![]() |
|
الانشقاق
أولاً
: انشقاق القوى القومية ،والبعثية ، بقيادة عبد السلام عارف .
ثانياً
: الوحدة الفورية ،والاتحاد الفدرالي ،وموقف السلطة .
ثالثاً
: عبد السلام عارف يحاول اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم .
1 ـ إعفاء عبد السلام عارف من منصب نائب القائد
العام للقوات المسلحة .
2 ـ إعفاء عبد
السلام عارف من منصب وزير الداخلية ،وتعينه سفيراً في بون . 3 ـ عبد السلام عارف ، يحاول اغتيال عبد الكريم
قاسم .
4 ـ سفر عبد
السلام عارف لتسلم منصبه الجديد سفيراً في بون .
رابعاً
: عودة عبد السلام المفاجئة ، واعتقاله ، وإحالته للمحاكمة .
خامساً : مؤامرة رشيد عالي الكيلاني .
سادساً : انقلاب عبد الوهاب الشواف الفاشل في
الموصل .
أولاً : انشقاق القوى القومية ،والبعثية ،بقيادة
عبد السلام عارف :
لم تكد تمر سوى
أيام قليلة من عمر الثورة التي باركها الشعب بكل قواه السياسية الوطنية حتى ظهرت
بوادر الانشقاق في صفوف الحركة الوطنية ، فقد كانت خطب عبد السلام عارف وهو يطوف
المدن العراقية ، الواحدة بعد الأخرى ، ويزور قطعات الجيش المتواجدة فيها تتناقض
كلياً مع توجهات الثورة وأهدافها الآنية في إجراء التغييرات الضرورية في كافة
المجالات السياسية ،والاقتصادية والاجتماعية ، ومن أجل تصفية مخلفات العهد السابق ، وإجراءاته القمعية لحقوق
الإنسان العراقي وحرياته .
لقد سببت تلك
الخطابات اللامسؤولة بلبلة كبرى في صفوف أبناء الشعب والقوات المسلحة من جهة ،
وإحراجاً لحكومة العراق أمام مختلف دول العالم ، حتى وصل الأمر بوزير الخارجية عبد
الجبار الجومرد أن أبدى انزعاجه مراراً
وتكراراً مما يرد في خطابات عبد السلام عارف .
لقد تبنت القوى
القومية والبعثية عبد السلام عارف ، ودعمته تحت شعار الوحدة الفورية مع الجمهورية
العربية المتحدة ، دون مراعاة اختلاف الظروف الاقتصادية ، والسياسية بين البلدين
ودون مراعاة التركيب القومي للمجتمع العراقي ، رافضين إعطاء الفرصة لإحداث
التغييرات اللازمة في الهياكل السياسة والاقتصادية ، والاجتماعية في الوطن .
بدأت تلك القوى
منذُ الأيام الأولى للثورة تسيّر التظاهرات المطالبة بالوحدة الفورية ، دون أن
تستخلص التجربة من وحدة سوريا مع مصر ، التي جرت بصورة مستعجلة ، وأدت إلى ظهور
تناقضات ، واسعة وعميقة ، بين البلدين والتي انتهت بالانفصال فيما بعد .
لقد اتهمت تلك
القوى ، بقية القوى السياسية الوطنية بالشعوبية ، والقطرية وغيرها من الاتهامات
المشينة ،لأنها أرادت التريث في الأقدام على خطوة خطيرة كهذه بالنسبة لمصير الشعب
والوطن وإيجاد أفضل الوسائل والسبل الكفيلة بإقامة أوسع ارتباط مع الجمهورية العربية
المتحدة في كافة المجالات السياسية ، والاقتصادية ، والثقافية ، وصولاً إلى الوحدة
فيما بعد ، على أن تكون قائمة على أُسس ديمقراطية حقه ، ويقرر الشعب نفسه ، عبر
انتخابات برلمانية حرة ونزيهة ،كيف ومتى يعلن الوحدة .
إن الوحدة العربية
أملٌ كبيرٌ وعزيزٌ على كل عربي محب لأمته ووطنه ، ومن الضروري الأعداد لها بمنتهى
التبصر والحكمة ، وعدم التسرع ، لتجنب الأخطاء التي وقعت فيها الوحدة السورية
المصرية .
لكن عبد السلام
عارف والسائرين وراءهُ، ومحاولات التدخل من جانب السفارة المصرية لفرض الوحدة ،
أدت إلى تعمق الانشقاق في صفوف الحركة الوطنية .
ولم يكتفٍ عبد
السلام عارف ، بخطبه تلك ،بل سارع إلى إصدار صحيفة [صوت الجماهير ] باسمه ، وترأس
تحريرها الدكتور[ سعدون حمادي ] أحد قياديي حزب البعث ، مخالفاً بذلك قانون الصحافة ،
ومتجاوزاً كونه الشخص الثاني في حكومة الثورة ، وقد أستخدم تلك الصحيفة لإشاعة
مفاهيم غير متفق عليها فيما يخص قيام الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة
ولعبت تلك الصحيفة دوراً كبيراً في شق الصف الوطني منذُ الأيام الأولى للثورة .
لقد حذر الزعيم
عبد الكريم قاسم رفيقه في الثورة عبد السلام عارف من مخاطر تلك التصرفات وأثارها
السلبية على مصير الثورة والشعب ، وأضطر عبد السلام عارف تحت ضغط عبد الكريم
قاسم إلى التنازل عن ملكية الصحيفة تلك ،
لكنة سلمها لحزب البعث ، لكي تستمر على سياستها الهادفة إلى شق وحدة الشعب وقواه
السياسية المنضوية تحت راية جبهة الاتحاد الوطني ، وخيمة ثورة 14 تموز المجيدة .
وبعد عشرة أيام من
قيام الثورة ، زار [ميشيل عفلق ] مؤسس حزب البعث العراق ،والتقى برفاقه في حزب
البعث ، مشدداً عليهم ضرورة العمل الجدي من أجل قيام الوحدة الفورية مع الجمهورية
العربية المتحدة .
وفي 19 تموز سافر
وفد عراقي برئاسة عبد السلام عارف ، وعضوية عدد من الوزراء ، والتقى الوفد بالرئيس
[جمال عبد الناصر] وجرت مباحثات بين الطرفين انتهت بالتوقيع على اتفاقية للتعاون
تضمنت خمس نقاط هي :
1ـ التأكيد على الروابط بين البلدين ، وعلى
المواثيق ، والعهود ،كميثاق الجامعة العربية ، وميثاق
الدفاع المشترك بين الدول العربية .
2ـ التأكيد على تنسيق المواقف بين البلدين فيما
يخص الموقف الدولي ، وتصميم الطرفين على
التعاون والتنسيق ضد أي عدوان محتمل .
3 ـ التعاون بين الطرفين في مجال العلاقات
الدولية ، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة ودعم السلم العالمي.
5 ـ
التشاور ، والتعاون بين البلدين في كل ما يخص الشؤون المشتركة .(1)
وخلال تواجد الوفد
العراقي في دمشق ، أجتمع عبد السلام عارف مع الرئيس عبد الناصر بصورة منفردة ،حيث
دار بين الجانبين نقاش حول محاولة إقامة الوحدة الفورية بين البلدين ، وعاد الوفد
إلى العراق ،وعاد عبد السلام عارف يصعّد من حملته الرامية إلى الوحدة الفورية
،ومُحدثاً شرخاً كبيراً في صفوف الثورة ، والحركة الوطنية للشعب العراقي .
واستغلت
الإمبريالية وعملائها من الإقطاعيين والرجعيين الذين تضررت مصالحهم من قيام ثورة 14تموز تلك الأوضاع
، فلقد وجدت الإمبريالية ضالتها المنشودة
في تمزيق وحدة الشعب ،وقواه السياسية وبدأت تصب الزيت على النار ،مستغلة الشعارات
التي رفعتها تلك القوى ،لا حباً بالوحدة ولا رغبة فيها ، وهي التي سعت دوماً إلى
تمزيق الصف العربي،بل لتمزيق وحدة الشعب العراقي ، وقواه الوطنية المنضوية تحت
راية الثورة ، لكي يسهل عليها إمرار مؤامراتها الهادفة إلى إسقاط الثورة ، وتصفية كل منجزاتها .
كان على الطرف
الآخر من المعادلة ، وأعني به كل القوى الديمقراطية ، والشيوعية ، التصدي لذلك
الشعار غير المدروس ، والذي رُفع في غير أوانه ،حيث بادرت تلك القوى إلى رفع
شعار [الاتحاد الفدرالي ] مع الجمهورية
العربية المتحدة ، مع السعي لرفع تلك العلاقة إلى مستوى الوحدة الكاملة عندما
تتوفر الشروط الموضوعية لها في المستقبل .
ثانياً:الوحدة
الاندماجية الفورية ،والاتحاد الفدرالي،وموقف السلطة :
بدأ الصراع يتصاعد
في الشارع العراقي ، مظاهرات بعثية وقومية تهتف [وحدة وحدة ] ، وأخرى شيوعية ، وديمقراطية تهتف
[اتحاد فدرالي ] ،و[ ديمقراطية ] ، وأخذ الصراع يتنامى في الشارع العراقي ويزداد
تعمقاً يوماً بعد يوم ، ويتحول شيئا فشيئاً نحو العداء السياسي والخصومة الدموية
بين البعثيين والقوميين من جهة ، وبين الشيوعيين والديمقراطيين من جهة أخرى ، وجرت
احتكاكات بين المتظاهرين من كلا الجانبين ، وتوسعت تلك الاحتكاكات لتصبح حالة من
الصدام الشرس بين الطرفين حلفاء الأمس ، وللحقيقة والتاريخ أقول أن الشيوعيين
والديمقراطيين بذلوا أقصى الجهود من أجل إعادة اللحمة لجبهة الاتحاد الوطني والسير
معاً لتحقيق آمال وأحلام الشعب العراقي الذي قاسى عقوداً من الزمن من ذلك النظام
القمعي ، الذي أمتهن حقوق الشعب وحرياته ، والذي بدد ثروات البلاد في أمور لا تخدم
مصالح الشعب ، مما أبقاه في تخلف وجهل ، وفقر مدقع .
كان الشعب العراقي
يخوض خلال تلك الحقبة نضالاً متواصلاً من أجل حريته ، وامتلاك ناصية أمره لكن كل تلك الجهود التي بذلت في هذا السبيل
ذهبت أدراج الرياح،فقد كان الطرف المنشق قد عقد العزم على السير حتى النهاية في
هذا الطريق .
وهكذا تنافر
القطبان اللذان كانا بالأمس القريب يعملان يداً واحدة ،وقلباً واحداً ، من أجل
انتصار الثورة ونجاحها ، وتحقيق الأهداف التي ناضل شعبنا من أجلها .
ومما زاد في الطين
بلة دخول الجمهورية العربية المتحدة حلبة الصراع ، واضعةً كل ثقلها السياسي إلي
جانب تلك القوى ، ضاربةً عرض الحائط أهم ركن من أركان حركة التحرر العربي ، ولم
يكن الرئيس عبد الناصر يدري آنذاك أن
أولئك الذين رفعوا تلك الشعارات لم يكونو جادين في أقوالهم ، بل أرادوا أن يكون
التصاقهم به سلماً يصعدون بواسطته إلى قمة السلطة لاغير.
لقد أثبتت الأحداث
، بعد اغتيال ثورة 14 تموز ، على أيدي نفس تلك الرموز في انقلاب 8 شباط الأسود عام
1963 عدم صدقيتهم وإيمانهم بالوحدة ، فما أن تسلم البعثيون السلطة أثر نجاح
انقلابهم المشؤوم ، حتى تنكروا لكل شعاراتهم ، واستطابوا السلطة ، واضعين تلك
الشعارات على الرف ، وحتى عبد السلام عارف ، الذي أطاح بحكم البعث في انقلاب 18
تشرين الأول من نفس العام ، 963 ، وأستحوذ على السلطة بصورة كاملة ، فقد تنكر لكل
أقواله وشعاراته حول الوحدة ، وحبه لعبد الناصر ، تلك هي الحقيقة ، التي لا مراء
فيها ، فقد كانوا غير وحدويين إطلاقاً وإنما استخدموا رصيد الرئيس عبد الناصر
السياسي والوطني من أجل وثوبهم على السلطة.
هكذا إذاً تعمقت الخلافات بين القوى السياسية ،
وأشتد التنافر بين القطبين ، الذين قادا ثورة الرابع عشر من تموز ، عبد الكريم
قاسم ، وعبد السلام عارف ، وحدث شرخ كبير بين تلك القوى التي سعت ، قبل الثورة ،
لأحداث التغيير المنشود ، أمل الشعب ، الذي ناضل ، وضحى من أجله عدة عقود ، ولم
تفد جميع المحاولات لرأب الصدع ، والرجوع عن الخطأ .
لقد وقفت القوى
الديمقراطية والشيوعية ، بكل ثقلها إلى جانب الزعيم عبد الكريم قاسم ، من أجل
الحفاظ على الثورة ،ومكاسبها .
وفي خضم ذلك
الصراع ، ظهر شعار [الزعيم الأوحد]، ذلك الشعار الذي كانت له أضرار كبيرة على مجمل
الحركة الوطنية ، وعلى مستقبل العراق السياسي ، حيث شجع عبد الكريم قاسم ، وقد
استهواه ذلك الشعار ، على الاتجاه نحو الحكم الفردي ، بعيداً عن أمال الشعب في
قيام حكم ديمقراطي ، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة للمجلس التأسيسي ، وسن دستور دائم
للبلاد ، وإطلاق الحريات العامة ، حرية التنظيم الحزبي والنقابي ، وتأسيس المنظمات
الجماهيرية والمهنية ، وتداول السلطة بشكل ديمقراطي سليم .
لكن الحزب الشيوعي
إنجّر، هو وجماهيره وراء ذلك الشعار من أجل تغليب كفة عبد الكريم قاسم والحيلولة
دون اغتيال الثورة ، وآمال الشعب التي
عقدها عليها ، وكان لذلك الموقف جانبه السلبي الخطير كما سنرى على مجمل مسيرة
الثورة ،حيث أخذ عبد الكريم قاسم يتحول شيئًا فشيئاً نحو الحكم الفردي ،والاستئثار
بالسلطة ، وتحجيم ، بل وضرب تلك القوى التي كان لها الدور الفاعل والرئيسي في
رجحان كفته في ذلك الصراع مع القوى البعثية والقومية،وإتباعه لسياسة التوازن ، بين
القوى المدافعة عن الثورة ،والمتآمرة عليها ،وإطلاق يد الجهاز القمعي الذي أنشأه
النظام السابق ضد الشيوعيين ، والديمقراطيين مما أدى إلى انعزاله عن الشعب وقواه
الوطنية، وسهل على الإمبرياليين إنجاح مؤامراتهم الدنيئة يوم الثامن من شباط
عام1963 .
ثالثاً
: عبد السلام عارف يحاول اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم :
أستمر عبد السلام
عارف بإثارة الانشقاق في صفوف الحركة الوطنية وتعميقه ، مهاجماً القوى السياسية
الرافضة لشعار الوحدة الفورية ، وكانت خطاباته السياسية في أنحاء البلاد قد أثارت
قلق الزعيم عبد الكريم قاسم ، وسائر القوى الديمقراطية ، فلم تكن تلك الخطابات تنم
عن نضوج سياسي ، ولا إدراك للمسؤولية ، معرضاً الثورة لخطر جسيم .
ورغم كل النصائح
التي وجهها له عبد الكريم قاسم وزملاءه في اللجنة العليا للضباط الأحرار ومجلس
الوزراء من مغبة الاستمرار على هذا النهج ، وما يسببه من أضرار على مجمل الحركة
الوطنية ومستقبل العراق وشعبه ، لكن عبد السلام عارف كان قد عقد العزم على السير
في طريقه الخاطئ ضارباً عرض الحائط بكل تلك النصائح ، موصلاً
البلاد إلى حافة الحرب الأهلية وتعريض الثورة للضياع .
ولما لم يجد عبد
الكريم قاسم سبيلاً آخر لوقفه عن نهجه ،
ومحاولته إثارة الجيش ، من خلال خطاباته المتواصلة بين القطعات العسكرية ، فقرر
إبعاده عن الجيش ، وإعفاءه من منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة .
1 ـ إعفاء عبد السلام من منصب نائب القائد العام للقوات
المسلحة
ففي 28 آب 1958
صدر مرسوم جمهوري وأُذيع من دار الإذاعة يقضي بإعفاء عبد السلام عارف من منصب نائب
القائد العام للقوات المسلحة ، مع بقائه بمنصبه الثاني كوزير للداخلية ، وكان
المرسوم قد أصبح ضرورياً ، من أجل منع انقسام الجيش ، وتهديد الثورة ، ومصالح
الشعب والوطن ، والحد من اتصالاته بقطعات الجيش ، والقاء الخطب النارية الداعية
للوحدة الفورية !!
لقد حاول عبد
الكريم قاسم بذل أقصى جهده لإعادته إلى خط الثورة ، اعترافاً منه ،بدوره في قيادة
وتنفيذ الثورة ، والحفاظ على العلاقة الوطنية التي جمعته به .
غير أن عبد السلام
أزداد اندفاعاً وتهوراً ، وأزداد دعم القوى البعثية والقومية له في مواقفه من خلال
المظاهرات التي قاموا بها ، والتي قابلتها القوى الديمقراطية بمظاهرات كبرى مضادة
، رافعين شعار الاتحاد الفدرالي ، وداعمة موقف عبد الكريم قاسم ، الذي خرج ذلك
اليوم ثلاث مرات ألقى خلالها خطابات سياسية أمام المتظاهرين المؤيدين له ،والذين
قُدّر عددهم بمئات الألوف وقد بدى الوضع معقداً بصورة خطيرة ، ينذر بوقوع أحداث
جسيمة ، فكان لابد والحالة هذه ، من اتخاذ إجراءات أكثر صرامة .
2 ـ إعفاء عبد السلام
من منصب وزير الداخلية،وتعينه سفيراً في بون
وهكذا أقدم عبد الكريم قاسم على خطوته الجريئة
والحاسمة ، فقد صدر مرسوم جمهوري وأذيع مساء يوم 30 أيلول 1958 يقضي بإعفاء عبد
السلام عارف من منصب وزير الداخلية وتعينه سفيراً في ألمانيا الغربية آنذاك .
كما أجرى تعديلاً وزارياً شمل إعفاء فؤاد الكابي
ـ أمين سر حزب البعث ـ من وزارة الأعمار وتعينه وزيراً بلا وزارة ، كما أعفى
الدكتور جابر عمر ، وزير المعارف ، وأُنيطت الوزارتان المعارف والإعمار بمحمد حديد ،
وهديب الحاج حمود ، إضافة إلى منصبيهما ، وهما من الحزب الوطني الديمقراطي
، كما عُين الزعيم الركن [ أحمد محمد يحيى ] وزيراً للداخلية .
رفض عبد السلام
عارف الرضوخ لقرار الإعفاء ، وقبول تعينه سفيراً ، وأعتكف في بيته بالاعظمية
رافضاً السفر .
وفي 2 تشرين الأول
زاره في بيته الزعيم الركن ناجي طالب ، والزعيم فؤاد عارف ، والدكتور جابر عمر ،
وأبدوا عدم رضاهم لما حصل ، ووعدوه بالعمل على إعادته ، وقد شكر لهم عارف موقفهم
،مؤكداً لهم أن الحاجة تدعو إلى اكثر من ثورة . (2)
وفي صباح اليوم
التالي وصل إلى عبد الكريم قاسم تقريرُ عن ذلك اللقاء ، فما كان منه إلا أن أمر
بإعادة الفوج الثالث من اللواء العشرين ، الذي كان يقوده عبد السلام عارف ، إلى
مقره السابق في جلولاء ،وأصدر قراراً بنقل العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي ، الذي
عين آمراً للواء العشرين بعد نجاح الثورة ، الى آمرية الكلية العسكرية ، كأجراء
احترازي من حدوث ما لا يحمد عقباه .
3 ـ عبد السلام
عارف يحاول اغتيال عبد الكريم قاسم :
في 11
تشرين الأول عُقد اجتماع بمقر عبد الكريم قاسم
بوزارة الدفاع حضره كافة قادة الفرق العسكرية ، ورئيس أركان الجيش [أحمد
صالح العبدي ] والزعيم [عبد الكريم الجدة ] آمر الانضباط العسكري ،و[ وصفي طاهر ]
المرافق الأقدم لقاسم ،والزعيم الركن [
ناجي طالب] وزير الشؤون الاجتماعية ،والزعيم [فؤاد عارف ] وكان إشراك الثلاثة
الأخيرين بسبب صداقتهم مع عارف ، وجئ بعارف إلى هناك ، حيث جرى نقاش طويل دام أكثر
من خمس ساعات دون جدوى ، غادر بعدها الجميع ، ما عدا عبد السلام عارف و فوأد عارف
وصفي طاهر .
وبينما كان عبد
الكريم قاسم يتناول بعض الأوراق من فوق المنضدة ، فاجأه عبد السلام عارف بإخراج
المسدس من جيبه ، محاولاً اغتياله ، وبحركة خاطفة ، مسك عبد الكريم قاسم ذراع عبد
السلام عارف ، مبعداً المسدس ، وصارخاً به : ماذا تفعل ؟ أتريد قتلي ؟ .
وبنفس اللحظة هجم
فؤاد عارف نحو عبد السلام عارف ، وأخذ منه المسدس ، وأفرغ منه الرصاص . (3)
وفي تلك اللحظة
دخل العقيد وصفي طاهر ،المرافق الأقدم لعبد الكريم قاسم ، وأمسك بعارف ، الذي بدى
عليه الانهيار والخور ، فقد أصبح في موقف لا يحسد عليه ، وادعى أنه كان ينوي
الانتحار وقد أجابه عبد الكريم قاسم على
الفور :
[ إذا كنت تنوي
الانتحار فلماذا لم تنتحر في بيتك ؟ ] . (4)
ومع كل ما حدث ،
وبعد أن هدأ الموقف ، ألتفت قاسم إلى عارف ،قائلاً له :
[سوف أعفو وعنك ، ولكن عليك بالسفر إلى بون ، من
أجل مصلحة البلاد ، لقد شقيت الشعب إلى نصفين ، وأنا أُريد إبعادك عن رجال السوء ،
وسوف تعود حتماً بعد أن يهدأ الوضع ويعود الوضع لحالته الطبيعية ] .ولكن عارف ظل
معانداً رغم كل النصائح .(5)
وفي ساعة متأخرة
من الليل ،أنفرد قاسم بعارف ، وأبلغه بأن عليه أن يرحل غداً ، وهذا قرار لا رجعة
فيه ، وأن مستلزمات السفر قد هُيأت له ، ووعده بالعودة ، بعد أن تهدأ الأمور .
4ـ سفر عبد السلام
عارف :
رضخ عارف أخيراً وقرر السفر يوم 12 تشرين الأول
، وغادر بغداد بصحبة السفير العراقي السابق في بون السفير [ علي حيدر سليمان ] ،
وجرت له مراسيم توديع شارك فيها قاسم نفسه
وعدد من كبار الضباط ،واتخُذت الإجراءات الأمنية المشددة في بغداد ، وتقدمت سيارة
عارف حتى الطائرة ، وتعانق الاثنان قبل أن يصعد عارف إلى الطائرة .
توجه عارف برفقة السفير [علي حيد سليمان ] إلى
بروكسل ،حيث زارا معرضها الدولي ،ثم غادراها إلى روما ،ومنها إلى فييّنا ،وقد قدمت
السفارات العراقية ،في تلك البلدان ،كل ما يلزم لاستقباله ،والاهتمام به .
لم تكن لعبد السلام عارف أية رغبة في تسلم مهام
منصبه كسفير في ألمانيا الغربية آنذاك
،ورفض الدروس التي كُلف السفير علي حيد سليمان إعطاءها له حول العمل الدبلوماسي
قائلا له بالحرف الواحد : [ لا تتعب نفسك
،فأنا لست سفيراً ،ولن أكون كذلك ] . (6)
وفي 30 تشرين
الأول ، أبرق عارف لعبد الكريم قاسم يطلب منه العودة الى بغداد ، وقام بشراء بطاقة
السفر بنفسه وقد أبلغه عبد الكريم قاسم برفض الطلب ،ودعاه الى عدم الإقدام على هذه
الخطوة رحمة بالعراق وشعبه وثورته ،إلا أنه كان قد صمم على العودة ، حيث غادر
النمسا ليلة 3 /4 تشرين الثاني متوجهاً الى بغداد .(7)
أبرقت السفارة
العراقية في فينّا الى وزارة الخارجية تبلغها بعودته ،ووصل عبد السلام عارف بالفعل
يوم 4 تشرين الثاني ،وأستأجر سيارة أجرة من المطار ، وتوجه الى داره محاطاً برجال
الأمن ،واستدعاه عبد الكريم قاسم بمقره في
وزارة الدفاع ، وحدثت أثناء المقابلة مشادة كلامية بينهما ، بحضور الزعيم [عبد الكريم
الجدة ] آمر الانضباط العسكري .ومع ذلك عاد عبد الكريم قاسم ، وخيره بأي سفارة
يختارها ،محاولاً إقناعه ،ولكن جميع المحاولات ذهبت أدراج الرياح ، وعند ذلك أضطر
عبد الكريم قاسم الى الطلب من عبد الكريم الجدة اعتقاله،ونقله الى آمرية الانضباط
العسكري .
رابعاً:اعتقال عبد
السلام عارف،وإحالته الى المحاكمة،والحكم بإعدامه :
في
مساء ذلك اليوم 4 تشرين الثاني ،
وفي تمام الساعة العاشرة مساءاً ، أذاعت محطتا الإذاعة والتلفزيون بياناً من
القائد العام للقوات المسلحة هذا نصه :
عاد العقيد المتقاعد [عبد السلام عارف ] سفير
العراق في بون الى بغداد دون أمرٍ، أو إجازة وبناءاً على مقتضيات المصلحة العامة ،
وبسبب من محاولاته المتكررة للإخلال بالأمن ، والراحة العامة فقد تمّ اعتقاله في
هذا اليوم ، وسيحال الى المحاكمة بتهمة التآمر على سلامة الوطن . (8)
وفي ذلك اليوم ،
أُشيع أن هناك مؤامرة ،كان من المقرر تنفيذها يوم 5 تشرين الثاني ، يشترك فيها
صالح مهدي عماش ، وأحمد حسن البكر ، وعدد من الضباط الموالين لعبد السلام عارف ،
تهدف الى تصفية عبد الكريم قاسم ، ووصفي طاهر ، وقد جرى اعتقالهم فعلاً ، ولكن تم
إطلاق سراحهم فيما بعد .
أما عبد السلام عارف ، فقد أنكر وجود مثل تلك
المؤامرة في محاكمته أمام محكمة الشعب ، غير أن توقيت عودته في ذلك اليوم [ 4
تشرين الثاني] أثار الكثير من الشكوك حول تلك المحاولة .
وجهت الى عبد السلام عارف خلال محاكمته تهمة
تنظيم وترأس جماعة من الضباط الناقمين والذين كانوا على رأس عدد من الوحدات
العسكرية ، من أجل تدبير انقلاب عسكري ليلة 4/5 تشرين الثاني 1958 ، وهي تهمة
تنطبق والمادة 80 من قانون العقوبات
البغدادي ، وعقوبتها الإعدام . كما وجهت له المحكمة تهمة محاولة اغتيال عبد
الكريم قاسم في مقره .
بوزارة الدفاع ،
وقد نفى عارف عنه التهمتان ، مدعياً أنه من أخلص الناس لعبد الكريم قاسم وأنه لا
يمكن أن يفكر بالأقدام على مثل تلك الخطوة .
لقد جرت محاكمته حسب الأصول القانونية ،وأُستدعي
للشهادة عدد من كبار الضباط ،كان من بينهم الزعيم فؤاد عارف الذي كان شاهداً على
محاولة الاغتيال .
وفي 5 شباط ،أصدرت المحكمة قرارها بتجريم عبد
السلام عارف ،والحكم عليه بموجب التهمة الثانية بالإعدام ، بعد أن برأته من التهمة
الأولى ،لعدم ثبوت الأدلة ،
كما أوصت المحكمة
الزعيم عبد الكريم قاسم ، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة بتخفيف العقوبة ،
بموجب الصلاحية المخولة له ، كما نص عليه قانون تشكيل المحكمة . ومع كل ذلك فأن
حكم الإعدام لم ينفذ بعارف ، ولكنه مكث في السجن حتى أيلول 1961 ، حيث أطلق عبد
الكريم قاسم سراحه من السجن ، بعد وقوع الانفصال بين سوريا ومصر ، كما أعاد له
كافة حقوقه التقاعدية ، وأكرمه ، وأرسله الى مكة لأداء فريضة الحج ، ظناً منه ـ أي
عبد الكريم قاسم ـ أن سياسة التسامح
والعفو عن من حاول مراراً وتكراراً الغدر به وبالثورة قد تعيده الى رشده وصفائه ،
لكن التاريخ أثبت عكس ذلك تماماً ، حيث أستمر عارف بالتآمر على الثورة وقيادتها
حتى تسنى له ذلك ، بالتعاون مع حزب البعث ، من اغتيال الثورة وقائدها عبد الكريم
قاسم يوم الثامن من شباط عام 1963 ، حيث
وقع عبد الكريم قاسم أسيراً بيد عبد السلام عارف وشركائه البعثيين ، وناله من
حقدهم ما ناله من الإهانات ، وتم إعدامه على أيديهم .ولم يفد تذكير عبد الكريم قاسم
لرفيقه عبد السلام عارف ، بأنه كان قد عفا عنه ، وأنقذه من حكم الإعدام .
خامساً : مؤامرة رشيد عالي الكيلاني :
رشيد عالي الكيلاني ، رئيس وزراء ، ووزير مخضرم
في العهد الملكي ، حيث شغل العديد من المناصب الوزارية ، ولعب دوراً كبيراً في
إسقاط العديد من الوزارات ، والإتيان بغيرها ، مستغلاً العشائرية والطائفية ، قاد
عام 1941 ، انقلاباً ضد حكومة [ياسين الهاشمي ]بمعاونة قادة الجيش ، العقداء
الأربعة [ صلاح الدين الصباغ ]و[كامل شبيب ] و[محمود سلمان ] و[فهمي سعيد] وشكل
وزارة برئاسته ، وعلى اثر ذلك هرب الوصي عبد الإله الى القاعدة البريطانية في الشعيبة
، لكن القوات البريطانية احتلت بغداد وأعادت الوصي عبد الإله الى العرش من جديد ،
وهرب الكيلاني إلى خارج العراق ، حيث تمكن من الوصول الى المانيا ، وبقي فيها الى
ما قبل سقوط برلين حيث هرب إلى سويسرا
ومنها إلى السعودية ، وأخيراً أستقر به المقام في مصر .
وعندما قامت ثورة 14 تموز عام 1958 ، أصدرت
حكومة الثورة قراراً بالعفو عنه ،حيث كان قد حكم عليه بالإعدام ،واعتبرت حركة أيار
1941 حركة وطنية ، وأُعيد الاعتبار إلى قادتها . وعليه فقد عاد رشيد عالي الكيلاني
إلى العراق في الأول من أيلول 1958 ، بعد غياب دام 17 سنة مكرماً معززاً كأحد
أبطال حركة مايس 941 ، وقبل عودته قابل الرئيس عبد الناصر ، وصرح بعد المقابلة ،
أنه يشعر بوجوب إقامة الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة .
قام عبد السلام عارف بزيارته في بيته ،كما
أستقبله عبد الكريم قاسم في مقره ،بوزارة الدفاع مرحباً به ،بوصفه قائداً لحركة
أيار 941 ،لكن الكيلاني سرعان ما عاد الى عادته القديمة ،ليشبع رغباته ،وشهوته
للحكم ،ولم يمضِ على عودته سوي أيام قلائل حتى أصبح داره ملتقى لأصدقائه ، وأعوانه
من الإقطاعيين والعديد من القوميين ، وكان في مقدمتهم أبن أخيه [مبدر الكيلاني ] ،والمحامي [ عبد الرحيم
الراوي ] ، و[عبد الرضا سكر ]، كما كان على علاقة وثيقة بسفارة الجمهورية العربية
المتحدة .
فُوجئ الشعب العراقي في 8 كانون الثاني
1959بإذاعة بيان من دار الإذاعة صادر من القائد العام للقوات المسلحة [عبد الكريم
قاسم ] جاء فيه : (9)
[ أيها الشعب العراقي العظيم ، بعون الله القدير
،وبيقظة الشعب ،تمّ اكتشاف مؤامرة خطيرة كان مقرراً لها أن تنفذ ليلة 8/9 لتعرض
وحدة جمهوريتنا الى الخطر ، وتشيع الفوضى والاضطراب في البلاد ،وتهدد الأمن
الداخلي ،هذه المؤامرة هي من تدبير بعض العناصر الفاسدة أُعدت بمساعدة الأجنبي من خارج البلاد ،وإن
الأدلة ، والأموال ، والأسلحة التي كانت ستستخدم لتنفيذ هذه المؤامرة قد تم وضع
اليد عليها ، كما أن الضالعين ،والمدبرين لها قد أُحيلوا الى المحكمة العسكرية
العليا الخاصة [محكمة الشعب ] لمحاكمتهم
بتهمة الخيانة والتآمر على الوطن .إننا ندعو الشعب إلى مزيد من اليقضة والحذر ،من
أجل المحافظة على النظام ،وإحباط الأعمال الدنيئة للعناصر المخربة في جمهوريتنا
الخالدة ] .
كما قام تلفزيون
بغداد بعرض جانب من الأسلحة ،والأموال التي تم ضبطها مع المتآمرين .
لم يوضح البيان
بادئ الأمر طبيعة المؤامرة ، ولا أسماء القائمين بها ،ولا الدولة التي كانت
وراءها غير أن الراديو ذكر في اليوم
التالي ،أن الرجعية التي تضررت مصالحها سبب قانون الإصلاح الزراعي ، والشعارات
القومية المزيفة ،كانت وراء تلك المؤامرة ، وبعد أسابيع من صدور البيان ، تبين أن
رشيد عالي الكيلاني كان على رأس تلك المؤامرة التي ضمت زمرة من الإقطاعيين وعدد من
الضباط المحسوبين على الجناح القومي ، وكان من بين تلك الزمرة [مبدر الكيلاني]
أبن أخيه ، والمحامي[ عبد الرحيم الراوي ]و [عبد
الرضا سكر ] بالإضافة الى عدد من شيوخ
العشائر ، وعدد من الضباط ، كان من بينهم [طاهر يحيى ] مدير الشرطة العام و[عبد
اللطيف الدراجي ] معاون رئيس أركان الجيش ،و[رفعت الحاج سري] رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية و[عبد العزيز العقيلي] قائد الفرقة الأولى في الديوانية ، و[عبد الغني
الراوي ] أمر اللواء الخامس عشر في البصرة
،وغيرهم من الضباط .
كما تبين للمحكمة
أن رشيد عالي الكيلاني كان على اتصال وثيق بسفارة الجمهورية العربية المتحدة ،
وبشكل خاص مع رجال المخابرات ، الملحقين العسكريين [ عبد المجيد فريد ] و[طلعت
مرعي ] و [ محمد كبول ] .
كان المقرر أن
تقوم الحركة الانقلابية بتدبير الفوضى والاضطراب ، وذلك عن طريق قطع خطوط الهاتف ،
وإخراج القطارات عن سكتها ، واعتراض البريد ، ووضع العوارض في الطرقات ، وركز
الكيلاني على جهود حركته في مناطق العشائر ، في جنوب العراق ، والفرات الأوسط
وعندما يتم لهم إثارة القلاقل والاضطرابات والبلبلة ، يتقدمون بطلب استقالة عبد
الكريم قاسم ، مدعين أنه قد أوصل البلاد الى الخراب والانقسام ، وإذا رفض قاسم
الاستقالة يتحرك الضباط المشاركون في المحاولة لإسقاطه بالقوة ، وتشكيل حكومة
جديدة برئاسة الكيلاني ، ويعلن نفسه حاكماً عسكرياً عاماً ، وقائماً بمهام رئيس
الجمهورية .
كما كان مقرراً
تأليف مجلس لقيادة الثورة مؤلفاً من 15 عضواً ، وتقرر أيضاً فور نجاح المؤامرة
تأليف وزارة جديدة ، وإعلان انضمام العراق للجمهورية العربية المتحدة ، كما خطط
المتآمرون لإلغاء قانون الإصلاح الزراعي ، والقيام بحملة لإبادة الشيوعيين
وأنصارهم .
لقد هيأ
الانقلابيون الأسلحة المهربة من العربية المتحدة ـ القطر السوري ـ لكي توزع على
مناصريهم حال بدء الحركة ، كما أُعدت الطائرات العسكرية في سوريا لإسقاط التجهيزات
العسكرية في أي منطقة من العراق .
يكون المتآمرون
بحاجة إليها . (10)
كما تلقى الكيلاني
الأموال من السفارة المصرية لتوزيعها على شيوخ العشائر ، عن طريق المصرف الوطني
للتجارة والصناعة .
عين المتآمرون ليلة 8/9كانون الأول 958 للشروع
بالمؤامرة ، ولكن المخابرات العراقية استطاعت كشف المؤامرة قبل وقوعها ، حيث تمكنت
من الوصول الى عبد الرحيم الراوي ومبدر الكيلاني ، واستطاعت نيل ثقتهما ، وتمكنت
من الوصول الى كثير من أسرارها ، وتسجيل أحاديث المتآمرين بكل تفاصيل المؤامرة .
كان على رأس أعضاء
الاستخبارات التي كشفت المؤامرة الرئيس [ حسون الزهيري ] وضمت كل من الملازم الأول
[ أحمد العلي ] و المحامي [ عبد الرسول الصراف ] و[ جاكوب بلاكن ] والملازم احتياط
[محمد محسن سميسم ] ، حيث أجتمع هؤلاء وكونوا جمعية سرية وهمية باسم [ جمعية
الإخاء العربي] لغرض تغيير الوضع في
العراق بالقوة .
تمكن أعضاء المخابرات
المذكورون من الاتصال ب [ فارس الحسن ] ، أحد المتآمرين عن طريق [جاكوب بلاكن ]
عارضين التعاون لقلب حكومة عبد الكريم قاسم ، وقد استطاعوا كسب ثقة [فارس الحسن ] ، الذي أباح لهم الكثير من
تفاصيل المؤامرة وأهدافها ،ومدبريها ، كما استطاعوا عقد اجتماع مع المحامي [ عبد
الرحيم الراوي ] ، واستطاعوا تسجيل محضر الاجتماع وتم فيما بعد اعتقال المتآمرين ،
وضبط السلاح والنقود ،وفي أثناء المحاكمة أعترف [ناصر الحسن] بتفاصيل المؤامرة .
مثُل رشيد عالي الكيلاني ، ومبدر الكيلاني ،
وعبد الرحيم الراوي أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة ـ محكمة الشعب ـ حيث جرت
محاكمتهم ليلة 9/10 كانون الأول ،وصدر الحكم على مبدر الكيلاني ، وعبد الرحيم
الراوي ، بالإعدام ،ولم يثبت الاتهام ضد رشيد عالي الكيلاني ، وتمت تبرئته من تهمة
الاشتراك في المؤامرة ، غير أن المحكمة استدعته مرة أخرى يوم 15 كانون الأول بتهمة
جديدة ، هي تحريض دولة أجنبية على القيام بأعمال عدوانية ضد العراق ، بعد أن تقدم
كل من [مبدر الكيلاني ] ، و[عبد الرحيم
الراوي] برسالة الى رئيس المحكمة طالبين الحضور الى المحكمة لتقديم إفادة جديدة عن
دور [رشيد عالي الكيلاني ] في المؤامرة وقد استجابت المحكمة إلى طلبهما
،واستدعتهما للتحقيق مرة أُخرى ، حيث تحدثا أمام الهيئة التحقيقية بالتفصيل عن دور
[ رشيد عالي الكيلاني ] ، وهكذا أصبح الاثنان شاهدا إثبات في قضية جديدة .
كما استقدمت
المحكمة شهوداً آخرين كان من بينهم [ عبد الرضا سكر ] .
وفي 17 كانون الأول صدر الحكم ضد رشيد عالي
الكيلاني بالإعدام شنقاً حتى الموت .
لكن عبد الكريم قاسم لم يتخذ أي إجراء ضد الضباط المشاركين في المؤامرة ، بل
أكتفي باحتجازهم لفترة قصيرة ثم أفرج عنهم ، وعين عدد منهم في مناصب مدنية ، وشارك
هؤلاء فيما بعد في اغتيال الثورة ، وعبد الكريم قاسم نفسه ، فقد كان لهم دور رئيسي
في انقلاب 8 شباط 1963 ، وكان تصرف قاسم هذا يمثل أحد أخطائه الكبرى في مهادنته
وتسامحه مع المتآمرين ، والعفو عنهم ، لكي يعودوا من جديد للتآمر على الثورة وعليه
هو بالذات .
حرص قاسم على أن تجري المحاكمة في بادئ الأمر
بصورة سرية ، نظراً لعلاقة الجمهورية العربية المتحدة بها ، لكي لا يجعل المحاكمة
سبباً في زيادة التوتر بين البلدين ولم ينبس عبد الكريم قاسم بكلمة واحدة بحق
الرئيس عبد الناصر طوال مدة حكمه .
غير أن المحكمة ارتأت ، بعد افتضاح أمر [رشيد
عالي الكيلاني ] ،واعترافات مبدر الكيلاني وعبد الرحيم الراوي أن تُجرى بصورة
علنية، حيث أفتضح دور العربية المتحدة في تلك المؤامرة .
تعرضت المحكمة الى حملة شعواء من العربية
المتحدة ، والعناصر القومية ، والقوى الرجعية ، وعملاء الإمبريالية ، وشركات النفط
، والإقطاعيين الذين تضررت مصالحهم بقانون الإصلاح الزراعي ، وجردوا من سلطانهم
على ملايين الفلاحين ، وفقدوا مراكزهم السياسية في البلاد ، ولكن مهما قيل عن [محكمة الشعب ] ورئيسها
الشهيد [ فاضل عباس المهداوي ] فأن تلك المحكمة كانت تمثل ضمير الشعب ، والثورة ،
فقد كانت المحكمة تعقد جلساتها بصورة علنية وتنقل للشعب وللعالم عن طريق الإذاعة
والتلفزيون ، وتوكل المحامين للمتهمين ، وتمنحهم حرية الدفاع عن أنفسهم واستدعاء
شهود الدفاع .
إن على الذين أدانوا ،أو يدينوا محكمة الشعب ،
ورئيسها الشهيد [ المهداوي ] أن يحدثونا
عن محاكم العهد الملكي ، ومجالسه العرفية ، ومحاكم انقلابيي 8 شباط 963 ،وعن
المحاكم الصدامية الذائعة الصيت ،وما اقترفته تلك الأنظمة من جرائم يندى لها جبين
الإنسانية ،أزكمت روائحها أنوف ليس أبناء الشعب العراقي فحسب، بل انتشرت نتونها في
جميع أرجاء العالم .
سادساً : انقلاب
العقيد عبد الوهاب الشواف،الفاشل،في الموصل :
كان الانقسام في
صفوف القوى الوطنية في أوائل عام 1959 قد بلغ مداه ، ورفضت القوى القومية
والبعثية أي دعوة للتعاون والتلاحم من أجل مصلحة الشعب والوطن .
لقد جرت في تلك الأيام انتخابات النقابات ،
والمنظمات الجماهيرية ، وبذل الحزب الشيوعي جهوداً كبيرة ،من أجل لمّ الشمل ،
والخروج بقائمة موحدة في الانتخابات ، ولكن القوى القومية والبعثية رفضتا ذلك ،
رفضاً قاطعاً ، وأصرتا على خوض الانتخابات بصورة منفردة ، قاطعة الطريق على أي
تقارب وتعاون .
جرت الانتخابات بروح ديمقراطية ، بإشراف ممثلين
عن القائمتين [ الديمقراطية] والتي ضمت الشيوعيين ، والديمقراطيين ، والبارتيين ،
والقائمة [الجمهورية ] التي ضمت البعثيين والقوميين ، وقد لفوا حولهم كل العناصر
الرجعية ، المناهضة للثورة أساساً ، تلك القوى التي وجدت فرصتها في هذا الانقسام
للظهور بمظهر القومية الزائفة ،والوحدوية !!،في حين أنها كانت ، ولعهد قريب ، من
أشد أعداء الوحدة وعبد الناصر ، ولا تزال تلك الأحداث في ذاكرتي ، عندما فازت
القائمة الديمقراطية [المهنية ] للمعلمين
، وكنت أحد مرشحيها ، بفارق كبير ، وأعترف ممثلي القائمة [الجمهورية ] بتوقيعهم
على محاضر الانتخابات وفرز الأصوات ، بان الانتخابات قد جرت في جو ديمقراطي لا
تشوبه شائبة ، وكانت نقابة المعلمين ، تمثل قطاعاً كبيراً من المثقفين ، وقد تجاوز
عدد أعضائها أكثر من خمسة وخمسون ألف
معلم ،ومدرس ،وأستاذ جامعي آنذاك .
كانت الانتخابات
تلك خير مقياس لتوزيع القوى ، حيث كان لها دور فاعل في الحياة السياسية للبلاد ،
وجرت بعد ذلك انتخابات الطلاب ، حيث جرى الاستقطاب بين القوى السياسية ، على غرار
ما جرى في انتخابات نقابة المعلمين ، وفازت القائمة الديمقراطية ، المسماة ب
[اتحاد الطلبة ] فوزاً ساحقاً ، وتبع ذلك انتخابات نقابة المهندسين ، والأطباء ،
والعمال والجمعيات الفلاحية ، وفشلت تلك القوى الرافضة للتعاون في الحصول على أي
مكسب فيها .
لقد تعمق الاستقطاب في صفوف الحركة الوطنية ،
وأخذ التباعد يتسع يوماً بعد يوم ، وأخذ الجانب الخاسر في التنافس الحر ، منحى آخر
يستند الى العنف في تحقيق ما عجز عن تحقيقه عن طريق التنافس الديمقراطي الحر ،
وبدأت عقولهم تفكر في استخدام القوة ، والعنف لتغيير الأوضاع لصالحهم .
وجد العقيد الشواف ـ آمر موقع الموصل ـ فرصته
الذهبية في ركوب الموجة ، فقد كان يشعر بأنه قد أصابه الغبن الكبير ، عند ما عُيين
آمراً للواء الخامس ، وآمر موقع الموصل ، وكان يطمح في الحصول على منصب وزاري ، أو
منصب الحاكم العسكري العام ، عند قيام الثورة ، حتى لكأنما قامت الثورة لتوزيع
المناصب على القائمين بها ، وليس من أجل خدمة القضية الوطنية .
كنت في تلك الأيام مديراً لإحدى مدارس الموصل [
مسقط رأسي ] ،وكنت أرى وأحس والمس ذلك
الصراع ،يتطور ،ويتعمق ،والانقسام يبلغ مداه ،ويتحول إلى عداء ،واعتداء ،وتحول ذلك
الجانب الخاسر في الانتخابات الى عصابات تنتشر هنا وهناك تتحين الفرص للاعتداء على
العناصر الديمقراطية والشيوعية،بوجه خاص ، وكانت توجيهات الحزب الشيوعي آنذاك تقضي بعدم الانجرار وراء تلك الأعمال ، وتجنب
الصدام ،وكان أمله في إعادة الصواب الى رشد تلك القوى ،والعودة إلى التلاحم
،والتعاون ،من أجل مصلحة الشعب والوطن ،وديمومة الثورة ونضوجها ، وتعمقها من أجل
تحقيق أحلام الشعب العراقي الذي ضحى من أجلها سنين طويلة .
كان يدرك معنى
الانقسام في صفوف الحركة الوطنية ،والمخاطر التي تسببها ، وفعل كل ما يمكن من أجل
إعادة اللحمة للقوى الوطنية ،إلا أن كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح ،وراحت تلك
القوى تعد العدة ، وتهيئ لمحاولة انقلابية في مدينة الموصل ، ثاني أكبر مدن العراق
،وكانت تحركاتهم ،وإعدادهم لذلك الانقلاب بادية للعيان ،تجري على قدم وساق فيما
كان الجانب الثاني من الاصطفاف ـ الشيوعيون والديمقراطيون ،والبارتيون ـ يراقبون
الأوضاع ،بدقة ،فالخطر لا يعني قاسم وحده ،أو الثورة وحدها ،وإنما يعني أيضاً تعرض
كل القوى المساندة للثورة للتصفية ،إذا ما تحقق النصر لمحاولتهم الانقلابية .
كان العقيد الشواف
، وعدد من الضباط القوميين ،والبعثيين ينشطون بهذا الاتجاه ،وينسقون مع القوى
الرجعية للإعداد لتك المحاولة .وأنتهز أعضاء المؤتمر الأول لنقابة المعلمين في
الموصل ـ وكنت واحداً منهم ـ وجوده في بغداد ، لحضور المؤتمر ،المنعقد في أواسط
شباط 1959 ، الفرصة وطلب مقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم لأمرٍ يخص الثورة
والجمهورية وأمنها .
وافق عبد الكريم قاسم على استقبال الوفد في مقره
بوزارة الدفاع ، وحضر الوفد في الوقت المحدد
ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى حضر عبد الكريم قاسم ، ودخل القاعة وسط
التصفيق والهتاف باسم الثورة وقيادتها . بدأ الزعيم الحديث موجهاً كلامه للوفد
مرحباً به وقائلاً { إنني كنت واحداً منكم ، أنتم مربي الأجيال ، نعم لقد كنت معلماً ، في إحدى قرى الشامية بعد
تخرجي من الإعدادية ،وقبل أن أدخل الكلية العسكرية ،وأنا فخورٌ بذلك }.
وتحدث الزعيم
طويلاً عن دور المعلم في المجتمع ، وبعد نهاية حديثه ،طلب من الوفد الحديث .
بدأ أكبر أعضاء الوفد سناً ، الشهيد المناضل [
يحيى ق الشيخ عبد الواحد ] الذي كان في العهد الملكي ، مشهوداً له بالوطنية ،
والمواقف الجريئة ضد حكم الطاغية نوري السعيد ، وضد النظام الملكي ، وناله بسبب
مواقفه تلك صنوفٌ من الاضطهاد ،والاعتقال ، وأستحق محبة الشعب العراقي وقواه
الوطنية .
بدأ يحيى بالحديث
عن أوضاع الموصل المتدهورة ،والنشاط التأمري الذي يجري على قدم وساق موضحاً للزعيم ،أن العراق في خطر ، وإن الثورة
في خطر كذلك إذا لم تسارع حكومة الثورة في معالجة الأمور بأسرع وقت ممكن ،من أجل
نزع الفتيل قبل حدوث الانفجار ، مشيراً الى العناصر التي تقود ذلك النشاط ، وعلى
رأسها العقيد الشواف ، وزمرة من الضباط القوميين والبعثيين المتعاونين معه ،
بالإضافة الى القوى الرجعية والإقطاعية ، وعلى رأسها شيخ مشايخ شمر [ أحمد عجيل
الياور ] .
وتحدث يحيى عن السلاح الذي كان المتآمرون
ينقلونه عبر الحدود مع سوريا ، ويخزنونه في الموصل ،وكذلك عملية تسليح قبائل شمر
،التي تدين بالولاء لرئيسها أحمد عجيل الياور ، أكبر إقطاعيي المنطقة الشمالية
قاطبة ، والنائب السعيدي المزمن في العهد الملكي ، والحاقد على الثورة وعلى قانون
الإصلاح الزراعي الذي جرده من سلطانه .
كما تحدث يحيى عن نشاط عملاء شركات النفط في
عين زالة ،في الموصل ،في هذا الاتجاه .
إلا أن الزعيم عبد الكريم قاسم ،كان رده بارداً
جداً ، حيث أجاب الوفد بعباراته المشهورة ، [الصبر] و [ التسامح ] و [ والكتمان ]
و [المباغتة ] ، والتي كان يرددها دائماً
. وقد رد عليه يحيى قائلاً :
يا سيادة الزعيم ،
إن هناك حكمة تقول [ الوقاية خيرٌ من العلاج ] ، إن انتظار حدوث الكارثة ومعالجتها
بعد ذلك ، أمرٌ خطيرٌ جداً ، إذ ربما تكون
لها إمتدادات في مختلف أنحاء العراق ، ولربما تؤيدها غيرها من القطعات العسكرية في
مناطق أخرى ، وربما تنجح تلك المحاولات في اغتيال الثورة ، وفي أحسن الأحوال ، حتى
لو قامت المحاولة وفشلت ، فلا أحد يستطيع تقدير خسائرها وأضرارها ، لذلك فأن منع
وقوعها ، أفضل بكثير من انتظار وقوعها ،والقضاء عليها .
كان جواب عبد الكريم قاسم غير متوقع إطلاقاً ،
لقد غضب قاسم من حديث يحيى ، وأجاب قائلاً : { إننا ندرك الأمور إدراكاً جيداً ،
وإن العقيد الشواف هو أحد الضباط الأحرار وأنتم تهولون الأمور،وتضخمونها ،نحن
أقوياء واثقون من أنفسنا } .
وعاد الأستاذ يحيى مخاطباً الزعيم قاسم قائلا :
سيادة الزعيم : إننا لا نطلب من سيادتكم سوى طلب
بسيط ،فنحن لا نطلب أن تعاقب أحداً ،أو تسجن أحداً ،وكل ما نطلبه هو نقل زمرة
الضباط المذكورة ، وتفريقها في مناطق أخرى ، منعاً لوقوع الواقعة ، لكن الزعيم
قاسم رفض ذلك رفضاً قاطعاً ،وأجاب بحدة : { إن هذه الأمور تتعلق بنا وحدنا ، ونحن
لا نسمح لأحد بالتدخل فيها } .
وهكذا فقد بدى جو
اللقاء مكفهراً ، مما حدا بالمرافق الأقدم للزعيم
الشهيد [وصفي طاهر ] الى التدخل لتحسين الجو قائلاً :
[ إننا لا نهاب
الشواف ، ونحن قادرون على جلبه الى هنا هاتفياً في أية لحظة ] ، واخيراً بدا عبد
الكريم قاسم يغير اتجاه الحديث ، عارضاً منجزات الثورة ، وطموحاتها المستقبلية ،
وقبل نهاية اللقاء نهض الزعيم وتناول مجموعة من صوره الموقعة من قبله ، وأخذ
يوزعها على أعضاء الوفد ، وبذلك أنتهي اللقاء ،وغادر الوفد وزارة الدفاع ، والكل
يضرب أخماساً بأسداس ،كما يقول المثل ،ويسأل بعضه بعضا :
هل ستقع الواقعة ؟ بل متى ستقع بالتأكيد ؟ وماذا
ستكون النتائج ؟
عاد الوفد الى الموصل والقلق بادٍ على وجوه
الجميع ، فقد كان الجو مكفهراً وينذر بالخطر.
وفي تلك الظروف البالغة الحراجة ، قرر الحزب
الشيوعي ،وحركة أنصار السلام ، التي يساهم فيها الحزب بنشاط كبير تحدي المتآمرين
،وتوجيه تحذير إليهم بأن مدينة الموصل سوف لن تكون مسرحاً لاغتيال الثورة
ومنجزاتها ، وأن الشعب العراقي سوف يقف بالمرصاد لأي تحرك ، معلناً عن تنظيم
مهرجان لأنصار السلام في الموصل في أوائل آذار 959 ، واستعدت القوى الديمقراطية
،والشيوعية ، والبارتية لذلك اليوم الموعود ، وتقاطرت الوفود من أنحاء القطر
للمشاركة في ذلك المهرجان .
كانت التظاهرة من
الضخامة ،وحسن التنظيم ما أقلق قوى الظلام ، وأثار غضبها ، فنصبت الكمائن لتصب جام
غضبها على المسيرة ، وأمطرتها بوابل من الرصاص ، والحجارة ، فجرح من جرح ، وأدى
ذلك الى وقوع صداحات عنيفة مع المهاجمين .
أكفهر الجو ،
ونزلت قوات كبيرة من الجيش والشرطة لإيقاف الصدام ، وانتهى ذلك اليوم وعادت الوفود
الى مدنها ،وخيم الوجوم على الموصل وأبنائها ، وتصاعد القلق كثيراً ، فقد بدا
واضحاً أن الوضع قد ينفجر في أية لحظة ، وبالفعل لم يكد يمضِ سوى يومان حتى نفذ
المتآمرون فعلتهم ، بادئين ليلة 7/8 آذار
باعتقال كل القادة ، والنشطاء في الأحزاب ،والمنظمات الديمقراطية ،وبوجه خاص منتسب
الحزب الشيوعي ، وقد جرى الاعتقال بأسلوب الاحتيال ، حيث طلب الشواف اللقاء معهم
في مقره ، لدراسة الأوضاع السياسية المتدهورة ،وسبل معالجتها ، ولبى من لبى ذلك
النداء ووقع في الفخ الذي نصبه الشواف لهم ،واختفى من أختفي مشككاً بأهداف الاجتماع ، وكان ما كان ، فقد
أُخذَ الجميع بالشاحنات العسكرية معتقلين ، وأودعوا الثكنة الحجرية .
وفي الصباح كان المتآمرون قد هيأوا إذاعة منصوبة في شاحنة طويلة تحمل صندوقا كبيراً ، كانت قد وصلتهم من الجمهورية العربية المتحدة
، عبر الحدود السورية ، وبادروا الى إعلان بيانهم الأول معلنين قيام الانقلاب ،
ومطالبين عبد الكريم قاسم بالاستقالة ، وفيما يلي نص البيان الذي أذيع في تمام
الساعة السادسة والنصف من صبيحة ذلك
اليوم، 8 آذار .
نص بيان العقيد عبد الوهاب الشواف الانقلابي :
أيها المواطنون :
عندما أعلن جيشكم الباسل ثورته الجبارة في صبيحة
14 تموز الخالد ، عندها حطم الاستعمار وعملائه ، وقضى على النظام الملكي ، وأقام
بمؤازرتكم وتأييدكم النظام الجمهوري الخالد ، عندما فعل جيشكم ذلك كله ، لم يدر
بخلده ، ولا بخلدكم ، أن يحل طاغية مجنون محل طاغية مستبد ، وتزول طبقة استغلالية
بشعة ، ليحل محلها فئة غوغائية ، تعيث بالبلاد والنظام و القانون فساداً ويُستبدل
مسؤولون وطنيون بآخرين يعتنقون مذهباً سياسياً ، لا يمت لهذه البلاد العربية
الإسلامية العراقية بمصلحة . أجل لم يدر بخلد جيشكم الباسل ولا بخلدكم أنتم أيها
المواطنون الأباة ، وقد انصرم على قيام ثورتكم الخالدة ثمانية أشهر ، ولم تكن
بلادكم ، الوفيرة الخيرات ، إلا مسرحاً للفوضى ، والبطالة ، فيتحطم اقتصادها
الوطني ، وتتعطل مشاريعها العمرانية ، وتنتزع الثقة من النفوس ، ويختفي النقد من
الأسواق ، وتعيث بالبلاد مقابل ذلك فئة ضالة باغية لا دين لها ،ولا ضمير ، تخلق
لها صنماً به لوثة في عقله وتعبده ، ولا تخشى الله وتنادي به رباً للعالمين ،
وتُسخر موارد الدولة لتخلق منه زعيماً أوحداً ،ومنقذاً أعظم .
هذا الزعيم ، الذي
خان ثورة 14 تموز ، وعاث بمبادئها ، وأهدافها ، ونكث بالعهد ، وغدر بإخوانه الضباط
الأحرار ، ونكل بهم ، وأبعد أعضاء مجلس الثورة الأشاوس ليحل محلهم زمرة انتهازية
رعناء ، وقادته شهواته العارمة الى تصدر الزعامة ، وأعتمد على فئة تدين بعقيدة
سياسية معينة لا تملك من رصيد التأييد الشعبي
غير التضليل ، والهتافات الغوغائية ، والمظاهرات ، وغير الزبد الذي يذهب
جفاء ، وركب رأسه وأعلنها دكتاتورية غوغائية ، فنحى زعماء الثورة عن المسؤولية
،وأطلق للإذاعة والصحف عنان الفوضى ، تخاصم جميع الدول ، وتشنها حرباً عدوانية على
الجمهورية العربية المتحدة ، التي جازفت بكيانها من أجل نجاح الثورة ، ودعم كيانها
وكيان الجمهورية ، وأستهتر بدستور جمهوريتنا المؤقت ، وسلب مجلس السيادة المؤقت كل
مسؤولياته الدستورية ، وأحتكرها لنفسه ، وأعلنها حرباً شعواء على الجهات الوطنية ،
والعناصر القومية المخلصة فزج في المعتقلات آلافاً من المواطنين الأبرياء بما لم
يسبق له مثيل حتى مع الطاغية [ نوري السعيد ] ولا المجرم [ عبد الإله ] ، ولم يجرأ
على فعلته الإجرامية أحد ،وأنحرف منفذاً أوامر الجهات الغوغائية عن أغلى وأثمن ما
يعتز به العراقيون عرباً وأكراداً ، ألا وهو السير بسفينة البلاد الى التضامن مع
سائر البلاد العربية المتحررة ، وأعلنها حرباً شعواء على الأمة العربية ، لدرجة أن
صار الهتاف بسقوط القومية العربية شعاراً له ولزمرته الباغية الفاجرة ، وسلك في
سياسته الخارجية مسلكاً وعراً ، فلم يتقيد بمبادئ الثورة التي ترى من سياسة الحياد
الإيجابي شعاراً لا يمكن الانحراف عنه . لهذه
الأسباب كلها ، أيها المواطنون الأباة في شتى أنحاء جمهوريتنا الخالدة ،
عزمنا باسم العلي القدير ، بعد اتفاقنا مع أخينا الزعيم الركن [ ناظم الطبقجلي ] ،
قائد الفرقة الثانية ، ومع كافة الضباط الأحرار في جيشكم الباسل ، وبعد مشاوراتنا
مع سائر العناصر السياسية المخلصة عزمنا في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ جمهوريتنا
، على تحرير وطننا الحبيب من الاستعباد والاستبداد ، وتخليصه من الفوضى ، معلنين
لكافة المواطنين ، عرباً وأكراداً ،وسائر القوميات العراقية الأخرى التي يتألف من
مجموعها شعبنا العراقي ، الأبي الكريم إننا المحافظون على العهد متمسكون بأهداف ثورة 14 تموز الخالدة ، مراعون
مبادئ دستور جمهوريتنا الفتية ، نصاً وروحاً
عاملون على حسن تنفيذ وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي ، وتطبيق سياسة
اقتصادية اشتراكية ديمقراطية ، تعاونية ، ونطالب بحزم وإصرار تنحي الطاغية المجنون
وزمرته الانتهازية الرعناء عن الحكم فوراً ، والقضاء على السياسة الغوغائية ، التي
أخذت تمارسها فئة ضالة من شعبنا ، لكي يسود النظام وحكم القانون في أرجاء وطننا
الحبيب ، ونعلن في هذه اللحظة التاريخية للعالم أجمع ، أن سياستنا الخارجية منبثقة
من مصالح شعبنا وأمتنا ، وإننا إذ نتبنى سياسة الحياد الإيجابي الدقيق إزاء الدول
الأخرى ، نصادق من يصادقنا ، ونعادي من يعادينا ، نعلن باسم الشعب العراقي ،أننا
سنحافظ على التزاماتنا الدولية بوصفنا عضواً في الأمم المتحدة ، ونعتز بصداقة
البلاد التي أدت لنا ولأمتنا العربية أجل العون في محنتها الماضية ، ومن تلك
البلاد الاتحاد السوفيتي وسائر البلدان الاشتراكية ، والى جانب هذا ، نعلن بإصرار
تمسكنا باتفاقاتنا النفطية مع الشركات الأجنبية مراعين في ذلك مصالح اقتصادنا ،
وحقوقنا الشرعية ، وسنضمن بحزم سير أعمال الشركات النفطية ، بكل حرية . ويسرنا أن
نفتح صفحة جديدة من الصداقة القائمة على أساس الند للند ، مع كل دولة ، ونود أن نوضح
بجلاء أن أي تدخل خارجي في شؤوننا الداخلية من أي دولة كانت ، في هذه الفترة التي
تسبق قيام مجلس السيادة بمسئوليته الدستورية ، ليؤلف وزارة شرعية في العاصمة بغداد
، بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة ، فأن هذا التدخل يعتبر ماساً باستقلال وسيادة
جمهوريتنا ، ويؤدي ذلك الى أوخم العواقب .
أيها المواطنون :
إننا ، الى أن
يستجيب عبد الكريم قاسم ، فينصاع للحق ، ويتنحى عن الحكم فوراً ، والى أن يمارس
مجلس السيادة سلطاته ، ليؤلف وزارة بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة ، قد أخذنا على
عاتقنا بعد الاتكال على الله ، مسؤولية
إدارة البلاد ، طالبين من إخواننا المواطنين الكرام ، شد أزرنا وعوننا ، بالإخلاد
الى الهدوء والسكينة ، دون أن يلزمونا الى اتخاذ تدابير من شأنها الأضرار
بالممتلكات ، أو الى سفك الدماء ، وليكن كافة أبناء الشعب مطمئنين الى إننا سنكون
عند حسن ظنهم بتولي المطالبة بتحقيق أمانيهم .
ونحذر في الوقت ذاته العناصر الهدامة من أننا
سنأخذهم بالشدة ، إن عرضوا حياة المواطنين
وحياة الأجانب ، وممتلكاتهم للخطر ، وليعلم الجميع أن حركتنا الوطنية تستوي عندها
جميع الفئات والهيئات ، وأنها تحفظ لهم حقوقهم في الحرية إن لم يتجاوزا حدود القانون
المرسوم ، والله ولي التوفيق .
العقيد الركن عبد الوهاب الشواف
قائد الثورة
8 آذار 1959
******
نظرة في بيان الشواف :
بنظرة فاحصة لبيان
العقيد الشواف ، يتبين لنا أن الشواف لم يكن سوى رجل متعطش للسلطة والتزعم ، فلقد
تجاوز قائده ورفيقه الزعيم [ ناظم الطبقجلي ] ، قائد الفرقة الثانية ، التي كان
اللواء الذي يقوده العقيد الشواف تابعاً
له ، متخذاً له صفة قائد الثورة ، مما دفع الزعيم الركن الطبقجلي الى عدم التحرك
والمشاركة في الانقلاب ، على الرغم مما ورد في البيان حول الاتفاق معه لتنفيذ
الانقلاب .
كما أن الحركة
كانت قد اعتمدت على الدعم الخارجي من قبل الجمهورية العربية المتحدة ، فقد أرسلت
للانقلابيين محطة إذاعة متنقلة ، منصوبة فوق شاحنة كبيرة ، مع كمية كبيرة من
الأسلحة بالإضافة الى الدعم الإعلامي الكبير
، عبر محطتي إذاعة دمشق ،وصوت العرب من القاهرة ، وكان من المنتظر تقديم
الدعم الميداني للحركة لو قدر لها الصمود فترة أطول ، ولكن سرعة قمع الحركة حال دون
ذلك .
حاول العقيد
الشواف مغازلة شركات النفط ، وكسب ودها من أجل دعم انقلابه ، مطمئناً إياها بأنه
سيلتزم بحزم بالاتفاقيات المعقودة مع الشركات ،ويضمن مصالحها .
لم يكن العقيد
الشواف صادقاً بمواصلة تطبيق قانون الإصلاح الزراعي ، وهو الذي لف حوله العناصر
الرجعية ،والإقطاعية ، والتي كان على رأسها شيخ مشايخ شمر [احمد عجيل الياور ] ، الإقطاعي الكبير ،
والنائب السعيدي المزمن ، حيث جرى تسليح القبائل الموالية له وزجها في الحركة كما
ركز العقيد الشواف في بيانه ، حملته الشعواء على الشيوعيين متهماً إياهم بنفس
التهم التي كان [ نوري السعيد ] يستخدمها ضدهم ، في العهد الملكي في محاولة لكسب
ود الغرب ودعمهم لحركته .
واستخدم العقيد
الشواف شتى النعوت والكلمات البذيئة بحق عبد الكريم قاسم ، والتي تعبر عن الضحالة
، وعدم النضوج ، ونال استهجان غالبية الشعب العراقي ، الذي يكن الولاء لقيادته .
لقد تبين أن حركة العقيد الشواف لم تكن سوى حركة
لمجموعة من الضباط المغامرين التواقين الى
السلطة ، ولا يستندون الى أي قاعدة شعبية ، ولا عسكرية ، فقد وقف فوج الهندسة
التابع للواء القائم بالحركة ، بكافة ضباطه وجنوده ضد الحركة الانقلابية منذُ
اللحظة الأولى ، وقاومه بقوة السلاح ، أما الجنود وضباط الصف ، الذين كانوا بإمرة
الانقلابيين ، والذين انساقوا تحت وطأة الخوف من قادتهم ، فسرعان ما انتفضوا على
ضباطهم المتآمرين وانضموا إلى جانب السلطة ،ومقاومة الانقلاب .
وخلال المعارك
التي دارت بين الانقلابيين ، والقوى المساندة للسلطة ، سقط من بين الانقلابيين (47) فرداً ، وذلك حسبما ورد في تقرير الطب
العدلي ، وأكده المقدم [يوسف كشمولة ] ،
أحد المشاركين في الحركة الانقلابية خلال الاحتفال الذي أقيم في ملعب الموصل ،
إحياءاً لذكرى انقلاب الشواف ، بعد وقوع انقلاب 8 شباط الفاشي عام 63 ، وإسقاط
حكومة عبد الكريم قاسم ، كما أن المجلس العرفي العسكري الذي أقامه انقلابيوا 8شباط ، قد أكد العدد المذكور.
في ذلك الحين كانت
إذاعة صوت العرب من القاهرة تذيع أخباراً
مذهلة عما سمته بالمجازر التي وقعت في الموصل ، وادعت أن عدد القتلى من البعثيين
والقوميين ، قد جاوز ( 20) ألفاً في محاولة منها لإثارة القوى القومية والبعثية
للانتفاض على حكومة الثورة وإسقاطها .
لقد سُخرت هذه
الإذاعة في تلك الأيام للهجوم على حكومة الثورة ، وعلى القوى الديمقراطية
والشيوعية ، مستخدمة أبذأ الكلمات والعبارات التي لا تليق بدولة ، كان لها من
الاحترام والحب لدى الشعب العراقي إبان العهد الملكي ما يفوق الوصف ، وخاصة عندما
خاضت مصر بقيادة الرئيس عبد الناصر معركة السويس عام 1956 ضد العدوان الثلاثي البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي، ويتلهف
لسماع إذاعة [صوت العرب] .
لقد تكشف للأمة
العربية وللعالم أجمع زيف وكذب تلك الإذاعة عما كانت تبثه من أخبار المجازر
المزعومة في الموصل ، وأساليب التحريض الرخيصة ضد ثورة 14 تموز وقيادتها ، ليس
حباً بالعراق وشعبه ، ولا حرصاً على مصالحه ، وإنما حباً في السيطرة على العراق ،
وضمه قسراً للجمهورية العربية المتحدة ، دون أخذ رأي الشعب العراقي في مثل هذا
الأمر الخطير ، والهام ، الذي يتعلق بمصيره ،ومستقبله.
كان من المؤسف أن ينبري الرئيس عبد الناصر في
خطاباته آنذاك ، يومي 11، و13 آذار لمهاجمة عبد الكريم قاسم ،واصفاً إياه بالشعوبي
تارة ،وقاسم العراق تارة أخرى ، ومركزاً حملته على الشيوعيين ، متهماً إياهم
بالعمالة لموسكو ، وبخيانة الأمة العربية ، كما صورت أجهزة إعلامه الأحداث التي
جرت ،خلال وبعد القضاء على تمرد الشواف بأنها أحداث رهيبة.
لقد كان ذلك
الموقف من الرئيس عبد الناصر من الأخطاء الكبرى في سياسته تجاه العراق وثورته ،فقد
كان الأحرى بالرئيس عبد الناصر أن يمد يده لعبد الكريم قاسم
من أجل دعم ونهوض حركة التحرر العربي ، ومكافحة النفوذ الإمبريالي في أنحاء
العالم العربي ،والعمل على إيجاد أحسن الوسائل والسبل للتعاون ،والتضامن مع العراق
، واتخاذ الكثير من الخطوات التي تعزز التعاون والتكامل في مختلف المجالات
الاقتصادية ،والسياسية ،والعسكرية ،والثقافية وغيرها من المجالات الأخرى ،وصولاً
إلى إقامة أفضل أشكال الارتباط بين البلدين حين تتوفر الشروط الموضوعية والضرورية
لنجاحها وديمومتها . إن الوحدة العربية هي فعلاً أمل كل الملايين من أبناء شعبنا
العربي ، لكنها ينبغي أن تقام على أسس صحيحة ومتينة ، وبأسلوب ديمقراطي بعيداً عن
الضم ، وأساليب العنف .
لم تصمد حركة العقيد الشواف الانقلابية سوى أقل
من 48 ساعة ، فقد كان رد الفعل لحكومة الثورة ، والحزب الشيوعي ، وحزب البارت
الكردي وسائر الجماهير الشعبية المساندة للثورة سريعاً وحازماً ، حيث جرى التصدي
للانقلابيين ، وقام فوج الهندسة ، التابع للواء المنفذ للانقلاب ،بالإضافة الى
جانب كبير من الجنود ،وضباط الصف ، وآلاف المسلحين العرب والأكراد ، والذين نزلوا
الى الشوارع للتصدي للانقلابيين ، وإفشال خططهم للإطاحة بالثورة وحكومتها ، وقامت
طائرات من سلاح الجو العراقي بقصف مقر قيادة الشواف الذي أصيب بجروح خلال القصف ،
ونقل إلى المستشفى الميداني ، في معسكر الغزلاني ، حيث قتل هناك على يد النائب
ضابط المضمد [يونس جميل ] ، وبمقتله تلاشت
مقاومة الانقلابيين .
وهكذا فشل تمرد الشواف ،وتمت السيطرة على
المدينة خلال أقل من 48 ساعة،وتم اعتقال عدد من الضباط المتآمرين ،فيما هرب البعض
الآخر إلى سوريا ،وذهب ضحية ذلك الانقلاب حوالي (135) فرداً من الجنود الذين
ساهموا في قمع الانقلاب .
الأحداث التي رافقت قمع المحاولة الانقلابية
:
لا أحد يستطيع أن
ينكر وقوع أحداث ، وتصرفات ، وأخطاء ، ما كان لها أن تحدث ، قامت بها عناصر معينة
، أساءت إساءة كبرى للحزب الشيوعي ، فقد جرى قتل وسحل عدد من المشاركين في
المحاولة الانقلابية ، وجرى نهب ،وحرق بيوتهم ، وكان ذلك عمل لا يمكن قبوله بأي
حال من الأحوال ، وهو بعيد كل البعد عن الروح الإنسانية .
لقد وقف الحزب
الشيوعي موقف المتفرج على ما يجري ، دون أن يحاول إيقاف تلك الأعمال والسيطرة على
الغوغاء .
كما أقترف الحزب
خطاً أكبر ، عندما نصّبَ عدد من كوادر الحزب أنفسهم حكاماً ، وقاموا بمحاكمة عدد
من المشاركين في المحاولة الانقلابية ، وحكموا على (17) منهم بالإعدام ، ونفذ
الحكم ، في منطقة الدملماجة ، في ضواحي الموصل ، وهذا أمرٌ لا يمكن قبوله إطلاقاً
.
لقد كان الأجدى
بأولئك القادة اعتقال هؤلاء المتآمرين ، وتسليمهم للسلطة الشرعية لتحيلهم بدورها
الى المحاكم المختصة لمحاكمتهم ، والحكم على من يثبت مشاركته في المحاولة
الانقلابية ، فليس من حق أحد أن يمارس السلطة القضائية ويصدر ، وينفذ الحكم دون
تخويل .
كما أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الزعيم
عبد الكريم قاسم نفسه ، الذي جرى تحذيره ،كما ورد سابقاً ،من حدوث ما لا يحمد
عقباه ،ولكنه صمّ أُذنيه عن سماع التحذير،ورفض اتخاذ أي إجراء لمنع وقوع الكارثة
،في حين كان بإمكانه أن يفعل ذلك .
والانكى من كل ذلك فأن قاسم نفسه ، اتخذ فيما
بعد من تلك الأحداث ذريعة ليصفي نفوذ الحزب الشيوعي في العراق ، موجهاً الاتهامات
لهم ، ولاصقاً بهم الجرائم ، بعد أن كان قد أستقبل وفداً من قيادة الموصل للحزب ، بعد قمع انقلاب الشواف ، وخاطبهم قائلا
:
{ بارك الله فيكم
، وكثّر الله من أمثالكم من المخلصين لهذا البلد }!! .
غير أنه لم يمضِ
سوى بضعة أشهر على ذلك اللقاء ، حتى بادر قاسم الى اعتقال كافة الشيوعيين النشطين
، وأودعهم سجن بغداد ثم أحالهم الى
المجالس العرفية التي أصدرت بحقهم أحكاماً قاسية وصلت حتى الإعدام ، وأبقاهم رهائن
في السجن لكي يأتي انقلابيوا 8 شباط 1963 وينفذوا فيهم حملة إعدامات بشعة ،
ويعلقون جثثهم على أعمدة الكهرباء ، في شوارع الموصل ، وكركوك . بعد أن مارسوا
أشنع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بحقهم .
لقد كان لموقف قاسم الجديد ، خير مشجع لنشاط
الزمر الرجعية ، والعناصر التي شاركت في محاولة الشواف الانقلابية ، والتي تكّن
أشد العداء له ، ولثورة الرابع عشر من تموز ، ولم يدرك قاسم أن عمله هذا إنما يعني
انتحاره هو ، ونحر الشعب العراقي ونحر
الثورة كذلك .
لقد اتخذت تلك القوى من موقفه الجديد ذريعة لهم
لشن حملة واسعة من الاغتيالات استمرت أكثر من ثلاث سنوات ، وذهب ضحيتها مئات
الوطنيين الأبرياء ، وسوف أعود الى هذا الموضوع في فصل قادم .
وللحقيقة والتاريخ ، أقول أن الحزب الشيوعي لم
يكن يستحق من قاسم هذا الجزاء رغم كل ممارساته الخاطئة ، فقد كان الحزب وفياً
لقيادته ،سانده وحماة ،وحمى الثورة في أشد الأيام صعوبة وخطورة ،ولم يفكر يوماً في
خيانته ،أو محاولة سلب السلطة منه آنذاك، في حين أن فرصاً كثيرة كانت لدى الحزب
للسيطرة على الحكم بكل سهولة ويسر ،لو أراد ذلك .
لقد كانت مواقف
قاسم تلك من الحزب الشيوعي ،أحد الأسباب الرئيسية التي أدت الى اغتيال الثورة
،وأغتياله هو بالذات .
لقد جرد نفسه من
كل سند يحميه ، وأخذ منه الغرور مكانه ، معتقداً أن تلك القوى المعادية لمسيرة
الثورة ستعود الى رشدها ، وتغير موقفها من السلطة ، لكن الواقع كان يشير الى تنامي
الخطر الرجعي ، والنشاط التأمري ، على المستويين ، المحلي والدولي ، من أجل إسقاط
الثورة ، وهذا ما تم فعلاً على يد تلك الزمرة الانقلابية يوم 8 شباط 1963 ،
ويذكرني هنا قول الشهيد [ جلال الاوقاتي ] قائد القوة الجوية ، آنذاك ، حيث قال :
{ إن الزعيم عبد الكريم قاسم ، سوف يدمر نفسه
،ويدمر الشعب معه } .
لقد حكم
الإمبرياليون بالموت على عبد الكريم قاسم ، منذُ اللحظة التي قاد فيها ثورة 14
تموز ضد النظام الملكي المرتبط بهم ، وقد حاولوا اغتيال الثورة في أيامها الأولى ،
بالتدخل العسكري المباشر ، عندما نزلت القوات البريطانية في الأردن ، و الأمريكية
في لبنان ، وعندما حشدت تركيا قواتها على طول الحدود العراقية ، لكن موقف الاتحاد
السوفيتي الداعم للثورة ، وتهديدهم للإمبرياليين من مغبة العدوان على العراق حال
دون ذلك ، وأضطر الإمبرياليون الى تغير خططهم في إسقاط الثورة .
وعندما أقدم قاسم على إصدار قانون رقم 80 لسنة
961 ،واستطاع انتزاع 99,9 %من المناطق التي تحتوي على احتياطات نفطية هائلة ،بلغ
استفزاز الثورة لهم ، أقصى درجاته ، وجعلهم يركزون جهودهم بشكل محموم لإسقاط الثورة .
لقد كان على قاسم
أن يقدر طبيعة الصراع مع الإمبريالية ،ويأخذ الدروس من مصير الدكتور مصدق ، رئيس
وزراء إيران ، الذي أمم النفط الإيراني ، لكنه لم يتخذ الإجراءات الاحترازية من
أساليب الإمبرياليين ، ومؤامراتهم ،فكان الانقلاب الذي دبرته الإمبريالية
الأمريكية ، والذي انتهي بكارثة كبرى على الشعب الإيراني .
لكن قاسم لم يتعض بدروس التاريخ ،ووقع في نفس
الخطأ الذي وقع فيه مصدق ، وانتهى الى الموت صبيحة الثامن من شباط 1963 ،وحلت
الكارثة الكبرى بالشعب العراقي ،حيث جرّت تلك الأحداث المآسي ،والويلات على شعبنا
منذُ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا.
(1)
صحيفة الجمهورية ـ العدد 2 ـ 30 تموز 1958 .
(2) محاكمة عبد السلام عارف أمام المحكمة
العسكرية العليا الخاصة ـ ج 5 ـ ص 470 .
(3) ‘أعترف عبد السلام عارف ،في مذكراته ،أنه عند ما خرج من بيته ،أخذ
مسدسه ، وأخفاه في جيبه ،وتوجه إلى وزارة الدفاع للقاء
عبد الكريم قاسم ،وكان مصمماً على إنهاء حياة عبد الكريم قاسم .
(4) وقائع المحكمة العسكرية الخاصة ـ محاكمة
عبد السلام عارف ـ ج5 .
(5)
مذكرات عبد السلام عارف .
(6)
ثورة 14 تموز ـ د . ليث الزبيدي ـ ص 357 .
(7) نفس المصدر .
(8) راديو وتلفزيون بغداد ، ونشرته كافة
الصحف في اليوم التالي .
(9)راديو وتلفزيون بغداد ـ 8 كانون الثاني 1959
.
(10) وقائع محاكمة الكيلاني ورفاقه أمام المحكمة
العسكرية العليا الخاصة ـ ج5 ـ ص 61 .