Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review

ألفصل ألحادي وألعشرون

 

 

انتفاضة آذار 1991

 

 

أولاً : ممهدات انتفاضة آذار 1991، ضد النظام الصدامي .

ثانياً : انطلاق الانتفاضة ، وتحرير 14محافظة من سيطرة النظام الصدامي

ثالثاً : الهجوم المعاكس للنظام الصدامي ، وبداية انحسار الانتفاضة

رابعاً : لماذا أجهضت الانتفاضة ؟

خامساً : ماذا قدمت أحزاب المعارضة للانتفاضة ؟

سادساً :مؤتمر بيروت لقوى المعارضة العراقية

سابعاً: قرار مجلس الأمن رقم  688 ، حول القمع الذي يمارسه النظام الصدامي .

ثامناً : القيادات الكردية تفاوض النظام الصدامي .

تاسعاً : القيادات الكردية تدعو لجنة العمل المشترك لمؤتمر شقلاوة .

عاشراً : إجراء انتخاب المجلس التشريعي ، وتشكيل حكومة كردية .

أحد عشر : انسحاب القوات الأمريكية والحليفة من العراق .

اثنا عشر : تصفية أسلحة الدمار الشامل العراقية .

 

 

أولاً : ممهدات انتفاضة آذار ضد النظام الصدامي :

 

لم تكن انتفاضة الأول من آذار 1991 ، ضد النظام الصدامي ، وليدة ساعتها أبداً ، بل كانت تلك الانتفاضة نتاج تراكمات هائلة لمعاناة الشعب العراقي من الحكم الدكتاتوري الذي مارس منذُ مجيئه الى الحكم عام 1968 ، أبشع أساليب التنكيل والاضطهاد، ومصادرة حقوق وحريات الشعب ، حيث لم يمضِِ يوم واحد دون أن يغمس صدام حسين وجلاديه أيديهم بدماء خيرة الوطنيين من أبناء الشعب ، لكي يقمع أية معارضة للنظام الحاكم ، ولسياسته المعادية لمصالح الوطن .

ولم تسلم أية قوة سياسية من بطشه ، بدءاً بالشيوعيين والديمقراطيين ، وانتهاءً بالقوميين والإسلاميين، بل لقد جاوز صدام حسين كل ذلك ، ليبطش بمعظم قيادات حزبه كذلك.

لقد سنّ صدام القوانين الجائرة ، التي تبيح له إعدام كل من انتمى الى أي حزب سياسي ، دون حزبه  لكي يخلو له الجو لفرض دكتاتوريته على الجميع ، ولكي يصبح حر اليدين في اتخاذ كل القرارات الخطيرة التي تتعلق بمصير الشعب والوطن ، فكان أن أقدم على شن الحرب ضد الجارة إيران ، بالنيابة عن الولايات المتحدة ، وبتخطيط منها ، ودفع خلالها الشعب العراقي دماء غزيرة لمئات الألوف من خيرة شبابه ، هذا بالإضافة الى تدمير اقتصاد البلاد ، واستنزاف ثرواتها ، وإغراقها بالديون .

وما كاد الشعب العراقي يجر أنفاسه ، ليعود الى الحياة الطبيعية ، حتى فاجأه صدام حسين بجريمة أخرى ، بإقدامه على غزو الكويت ، والتنكيل البشع بأبنائها ، ونهب كل ما امتدت إليه يد النظام من أموال وممتلكات الدولة الكويتية ، وأبناء الشعب الكويتي على حد سواء .

ووجدت الولايات المتحدة ضالتها المنشودة في إقدام صدام على غزو الكويت ، لتنزل قواتها ، وطائراتها الحربية في السعودية ، ولتملأ الخليج بأساطيلها الحربية ، بالتعاون مع حلفائها الغربيين ، بغية توجيه ضربة قاصمة للعراق ، مستخدمة كل الوسائل العسكرية المتاحة لها ، ومن أحدث ما أنتجته مصانعها من تكنولوجيا الأسلحة ، لتنزل أقصى ما يمكن من الدمار بالبنية الاقتصادية والعسكرية للعراق ، وإلحاق أبلغ الأذى بالشعب العراقي ، وفرض الحصار الاقتصادي عليه لتجويعه  وإذلاله وإفراغ العراق من كوادره وعلمائه ، والعودة به خمسون عاماً نحو الوراء .

ثم أوقفت الولايات المتحدة الحرب في 28 شباط 1991 ، بعد أن أبدى صدام حسين كامل استعداده لتنفيذ كل ما تطلبه الولايات المتحدة ، لقاء بقاء نظامه ، وبقاءه هو على رأس النظام .

لقد ورط صدام جيشه وشعبه ، ووطنه ، في حرب كانت نتائجها محسومة سلفاً لصالح الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين ، أصرّ على البقاء في الكويت ، وبدا الأمر وكأن صدام يريد حقاً إنزال الكارثة بشعبه ووطنه ، فلم يشك اثنان في عدم قدرة صدام على الصمود بوجه أعتى وأقوى الدول الإمبريالية ، بما تملكه من أفتك أنواع الأسلحة ، وأشدها تدميراً .

وهكذا وقعت الواقعة ، وحلت الكارثة التي توقعها الجميع ، ودفع الشعب من جديد ثمناً باهضاً من دماء مئات الألوف من شبابه ، وإنزال أقصى ما يمكن من الدمار بالبنية الاقتصادية ، والعسكرية للعراق ، وجرى إذلال جيشه وشعبه .

لقد أوقدت تلك النتائج المفجعة للحرب نار الحقد والغضب العارم على النظام الصدامي ، لدى الجنود المنسحبين من الكويت ، تحت وابل القذائف التي كانت ترسلها الطائرات الأمريكية والحليفة على رؤوسهم لإنزال أقصى ما يمكن من الخسائر البشرية بين صفوفهم ،

لقد كان ذلك الغضب العارم لدى الجنود ينذر بالانفجار ليطيح بالنظام ورأسه صدام ، الذي سبب تلك الكارثة ، وأستمر على الرغم من ذلك يتشبث بالبقاء في السلطة ، وهو الذي يتحمل كل نتائجها .

ومما زاد في خيبة أمل الجنود العائدين من الحرب ، أن قوات التحالف لم تتعرض للنظام ورأسه صدام  ولا كان في حساباتها إسقاطه ، فكان لابد وأن يتحرك الشعب ، في ظل تلك الظروف التي أنضجت الانتفاضة ، لتسقط هذا النظام الذي سبب كل المآسي والويلات للعراق وشعبه .

 

ثانياً:انطلاق الانتفاضة ،وتحرير 14 محافظة من سيطرة النظام الصدامي:

 

في اليوم الأول من آذار 1991 ، وبينما كانت القوات العراقية تنسحب من الكويت ، بحالة  من الفوضى الشديدة ، وقد تملكها الحنق على سياسة النظام الصدامي ، الذي أوصلها الى تلك الحالة ، توقف رتل من الدبابات والمدرعات المنسحبة في وسط مدينة البصرة ، واستدارت إحدى الدبابات ، ووجهت فوهة مدفعها نحو جدارية ضخمة للدكتاتور صدام حسين ، وأطلقت قذائفها عليها ، وراحت تلك الجدارية تهوى متناثرة على الأرض ، وأنكسر بعدها حاجز الخوف من جلاد العراق ونظامه ، وتفجر بركان الغضب لدى أبناء الشعب والجنود المنسحبين ،والتحمت جموعهم ببعضها ، وراحت تندفع في مظاهرات ضخمة لم تشهد لها البصرة من قبل ، ضد حكم الطاغية صدام ، ولم تمضِ سوى ساعات حتى سيطرت الجماهير المنتفضة على المدينة ، وتم اعتقال محافظها ، ونفذ فيه حكم الإعدام ، وجرى إطلاق سراح كافة السجناء من ضحايا النظام الصدامي ، ورغم كل المحاولات التي قام بها النظام ، وحرسه الجمهوري لاستعادة المدينة ، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل الذريع ، وأخذ لهيب المعركة يمتد كالنار في الهشيم ، الى كافة أرجاء العراق من أقصاه الى أقصاه .

ففي يوم الأحد  المصادف 3 آذار ، تم تحرير محافظة العمارة من قبضة النظام الصدامي ، بعد معركة عنيفة استمرت لمدة ساعتين ، وانتهت باستسلام قوات النظام ، وأخذ لهيب الانتفاضة يتصاعد بشكل متسارع ، ليمتد الى مدن الكوت ، والناصرية ، وكربلاء ، والنجف الأشرف .

وعلى أثر هذا الامتداد ، دخلت من جنوب إيران ، القوات الموالية لزعيم المعارضة الإسلامية [ باقر الحكيم ] المعروفة بفرقة [ بدر ] ، كما شوهدت مجموعات من حرس الثورة الإسلامية ، بعصاباتهم  يدخلون معها ، وكان ذلك يمثل أمراً خطيراً للغاية على مصير الانتفاضة ، وموقف الغرب منها ، فقد حاولت الحركة الإسلامية السيطرة على الانتفاضة والاستئثار بها ، مما جعلها تبدو وكأنها ثورة إسلامية ، على غرار الثورة الإسلامية في إيران .

ومما ساعد على هذا التطور في مسيرة الانتفاضة ، هو فقدان القيادة السياسية لأحزاب المعارضة جميعاً ، فقد كانت معظم كوادر أحزاب المعارضة قد هجرت الوطن ، بسبب الإرهاب الصدامي ، ولم تستطع تلك الأحزاب أن تقدم شيئاً عملياً مهماً للانتفاضة ، سوى عقدها لمؤتمر بيروت .

وفي يوم الاثنين المصادف 4 آذار ، استطاعت قوى الانتفاضة أن تبسط سيطرتها الكاملة ، على مدينتي   [ العمارة ] و [ علي الغربي ] و استولت على 13 طائرة مروحية عسكرية  وانظم عدد كبير من قوات الجيش للانتفاضة ، كما وردت أخبار عن سقوط مدينة النجف المقدسة ، ومدينة السليمانية في كردستان بأيدي قوات الانتفاضة .

وفي يوم الثلاثاء  5 آذار ، قامت لجنة العمل المشترك بنشاطات سياسية لدعم الانتفاضة ،تجلت في إرسال الرسائل الى كل من الأمين العام للأمم المتحدة [ديكويار] ] ،والى حكومات الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ، والى حكومات الجوار ، سوريا وإيران وتركيا والسعودية والكويت ، والى جامعة الدول العربية ، ومنظمة المؤتمر الإسلامي ، داعية إياهم جميعاً الى الوقوف الى جانب الشعب العراقي ومساندته من أجل الخلاص من حكم الطاغية صدام حسين ونظامه الفاشي ، وناشدهم تقديم العون الضروري ، من المواد الغذائية والطبية . وأكدت تلك الرسائل على أن هذه الانتفاضة ، هي انتفاضة الشعب كله ، بكل فئاته وقومياته ، وأحزابه السياسية الوطنية ، وأنها تستهدف الحرية ، وتطبيق حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية للشعب العراقي كافة .

وفي يوم الجمعة المصادف 8 آذار ، وقعت معارك عنيفة حول البصرة ، بين قوات النظام وقوات الانتفاضة ، وتم خلال تلك المعارك دحر القوات الصدامية ، وإحراق 10 دبابات ، والاستيلاء على 30 دبابة أخرى سالمة ، وتم إحكام السيطرة على محافظة البصرة . وقد حاولت القوات الصدامية القيام بهجوم جديد على البصرة ، على المحور الشرقي ، مستخدمة 12 دبابة ، وتم لقوات الانتفاضة دحر الهجوم ، بعد تدمير 4 دبابات والاستيلاء على الدبابات الثمانية الأخرى ، واستسلام القوات الصدامية لقوى الانتفاضة .

وفي اليوم نفسه حدثت مظاهرات عنيفة في مدينتي الموصل والرمادي ، لكن القوات الصدامية كانت قد استعدت لها ،وقمعتها بقوة .

أما في كردستان ، فقد سيطرت قوات الانتفاضة على مدينتي أربيل وكركوك ، ومناطق واسعة من كردستان ، واستولت على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات ، ووقع في الأسر وحدات كبيرة من قوات الجيش الصدامي .

 وفي بغداد قامت مظاهرات صاخبة في أحياء الشعلة والحرية والكاظمية والثورة ، لكن القوات الصدامية استطاعت السيطرة على الموقف ، بعد أن استعملت أقسى أساليب العنف ضد المتظاهرين ، وكان النظام الصدامي قد كثّف تواجد قواته في تلك الأحياء تحسباً لكل طارئ، نظراً لما عُرف عن سكان هذه الأحياء من الكره الشديد للنظام الصدامي .

وفي يوم الثلاثاء ، 12 آذار ، جرت محاولات جديدة لقوى الانتفاضة في مدينة الثورة ، أحد أحياء بغداد ، إلا أن قوات صدام قمعتها بشدة .

 وفي الفرات الأوسط استطاعت قوى الانتفاضة هذا اليوم من السيطرة على مدينة الحلة ، بعد قتال شرس مع قوى النظام ، وجرى اعتقال جميع المسؤولين الحكوميين فيها .وقامت القوات الصدامية هذا اليوم بمحاولة لاستعادة كربلاء ، والعمارة ، بعد أن مهدت للهجوم بقصف مدفعي ، واستخدمت الطائرات المروحية في قصف المدينتين كذلك .

وفي يوم الأربعاء ، 13 آذار ، أعلنت القيادة السياسية للجبهة الكردستانية سيطرتها التامة على كافة منطقة كردستان ، وأعلنت حل المجلسين ، التشريعي والتنفيذي ، الذين أقامهما النظام الصدامي ، وتشكيل إدارة مؤقتة ، لحين إجراء انتخابات عامة في كردستان . وحاول النظام الصدامي إعادة سيطرته على المناطق المحررة في محافظة صلاح الدين وديالى بقواته التي تعززها الدبابات ، والطائرات المروحية ، والمدفعية الثقيلة ، وخاصة في محور خانقين ـ جلولاء ، محاولاً السيطرة عليهما ، وعلى طوز خورماتو . وتصدت لها قوات الانتفاضة واشتبكت معها في معارك عنيفة طوال هذا اليوم ، وتم إسقاط 4 طائرات مروحية تابعة للنظام الصدامي .

وفي يوم الخميس  14 آذار ، أحكمت قوات الانتفاضة سيطرتها على كافة محافظة العمارة ، وقتل محافظها ، وجرى تعيين محافظ جديد لها من قبل قوى الانتفاضة .وفي محافظة بابل تمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة على المحمودية ،القريبة من بغداد ، وعلى المسيب ،واليوسفية ، وسدة الهندية  والقاسم ،والحمزة ، وتمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة على كافة مراكز الشرطة وأسلحتها ، وتم إطلاق السجناء الوطنيين من سجونها . وخلال معارك الحلة ، قتل كل من المحافظ [عدنان حسين ] ومدير الشرطة [ جبر محمد غريب ] ، وأمين سر حزب البعث لفرع الحلة [ طه ياسين ] ، ومدير أمن الحلة المقدم [ مزعل ] .

وفي الديوانية تمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة التامة على المدينة ، وانظم محافظ المدينة الى قوات الانتفاضة ، فيما قتل أمين سر حزب السلطة [ خالد عبد الله التكريتي ] ، كما سيطرت قوات الانتفاضة على مدينة النعمانية ،وسيطرت على مراكز الشرطة ، ودوائر الأمن فيها ، خلال ساعات  رغم استخدام القوات الصدامية الطائرات المروحية ضد قوات الانتفاضة ، التي تمكنت من إسقاط 3 طائرات منها .

وفي الكوت ، كانت تدور معارك شرسة بين قوات الانتفاضة والقوات الصدامية طوال هذا اليوم ، كما دارت معارك عنيفة في منطقة [ كرمة على ] شمال البصرة ، واستطاعت قوات الانتفاضة تدمير 50 دبابة تابعة للنظام الصدامي ، وقد دامت المعركة زهاء 9 ساعات . كما تم في هذا اليوم تحرير مدينة [ مخمور ] التابعة لمحافظة أربيل ، أضافه الى قرى [ باكرك ] و [ياسين أغا ] .

وفي هذا اليوم تعرضت مدينتي كربلاء ، والنجف الى قصف مدفعي ، وبالدبابات ، وطالت الأحياء السكنية ، ومراقد الأئمة ، التي أصيبت بإصابات مباشرة ، وفتحت ثقوباً في قبابها .

وفي هذا اليوم أيضاً تم تحرير مدينة [ النشوة ] ، شمال البصرة ، واستسلم أعوان النظام الصدامي فيها لقوات الانتفاضة . وفي هذا اليوم أيضاً ، أنفجر بئران نفطيان في كركوك ، نتيجة القصف المدفعي للقوات الصدامية ، واشتعلت النيران فيهما .

وفي يوم الجمعة ، 15 آذار ، تمت عملية تحرير مدينتي [ المشرح ] و[ الكحلاء ] ،وتم تطهير محافظة العمارة من القوات الصدامية ، تطهيراً تاماً .

حاول النظام الصدامي هذا اليوم ، السيطرة على مدينة جلولاء ، ودارت معارك شرسة بين قوات الانتفاضة ، والقوات الصدامية ، وانتهت المعارك بهزيمة القوات الصدامية ، ومقتل أمر الفوج المهاجم الرائد [ علي صالح الجبوري ] ، واستولت قوات الانتفاضة على 4 دبابات سالمة .

وهكذا استطاعت قوات الانتفاضة فرض سيطرتها على المناطق الجنوبية ومنطقة الفرات الأوسط ، ومنطقة كردستان بكاملها ، خلال أسبوعين ، وبدا النظام الصدامي في تلك الأيام قاب قوسين أو أدنى من السقوط ، لكن سيطرة القوى الإسلامية على الانتفاضة ، والاستئثار بها ، ورفعها للشعارات الطائفية والمتطرفة ، وتدخل الحرس الثوري الإيراني ، وعدم وجود قيادة ميدانية حكيمة تمثل القوى السياسية الوطنية المؤتلفة ، بموجب ميثاق دمشق ، وضرورة رفع الشعارات الصحيحة التي تؤكد على الوحدة الوطنية ، وإقامة نظام ديمقراطي تعددي ، كل هذه الأمور جعلت قوى التحالف ، بقيادة الولايات المتحدة ، وكذلك السعودية ودول الخليج تقلق من سيطرة القوى الإسلامية الموالية لإيران على الحكم في العراق ، وما يسببه ذلك من خطورة على مصالحهم في المنطقة ، وجعلتهم يضعون كامل ثقلهم الى جانب النظام الصدامي ، وتمكينه من استعادة سيطرته على البلاد من جديد .

وهكذا فتحت قوات التحالف ، التي كانت تطوق قوات الحرس الجمهوري في جنوب الناصرية ، الطريق إمام تلك القوات للعبور ، بل لقد أقامت لها الجسور العسكرية لكي تستطيع التقدم نحو المناطق التي سيطرت عليها قوات الانتفاضة ، وبذلك بدأت مرحلة الانحسار للانتفاضة في 17 آذار 1991 .(1)

 

ثالثاً : الهجوم المعاكس للنظام الصدامي ، وبداية انحسار الانتفاضة :

 

بدأ انحسار قوة الانتفاضة ، بعد منتصف شهر آذار ، حيث سمحت الولايات المتحدة وحليفاتها لقوات الحرس الجمهوري بالعبور ، كما سمحت للنظام الصدامي باستخدام الطائرات المروحية ، وحتى الطائرات الحربية ذات الأجنحة الثابتة ، وصواريخ ارض ـ ارض ، وسائر الأسلحة الأخرى ، لقمع الانتفاضة ، ووقفت قوات التحالف تراقب قوات النظام الصدامي وهي توجه كل أسلحتها نحو الشعب العراقي الذي أنتفض على حكم الطاغية ، وابتلعت الولايات المتحدة كل دعواتها بإسقاط النظام الصدامي ، لا بل ساعدته ، ومكنته من شن هجومه على قوى الانتفاضة ، وعلى ضرب المدن  بكل ما توفر له من الأسلحة ، فليس مهماً للولايات المتحدة مصير العراق وشعبه ، بل كل ما يهمها هو أن تحافظ على مصالحها النفطية في الخليج .

وفي الوقت الذي كان المواطنون في مدن الجنوب يتصدون لهجمات القوات الصدامية ، وطائراتها ودباباتها ، توقفت القوات الكردستانية عن زحفها نحو صلاح الدين ، وبغداد ، وقد مكّن ذلك الموقف القوات الصدامية من تركيز جهدها العسكري على الفرات الأوسط والمنطقة الجنوبية للقضاء على قوات الانتفاضة ، لتعود بعد ذلك الى منطقة كردستان .

لقد كان الواجب يتطلب من القوات الكردستانية أن تواصل ضغطها على القوات الصدامية ،وعدم إتاحة الفرصة لها لتركز كل قواتها على المنطقة الجنوبية ، ومنطقة الفرات الأوسط .

ففي يوم الأحد  17 آذار ، هاجمت القوات الصدامية مدينة الكوت ، واستبسلت قوات الانتفاضة في الدفاع عن المدينة أمام قوات الحرس الجمهوري ،وأسلحته المختلفة ،من الدبابات والصواريخ والمدفعية والطائرات السمتية ، وتم في البداية إيقاف تقدم القوات الصدامية ، واستطاعت قوات الانتفاضة إسقاط طائرتين سمتيتين ، وتدمير عدد من الدبابات ، وإنزال العديد من الخسائر في صفوف القوات الصدامية ، لكن المهاجمين استطاعوا في نهاية الأمر السيطرة على جزء من المدينة ، بعد أن نفذ معظم العتاد لدى قوات الانتفاضة ، واصبح موقف قوات الانتفاضة صعباً أمام قوات الحرس الجمهوري ، المجهز بمختلف الأسلحة الثقيلة .

وفي يوم الاثنين 18 آذار ، قامت قوات النظام الصدامي بهجوم واسع على مدينة كركوك ، بعد قصف مركز بالمدفعية والدبابات ، واستطاعت القوات المهاجمة ، بعد قتال عنيف ، من السيطرة على مقر المحافظة ، ومقر الفيلق الأول ، والمطار ، ومناطق آبار النفط .

وفي اليوم نفسه قصف النظام الصدامي مدن خانقين ، وجلولاء ، وطوز خورماتو ، وكلار ، والمجمع السكني [ صمود ] بصواريخ أرض ـ ارض، منذُ الساعة السادسة صباحاً ، مستخدماً 4 قواعد للصواريخ في السعدية ، مما أوقع أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى بين السكان المدنيين ، ثم أعقب القصف هجوماً على طوز خورماتو  من خمسة محاور هي طريق كركوك ، وطريق تكريت ، وطريق بلان ، وطريق ينجول ، وطريق سلمان بيك ، مستخدمة الدبابات والطائرات السمتية والمدفعية الثقيلة ، والقنابل الفسفورية والنابالم ،مما تسبب في وقوع خسائر جسيمة في صفوف المدنيين والعسكريين على حد سواء .

 وفي يوم الثلاثاء 19 آذار كان القتال يدور حول مدينة كربلاء المقدسة ، حيث هاجمتها القوات الصدامية على محورين ، محور المسيب ، ومحور الرزازة ، وحيث أحرزت القوات المهاجمة ، المتفوقة في المعدات والأسلحة الثقيلة ، تقدماً باتجاه المدينة وحاصرتها ، وجرى قصفها بشكل مركز، بمختلف الأسلحة الثقيلة .

كما شن النظام الصدامي هجوماً آخر على مدينتي النجف والكوفة بعد أن تمكن من جلب قوات كبيرة من الحرس الجمهوري ، بأسلحتها الثقيلة .

وقام صدام حسين بتعين حكام عسكريين في مناطق الانتفاضة ، من بين كبار الضباط الذين كان لهم دور إجرامي كبير في الحرب العراقية الإيرانية ، فقد عين [ماهر عبد الرشيد]  حاكماً عسكرياً على قاطع الناصرية و[طالع الدوري] ـ حاكماً عسكرياً على قاطع البصرة و[هشام صباح الفخري]  حاكماً عسكرياً على قاطع العمارة  و[طالب السعدون ] حاكماً عسكرياً على قاطع الكوت و[علي حسن المجيد  ] حاكماً عسكرياً على منطقة كردستان .

وفي يوم الأربعاء 20 آذار ، حققت قوات الانتفاضة انتصاراً لها في كركوك والسليمانية وأربيل ، وأجزاء من محافظة صلاح الدين ، وبعض قرى محافظة نينوى ، واستطاعت قوات الانتفاضة السيطرة على دار الإذاعة والتلفزيون في كركوك ، و3 مطارات عسكرية ومدنية وجميع مناطق آبار النفط .

وقامت القوات الصدامية المنسحبة من مدينة كركوك بذبح أكثر من 100 طفل كردي فيها ، وأخذت رهائن من المدنيين الأكراد ، ما يزيد على 15 ألف مواطن ، من النساء والأطفال والشيوخ.  ثم قامت القوات الصدامية بعد انسحابها من المدينة ، بضربها بالقنابل الفسفورية والنابالم  والصواريخ ، واستخدمت في قصفها الطائرات الحربية ذات الأجنحة ، والطائرات السمتية .

أما في المنطقة الجنوبية فكانت المعارك الشرسة يدور رحاها بين القوات الصدامية وقوات الانتفاضة في داخل مدن كربلاء والنجف والديوانية والسماوة ، واستبسلت قوات الانتفاضة ، المدافعة عن المدن المذكورة ، رغم التفوق الكبير لقوات الحرس الجمهوري  الصدامية ، في الأسلحة والمعدات والخبرة العسكرية ، وقد ذهب ضحية تلك المعارك في النجف الأشرف وحدها أكثر من 15 ألف مواطن ، وتم اعتقال المرجع الأعلى للطائفة الشيعية السيد [ أبو القاسم الخوئي ] وجرى نقله الى بغداد .

وفي الوقت نفسه كانت المعارك الشرسة تجري داخل مدينة البصرة ، بمختلف أنواع الأسلحة ، مما أوقع الخسائر الجسيمة في صفوف المدنيين .

وفي يوم الخميس ، 21 آذار ، اقتحمت قوات الحرس الجمهوري الصدامية مدينة الناصرية ، رغم البسالة المنقطعة النظير لقوات الانتفاضة ، بسبب تفوق القوات المهاجمة في الأسلحة والمعدات .

وفي مدينة علي الغربي استطاعت قوات الانتفاضة السيطرة على مقر اللواء التاسع ، من الفيلق الثالث وقد استسلم ما يزيد على 250 ضابطاً وجندياً بكامل أسلحتهم ، وغنمت قوات الانتفاضة حوالي 500 بندقية آلية ، و30 مصفحة وسيارة عسكرية .

وفي يوم الجمعة ، 22 آذار ، شنت قوات الانتفاضة هجوماً على منطقة زين القوس ، وتمكنت من قتل آمر الفوج ، واستسلم أكثر من 100 ضابط وجندي لقوات الانتفاضة ، واستولت على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات .

وفي يوم الاثنين 23 آذار ، جرت معارك عنيفة ، في منطقة فايدة ، شمال الموصل ، على طريق دهوك  وأوقعت قوات الانتفاضة خسائر جسيمة في صفوف القوات الصدامية ، وتم إسقاط طائرة سمتيه ، واحتلت قوات الانتفاضة المزيد من الأراضي باتجاه مدينة الموصل .

وفي يوم الاثنين 25 آذار ، قامت طائرتان حربيتان ، وأربع طائرات سمتيه ، بقصف مدينة كركوك في الساعة التاسعة والربع صباحاً ، ثم عادت الطائرات وقصفت المدينة مرة أخرى، في الساعة الواحدة والنصف ظهراً ، مما أوقع الكثير من الضحايا في صفوف المدنيين .

كما دار قتال عنيف حول مدينتي خانقين وجلولاء ،حيث استهدفت القوات الصدامية احتلالهما والتقدم منهما نحو كركوك .

وفي يوم الثلاثاء ، 26 آذار هبطت طائرة سمتيه ،حاملة كميات من الأسلحة الكيماوية ، وعلى متنها 4 ضباط ، من سلاح الجو العراقي ،  في إحدى المناطق الحدودية الإيرانية ، وطلبوا اللجوء السياسي في إيران ، رافضين استخدام الأسلحة الكيماوية ضد الشعب العراقي .

وفي الجنوب استطاعت قوات الحرس الجمهوري الصدامية دخول مدينة كربلاء ، واستعادت السيطرة عليها ، بعد أسبوعين من المعارك الدامية أبدى فيها أبطال الانتفاضة بطولة نادرة ، وقد اتهمت قوات الانتفاضة ،قوات مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة والمتواجدة في العراق ، بالمشاركة الى جانب القوات الصدامية في الهجوم على المدينة .

وفي يوم الأربعاء ، 27 آذار ،كانت القوات الصدامية قد استعادت مناطق واسعة من الجنوب ، وخاصة مراكز مدن البصرة ، والعمارة ، والناصرية ، وعقد محمد باقر الحكيم مؤتمراً صحفياً في طهران ، أعترف فيه بانحسار الانتفاضة في المناطق الجنوبية والوسطى من العراق ، واتهم القوات الصدامية بتدمير المدن المقدسة ، وقتل الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ .

وهكذا تمكنت السلطة الصدامية من إعادة سيطرتها على مناطق الجنوب ، والفرات الأوسط ، وبدأت بدفع قواتها نحو منطقة كردستان .

ففي يوم الخميس ، 28 آذار ، بدأت تلك القوات هجوماً واسع النطاق على مدينة كركوك ، واستخدم النظام الصدامي في هجومه على المدينة  [ 6 فرق عسكرية ]مجهزة بكل الأسلحة الثقيلة ، من الدبابات والمدفعية والصواريخ ، وبإسناد الطائرات الحربية والسمتيات ،وقد أدى القصف العشوائي الشديد الى وقوع الخسائر الجسيمة في صفوف المدنيين ، وخاصة النساء والأطفال ، واستطاعت قوات الحرس الجمهوري ، بعد معارك شرسة من دخول المدينة .

كما استطاعت السيطرة على[طوز خورماتو ]و[داقوق ] وعدد كبير من القرى المحيطة بكركوك ،حيث قامت القوات الصدامية بتدمير جميع القرى المحيطة بمدينة كركوك ، واضطر اكثر من 100 ألف من السكان الى التوجه الى أربيل والسليمانية ، هرباً من بطش القوات الصدامية ، فيما وقع أعداد كبيرة منهم بأيدي تلك القوات ، وجرى تصفيتهم جسدياً بصورة جماعية .

    وقد وجه الزعيمان الكرديان [ مسعود البارزاني ] رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ، و[جلال الطالباني ] رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ، نداءً الى الرئيس الأمريكي بوش طالبين منه حماية الشعب الكردي من هجوم القوات الصدامية.

وفي يوم الجمعة 29 آذار ، قامت القوات الصدامية بقصف مدينة [ جمجمال ] بالقنابل الفسفورية والنابالم ،موقعة الخسائر الجسيمة في صفوف سكانها ، ثم قامت قوات الحرس الجمهوري بمهاجمتها واحتلالها ، والتقدم نحو مدينتي السليمانية وأربيل ، مستخدمة كل ما تملكه من أنواع الأسلحة والمعدات الثقيلة والطائرات ، مما أدى الى حدوث هجرة جماعية كبرى للشعب الكردي نحو الحدود التركية والإيرانية ، هرباً من بطش القوات الصدامية وأسلحتها الكيماوية التي كان قد أستخدمها في حلبجة من قبل ، وذهب ضحيتها اكثر من 5000 مواطن خلال بضعة دقائق  ، وقدر عدد النازحين بأكثر من مليوني مواطن  .

كان وضع الأكراد مأساوياً بكل معنى الكلمة ، نيران القوات الصدامية من جهة ، وقسوة المناخ ، والبرد الشديد، والثلوج من جهة أخرى ، مما سبب في وفاة أعداد كبيرة من النازحين .

ومما زاد في الطين بلة ، إقدام الحكومة التركية على إغلاق حدودها بوجه النازحين ، مما جعلهم عرضة للتصفية من قبل الطائرات العراقية التي كانت تلاحقهم ، وقوات الحرس الجمهوري الزاحفة، وسارعت الولايات المتحدة ، و حليفتها بريطانيا إلى فرض الحماية على المنطقة الكردية الواقعة شمال خط العرض 32 ، فيما سمي بعملية {بروفايد كومفورت } ومنعت القوات العراقية من تجاوز هذا الخط ، كما منعت الطائرات من التحليق فوق هذه المنطقة ، وبذلك أخذ النازحون الأكراد يعودون الى مناطق سكناهم ، تحت حماية الطائرات الأمريكية .

 وهكذا أسقط في يد صدام حسين ، واضطر للرضوخ للأمر وسحب قواته من المنطقة ، كما أقدم على سحب أجهزته الأمنية والإدارية ، والمدرسين وأساتذة الجامعة من كردستان ، وقطع الطاقة الكهربائية عن مدينة دهوك .

وهكذا أصبحت منطقة كردستان تحت حماية الولايات المتحدة وبريطانيا ، وتخلص الأكراد من سيطرة النظام الصدامي ، وجرى تنظيم إدارة جديدة في كردستان ، من قبل أبناء الشعب الكردي ، وجرى فيما بعد انتخاب المجلس التشريعي ، وتشكيل مجلس للوزراء ، بمعزل عن سلطة النظام الصدامي في بغداد .

أما في الفرات الوسط ، وجنوب العراق ، فقد تمّ إجهاض الانتفاضة بقوة السلاح ، تحت سمع وبصر القوات الأمريكية والحليفة ، بل وبدعم منها ، وأجرى النظام الصدامي ، الذي استطاع قمع الانتفاضة والبقاء في السلطة ، حملة تصفية وحشية لم يشهد لها العراق مثيلاً من قبل ، لكل من تشك السلطة الصدامية بمشاركته في الانتفاضة ، وقدر عدد الضحايا بما يزيد على 300 ألف مواطن ، هذا بالإضافة الى تدمير المدن والقرى بأسلوب إجرامي بشع .

لقد خذلت الولايات المتحدة الشعب العراقي ، وبان زيف ادعاء الرئيس الأمريكي بوش ، في أن يشهد سقوط صدام حسين ونظامه ، فقد وجد بوش أن بقاء صدام على رأس النظام يحقق للولايات المتحدة مصالحها ، فيما وجد أن سيطرة القوى الإسلامية الموالية لإيران يمثل أكبر الأخطار على مصالحهم في الخليج ، ويهدد الأنظمة القائمة في هذه المنطقة الهامة ، التي تحتوي على أكبر مصادر  الطاقة في العالم . (2)

 

 

*********

رابعاً : لماذا أجهضت الانتفاضة ؟

 

عندما قامت الانتفاضة في الأول من آذار 1991، كانت كل الظروف الموضوعية ناضجة لانتشارها في كافة المدن العراقية ، بعد سنوات طوال من الحكم الدكتاتوري الاستبدادي ، والجرائم التي ارتكبها النظام الصدامي بحق الشعب العراقي ، بكل فئاته وقومياته وطوائفه .

لقد أنتشر لهيب الثورة بأسرع مما كان يتصوره الكثير من الناس ، ليغطي العراق من شماله حتى جنوبه  ومما زاد في اندفاع الجماهير الشعبية للمشاركة في الانتفاضة ، هو اشتراك عناصر واسعة من الجيش في إشعال لهيبها ، وانضمام أعداد غفيرة من العسكريين الى صفوف الانتفاضة ، مما سهل كسر حاجز الخوف الذي أشاعه إرهاب النظام لسنين طويلة ، وظهر لأول مرة أن الجهاز الذي اعتمد عليه صدام حسين في حماية نظامه ، قد بدأ بالتداعي ، بعد الهزائم التي ألحقها النظام بالجيش العراقي ، في معركة غير متكافئة مع الولايات المتحدة وحلفائها ، وتسبب ذلك في إذلال الجيش العراقي الباسل .

لقد بان للشعب العراقي أن النظام الصدامي بات قاب قوسين أو أدنى من السقوط ، ولم يشك أحد في نهاية صدام حسين وعصابته المجرمة بحق الشعب والوطن .

لكن الأمور تغيرت بشكل مفاجئ ، بعد أن وضعت الولايات المتحدة وحلفائها ثقلهم الى جانب النظام الصدامي ، ومهدوا السبيل لقوات الحرس الجمهوري لاستعادة المبادرة ، وسهلوا لقواته المحاصرة جنوب الناصرية ، للعبور ومهاجمة المدن المحررة ، واستعادة السيطرة عليها ، مستخدمة شتى أنواع الأسلحة ، من دبابات ، ومدفعية ، وصواريخ ، وطائرات مروحية . وهكذا بدأ الحلم الجميل بإسقاط النظام يتلاشى شيئاً فشيئاً فلماذا حدث ذلك وما هي الأسباب التي أدت الى فشل الانتفاضة

إن أهم أسباب فشل الانتفاضة :

1 ـ فشل قيادات الانتفاضة في استثمارها ، وتوجيهها ، وقيادتها ، وبُعد هذه القيادات عن ساحة المعركة ، وتواجدها خارج البلاد ، فقد كان الأجدى بقيادات المعارضة التي اجتمعت في مؤتمر بيروت أن تتوجه الى المناطق المحررة من العراق ، لتنشئ قيادة ميدانية مشتركة لكافة القوى والأحزاب السياسية المنضوية تحت لواء ميثاق دمشق ، وتوجيه الانتفاضة نحو تحقيق المبادئ التي أقرها الميثاق ، فيما يخص إسقاط النظام الصدامي ، وإقامة النظام الديمقراطي التعددي، والعمل على تحقيق الأهداف العامة التي نص عليها الميثاق .

إلا أن شيئاً  من هذا لم يحدث ، وتُركت الانتفاضة لتوجيهات بعض القيادات الإسلامية ، وعلى رأسها قيادة السيد [ محمد باقر الحكيم ] ، الذي دخلت قواته المسماة [ قوات بدر ]  من إيران الى جنوب العراق ، مما جعل الشعارات الطائفية تطغي على الانتفاضة . وسرت شائعات حول دخول قوات من حرس الثورة الإيرانية بصحبة قوات بدر التابعة لباقر الحكيم ، ليثير قلق الولايات المتحدة وحلفائها ، وحكام الخليج وعلى رأسهم السعودية ، حيث وجدوا أن سيطرة قوى إسلامية موالية لإيران سوف يسبب  مخاطر كبيرة على مصالحهم ، وعلى أنظمة الحكم في دول الخليج . وهكذا اتخذت الولايات المتحدة قرارها بالوقوف ضد الانتفاضة ، وإجهاضها ، واستمرار النظام الصدامي في حكم العراق .

لقد أخطأت القوى الإسلامية في محاولة الاستئثار بالانتفاضة ، متجاهلة بقية القوى السياسية الوطنية التي انضوت تحت راية ميثاق دمشق ، وتصورت تلك القوى أنها باتت على وشك الوصول الى الحكم ، ولم تدرِ أنها بسلوكها ذاك قد استفزت قوى التحالف الغربي ، وأنظمة الخليج ، ودفعتها الى الوقوف ضد الانتفاضة ، وإجهاضها .

2 ـ توقف زحف القوات الكردستانية نحو مدينتي الموصل ، وبغداد ، بعد أن تم لها السيطرة الكاملة على كردستان ، وبدا وكأن المسألة هي مسالة كردستان والأكراد ، وليست مسألة العراق وشعبه  وهكذا ففي الوقت الذي كانت قوات الانتفاضة في الجنوب ، والفرات الأوسط تخوض المعارك الباسلة ضد القوات الصدامية ، كانت قوات الانتفاضة في كردستان في حالة الاسترخاء ، واتخذت موقفاً فيه الكثير من قصر النظر السياسي والعسكري ، فصدام حسين لا يمكن أن يترك القوات الكردية تسيطر على كردستان بهذه البساطة .

لقد أتاحت القوات الكردية الفرصة للنظام الصدامي للاستفراد بقوى الانتفاضة في الجنوب والفرات الأوسط ،وتوجيه جهده العسكري لقمعها وتصفيتها ، ومن ثم التحول نحو منطقة كردستان . لقد كان الأجدى بقوات الانتفاضة في كردستان أن تنسق مع قوات الانتفاضة في الجنوب والفرات الأوسط ، والضغط على القوات الصدامية المتواجدة حول الموصل وصلاح الدين ، وليجبرها على القتال على جبهتين ، بدلاً من جبهة واحدة ،مما يخفف العبء عن قوات الانتفاضة في الجنوب .

3 ـ بسبب من ضعف قيادة قوات الانتفاضة ، وسيطرة القوى الإسلامية عليها ، واستبعاد القوى السياسية الأخرى ، وقعت قوات الانتفاضة بأخطاء جسيمة ، فقد اتخذت قيادة الانتفاضة في الجنوب والفرات الأوسط سياسة التصفية الجسدية ضد العناصر البعثية ، وحتى ضد العديد من العناصر السنية في بعض الأحيان ، وربما كان للسلطة الصدامية يد في ذلك ، في حين كان المفروض الابتعاد عن مثل هذه السياسة ، ومحاولة جر جانب كبير من العناصر التي ارتبطت بحزب البعث لأسباب عديدة الى جانبها،  فمعلوم أن النظام الصدامي عمل بكل الوسائل والسبل على إجبار أبناء الشعب للانخراط في صفوف الحزب ، سواء عن طريق التهديد والوعيد ، أو عن طريق الإغراء المادي ، والمكاسب الوظيفية وغير الوظيفية ، مما جعل الكثيرين من أبناء الشعب ينتمون لحزب البعث ، رغم عدم إيمانهم به وبقيادته وتوجهاته ، ولكن سياسة التصفية الجسدية للعديد من عناصر الحزب ، جعلت البعثيين يقفون ضد الانتفاضة مرغمين . بينما وجدنا القوات الكردستانية سلكت طريقاً آخر ، استطاعت فيه جر جميع العناصر الكردية التي سخرها النظام الصدامي لمحاربة الحركة الكردية لسنين عديدة الى صفوفها ، وبكامل أسلحتها ، مما أسقط في يد النظام الصدامي . وحتى عناصر الجيش العراقي الذين استسلموا للقوات الكردستانية ، فقد جرى نزع سلاحها ، إلا أنها لم تتعرض لأي اعتداء ، غير أن القوات الكردستانية أخطأت في عدم محاولتها الاستفادة من قدرات تلك القوات التي استسلمت ، وألقت سلاحها ، وهي بالتأكيد أعداد كبيرة جداً، وكان الأجدر أن تحاول كسب تلك القوات ، وتعبئتها ضد النظام الصدامي ، ولاسيما وأنها كانت على درجة كبيرة من الضخامة ، وتمتلك خبرات قتالية جيدة جداً ، وقادرة على استخدام الأسلحة الحديثة التي كانت بحوزتها ، ولو تم ذلك لكانت قوات الانتفاضة قد أصبحت في موقف أحسن بكثير ، وربما استطاعت جر تشكيلات عسكرية أخرى الى جانبها .

4 ـ إن إهمال ميثاق دمشق ، ومحاولة القوى الإسلامية الطائفية ، قطف ثمار الانتفاضة لنفسها ، ومحاولة إقامة نظام طائفي في العراق ، قد أقلق الطائفة السنية بالغ القلق ، ولاسيما وأن معظم قيادات الجيش هم من الطائفة السنية .

لقد كان الأجدى بتلك القوى أن تتجنب ذلك السلوك ، وتؤكد على الشعارات الداعية للوحدة الوطنية ، والنظام الديمقراطي التعددي ،ومحاولة كسب وجر العناصر السنية في صفوف الجيش الى جانبها ، لكن تلك النظرة الضيقة للقوى الإسلامية الطائفية جعلت جانباً كبيراً من الطائفة السنية تفضل بقاء السلطة الصدامية على قيام نظام حكم شيعي طائفي في العراق .

5 ـ اعتماد قوات الانتفاضة على نظرية الدفاع المحلي ، سواء في المنطقة الكردية أم في المنطقة الجنوبية والفرات الأوسط ، وطبيعي أن هذه النظرية قد كلفت قوى الانتفاضة تضحيات جسيمة في مواجهة جيش منظم،ومجهز بمختلف الأسلحة الثقيلة .

لقد كان الأجدر بقوات الانتفاضة تشكيل قيادة موحدة للانتفاضة ، في عموم العراق وأن تكون هذه القيادة جماعية ، لسائر قوى الانتفاضة ، وأن تلتزم القيادة الموحدة بمقررات مؤتمر دمشق ، وتعمل على تطبيقها .

هذه هي أهم العوامل التي أدت الى إجهاض الانتفاضة ، التي دفع الشعب العراقي خلالها تضحيات جسام ، دون أن يحقق ما كان يصبو إليه في التخلص من النظام الصدامي ، وإقامة البديل الديمقراطي التعددي . وبات على الشعب العراقي أن يتحمل لسنين عديدة أخرى المآسي والويلات من هذا النظام الفاشي ، ومن الحصار الظالم المفروض على الشعب منذُ 2 آب 1990 ، والذي أدى الى الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي لم يعرف الشعب له مثيلاً من قبل .

 

خامساً: ماذا قدمت أحزاب المعارضة للانتفاضة ؟

 

إتسمت مواقف القيادات السياسية لقوى المعارضة العراقية بكونها دون مستوى الأحداث التي ألمّت بالعراق وشعبه ، رغم أن النظام الصدامي قد اضطهد كل القوى ، ونكل بها ، دون استثناء ، إلا أن ذلك الاضطهاد والتنكيل لم يحفز تلك القوى لتجميع قواها ، وتعبئتها حول قواسم مشتركة تناضل جميعها من أجلها ، وفي المقدمة من ذلك إسقاط النظام الدكتاتوري الصدامي ، وإقامة البديل الديمقراطي التعددي ،الذي يضمن الحريات العامة للشعب ، ويقيم المؤسسات الدستورية في البلاد .

لقد استمرت تلك القوى في تباعدها عن بعضها ، وحتى احترابها ، الى وقت متأخر جداً ، بعد أن غزا النظام الصدامي الكويت ، وبعد إقدام الولايات المتحدة وحليفاتها على حشد قواتهم العسكرية في الخليج ، بدعوى إخراج القوات العراقية من الكويت ، وظهر فيما بعد أهداف الولايات المتحدة وحليفاتها الدول الغربية لا تنحصر في تحرير الكويت ، بل أساساً في تدمير البنية العسكرية والاقتصادية والاجتماعية للعراق

عند ذلك أدركت تلك القوى السياسية المعارضة للنظام الصدامي ، ماذا يحيق بالعراق وشعبه ، وتسارعت الدعوة الى اللقاء ، والاتفاق فيما بينها على قواسم مشتركة ، فكان لقاء دمشق ، الذي ضم 17 حزباً ، وتنظيماً سياسياً ، في 27 كانون الأول 1990 ، وقد تدارس ممثلو تلك الأحزاب والتنظيمات الأوضاع الخطيرة في العراق ، قبيل بداية الحرب ، وتم في هذا اللقاء الإنفاق على  برنامج للعمل المشترك ، وعلى تشكيل لجنة تمثل تلك القوى ، دُعيت ب [ لجنه العمل الوطني المشترك ]، تقوم بالتحضير لعقد مؤتمر عام لكافة القوى والعناصر الوطنية الفاعلة . واصدر اللقاء في نهاية اجتماعاته الميثاق التالي ، الذي وقعته جميع الأحزاب والتنظيمات التي حضرت اللقاء ، وفيما يلي نص الميثاق :

 

ميثاق للعمل الوطني المشترك :

يا أبناء شعبنا العراقي الأبي :

إدراكاً من قوى المعارضة العراقية لحراجة الأوضاع العامة في وطننا الحبيب ، وخطورة المرحلة التي نعيشها جميعاً ، حيث يسود حكم الطاغية صدام حسين الفردي ، وأجهزته القمعية ، وإرهابه الدموي ، ويتفرد بأخطر القرارات التي تخص مصير شعبنا ووطننا ، دون مشاركة من أي مؤسسة دستورية أو قانونية منتخبة ، كإشعاله الحرب العدوانية ضد الجارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، بعد إلغائه اتفاقية الجزائر التي وقعها مع الشاه عام 1975 ، والعودة إليها بقرار فردي ، متجاهلاً إرادة الشعب .

وبناء على استمرار سياسة النظام الدكتاتوري في بغداد ، بتوسيع نطاق البطش والقمع والإرهاب ، والاضطهاد ، والتصفيات الجسدية ، التي ذهب ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء شعبنا العراقي المكافح  ومن جميع القوى الوطنية ، الإسلامية ، والقومية العربية والكردية ، والديمقراطية ، عبر انتهاجه لسياسة التمييز القومي والديني والطائفي ، مما أوقع البلاد في أزمة خانقة ، سياسية ، واقتصادية ، واجتماعية ، وتجاهل النظام للواقع التاريخي والاجتماعي للشعب العراقي ، الذي يتألف من قوميتين رئيسيتين ، هما العربية والكردية ، وأقليات قومية أخرى ، وكونه شعباً مسلماً ، مع وجود أقليات دينية أخري ، وتقديراً لمخاطر الأزمة في منطقة الخليج التي نجمت جراء العدوان على الكويت ، واحتلالها ، وضمها قسراً الى العراق ، وما رافقه من عمليات قتل ، ونهب وسلب ، وما تبعه من حشد للجيوش الأجنبية في المنطقة العربية ، مما ينذر باندلاع حرب مدمرة ، تنزل كارثة جديدة بشعبنا ، وبالشعب الكويتي ، والأمة العربية ، وشعوب المنطقة ، وتلحق أفدح الخسائر باقتصادنا الوطني ، وثروات شعبنا وإمكانياته .

وإن قوى المعارضة إذ تدين ، وترفض الاحتلال والضم القسري للكويت ، تؤكد على الخيار السلمي لحل الأزمة في الخليج ، ودرء كارثة الحرب المحتملة ، ونزع فتيلها ،وذلك بتشديد الضغط على النظام ، لإجباره على الأنساب من الكويت دون قيد أو شرط ، وإطلاق حرية جميع الرهائن المحتجزين ، وتعبئة كل القوى من أجل سحب القوات الأجنبية من المنطقة ، وحل الخلافات بين دولها سلمياً ، ومن أجل إعادة الأمور الى نصابها الصحيح ، والحيلولة دون وقوع كارثة الحرب ، وإنقاذ شعبنا ، ودرء الأخطار المحتملة جراء التوتر السائد ، وإفشالا لكل المحاولات الرامية الى تجويعه وإضعافه ، وإذلاله . أجمعت قوى المعارضة العراقية ، بفصائلها ، واتجاهاتها المختلفة ، واتفقت على مبادئ أساسية ، وبرنامج سياسي موحد لعمل مشترك فيما بينها ، ينسجم ومطالب المرحلة الحاضرة ، ملبين بذلك إرادة شعبنا المكافح ، من أجل الوصول الى أهدافه العادلة والنبيلة ، وعاقدين العزم على تصعيد وتائر العمل التضامني للتخلص وبشكل نهائي من كابوس الدكتاتورية ، والتسلط والإرهاب .

إن شعبنا يواجه، بشجاعة نادرة قهر وقوة نظام صدام الدكتاتوري ، الذي يتنكر لقيم ومثل الإنسانية والعروبة ، ويعتبر هذا النظام وريث مخلفات الأنظمة الاستبدادية العميلة التي تعاقبت على سدة الحكم في العراق ، مع تشديد لا مثيل له في وتيرة الطغيان ، والانفراد بالحكم ، وهو اليوم يتأهب لمسك زمام مصيره بيده ، تعضده في ذلك قوات الجيش العراقي ، التي لازالت تتطلع لأداء مهامها الوطنية والقومية والإسلامية . 

إن قوى المعارضة العراقية مجتمعة، لتهيب بأبناء شعبنا العراقي ، وجيشه الباسل ، في هذه اللحضات الحاسمة من تاريخ بلادنا ، الذي يتعين من خلالها، بلا شك ، مستقبله ومصير أبنائه ، أن يكون رابط الجأش ، متهيئاً لإنزال الضربة الحاسمة التي تقطع الطريق على أي احتمال قد يؤدي الى تعريض استقلال العراق ، وسيادته الى أخطار جسيمة وكارثة مهلكة ، وتدعوا للعمل على تحقيق الأهداف التالية :

 أولاً : إسقاط النظام الدكتاتوري بإرادة الشعب العراقي ، وتصفية مخلفاته ، وإلغاء القوانين الجائرة الصادرة عنه .

 ثانياً : تأليف حكومة إئتلافية ،انتقالية ،تعقب النظام الحالي ، لتشمل جميع فئات الشعب العراقي ،بكل قواه السياسية المناهضة للحكم الفاشي ، تتولى إنجاز المهام التالية :

 1 ـ إلغاء الأوضاع الاستثنائية ، وتصفية آثار الحكم الدكتاتوري في جميع المجالات ، وإنهاء ممارسة الاضطهاد السياسي ، والديني والقومي والمذهبي ، وإصدار عفو شامل عن جميع السجناء والمعتقلين والملاحقين سياسياً ، وإعادة المفصولين منهم ، من مدنيين وعسكريين ،الى وظائفهم واعمالهم ،وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم .

2 ـ إلغاء سياسة التمييز الطائفي ضد الغالبية من أبناء شعبنا العراقي ، التي استخدمت لضرب بعضها بالبعض الأخر ، وإزالة الآثار المترتبة عليها ، من خلال تهيئة الفرص المتكافئة لمشاركة العراقيين كافة في إدارة البلاد ، وتحقيق العدالة الاجتماعية ، والمساومات التامة بينهم ، في الحقوق المدنية ، والثقافية ، وتثبيت ذلك دستورياً .

 ثالثاً : تأمين عودة المهجرين والمبعدين داخل العراق وخارجه الى أماكن سكناهم ، وإعادة حقوقهم وممتلكاتهم ، وتعويضهم تعويضاً عادلاً .

 رابعاً : إلغاء التمييز القومي ، وإزالة الآثار السياسية والديمغرافية  السكاني ، لمحاولة تغيير الواقع القومي والتاريخي لمنطقة كردستان العراق ، وحل المشاكل الكردية حلاً عادلاً ،ومنح الأكراد حقوقهم القومية والسياسية المشروعة ،من خلال تطبيق وتطوير بنود اتفاقية 11 آذار سنة 1970 نصا وروحا ، والتي قبلها الشعب العراقي ، وضمن نطاق الوحدة العراقية ،بما يعزز الأخوة العربية الكردية ، وضمان الحقوق الثقافية والإدارية للأقليات القومية ، من التركمان ، والآشوريين  .

خامساً  : تحقيق الحريات الديمقراطية العامة : حرية النشاط والتنظيم السياسي والنقابي والاجتماعي، وحرية الصحافة ، والتجمع ، والتظاهر والإضراب ، وحرية التعبير والفكر ، بما فيها حرية الشعائر الدينية والمذهبية ، والإقرار بالتعددية السياسية ، وتداول السلطة بالأساليب البرلمانية وفق إرادة الشعب .

سادساً : صيانة وتعزيز الوحدة الوطنية للشعب العراقي ، ووحدة العراق ، أرضاً وشعباً وكياناً .

سابعاً : ضمان حقوق الإنسان في العراق ، كما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وصيانة كرامة المواطن وحقوقه العامة والخاصة .

ثامناً : الانتقال بالبلاد الى الأوضاع الدستورية ، عن طريق إجراء انتخابات حرة ومباشرة ، وبالتصويت السري ، لانتخاب مجلس تأسيسي ، يقوم بوضع الدستور الدائم للبلاد ، وذلك خلال فترة لا تزيد على سنتين ، ولا تقل عن سنة .

 تاسعاً : الاهتمام ببناء القوات المسلحة على أسس سليمة ، كفيلة بتمكينها من أداء دورها في الدفاع عن الوطن ، واحترام المؤسسات الدستورية ، وخيار الشعب العراقي في النظام السياسي الذي يختاره  وأداء دورها القومي في مواجهة الاستعمار والصهيونية ، ومخططاتها .

عاشراً : دعم الجهود الرامية الى تحقيق التضامن العربي ، والسير في طريق الوحدة العربية ، التي تحقق مصالح الأمة العربية ، وتستند الى إرادتها الحرة ، وتقوم على أساس العداء للاستعمار والصهيونية .

 أحد عشر : انتهاج سياسة خارجية مستقلة ، والابتعاد عن الأحلاف الأجنبية ، وبناء تضامن عربي  وإسلامي حقيقي ، وبناء علاقات حسن الجوار مع جميع الدول ، على أساس مبادئ التعايش السلمي  والمصالح المشتركة ، والالتزام بمواثيق الجامعة العربية ، والمؤتمر الإسلامي ، ودول عدم الانحياز ، وهيئة الأمم المتحدة ، واحترام الاتفاقيات الدولية ، والإسهام في السلام ، وصيانة المنطقة والعالم ، والعمل ضمن جهود المجتمع الدولي ، لحماية البيئة ، وتحريم أسلحة الإبادة الجماعية ، والتدمير الشامل للأسلحة النووية والجرثومية والكيماوية ، والعمل على إسناد وتعزيز التضامن العربي ، والعمل على تعزيز التعاون والتضامن بين الشعوب الإسلامية ، وتعزيز الجهود الرامية لتحقيق الوحدة الإسلامية ، وتقوية الجبهة المعادية للاستعمار والصهيونية ، وكل أشكال الاستغلال بما يخدم مصالحنا المشتركة .

 ثاني عشر : إسناد كفاح الشعب العربي الفلسطيني ، وانتفاضته الباسلة ، لتحرير وطنه ، بما فيه القدس الشريف ، وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني ، ودعم كفاح حركات التحرر من أجل حقوق شعوبها ضد المستغلين والظالمين . (6)

                                    التواقيع

 1 ـ المجلس الأعلى للثورة الإسلامية .      2 ـ حزب الدعوة الإسلامية .

3 ـ منظمة العمل الإسلامي في العراق .    4 ـ الكتلة الإسلامية .

 

 

5 ـ الحزب الإسلامي العراقي .                  6 ـ حركة المجاهدين العراقيين

7 ـ منظمة جند الإمام .                   8 ـ الحزب الديمقراطي الكردستاني .

9 ـ الاتحاد الوطني الكردستاني                   10 ـ الحزب الشيوعي العراقي .

11 ـ القوميون المستقلون .              12 ـ الاتحاد الاشتراكي العراقي .

13 ـ حزب البعث ـ قيادة قطر العراق .        14 ـ التجمع الديمقراطي العراقي .

15  ـ حزب الشعب الكردستاني .        16 ـ الحركة الديمقراطية الآشورية .                  

لكن الأحداث تسارعت ، واندلعت الحرب مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، تلك الحرب التي انتهت بهزيمة منكرة للنظام الصدامي ، والتي سببت إذلالاً كبيراً للجيش العراقي ، الذي أجبره صدام على خوض معركة غير متكافئة ، ودون أي مبرر ، مما سبب ذلك في إشعال شراره الانتفاضة في مدينة البصرة ، وانتشارها السريع والمذهل الى كافة المدن العراقية ، في 1 آذار 1991 ، وفاجأت القوى السياسية المعارضة ، التي لم تكن مستعدة لقيادة الانتفاضة ، والسير بها نحو النصر ، فقد كانت قيادات قوى المعارضة في المنافي ، بعيدة عن ساحة المعركة التي خاضها الشعب ، كما أن العديد منها قد وقع تحت تأثير الدول الإقليمية والولايات المتحدة ، وكل ما استطاعت عمله ، هو إصدار بيان سياسيي حول الانتفاضة ، وعقد مؤتمر بيروت في 11 آذار 91، وفيما يلي نص البيان الصادر في 4 آذار 1991 :

 

بيان من لجنة العمل الوطني المشترك :

يا أبناء شعبنا الثائر في العراق

يا أبناء جيشنا الأبي :إن وقفتكم الثائرة اليوم ضد نظام الطاغية صدام ، وانتفاضتكم الجماهيرية الظافرة التي بدأت من أجل إسقاط ، وقبر النظام المتآمر ضد الشعب ، ومبادئه ومُثله ، والذي أذل الجيش والشعب معاً ودمر ثرواته وممتلكاته ومؤسساته ، بمواقفه وقراراته الرعناء المتفردة ، غير الشرعية ، التي لا تعبر عن إرادة أية قوة من القوى السياسية الوطنية ، فضلا عن إقصائه لرأي الشعب كليا عن اتخاذ أي قرار سياسي طيلة فترة تسلطه على رقابنا ،ومقدراتنا . إن وقفتكم هذه هي الترجمة العملية لرأي الشعب بنظام صدام .

لقد تمادى هذا الطاغية في استهتاره بأرواحكم ، وهدم كل ما شيدتموه من منجزات حضارية وإنسانية . فحق لنا جميعاً أن نقول كلمة الفصل في هذا النظام الذليل ، الذي وقع على وثيقة الذل صراحة ، واستسلم بكامل كيانه لإرادة الأجانب ، والذي أستدرجهم لمحاربة شعبنا ، وتدمير وطننا .

يا أبناء شعبنا البطل :

إن ثورتكم الشعبية التي حركت أحاسيس كل شرائح الشعب ، وفصائله السياسية ، وهيجت عواطفه الوطنية والمبدئية ، فخر لكل شعبنا البطل ، وتوظيف عملي لمواقفه التاريخية الناصعة ، عبر كل مراحل المعانات والكفاح .وهي بحاجة الى تصعيد ، وإنماء وشمولية ، ومواصلة ، حتى تحقيق كامل الأهداف التي انطلقت من أجلها .

بوركت سواعدكم الفتية ، وبوركت مسيرتكم العظيمة ، وبوركت وحدتكم والتحامكم ، من أجل تفتيت القوة الزائفة التي تحصن بها حاكم بغداد ،فاصبروا وصابرا ،ورابطوا من أجل نيل الحرية والانعتاق ، والتحرر الكامل من نظام المجرمين الذين أحرقوا الحرث والنسل ، ودمروا البلاد والعباد والنصر لكم ، والله معكم ، والأمة من ورائكم ، وكل أحرار العالم معكم ، وهذا هو يوم الأمل والنصر ، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم .                  4/3/ 1991    

                                            لجنة العمل المشترك لقوى المعارضة العراقية 

 

سادساً : مؤتمر بيروت لقوى المعارضة العراقية :

 

في الوقت الذي كانت قوى الانتفاضة تشتبك في معارك ضارية مع قوات الحرس الجمهوري الصدامي في أغلبية مدن العراق ، وتقدم الضحايا تلو الضحايا ، من أجل تحقيق حلم الشعب في إسقاط النظام الصدامي ، دعت لجنة العمل المشترك لقوى المعارضة العراقية الى عقد مؤتمر لها في بيروت ، في 11 آذار 1991 ، لمتابعة تطورات الانتفاضة ، وقد حضر المؤتمر بالإضافة الى ممثلي 17 حزباً ، المنظمين الى لجنة العمل المشترك ، كل من [المجلس العراقي الحر]  و[الوفاق الوطني العراقي ] و[الحركة الإسلامية في كردستان ] و[المجلس الأعلى لعشائر العراق ] وعدد من الشخصيات السياسية المستقلة ، من مختلف التيارات الفكرية والدينية ، وعدد من ممثلي النقابات .

كما حضر المؤتمر ممثلين عن الجمهورية اللبنانية ، والجمهورية العربية السورية ، وجمهورية إيران الإسلامية ، ودولة الكويت ، وممثلي حركات التحرر الوطني العربية ، وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية ، وممثلي الهيئات الدبلوماسية المعتمدين في بيروت ، والمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان ، إضافة الى مجموعة كبيرة من ممثلي وسائل الإعلام العربية والأجنبية .

واستمع المؤتمر الى التقرير الذي قدمته لجنة العمل المشترك ، عن الأوضاع الراهنة ، ومواقفها ونشاطاتها ، ثم استمعت الى كلمات الضيوف والمشاركين في المؤتمر ، والذين أجمعوا على دعم الانتفاضة الشعبية والدعوة الى توفير كل الإمكانيات والظروف المناسبة لتطويرها ، وتحقيق أهدافها.

وبعد إجراء مناقشات مستفيضة طيلة أيام 11 ، و12 ، و13 آذار ، حول مستلزمات دعم الانتفاضة وتطويرها ، خرج المؤتمر بالتوصيات التالية :

1 ـ يوصي المؤتمر بالعمل على تشكيل هيئة للإنقاذ الوطني ، ومعالجة الطوارئ التي تفرزها الانتفاضة .

2 ـ يوصي المؤتمر ببذل الجهود الضرورية ، من أجل تجميد عضوية الحكومة العراقية الحالية في الأمم المتحدة ، ووكالتها المتخصصة ، والجامعة العربية ، ومجموعة عدم الانحياز ، والمؤتمر الإسلامي ، استناداً الى خرق هذه الحكومة لميثاق الأمم المتحدة ، وقراراته ولوائحها المختلفة .

3 ـ يوصي المؤتمر بتشكيل اللجان اللازمة لدعم العمل الميداني للانتفاضة ، وتوفير متطلباته .

4 ـ يوصي المؤتمر بالسعي الحثيث للحصول على اعتراف عربي، واسلامي ، ودولي بالمعارضة العراقية كممثل للشعب العراقي ، الى أن يتم إسقاط النظام ، وإقامة حكومة انتقالية ائتلافية تلتزم بأجراء انتخابات حرة .

5 ـ نظراً للأهمية الاستثنائية التي يجسدها مؤتمر المعارضة العراقية ، وما توصل إليه في بيانه السياسي   يوصي المؤتمر بإرسال وفود الى مختلف دول العالم ، والمنظمات الدولية، ومؤسسات الرأي العام ، لإبلاغها بنتائج المؤتمر ، وطلب دعم الانتفاضة ، ولتسهيل عمل هذه الوفود ، وتوفير أفضل الفرص لنجاح هذا النشاط ، يوصي المؤتمر بضم الأخوة أعضاء المؤتمر القادمين من البلدان المختلفة ، الى وفد المعارضة ، عند زيارة البلدان التي يقيمون فيها ، والاستفادة من إمكانياتهم وتجاربهم .

6 ـ يوصي المؤتمر قوى المعارضة بتخصيص صندوق لدعم الانتفاضة ، ولجمع كل أشكال المساعدة المالية ، وفي المقدمة منها الدعم المالي من التجمعات العراقية في المهجر ، والمؤسسات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان ، ومن كل الداعمين لانتفاضة الشعب ، للخلاص من الدكتاتورية .

7 ـ يوصي المؤتمر بتشكيل لجنة لجمع المعلومات وتوضيحها ، حول انتهاك النظام الصدامي لحقوق الإنسان الأساسية ، ومصادرتها ، مثل الاعتقال الكيفي ، والمحاكمات الصورية ، والتعذيب ، والاختطاف والسجن والإعدامات الجماعية ، والعقاب الجماعي بحق الأحياء السكنية والمدن ، واستخدام الأسلحة الكيماوية ، وعمليات التهجير ، وحرق القرى ، وسياسة الأرض المحروقة ، ومصير المفقودين ، وجمع كل هذه المعلومات في وثيقة ، وتقديمها الى الهيئات الدولية المختلفة ، وفي المقدمة منها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ، حيث يوصي المؤتمر بإرسال وفد إليها للتحري والعمل على إطلاق سراح جميع المعتقلين والسجناء السياسيين ، والطلب من السلطات العراقية تزويدها بالمعلومات الكاملة عن كل السجناء ، وطبيعة الأحكام الصادرة بحقهم ، كما تنص عليه لوائح الأمم المتحدة حول الحقوق المدنية ، والسياسية المصادق عليها من قبل الحكومة العراقية ، والضغط عليها ، ومطالبتها بالكشف عن مصير المفقودين والمخطوفين .

8 ـ يوصي المؤتمر بتنظيم حملة عالمية واسعة ، لمنع النظام من قمع الانتفاضة الجماهيرية بالحديد والنار ، وخاصة منع استخدام الأسلحة الكيماوية ، ويطالب الأمم المتحدة اتخاذ القرار بإنزال العقوبات الرادعة إذا ما لجأ النظام الى ذلك .

  يوصي المؤتمر بتشكيل ممثليات ،ولجان للمعارضة العراقية من مختلف البلدان التي يقيم فيها العراقيون .

10 ـ أخذاً بنظر الاعتبار ، معانات شعبنا ، نتيجة الحرب المفروضة عليه من قبل النظام ، والنقص في المواد الغذائية والأدوية ، والخدمات المختلفة ، تعمل قوى المعارضة على تأمين المواد الغذائية والأدوية ، عبر حملات المساعدة ، ومطالبة هيئة الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدولية بإرسال لجنة منها لدراسة أوضاع الشعب المعيشية ومعالجة ومساعدة ضحايا الانتفاضة ، والاتصال بجميع الدول المجاورة للعراق لفتح حدودها ، وتسهيل وصول المعونات الغذائية والأدوية ، والمساعدة على بناء المؤسسات الخدماتية .

كما اصدر المؤتمر عدد من التوصيات المتعلقة بالأعلام ، بالتركيز على عراقية وشمولية الانتفاضة ، وفضح كل محاولات التشويه التي تستهدف إيجاد المبررات لإبقاء صدام حسين في السلطة ، عن طريق إثارة المخاوف من بديل المعارضة ، والعمل على تكثيف الجهود لدعم الانتفاضة ، بكل الوسائل الممكنة ، كإصدار النشرات الدورية ، ومد وسائل الأعلام بأخبار الانتفاضة ، وتنظيم المؤتمرات الصحفية ، وتعبئة كل الجهود الممكنة في هذا السبيل . (4)

ومن قراءة دقيقة لتوصيات المؤتمر نجد أن أهم واجب كان ملقى على عاتق المؤتمرين ، قد أهمل ،واقصد بذلك مسألة قيادة الانتفاضة ، فقد كان ينبغي على المؤتمرين التوجه الى المناطق المحررة ، وتشكيل قيادة ميدانية مشتركة ، سياسية وعسكرية للأخذ بزمام الأمور ، وقيادة الانتفاضة نحو النصر النهائي ، والتأكيد على أن تكون الشعارات المرفوعة محصورة بما اُتفق عليه من قبل المؤتمرين ، وبشكل خاص ، التأكيد على عراقية الانتفاضة ، ووحدة القوى الوطنية ، وإقامة البديل الديمقراطي التعددي ، وحكومة ائتلاف وطني ،تقوم بأجراء انتخابات حرة ونزيهة بأقرب وقت ممكن ، وإقامة علاقات حسن الجوار والتعاون مع كافة الدول المجاورة .

إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث ، وتُركت الانتفاضة دون قيادة كفوءة وقديرة ، تعوزها الخبرة السياسية والعسكرية ، وبقي المجال مفتوحاً لشعارات دينية وطائفية ضيقة ، فأساءت للانتفاضة ، أرعبت دول الجوار ، وجعلتها تنادي ببقاء نظام صدام ،بدلاً من قيام نظام شيعي طائفي ، اعتبرته الولايات المتحدة يشكل خطراً كبيراً على مصالحها ومصالح الغرب ، يتجاوز أخطار صدام ونظامه ،  فالولايات المتحدة لا يمكن أن ترتاح لقيام نظام من هذا النوع في العراق بأي حال من  الأحوال ، ولذلك فقد رأت بقاء النظام الصدامي ،بل وتقديم كل التسهيلات له لقمع الانتفاضة وإغراقها بالدم.

لم يكد النظام الصدامي يقمع الانتفاضة ، وينكل بكل من شارك فيها ، حتى خفت صوت قيادات المعارضة ، ودبت الخلافات فيما بينهم ، وانفرط عقدهم ، وتطورت الأمور الى حد المهاترات بين تلك القوى ، على صفحات الصحف التي يصدرونها ، وهكذا تلاشت الآمال التي كانت معقودة على لجنة العمل الوطني للمعارضة ، وقيام  جبهة وطنية عريضة تقود نضال الشعب لإسقاط النظام الصدامي . وعاد الجهاز القمعي للسلطة الصدامية يمارس أبشع الأساليب وحشية للانتقام من كل من يشك بأنه قد شارك ، أو ساند ، أو أيد الانتفاضة ، فكانت حملات الاعدامات تجري كل يوم لمئات الوطنيين الشرفاء ، تحت سمع وبصر القوات الأمريكية والحليفة ، ودون أن تبدي أي حراك على جرائم السلطة الصدامية .      

لقد أخطأت القوى السياسية المعارضة عندما علقت أمالها على إمكانية دعم الولايات المتحدة لانتفاضة الشعب العراقي ، وإسقاط صدام حسين ، ذلك أن للولايات المتحدة حساباتها الخاصة التي تصب في خانة مصالحها قبل كل شيء ، فلقد وجدت الولايات المتحدة أن بقاء صدام على رأس النظام ، واستمراره في حكم البلاد ، هو خير من يستطيع تنفيذ كل ما تطلبه ، وما تضعه من شروط  وقد سمحت له بالاحتفاظ بجانب كبير من قوات حرسه الجمهوري ، ليستطيع استخدامه في تثبيت حكمه ، وقمع انتفاضة الشعب .

كما أرادت الولايات المتحدة بقاء صدام على رأس السلطة في العراق ، لكي يبقى بعبعاً تهدد به دول الخليج لكي تكون لها ذريعة لبقاء قواتها وأساطيلها في المنطقة ، ولتدفع حكام تلك الدول لشراء الأسلحة ، خوفاً من تهديد النظام العراقي ، وبالإضافة الى كل ذلك ، فإن الولايات المتحدة دائمة التفكير بإيران ، وما تشكله من تهديد على مصالحها في الخليج ، ولذلك فقد وجدت في بقاء النظام الصدامي ،كعامل توازن مع إيران في هذه المنطقة الهامة للمصالح الأمريكية أمر ضروري ، فالولايات المتحدة لا تعير أي أهمية لمصالح الشعب العراقي ومصيره ، وجلّ همها حماية مصالحها النفطية في الخليج .

لقد كان على قوى المعارضة العراقية أن تركز جهودها على الشعب العراقي ، وعلى الشرفاء من أبناء الجيش لأحداث التغير في هيكلية النظام ، دون إهمال الجانب الدولي والإقليمي ، الذي له دوره بالتأكيد ، ولكن يبقى الشعب العراقي هو العامل الحاسم والرئيسي لأحداث التغير المنشود .

 

سابعاً : قرار مجلس الأمن رقم 688 :

 

بعد المجازر التي اقترفها النظام الصدامي الفاشي خلال وبعد قمع الانتفاضة الشعبية ، حيث قتل ما يزيد على 300 ألف مواطن على أيدي قوات الحرس الجمهوري ، والأجهزة الأمنية للنظام ،وتشرد اكثر من مليوني كردي تاركين مدنهم وقراهم ، هرباً من بطش النظام ، ومن باب الإحراج أمام الرأي العام العالمي ، قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار الى مجلس الأمن ، الذي جرت المصادقة عليه تحت رقم 688 في 5 نيسان 1991 ، والمتعلق بحقوق الإنسان في العراق وما تعرضت ، وتتعرض له على أيدي الطغمة الصدامية الفاشية ، ومن الجدير بالذكر أن القرار المذكور لم يصدر بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، على عكس القرارات السابقة ، ولذلك فلم تكن للقرار صفة إلزامية تجبر النظام على تنفيذه ،وبقي هذا القرار حبراً على ورق وفيما يلي نص القرار :

 

قرار رقم 688 ـ في 5 نيسان 1991 :

مجلس الأمن :

مشيراً الى الفقرة السابعة من المادة الثالثة من ميثاق الأمم المتحدة ، واضعاً نصب عينيه ، واجباته ومسؤولياته المنصوص عليها في الميثاق ، وبقلق شديد ، بسبب عمليات القمع التي تستهدف لها السكان المدنيون في أنحاء كثيرة من العراق ، وقد شمل في الآونة الأخيرة المناطق الكردية المأهولة ، الأمر الذي أدى الى اندفاع جموع غفيرة من اللاجئين نحو الحدود الدولية ، وعبورهم ، مما نجم عنه غارات عبر الحدود قد تهدد السلام والأمن الدوليين في المنطقة .

وبإحساس عظيم منه بالأسي لما يعانيه الإنسان هناك من أهوال ، وبعد تأمل بالتقريرين الذين رفعهما ممثلا تركيا وفرنسا لدى الأمم المتحدة في 3، و4  نيسان 1991 ، برقم 22435 / س، ورقم 22445 / س ، وكذلك التقريران اللذان رفعهما الممثل الدائم لجمهورية إيران الإسلامية الى الأمم المتحدة بتاريخ 3 ، و4 نيسان 1991 ، وقد سجلتا برقم 22436 / س ، و22447  / س . معيداً تأكيده بالتزام الدول الأعضاء كافة بأمنها وسلامتها ، واستقلالها السياسي ، واضعا نصب عينيه تقرير السكرتير العام المرقم 22366 / س ، والمؤرخ في 30 آذار 1991 ، يقرر :

1ـ يدين مجلس الأمن عمليات القمع التي يعانيها السكان المدنيون العراقيون في أنحاء كثيرة من البلاد ، وقد شمل في الأيام الأخيرة المناطق الكردية المأهولة ، وإن ذلك يؤدي الى تهديد الأمن والسلام الدوليين في المنطقة .

2 ـ  يطلب بأن يقوم العراق على الفور ، كإسهام منه في إزالة الخطر الذي يتهدد السلم والأمن الدوليين في المنطقة ، بوقف هذا القمع ، ويعرب عن الأمل في السياق نفسه في إقامة حوار مفتوح لكفالة احترام حقوق الإنسان ، والحقوق السياسية لجميع المواطنين العراقيين .

3 ـ يصر على أن يسمح العراق بوصول المنظمات الإنسانية الدولية على الفور الى جميع من يحتاجون المساعدة في جميع أنحاء العراق ، ويوفر جميع التسهيلات اللازمة لعملياتها .

4 ـ يطلب الى الأمين العام أن يواصل بذل جهوده الإنسانية في العراق ، وان يقدم على الفور ، وإذا اقتضى الأمر على أساس أيفاد بعثة أخرى الى المنطقة ، تقريراً عن محنة السكان المدنيين العراقيين ، وخاصة السكان الأكراد ، الذين يعانون من جميع أشكال القمع الذي تمارسه السلطة العراقية .

5 ـ يطلب كذلك الى الأمين العام أن يستخدم جميع الموارد الموجودة تحت تصرفه ، بما فيها موارد وكالات الأمم المتحدة ذات الصلة ، للقيام على نحو عاجل بتلبية الاحتياجات الملحة للاجئين ، وللسكان العراقيين المشردين

6 ـ يناشد جميع الدول الأعضاء ، وجميع المنظمات الإنسانية أن تسهم في جهود الإغاثة الإنسانية .

 7 ـ يطالب العراق بأن يتعاون مع الأمين العام من أحل تحقيق هذه الغايات .

8 ـ يقرر إبقاء المسالة قيد النظر .  (5)                                         

                                                                                                         مجلس الأمن

وبقراءة متأنية لبنود هذا القرار ، نجد انه قد ركز أغلبه على المنطقة الكردية ، بينما

مرّ مرور الكرام على معانات المناطق الجنوبية والوسطى من العراق ، من أساليب القمع الوحشية التي تعرض لها السكان ، أبان الانتفاضة وبعدها ، وخاصة الشيعة منهم . ولم تحاول الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين فرض تنفيذ هذا القرار ، كما فرضوا على النظام العراقي تنفيذ القرارات السابقة ، التي تهم مصالحهم في المنطقة ،

 

فمصلحة الشعب العراقي ليست في قائمة مصالحهم واهتماماتهم ، ولذلك فقد بقيت بنود هذا القرار حبراً على ورق ، شأنها شأن القرارات التي أصدرها مجلس الأمن لسنوات عديدة ضد إسرائيل ، ولم تنفذ منها شيئاً ، وكل الذي فعلته الولايات المتحدة ، هو إصدار قرارين يحدد الأول المنطقة الواقعة شمال الخط 32 من منطقة كردستان ، منطقة آمنة ، تحميها طائراتهم المرابطة في تركيا ، والمسماة  [ كومفورت بروفايد ] ومنعت الجيش العراقي من دخولها ، وبذلك تسنى للمواطنين الأكراد الحصول على الأمان في كردستان ، وكان رد فعل صدام حسين على ذلك أن سحب الموظفين والأجهزة الإدارية ، وأساتذة الجامعة من المنطقة ، وقطع الطاقة الكهربائية عن محافظة دهوك ، وفرض على منطقة كردستان حصاراً داخلياً

وقد جاء رد الفعل الكردي بأجراء انتخابات لمجلس وطني في كردستان ، وتشكيل حكومة كردية،  وأصبحت كردستان مركزاً لتجمع قوى المعارضة العراقية ، وللمطاردين من قبل النظام .

أما القرار الثاني ، والذي يخص سكان الجنوب ، الشيعة ، بمنع طائرات سلاح الجو العراقي ـ عدى الطائرات المروحية ـ من الطيران فوق المنطقة الممتدة جنوب الخط 38 . ولاشك أن هذا القرار يخدم مصالح الولايات المتحدة من حيث الأساس ،  ولم يغير شيئاً من حملات القمع ضد الشيعة ، فصدام لا يحتاج لعملياته القمعية في الجنوب الى الطائرات الحربية ، فلديه ما يكفيه من قوات الحرس الجمهوري ، ومن الأسلحة الثقيلة ما يستطيع فيه قمع الشعب في هذه المنطقة من العراق ، وان الولايات المتحدة أرادت بهذا القرار أبعاد الطائرات العراقية عن منطقة الخليج ، وطمأنة حكام الكويت . 

ثامناً : القيادات الكردية تفاوض النظام الصدامي :

 

بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 688 ، في 5 نيسان 1991 ، وقرار الولايات المتحدة بإقامة منطقة حماية للأكراد في منطقة كردستان ، الواقعة شمال خط العرض 38 ، ورضوخ النظام الصدامي للقرار ، ظهرت دعوات بين صفوف القيادات الكردية تدعو للتفاوض مع النظام على أساس بيان 11 آذار 1970 ، بعد أن عجزت الانتفاضة عن تحقيق ما كان يصبو إليه الأكراد .

ورأى النظام العراقي أن يستغل هذه الدعوات في محاولة منه لإعادة سيطرته على كردستان ، فأرسل إشارات الى القيادات الكردية ، عن طريق برزان التكريتي ـ أخو صدام غير الشقيق ـ أعرب لهم فيها عن استعداد الحكومة للتفاوض مع القيادات الكردية .وجاء الرد من القيادات الكردية على دعوة برزان التكريتي سريعاً ، بالموافقة على أجراء المفاوضات ، دون الرجوع الى لجنة العمل الوطني المشترك للمعارضة العراقية !!، وتخفّض بعض القوى المنضوية تحت لواء الجبهة الكردستانية .

وفي 12نيسان 1991 توجه وفد كردي من الحزب الديمقراطي الكردستاني ، والاتحاد الوطني الكردستاني ، على مستوى أعضاء اللجنة المركزية إلى بغداد ، وأجرى مباحثات مطولة حول مستقبل منطقة كردستان ، ومسألة تطبيق الحكم الذاتي الحقيقي . واعتبر ذلك الاجتماع تمهيداً لاجتماع جديد ، على أعلى مستوى لبحث كافة الأمور المتعلقة بتطبيق اتفاقية 11 آذار 1975 ، وطلبت الحكومة حضور كل من السيد مسعود البارزاني ،والسيد جلال الطالباني الى بغداد .

وبعد أسبوع توجه الى بغداد وفد برئاسة جلال الطالباني ، الذي التقى بصدام حسين وتبادل الاثنان القبلات أمام عدسات التلفزيون !!، وطلب صدام من القيادات الكردية أن تقدم مشروعا مفصلاً وكاملاً ودقيقاً يتضمن مطالبها .

وعاد جلال الطالباني الى كردستان ، وتم عقد اجتماع لكافة القيادات الكردية لتدارس نتائج اللقاء الذي تم بين صدام حسين وجلال الطالباني ، ووضع مشروع جديد حول إقامة حكم ذاتي حقيقي لمنطقة كردستان وتضمن المشروع البنود : (7)

أولاً : يتم تطبيق الحكم الذاتي الذي نص عليه اتفاق 11 آذار 1970، مع ضم محافظة كركوك لمنطقة الحكم الذاتي .

ثانياً : إطلاق سراح السجناء السياسيين في جميع السجون العراقية كافة .

ثالثاً :تسهيل عودة جميع اللاجئين الأكراد ، بالتعاون مع الأمم المتحدة ، ومنظمات غوث اللاجئين رابعاً : اعتماد التعددية السياسية والديمقراطية في العراق ، وأجراء انتخابات حرة ونزيهة لانتخاب مجلس تأسيسي ، ووضع دستور دائم للبلاد .

خامساً : ينبغي أن يتم ضمان الاتفاق بواسطة أطراف دولية ، عبر الأمم المتحدة ، ويمكن أن تشمل هذه الضمانات مشاركة طرف ثالث في المفاوضات وتوجه بعد ذلك وفد كردي عالي المستوى ، وضم كل من السادة :

1 ـ جلال الطالباني ـ زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني .

2 ـ سامي عبد الرحمن ـ سكرتير عام حزب الشعب الديمقراطي الكردستاني .

3 ـ رسول مامند ـ سكرتير عام الحزب الاشتراكي الكردستاني .

4 ـ نتشيرفان ادريس البارزاني ـ نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني .

5 ـ عمر فتاح ـ قائد الجناح العسكري للحزب الديمقراطي الكردستاني .

6 ـ فاضل مصطفى ـ عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني .

7 ـ عمر عثمان ـ عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني .

8 ـ فريدون عبد القادر ـ عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني .

أما الوفد العراقي فقد تالف من كل من :

1 ـ صدام حسين ـ وقد شارك في اجتماع يومي 21، 22 نيسان .

2 ـ عزت إبراهيم الدوري ـ نائب رئيس مجلس قيادة الثورة .

3 ـ طه ياسين رمضان ـ نائب رئيس الجمهورية .

4 ـ سعدون حمادي ـ رئيس الوزراء .

5 ـ حسين كامل حسن المجيد ـ وزير الدفاع .

6 ـ علي حسن المجيد ـ وزير الداخلية .

وقد جرت مباحثات بين الوفدين حول المشروع المقدم من الطرف الكردي ، مساء يوم 21 نيسان بحضور صدام حسين ، الذي تحدث في الاجتماع عن أهمية الروابط الوثيقة بين القوميتين العربية والكردية ، واعترف صدام بأنه أخطأ في سياسته تجاه الأكراد ، وأعلن عن التزامه بأجراء انتخابات عامة ، والمحافظة على التعددية السياسية ، وحرية الصحافة ، لكنه رفض القبول بمطالب القيادات الكردية حول ضم محافظة كركوك الى منطقة الحكم الذاتي ، والبند الخامس ، المتعلق بالضمانات الدولية  .

عاد الوفد الكردي بعد نهاية المحادثات الى كردستان للتشاور ، ثم عاد بعد أيام الى بغداد مرة أخرى لمناقشة المسائل المختلف عليها مع الحكومة ، ولكن تلك المحاولات باءت بالفشل ، وعاد الوفد الكردي الى كردستان . وقد بدى واضحاً أن هناك العديد من نقاط الخلاف بين الطرفين وكان أبرزها : (8)

 

 

1ويمكن أن تشمل هذه الضمانات مشاركة طرف ثالث في المفاوضات  ـ الخلاف حول تحديد مناطق الحكم الذاتي ، فقد رفض النظام رفضاً قاطعاً ضم محافظة كركوك الى منطقة الحكم الذاتي .

2 ـ إصرار النظام على عودة أجهزة الأمن والاستخبارات الى كردستان ، ومعاودة نشاطها من جديد ، وقد رفض الجانب الكردي ذلك .

3 ـ إصرار النظام على عدم السماح بالنشاط السياسي في صفوف الجيش لغير حزب البعث ، وقد قدم الجانب الكردي اقتراحاً بأبعاد الجيش عن الحزبية ، إلا أن النظام العراقي رفض الاقتراح .

4 ـ الخلاف حول مسالة الديمقراطية والحريات العامة ، فقد طالب الوفد الكردي بإطلاق حرية الأحزاب السياسية ، وحرية الصحافة ، وأجراء انتخابات حرة ونزيه لانتخاب مجلس تأسيسي يقوم بوضع دستور دائم للبلاد ، وتشكيل محكمة دستورية عليا ، وإشاعة الديمقراطية في البلاد . وكان النظام العراقي يراوغ حول هذا الموضوع ، ويحاول إقامة مؤسسات صورية خاضعة لأشرافه ونفوذه ولم يكن جاداً في تحقيق الديمقراطية في البلاد .

وإثر فشل المحادثات بين الطرفين ، بدأ النظام بممارسة الضغوط على كردستان من جديد ، حيث فرض حصاراً اقتصادياً عليها ، وسحب الإدارة المدنية والموظفين وقطع الرواتب عن الموظفين والعمال الأكراد ، وقطع الطاقة الكهربائية عن محافظة دهوك ، وقطع جميع الاتصالات مع منطقة كردستان .

لقد كان واضحاً منذُ البداية أن المفاوضات لا يمكن أن تنجح مع نظام معادٍ للشعب ، أوغل في جرائمه بحق الشعب العراقي ، عرباً وأكراداً ،على حد سواء ، وهو إن توصل مع الوفد الكردي الى أي اتفاق ، فلن يكون إلا اتفاقاً مرحلياً اضطرته ظروفه الصعبة الى قبوله ، وعندما تتحسن ظروفه يسارع للتنصل من الاتفاق ، ويبدأ بالتنكيل من جديد بالشعب الكردي ، فنظام من هذا النوع لا يمكن أن يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان .

 

تاسعاً:القيادات الكردية تدعو لجنة العمل المشترك لعقد مؤتمر في شقلاوة

 

بعد أن فشلت المحادثات مع النظام الصدامي عادت القيادات الكردية الى أحياء التعاون المشترك مع لجنة العمل الوطني للمعارضة العراقية ، حيث وجه مسعود البارزاني ،وجلال الطالباني رسالة الى قيادة لجنة العمل الوطني المشترك داعياً إياهم إلى عقد مؤتمر وطني في مصيف شقلاوة بكردستان ، لغرض مناقشة كل جوانب القضية العراقية ، بما في ذلك المفاوضات التي أجرتها القيادة الكردية مع النظام الصدامي ، وقد أكدت قيادة الجبهة الكردستانية أنها بصدد أجراء مناقشة نقدية ، بعد أن وصلت المفاوضات مع النظام الصدامي الى طريق مسدود ، والإجراءات التي اتخذها النظام ضد الشعب الكردي ، واعترفت القيادة الكردية بأن المفاوضات قد أضرّت بالقضية الكردية وبالتحالف الوطني للمعارضة العراقية التي أصيبت بالتصدع مؤكدين العودة الى الطريق الصحيح في التعامل مع النظام العراقي . كما أكدت على أن صدام قد تعمد خداع القيادة الكردية ، وانه غير جاد في مفاوضاته معها  .

تلقت الأمانة العامة للجنة العمل الوطني المشترك رسالة البارزاني ،والطالباني ،ووعدت بدراستها والرد عليها ، وأكدت أيمانها بضرورة مواصلة العمل المشترك لكل فصائل المعارضة العراقية ، وعدم السماح للخلافات التي ظهرت أثناء المفاوضات التي جرت بين القيادات الكردية والنظام الصدامي أن تؤثر على التحالف الوطني . وتقرر أن تعقد الأمانة العامة للجنة العمل المشترك ، اجتماعاً طارئاً لمناقشة الموقف الحالي ، ووضع التزام محدد لكافة فصائل المعارضة ، تتعهد بالعمل به ، حرصاً على وحدة الصف الوطني ، ومن أجل قهر الدكتاتورية ، وإقامة البديل الديمقراطي التعددي ، الضمانة  الأكيدة لحقوق الشعب الكردي .

 

عاشراً :انتخاب برلمان ،وتأليف حكومة لمنطقة كردستان :

 

رداً على فشل المفاوضات مع النظام الصدامي ، وإقدامه على سحب الإدارة المدنية ، قررت القيادة الكردية إجراء انتخابات عامة في كردستان في عام 1992 ، وانتخاب مجلس للنواب ، وتأليف حكومة تقوم بإدارة شؤون كردستان ، لكن الذي جرى هو اقتسام السلطة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني ، والاتحاد الوطني الكردستاني ،في حين كان من المؤمل أن تشارك في السلطة جميع الأحزاب الكردستانية ،لكي تعطي هذه التجربة حقاً نموذجاً صادقاً للديمقراطية التي يصبو إليها الشعب الكردي ، بوجه خاص ، والشعب العراقي بوجه عام . لكن الحزبين المذكورين آثرا الاستئثار بالسلطة لوحدهما ، متجاهلين بقية الأحزاب السياسية المشاركة في الجبهة الكردستانية . وبعد إقامة البرلمان وتأليف الحكومة ، بدأت القيادة الكردية ، المتمثلة بالحزبين المذكورين بتطوير تطلعاتها ،  وشعاراتها الخاصة بالحكم الذاتي ، الى الفدرالية ، حيث دعت القيادة الى ذلك ، في مؤتمر صلاح الدين ، وقد شجعهم على ذلك تبني مؤتمر فيينا للمعارضة العراقية لحق تقرير المصير للشعب الكردي  في إطار الوحدة العراقية . مما أثار حفيضة الأحزاب القومية العربية ، وجميع دول الجوار ، وخاصة سوريا وإيران وتركيا ،التي اعتبرتها خطوة نحو الانفصال ، وتأسيس دولة كردية ، وكانت تخشى أن بأن يحفز الأكراد في تلك الدول التي تضم الجانب الأكبر من الشعب الكردي ، والذي يعاني من الحرمان التام لحقوقه القومية في إيران وتركيا ، للمطالبة بحقوقهم القومية أسوة بما جرى في العراق .

أما الولايات المتحدة فقد أرادت بهذه الخطوة أن تشكل عامل ضغط شديد على النظام الصدامي ، من أجل تنفيذ كل ما تطلبه الولايات المتحدة منه ،ولتنشر عملاء مخابراتها ، ومخابرات إسرائيل في ربوع كردستان .

ورغم أن الحزب الديمقراطي الكردستاني ، والاتحاد الوطني الكردستاني قد اقتسما السلطة فيما بينهما، إلا أن الصراع  من أجل الهيمنة المطلقة كان بادياً  للعيان ، وأخذ الصراع يتطور يوماً بعد يوم حتى وصل الى مرحلة الصراع المسلح ، والحرب الأهلية الدموية كما سنرى فيما بعد .

 

 أحد عشر: انسحاب القوات الأمريكية والحليفة من العراق :

 

بعد أن أستتب الأمر للنظام الصدامي ، وتم قمع الانتفاضة الشعبية بتلك الصورة الوحشية ، بدأ صدام يركز جهوده لترميم نظامه ، وتثبيت حكمه ، وإعادة تنظيم جيشه ، بعد كل الذي حدث إبان الانتفاضة ، وانضمام أعداد كبيرة من الجنود والضباط الى صفوف الانتفاضة ، حيث جرى تصفية كل العناصر المشكوك في ولائها للنظام .

كانت القوات الحليفة تراقب بحذر واهتمام ، عودة الأمور الى حالها قبل قيام الانتفاضة ، وبعد أن تأكد لها إمساك صدام حسين بزمام الأمر من جديد ، بادرت في 7 أيار 1991 الى الانسحاب من الأراضي العراقية التي احتلتها في جنوب العراق ، تاركة لصدام قوة عسكرية كبيرة من حرسه الجمهوري ، معززين بمختلف أنواع الأسلحة ، لكي يستطيع الحفاظ على نظامه ، أمام الإخطار المحدقة به ، سواء من جانب الشعب العراقي ، أو من جانب إيران التي خاض صدام حسين ضدها حرباً دامية استمرت 8 سنوات ، وخلفت وراءها ما خلفت من العداء والكراهية . فالولايات المتحدة تخشى أن يصبح العراق لقمة سائغة لحكام طهران ، كما خشيت من قبل أن تصبح إيران لقمة سائغة لنظام صدام إبان حرب الخليج الأولى ، لكي لا يصبح النفط العراقي أو الإيراني تحت سيطرة أحد النظامين ، بما يملكان من إنتاج هائل ، حيث تمثل إيران ثاني دولة منتجة في منطقة الخليج  ويأتي العراق في المرتبة الثالثة ، هذا بالإضافة الى ما يملكه البلدان من خزين احتياطي هائل في أعماق الأرض .

إن كل ما قاله الجنرال الأمريكي [ شواردزكوف ] حول تحطيم الجيش العراقي تماماً ، وقدر ما تبقى من ذلك الجيش بأنه لا يعدو أن يكون أكثر من فرقتين أو ثلاث ، كان غير صحيح ، فقد تبين بعد نهاية الحرب أن ما يزيد على 20 فرقة ، أغلبها من قوات الحرس الجمهوري الموالية للنظام الصدامي  قد خرجت سالمة ، وقيل آنذاك أن الولايات المتحدة أرادت إبقاء هذه القوات العسكرية لصدام ، لكي تشعر حكام الخليج بأن النظام الصدامي لا يزال يشكل تهديداً لتلك الأنظمة ، لكي تبقى الذريعة للولايات المتحدة لبقاء قواتها وأساطيلها الحربية في المنطقة لأمد طويل ، ولكي تضغط على هذه الدول لشراء الأسلحة والمعدات الحربية ، وتستنزف مواردها الحربية في التسلح . كان حكام السعودية وبقية دول الخليج غير راضين على الصورة التي انتهت بها الحرب ، وبقاء صدام حسين ونظامه كسيف مسلط على رقابهم ، حتى أن ولي العهد الكويتي ، ورئيس الوزراء قال لوزير الدفاع الأمريكي  ديك تشيني [ إنكم قد قطعتم ذيل الأفعي ،ولكن الأفعى لن تموت بقطع ذيلها ، وإنما بقطع رأسها ] .

وهكذا بقي النظام الصدامي كابوساً يؤرق نوم حكام الكويت ، فهم لا يمكن أن يشعروا بالراحة مع وجود صدام على رأس النظام في العراق ، إلا أن ما تريده الولايات المتحدة ليس بالضبط ما يريده حكام الكويت ، فمصلحة الولايات المتحدة فوق كل اعتبار .

 

اثنا عشر : تصفية أسلحة الدمار الشامل العراقية :

 

وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها باستسلام كامل للنظام الصدامي لكل الشروط التي فرضها الرئيس الأمريكي جورج بوش  ، وتحققت أهداف الولايات المتحدة في تحرير الكويت ،وعودة أسرة الصباح الى الحكم من جديد ،  وتدمير البنية التحتية للاقتصاد العراقي ، وتهديم بنيته الاجتماعية ، والتفت الولايات المتحدة الى الهدف الأهم للاستراتيجية الأمريكية ، والمتمثل بنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية ، وفرض نوع صارم من الأشراف على مصانع الأسلحة ، لمنع النظام العراقي من تهديد منطقة الخليج مرة أخرى .

 ففي 3 نيسان 1991 ، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 687، والذي طلب من النظام العراقي في الفقرة ج منه ، التزام النظام العراقي دون قيد أو شرط ببروتوكول جنيف لحظر الاستعمال الحربي للغازات السامة والخانقة ،  وما شابهها ، ولوسائل الحرب البكتريولوجية ،وأن يصدّق على قرار حظر واستحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية والصاروخية، وتدمير تلك الأسلحة .كما طلب القرار أن يقبل العراق ، دون أي شرط القيام تحت إشراف دولي بتدمير ما يلي :

1 ـ جميع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ، وجميع محزونات العوامل الكيماوية ، وما يتصل بها من منظومات فرعية ومكونات ، وجميع مرافق البحث والتطوير والدعم والتصنيع .

2 ـ جميع القذائف الصاروخية التي يزيد مداها عن 150 كم ، والقطع الرئيسية المتصلة بها ، ومرافق إصلاحها وإنتاجها .

كما طلب القرار في بنده التاسع من العراق أن يقدم الى الأمين العام للأمم المتحدة في غضون 15 يوماً من تاريخ القرار بيانا بمواقع وكميات وأنواع جميع المواد المحددة ، ويوافق على إجراء تفتيش عاجل في المواقع .وتدمير جميع هذه الأسلحة ووسائل إنتاجها تحت الرقابة الدولية ، وأن يتحمل العراق كافة تكاليف تدميرها ، ومصاريف فرق التفتيش ، وأن يتعهد العراق بعدم إنتاج مثل هذه الأسلحة وتخزينها مستقبلاً.

 وتنفيذاً للقرار المذكور ، قدم النظام العراقي معلومات عن خمسة مواقع كانت قد دُمرت إثناء الحرب ، وكانت مخصصة لإنتاج غازات [لخردل ، والنارين ، والتابون ]، وأربعة مصانع لإنتاج المواد الوسطية ، ومصنع لملئ قذائف المدفعية والصواريخ بالعتاد الكيماوي والغازات السامة ، مع محزونات من غاز السارين قدرت بحوالي250  طناً ، وغاز التابون بمقدار 500 طن ، وغاز الخردل  بمقدار 280 طناً ، كما قدم النظام العراقي معلوماته عن الصواريخ والقنابل الموجودة بحوزته ، والتي شملت ما يلي:

1 ـ  336 قنبلة من الغاز المزدوج .

2 ـ 140 قنبلة طائرات عيار 250 ملم تحتوي على غاز الخردل .

3 ـ 105 قنبلة مدفعية عيار 155 ملم ، تحتوي غاز الخردل .

4 ـ 201 صاروخ من نوع الحسين والوليد وسكود .

لم تقتنع الولايات المتحدة بما قدمه النظام العراقي من معلومات ، وأسرعت الى تقديم تحذير شديد لحكام بغداد ، طالبة منهم تقديم كامل المعلومات التي بحوزته عن تلك الأسلحة ، وهددت بالقيام بقصف العراق مرة آخرى ، إذا لم تتمكن بعثات التفتيش التي سترسلها من الوصول الى أي مكان تريد تفتيشه .

وفي حقيقة الحال فإن الترسانة التي يمتلكها النظام الصدامي من الأسلحة الخطيرة ذات الدمار الشامل  كانت اكثر بكثير مما تصوره العالم ، وحاول النظام إخفاء ما بحوزته بكل الوسائل والسبل .

بدأت فرق التفتيش الدولية تتوافد على العراق ، فقد وصلت في 14 أيار 1991 تول بعثة تضم 60 خبيراً ، وقد خولها مجلس الأمن بتدمير الأسلحة العراقية خلال 45 يوماً .

وفي 22 حزيران من نفس العام ، وصلت البعثة الثانية وكانت تضم 16 خبيراً ، ولحق بها فريق ثالث في 3 تموز 1991 وانضم الى الفريق السابق .وقامت فرق التفتيش بتدمير الأسلحة والمصانع الحربية التالية :

1ـ 137صاروخاً بعيد المدى .

2 ـ 19 قاذفة صواريخ متحركة .

3 ـ 60 قاذفة صواريخ ثابتة .

4 ـ 150 ماكنة صناعية .

5 ـ تدمير 15 مبنى ومنشأة تابعة لسلاح الصواريخ .

6 ـ 30 رأس صاروخ حربي لحمل الأسلحة الكيماوية .

7 ـ 3000 قنبلة كيماوية جوية .

8 ـ   36000   صاروخ كيماوي مضاد .

9 ـ  10000 عتاد مدفعية كيماوية .

10 ـ 500 ماكنة لصنع الأسلحة الكيماوية .

أما في المجال النووي فقد تم تدمير ما يلي :

1 ـ تدمير 450 ماكنة صناعية ذات استخدام مزدوج .

2 ـ 4000 طن منتجات صناعية .

3 ـ 1500 طن من الحديد المارتيزي .

4 ـ تدمير ما مساحته 50000متر مربع من المباني .

5 ـ نقل 208 كاسيت من الوقود النووي المخصب الى روسيا.

6 ـ تدمير جميع مواقع ومنشآت السلاح البيولوجي . (9)

لقد حاول النظام العراقي بكل جهده إخفاء كل ما أمكن من أسراره النووية ، وكان في ذهن بعثة التفتيش البحث عن كمية من اليورانيوم المخصب ، قدرت ما بين 20 الى 30 كيلو غرام ، كان العراق قد استطاع إنقاذها عندما قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف المفاعل النووي العراقي عام 1981 أبان الحرب العراقية الإيرانية .

واستطاعت الولايات المتحدة الحصول على معلومات خطيرة عن البرنامج النووي العراقي ، من أحد المهندسين العراقيين العاملين في هذا المجال ، والذي لجأ الى الولايات المتحدة ، حيث أبلغ المسؤولين الأمريكيين بوجود وثائق هامة خبأها النظام العراقي في وزارة العمل .سارعت الولايات المتحدة الى إرسال بعثة جديدة الى العراق ، وأحيطت البعثة علماُ بالمعلومات التي قدمها المهندس العراقي . وصلت البعثة الى بغداد ، وانتقلت بصورة مباشرة الى بناية وزارة العمل طالبة تفتيشها ، حيث تم لها ذلك ، رغم اعتراض النظام العراقي ، وقد تم العثور على أضابير تحتوي على معلومات واسعة حول البرامج النووي العراقي ، وأسماء العاملين فيه .

حاولت السلطات العراقية منع فرقة التفتيش من إخراج تلك الأضابير ، أصرت البعثة على أخذها واضطر النظام العراقي على الرضوخ في نهاية الأمر وتمكنت بعثة التفتيش  من أخذها .

واستمرت فرق التفتيش تتابع وصولها الى العراق منذُ 14 أيار 1991 وحتى يومنا هذا ،ونحن في العام 1997، وهي مخولة بالتفتيش في أي مكان تريده ، وفي جميع أنحاء العراق ، وفي كل زيارة كانت فرق التفتيش تكتشف أموراً جديدة حول أسلحة الدمار الشامل العراقية ، وخاصة منها الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ، والصواريخ ، وهذا ما أعطى الذريعة للولايات المتحدة للإصرار على بقاء الحصار الاقتصادي على العراق ، المفروض منذُ 2 آب 1990 وحتى يومنا هذا ، دون إعارة أي اهتمام لمعانات الشعب العراقي الذي بات يفتقد الغذاء والدواء ، ويتعرض الألوف من أبنائه ، وخاصة الأطفال منهم للموت ، فقد اعترفت منظمة الغذاء الدولية أن ما يزيد على 4600 طفل يموتون كل شهر بسبب فقدان الأدوية والغذاء . وهكذا استمرت الحرب ضد الشعب العراقي  بأبشع صورها وأشكالها [ حرب التجويع والموت البطيء ] المفروضة عليه ، دون حكامه . لقد وقع الشعب المنكوب بكماشة ذراعاها النظام الصدامي ، وقوى الإمبريالية الطامعة بثروات العراق وبلدان الخليج . 

 

التوثيق

 

1- المعارضة العراقية والصراع لإسقاط صدام ـ إبراهيم نوار ـ ص 89

  (2)نفس المصدر السابق ـ ص 100 .

(2) المصدر السابق ـ ص 339 .

   (4)المصدر السابق ـ ص 123 .

 (5)بانوراما حرب الخليج ـ عبد الحسين شعبان ـ ص 100 .

   (6) المعارضة العراقية ، والصراع لإسقاط صدام ـ أبراهيم نوار ـ ص 339

   (7) المصدر السابق ـ  ص 147   .

   (8) المصدر السابق ـ ص 178 .

   (9) أوهام القوة والنصر ـ محمد حسنين هيكل .ـ ص 582