959 .

 (6) العراق ـ الجزء الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 269 .

 (7) صحيفة اتحاد الشعب ـ العدد 131 ـ 29 حزيران 959 .

 (8) ثورة 14 تموز ـ د . ليث الزبيدي ـ ص 252 .

 (9) نفس المصدر ـ ص 253 .

 (10) المصدر السابق ـ ص 255 .