Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review

ألفصل ألثاني

 

 

 

                         

فجر الثورة

 

أولاً : الأعداد للثورة .

  ثانياً : ساعة الصفر.

 ثالثاً :البيان الأول للثورة .

 رابعاً :مهاجمة قصر الرحاب ، ومقتل العائلة المالكة .

 خامساً :الثورة تواصل تثبيت أقدامها .

سادساً : الثورة ورد الفعل العربي والدولي .

سابعاً : البيانات والمراسيم الصادرة في اليوم الأول للثورة .

ثامناً : صدور الدستور المؤقت .

تاسعاً : مراسيم أخرى تصدرها قيادة الثورة .

 

 

*******

 أولاً: الإعداد للثورة

 

إثر قيام الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958 ،قررت حكومة نوري السعيد ،بإيعاز من سادة حلف بغداد ،إرسال قوات عراقية إضافية إلى الأردن ،حيثُ سبق وأن أرسلت رتل الهادي من قبل  بغية التهيئة والأعداد للعدوان على سوريا ، وفك الوحدة ،ومن ثم التقدم نحو لبنان لتقديم الدعم والإسناد لرئيس الجمهورية اللبنانية  [كميل شمعون ]،ولقمع الثورة التي أشتعل لهيبها آنذاك .(1)   وقع الخيار على اللواء التاسع عشر الذي يقوده الزعيم الركن [ عبد الكريم قاسم ]،واللواء العشرين الذي يقوده الزعيم الركن [احمد حقي ] وهو لا يرتبط بأي علاقة بالضباط الأحرار  . كان اللواء العشرين يضم ثلاثة أفواج ،يقود الفوج الأول فيه العقيد الركن [عبد اللطيف الدراجي ]،فيما يقود الفوج الثالث  العقيد الركن [ عبد السلام عارف ]، أما الفوج الثاني فكان بقيادة العقيد الركن [يسين محمد رؤوف ]،وهو من غير المنتمين لحركة الضباط الأحرار .

صدرت الأوامر بتحرك القوات المذكورة في 3 تموز 958 من جلولاء نحو الأردن ، لكن التحرك أرجئ لمدة عشرة أيام بسبب بعض النواقص التي كانت تعيق حركتها، وتقرر أن تتحرك ليلة13/ 14 تموز 958 .

   وهكذا جاءت الفرصة المناسبة للثورة ،ولاسيما وأن عبد الإله ونوري السعيد ،اللذان كانا قد غادرا العراق ، عادا الى بغداد في 12تموز ،وكان من المقرر سفرهما مع الملك فيصل الثاني صباح   ذلك اليوم المقرر الثورة إلى تركيا ،لحضور اجتماع قمة حلف بغداد .

 وعليه عقدت القيادة العليا لحركة الضباط الأحرار اجتماعاً لدراسة التحرك ،وتم ّالاتفاق على أن يقوم اللواء العشرين بتنفيذ الثورة أثناء مروره في بغداد ،في طريقه إلى الأردن ، فيما يقوم اللواء التاسع عشر بحماية مؤخرة اللواء العشرين ،من جهة ،والتوجه نحو بعقوبة للسيطرة على مقر قيادة الفرقة الثالثة ، واعتقال قائدها اللواء الركن [غازي الدغستاني ] أحد كبّار الضباط المعتمدين للنظام الملكي . هكذا إذاً حلت الفرصة التاريخية التي طال انتظارها ،وجرى على عجل التخطيط والتهيئة لمستلزمات السيطرة على بغداد ،وبقية المدن الأخرى ،وتعبئة القوى الثورية المنضوية تحت لواء اللجنة العليا للضباط الأحرار ،وجرى الاتصال برتل الهادي في الأردن ،في يوم 13تموز ،قبل  يوم واحد من قيام الثورة ،حيث قام الملازم [محمد حسن شلال ]بإبلاغ الرتل المذكور .  كان عدد الضباط الأحرار في الرتل   22ضابطاً، بقيادة المقدم الركن [عبد الكريم فرحان] حيث بادر الضباط المذكورون إلى عقد اجتماع لوضع خطة السيطرة على الرتل ،والخروج من الأردن والعودة إلى بغداد دون علم آمر الرتل ،الزعيم الركن [هادي علي رضا ]،لكي لا يُستخدم الرتل المذكور لإجهاض الثورة من جهة ، وليكون قوة دعمٍ وإسناد للثورة من جهة أخرى ،وهكذا جرى توزيع المهام وتهيأ الجميع للاستماع إلى دار الإذاعة ،.كما جرى الاتصال بقيادة اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني ،وتمّ إبلاغهم بموعد الثورة من أجل التهيؤ لإسنادها من قبل جماهير الشعب حال انطلاقها وبالفعل أصدر الحزب الشيوعي العراقي بياناً داخليا وزع بصورة محدودة على الكوادر العليا للحزب ،في 12تموز 58، يشير إلى قرب وقوع أحداث هامة ،ويعطي التوجيهات التالية :           

  توجيه عام :

 نظراً للظروف السياسية المتأزمة ، الداخلية والعربية ،ووجود احتمالات تطورها بين آونة وأخرى، وبغية ضمان وحدة النشاط السياسي لمنظماتنا الحزبية في الظروف الطارئة ،والمعقدة نرى من الضروري في الوقت الحاضر أن تكون شعاراتنا الأساسية:  الخروج من ميثاق بغداد ،وإلغاء الاتفاقية مع بريطانيا والوقوف ضد مبدأ أيزنهاور إطلاق الحريات الديمقراطية لجماهير الشعب [حرية التنظيم الحزبي والنقابي ،وحرية النشر والاجتماع ...الخ ]،وإعلان العفو العام عن المحكومين السياسيين ،وإطلاق سراحهم، وإلغاء المراسيم والقوانين اللادستورية ،التي تستهدف الحركة الوطنية واتخاذ التدابير الفعالة لحماية ثروتنا الوطنية واقتصادنا ،والعمل على حل المشاكل المعيشية لجماهير الشعب ، وقيام حكومة تنتهج سياسة وطنية عربية مستقلة ،تدعم نضال الشعب اللبناني وسائر الشعوب العربية،وتخدم السلم ،وتحول {الاتحاد العربي } الى اتحاد حقيقي بين الأردن والعراق ليضمن مصالح شعبنا ،ويخدم النضال ضد الاستعمار والصهيونية ،ومن أجل الوحدة العربية ، وإقامة اتحاد فيدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة . ونرى التأكيد على ما يلي : 1 ـ ضرورة تجنب إبراز شعارات مبهمة ،أو متطرفة ،أو تلك التي تمجد هذا الزعيم أو ذاك من قادة الحركة الوطنية ،على حساب طمس شعاراتنا الأساسية ،والتقليل من شأن نضال الجماهير الشعبية،والجبهة الوطنية .

2 ـ ضرورة إبداء اليقظة السياسية العالية تجاه مختلف المناورات والمؤامرات ،وتجاه نشاط عملاء الاستعمار ،والعمل بحزم وبأمانة تامة لسياسة الحزب ،واعتبار أن واجبنا الأساسي في كل الظروف ،هو تعبئة أوسع الجماهير الشعبية ولفها حول الشعارات الصائبة ،في اللحظة المعينة ،وحول الشعارات الكبرى لحركتنا الوطنية الديمقراطية .                       

 

                                                  الحزب الشيوعي العراقي

                                                       12 تموز 1958

 

كان إذاعة البيان الأول عبر دار الإذاعة بمثابة ساعة الصفر لتحرك قوى الثورة ،وقيام الضباط الأحرار في رتل الهادي بالسيطرة على الرتل ،وإعلان ارتباط الرتل بقيادة الثورة ،وتلقي الأوامر منها ،وفعلا تمّ إعداد كل شيء .كما جرى تحديد الأهداف التي ينبغي التوجه إليها والسيطرة عليها على جانبي الكرخ والرصافة وهي:

1ـ دار الإذاعة ،التي تتسم بأهمية خاصة ،حيث ينبغي إذاعة البيان الأول للثورة ،الذي يمثل ساعة الصفر لبقية القوى المشاركة في الثورة ،ولدفع جماهير الشعب للنزول الى الشوارع لدعم الثورة وإسنادها .

2ـ السيطرة على قصر الرحاب ،قرب جسر الخر، حيث كان الملك فيصل ،وولي العهد عبد الاله متواجدين فيه في تلك الليلة ،استعداداً للسفر إلى تركيا صباح ذلك اليوم ،14 تموز، للمشاركة في اجتماع القمة لدول حلف بغداد .

3ـ السيطرة على مديرية شرطة القوة السيارة ،الجهاز القمعي الذي جرى إعداده لقمع أي تحرك شعبي ضد الحكومة ،والذي كان يتميّز بالتدريب العالي ،وقوة السلاح ،وسرعة الحركة ،فكان لابد من السيطرة عليه ،وشل حركته .

4ـ السيطرة على معسكرات  الوشاش ،وأبو غريب ،والرشيد ،والقاعدة الجوية فيه ،لضمان شل حركة العناصر الموالية للسلطة .

5 ـ السيطرة على شبكة الاتصالات السلكية واللاسلكية :لضمان شل تحرك السلطة وقواتها المسلحة،وقطع اتصالاتها مع بقية القطعات العسكرية المتواجدة في أنحاء البلاد.

6ـ السيطرة على مطار بغداد الدولي ،لضمان عدم هروب كبار رجال السلطة إلى الخارج.

7ـ السيطرة على قصر نوري السعيد ،واعتقاله ،حيث يعتبر أخطر شخصية يمكن تهدد نجاح الثورة .

8ـ السيطرة على وزارتي الدفاع والداخلية ،ومديرية الشرطة العامة ،ومديرية التحقيقات الجنائية [مديرية الأمن العامة ]،والبنك المركزي ،ومن ثم بقية الوزارات الأخرى .

9ـ السيطرة على كافة النقاط الحساسة في بغداد كالطرق والجسور ومراكز الشرطة وغيرها من الأماكن الهامة .

 

ثانياً : ساعة الصفر :

 

كان موعد الحركة للقوات العسكرية قد حُدد الساعة الثالثة فجراً ، وفي الوقت المحدد، قبيل تحرك القوات استطاع عبد السلام عارف ،وعبد اللطيف الدراجي التحفظ على آمر اللواء ء العشرين الزعيم الركن احمد حقي ،واعتقال آمر الفوج الثاني ،العقيد الركن ياسين عبد الرؤوف ،بعد أن فاتحه عبد السلام عارف للانضمام الى قوى الثورة ورفضه التعاون ،وبذلك تمّ لعبد السلام عارف التحرك نحو بغداد بعد أن وزع العتاد الذي كان قد خزنه بصورة سرية استعداداً لهذا اليوم.

وفي الوقت نفسه تجرك عبد الكريم قاسم آمر اللواء التاسع عشر نحو مقر الفرقة الثالثة في بعقوبة للسيطرة عليها ،واعتقال قائدها اللواء الركن [غازي الداغستاني ]الذي كان يعتمد عليه النظام الملكي .

 كما جرى إبلاغ رفاقهم في حركة الضباط الأحرار في الديوانية ،حيث مقر قيادة الفرقة الأولى بضرورة أعتقال قائد الفرقة ،الزعيم الركن [عمر علي ] ومعاونه الزعيم الركن [وفيق عارف]،شقيق رئيس أركان الجيش ،[رفيق عارف ]،ومساعديه .

كان الهدف الأول لعبد السلام عارف السيطرة على دار الإذاعة ،لإذاعة البيان الأول للثورة، حيث توجه إليها وبصحبته قوة تتألف من دبابتين ،فيما سبقه إليها النقيب [خزعل السعدي] وبإمرته   ثمان دبابات أخرى ،وتمّ لقوى الثورة السيطرة على دار الإذاعة بكل يسرٍ وسهولة ،وأسرع عبد السلام عارف بإذاعة البيان  الأول في تمام الساعة السادسة والنصف من صباح يوم 14 تموز 1958 .

 

  ثالثاً : البيان الأول للثورة :

بيان من القائد العام للقوات المسلحة :

بسم الله الرحمن الرحيم :

أيها الشعب العراقي الكريم :

بعد الاتكال على الله ،ومؤازرة المخلصين من أبناء الشعب والقوات المسلحة ،أقدمنا على تحرير الوطن العزيز من سيطرة الطغمة الفاسدة ،التي نصّبها الاستعمار لحكم الشعب ،والتلاعب بقدراته لمصلحتهم ،وفي سبيل المنافع الشخصية .

أيها الأخوان :إن الجيش هو منكم واليكم ،وقد قام بما تريدون ،وأزال الطبقة الباغية ،التي استهترت بحقوق الشعب، فما عليكم إلا أن تؤازروه ، وأعلموا أن الظفر لا يتم إلا بترصينه والمحافظة عليه من مؤامرة الاستعمار ،وأذنابه ،وعليه فأننا نوجه إليكم نداءنا للقيام بإخبار السلطات عن كل مفسد ومسيء، وخائن لاستئصاله ، ونطلب منكم أن تكونوا يداً واحدة للقضاء على هؤلاء والتخلص من شرهم .

أيها المواطنون : إننا في الوقت الذي نكبر فيكم الروح الوطنية الوثابة ،والأعمال المجيدة ،ندعوكم إلى الخلود للهدوء والسكينة ،والتمسك بالنظام ،والاتحاد ،والتعاون ،والعمل المثمر في سبيل مصلحة الوطن.

أيها الشعب: لقد أقسمنا أن نبذل كلّ عزيز علينا في سبيلكم ،فكونوا على ثقة واطمئنان بأننا سنواصل العمل من أجلكم ،وأن الحكم يجب أن يعهد إلى حكومة تنبثق من الشعب ،وتعمل بوحي منه ،وهذا لا يتم إلا بتأليف جمهورية شعبية تتمسك بالوحدة العراقية الكاملة ،وترتبط برباط الاخوة مع الدول العربية والإسلامية ،وتعمل بمبادئ الأمم المتحدة ،وتلتزم بالعهود والمواثيق ،وفق مصلحة الوطن ،وبقرارات مؤتمر [باندونك ]،وعليه فأن الحكومة الوطنية ،تسمى منذُ ألان { الجمهورية العراقية}،وتلبية لرغبة الشعب قد عهدنا رئاستها بصورة وقتية إلى مجلس سيادة ،يتمتع بسلطة رئيس الجمهورية ،ريثما يتم استفتاء الشعب لانتخاب الرئيس فالله نسأل أن  يوفقنا قي أعمالنا لخدمة وطننا العزيز ،إنه سميعٌ مجيب .

بغداد ،في اليوم السادس والعشرين من شهر ذي الحجة  1377هجرية ،والموافق لليوم الرابع عشر من تموز 1958 .(1)

                                           الزعيم الركن عبد الكريم قاسم                                                         القائد العام للقوات المسلحة   

رابعاً :مهاجمة قصر الرحاب ومقتل العائلة المالكة :

 

كان إذاعة البيان الأول للثورة بصوت عبد السلام عارف ،إيذانا بحلول ساعة الصفر ،وتحرك القوات العسكرية الثورية بقيادة الضباط الأحرار ،للسيطرة على جميع المرافق العامة، وكافة الأهداف المحددة، حيث واصلت تقدمها ،وسيطرتها على وزارة الدفاع ،ومديرية الشرطة السيارة ،ومعسكر الوشاش ،ومطار بغداد الدولي والاتصالات السلكية واللاسلكية ، فيما تقدمت قوة أخرى إلى قصر الرحاب ،حيث يتواجد الملك فيصل الثاني ،وولى العهد عبد الإله، وكان على رأس تلك القوة كلٌ من :

النقيب [مصطفى عبد الله ]والنقيب [عبد الجواد حميد] والنقيب [عبد الله  الحديثي ]،والنقيب [عبد الحميد السراج ]والنقيب [منذر سليم] والملازم [عبد الكريم رفعت] ثم تبعهم بعد ذلك النقيب [عبد الستار السبع ]بعد سيطرته على معسكر الوشاش، حيث كان الضابط الخفر فيه، وكان بصحبتهِ سيارة جيب عسكرية تحمل مدفعاً، وبحوزتهِ ثلاثة قنابل فقط، وبادر عبد الستار السبع بقذف أول قنبلة على قصر الرحاب، اخترقت الباب الرئيسي للقصر، ثم تلاه بالقذيفة الثانية التي اخترقت جدران القصر، وعندها خرج الملك فيصل الثاني وولي العهد عبد الإله والملكة نفيسة، أم عبد الإله، والأميرة عابدية، شقيقة عبد الإله، والأميرة هيام زوجة عبد الإله وابنة أمير ربيعة بلاسم الياسين، اكبر إقطاعيي العراق، وبمعييتهم الخادمة رازقية، والطباخ التركي، حاملين الرايات البيضاء ومعلنين الاستسلام.

 لكن النقيب عبد الستار السبع  ،الذي كان يبدو عليه التوتر الشديد ، بادر إلى إطلاق النار دون مبرر، على جميع أفراد العائلة المالكة ،وأرداهم قتلى في الحال ،ما عدا الأميرة هيام زوجة عبد الإله ، التي أُصيبت بجروح ، لكتها استطاعت أن تزحف إلى داخل القصر ، ثم نُقلت فيما بعد إلى المستشفى ،وهكذا كانت نهاية العائلة المالكة في العراق ،وهنا يتبادر إلى الذهن ،الأسئلة التالية حول حقيقة الموقف :

1ـ هل كان مقرراً قتل الملك ،وعبد الإله ،وبقية الآسرة المالكة ؟

  هل تلقى المهاجمون أمراً من قيادة الثورة بقتل العائلة المالكة أم تصرفوا بذاتهم؟

3ـ لماذا لم يدافع لواء الحرس الملكي عن القصر ؟

    فيما يخص السؤالان الأول والثاني ،أدعى عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف في لقاءات متعددة معهما ، بأنهما لم يأمرا بقتل الملك ،وولي عهده عبد الإله ،والعائلة المالكة وكان هدف الثورة ،إلقاء القبض على الملك وعبد الإله ،وتقديم الثاني للمحاكمة ،حتى أن عبد الكريم قاسم كان يحتفظ بتقرير قدمه له النقيب عبد الستار السبع ،يؤكد فيه أنه هو المسؤول عن قتل العائلة المالكة ،وأنه لم يتلقَ أمراً من أحد .

وهنا يتبادر للذهن السوأل التالي : إذا كان من المقرر اعتقال الملك وعبد الإله ،وعدم قتلهما فلماذا لم يلتزم المهاجمون بالأمر ؟ ولماذا لم يحاسبوا على عملهم هذا ؟ فقد طويت القضية ،ولم يتعرض لها أحد فيما بعد .

   وأغلب الظن أن التخلص من العائلة المالكة كان قد تقرر سلفاً ،بغية منع أي محاولة لإجهاض الثورة سواء كان ذلك من قبل القطعات العسكرية الموالية للملك ،أو من عدوان خارجي يدبره حلف بغداد ، مما قد يؤدي إلى مواجهة دموية لا أحد يعرف مداها،فكان قرار قتل العائلة المالكة، دفعاً لما قد يحدث ما هو أعظم بكثير ،سواء كان ذلك من وقوع حرب أهلية ، أو رداً لعدوان خارجي .

   أما ما يخص السوأل الثالث ، فأغلب الظن أن أمر لواء الحرس الملكي ، العقيد الركن طه البامرني  ـ كردي الأصل ـ إما أنه كان مع الثورة ،أو أنه تعاطف معها في اللحظة الحاسمة ،وإلا لكان قد قام بعمل الكثير دفاعاً عن القصر ، والعائلة المالكة ، حيث كان لواء الحرس الملكي مجهزاً تجهيزاً جيداً ومدرباً تدريباً عالياً ، ويملك كميات كبيرة من العتاد ، في حين أن قوى الثورة كانت لا تملك سوى كمية قليلة جداً من العتاد .

لكن طه البامرني آثر الوقوف مع الشعب وثورته ، ولم يحاول المقاومة ، بل سارع إلى الاستسلام لقوى الثورة .

 أخذت جثث أفراد العائلة المالكة في سيارة ـ بك آب ـ عسكرية إلى الطب العدلي ، في باب المعظم ، وفي الطريق ،أوقفت الجموع الهائجة السيارة ، وأنزلت جثة عبد الإله من السيارة ومثلوا فيها ، وعلقوها على أحد الأعمدة الكهربائية ، وكان هذا العمل يمثل أساء للثورة ، وما كان ينبغي السماح لتلك العناصر القيام بهذا العمل ، الذي لم يجلب أي فائدة للثورة بل أساء إليها ، رغم كل ما أقترفه عبد الإله من جرائم بحق الشعب والوطن .

 أما نوري السعيد ، أخطر رحالات العهد الملكي ، والحاكم الفعلي للعراق ،والمعتمد الأول للسفارة البريطانية في بغداد ،والذي كان يشغل منصب رئيس وزراء الاتحاد الهاشمي ، فقد أسرع للهرب من قصره حال سماعه إطلاق النار ، وقبل أن تصل إليه قوات الثورة ، حيث أستخدم زورقاً صغيراً، عبر به متنكراً  نهر دجلة إلى جانب الرصافة في كرادة مريم ، حيث قصد دار الدكتور [صالح مهدي البصام ] ، وانتقل بعد ذلك بسيارته إلى دار صديقه المدعو [الحاج محمود الاستربادي ]،ومنه أنتقل مرة أخرى إلى دار شقيق الوزير ضياء جعفر ، المدعو  [هاشم جعفر]،وكان يرتدي ملابس نسائية وعباءة ،خوفاً من الجماهير المتحمسة لإلقاء القبض عليه .

لكن نوري السعيد شكّ بابن هاشم جعفر ،الذي خرج من الدار،خوفاً من إبلاغ السلطة الجديدة عن مكان وجوده ،فغادر الدار متوجها إلى قصر الإقطاعي الكبير   [محمد العربي ] ،في منطقة البتاويين وبرفقته زوجة الاستربادي وخادمه .

   وفي الطريق اكتشفته جماهير الشعب ، فراح يطلق النار في الهواء من مسدسه ، لعله يستطيع التخلص منهم ، لكنه فشل في ذلك ، وأضطر إلى أن يطلق آخر رصاصة على رأسه ، مفضلاً الانتحار على الوقوع بأيدي الشعب ، وقد مثلت الجماهير بجثته ولم تبقِ لها أثراً .

 

خامساً : الثورة تواصل تثبيت أقدامها

 

اندفعت قوات الثورة ، بعد إذاعة البيان الأول لأحكام السيطرة على بقية القطعات العسكرية والمرافق العامة في شتى أنحاء القطر ، فقامت قوة عسكرية بالسيطرة على قاعدة الحبانية ، البريطانية  وأجهزة الرادار فيها ، دون أية مقاومة ، وتمّ نزع سلاح القوات البريطانية المتواجدة في القاعدة وتولى مسؤولياتها الزعيم الركن [ محي الدين عبد الحميد ]أحد أعضاء اللجنة العليا لحركة للضباط الأحرار.

كان لهذه العملية أهمية كبرى ، لحماية الثورة ، ومنع القوات البريطانية من تقديم أي دعم للنظام الملكي ، كما سيطر الزعيم الركن [ناظم الطبقجلي ] آمر اللواء الخامس ، وآمر موقع الموصل على المدينة ، وهي ثاني مدن العراق ، دون إراقة قطرة دماء .

وقامت مجموعة أخرى في كركوك بالسيطرة على مقر الفرقة الثانية بسلام ، وتمّ تعين الزعيم الركن ناظم الطبقجلي قائداً للفرقة المذكورة .

وهكذا بدا أن الثورة أخذت تثبت أقدامها ، ساعة بعد ساعة ، وبدأت المراسيم الجمهورية تتوالى من دار الإذاعة لأجراء التغيرات الضرورية في أجهزة السلطة    حاول اللواء الركن [ عمر علي ] قائد الفرقة الأولى في الديوانية التصدي للثورة ، والزحف إلى بغداد ، فأصدر أوامره إلى اللواء الأول في المسيب ، الذي يقوده الزعيم الركن [ وفيق عارف ] شقيق رئيس أركان الجيش ، وإلى آمر حامية البصرة ، [الزعيم الركن ناجي طالب] للتحرك نحو بغداد . لكن الضباط الأحرار ، بقيادة العقيد [فاضل عباس المهداوي ] كانوا أسرع منه ، حيث تمكنوا من اعتقال [وفيق عارف] والسيطرة على اللواء المذكور ، فيما كان آمر حامية البصرة أحد أعضاء اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار [الزعيم الركن  ناجي طالب ]قد سيطر على البصرة ،مما أُسقطَ في يد عمر علي  ،كما أن الجماهير الفلاحية التي هبت لمساندة الثورة ،والتي أحاطت بمقر الفرقة كان لها أثرها البالغ في إفشال خطط [عمر علي] للزحف إلى بغداد ، وإخماد الثورة .  أما في كركوك ، فقد أصدر قائد الفرقة الثانية الزعيم الركن [عبد الوهاب شاكر ] أوامره بالزحف إلى بغداد ، لكن الضباط الأحرار في الفرقة ،كانوا أسرع منه ، استطاعوا السيطرة على مقر الفرقة واعتقاله ، وبذلك زال أخطر تهديد للثورة من قيادة الفرقتين الأولى، والثانية ،فيما كان عبد الكريم قاسم قد سبقهم في السيطرة على الفرقة الثالثة في بعقوبة .

وفي الأردن حاول الزعيم الركن [ هادي علي رضا ] قائد رتل الهادي ، والملحق العسكري في الأردن [صالح مهدي السامرائي ] وبدعم من السلطات الأردنية السيطرة على الرتل ،والتوجه به نحو بغداد ، لإجهاض الثورة ، لكن الضباط الأحرار أخذوا زمام المبادرة للسيطرة على الرتل رافضين تلقي الأوامر منه معلنين تأييدهم للثورة ،واستلام الأوامر من قيادتها في بغداد .

ومساء يوم الثورة تلقى الضباط الأحرار في الرتل أمراً من القائد العام للقوات المسلحة [ الزعيم الركن  عبد الكريم قاسم ]بالعودة إلى  [H3 ] داخل الحدود العراقية ،واتخاذ الحيطة والحذر خلال الانسحاب ،وقد تمّ الانسحاب و الوصول إلى [H3 ]في الساعة الخامسة من صباح يوم 15 تموز 958 ،فيما وصلت الدبابات التابعة للرتل ظهر السادس عشر من تموز ، وبذلك استطاع الضباط الأحرار الاثنان والعشرون من إحباط مساعي آمر الرتل ، والملحق العسكري ، والقيادة الأردنية ،وتحول ذلك الرتل من مصدر خطر على الثورة الى داعم لها ،وإسنادها ،وحماية حدود العراق مع الأردن من أي محاولة للتدخل من جانب القوات الأردنية ، أو الدول  الأجنبية . (2)

 استطاعت قوى الثورة تدعيم مركزها ،وتحصينها ضد أي محاولة لإجهاضها من قبل القيادات الموالية للنظام الملكي ،وتم لها السيطرة الكاملة على كامل القطعات العسكرية ،بوقت قياسي قصير جداً .

   أخذت برقيات التأييد من القطعات العسكرية ،في كافة أنحاء العراق تتوالى على قيادة الثورة وتمّ إبلاغها بسيطرة قوى الثورة الكاملة على كافة المدن ،وكافة مرافق البلاد،دون إراقة الدماء ،وهكذا تمّ حسم المعركة مع النظام الملكي الرجعي بأقل ما يمكن من الخسائر البشرية ، حيث بلغ عدد القتلى حوالي الثلاثون فرداً ،من ضمنهم الأسرة المالكة ،كما تم حسم الثورة في وقت قياسي قصير جداً أذهل الإمبرياليين وأعوانهم داخل البلاد .

 

سادساً : الثورة ورد الفعل العربي والدولي :

 

أصيبت القوى الإمبريالية ودول ميثاق بغداد بصدمة كبرى لم يكن يتوقعونها من قبل ،وبهذه السرعة التي استطاعت قوى الثورة حسم المعركة مع النظام الملكي ، تلك الصدمة التي أفقدتهم توازنهم وجعلتهم يسارعون إلى إنزال قواتهم العسكرية في الأردن ولبنان ، حيث أنزلت بريطانيا قواتها في الأردن ، فيما أنزلت الولايات المتحدة قواتها في لبنان ، وحيث حشدت تركيا قواتها العسكرية على الحدود العراقية في محاولة الاعتداء على العراق ، وإجهاض الثورة .

وفي الوقت نفسه ، أصدر حلف بغداد بياناً أستنكر فيه أحداث الثورة واصفاً إياها بأنها [ تأثير هدام قادم من الخارج ،وأن قادة الانقلاب يستلهمون أفكارهم من دول أجنبية ] .(3)

كما أصدرت الحكومة التركية بياناً حول الثورة ،جاء فيه :

[ إن المغامرين السياسيين في العراق ،يرتأوون من وراء الانقلاب القضاء على حلف بغداد ،الذي يعتبر مصدر السلام في الشرق الأوسط !!،وإن اختيار يوم اجتماع مجلس الحلف لتنفيذ الانقلاب هو خير دليل على ذلك ] .(4) ‍‍

وفي الوقت نفسه قابل الملحق العسكري الإسرائيلي في أنقرة  [ألباي ميشيل ]رئيس  أركان الجيش التركي يوم 15 تموز ، وأجرى معه محادثات مستفيضة حول الوضع الجديد في العراق ، وابلغه أن الولايات المتحدة وبريطانيا ستتكفلان بحماية نظام الحكم في الأردن ولبنان ، وإن إسرائيل ستفصم الوحدة بين سوريا ومصر وأن على تركيا أن تتعاون مع إيران لإعادة النظام الملكي إلى العراق.  (5)

 وفي 18 تموز صرح وزير خارجية تركيا ،في مؤتمره الصحفي بأنقرة قائلاً :

[ إن رئيس الاتحاد الهاشمي هو  الملك حسين ،وأن الحكومة الشرعية الآن هي حكومة الأردن] . أما الملك حسين فقد طلب من الولايات المتحدة وبريطانيا العمل على إعادة العراق إلى وضعه السابق معلناً أنه الملك الشرعي للبلاد.

هكذا إذاً كانت حمى التآمر للاعتداء على العراق ،وإجهاض الثورة تجري على قدم وساق من قبل  الإمبرياليين الذين أرعبتهم أحداث الثورة .

لكن رد الفعل العربي ،ودول المعسكر الاشتراكي ،وفي المقدمة منهم الاتحاد السوفيتي ،كان سريعاً وجاداً في تحذير الإمبرياليين وحلف بغداد  من مغبة الأقدام على أي خطوة في اتجاه الاعتداء على العراق .

لقد وقف الشعب العربي ،في مشرقه ومغربه ،بجانب الشعب العراقي، وأعلن الرئيس عبد الناصر ، على الفور اعترافه بالجمهورية العراقية الوليدة ، وحذر من أن أي اعتداء عليها سوف يعتبر اعتداء على الجمهورية العربية المتحدة ، وأنها ستقف إلى جانب العراق وتدافع عنه بكل ما تملك من وسائل ، واضعاً كل إمكانيات الجمهورية العربية المتحدة على أُهبة الاستعداد للدفاع عن ثورة العراق .(6)

كما غادر الرئيس عبد الناصر بلغراد ، حيث كان يقوم بزيارة رسمية ليوغوسلافيا ، حال سماعه نبأ قيام الثورة  الى موسكو ، واجتمع على الفور بالرئيس السوفيتي [نيكيتا خرشوف ] طالباً منه الوقوف الى جانب الثورة في العراق ، ومنع الإمبرياليين الأمريكيين والبريطانيين وحلفائهم في حلف بغداد من محاولة الاعتداء على العراق ، وإجهاض الثورة الوليدة ، وقد طمأنه الرئيس خرشوف الى أن الاتحاد السوفيتي سيقف الى جانب العراق ، وسارع الى الاعتراف بالحكومة التي شكلتها الثورة ، بعد يوم واحد من قيامها .(7)

 كما أصدر بياناً في 16 تموز ،وأتبعه ببيان ثانٍ، في 18 منه ، هاجم فيه إنزال الولايات المتحدة وبريطانيا قواتهما في لبنان والأردن ، وحذر هاتين الدولتين من مغبة التدخل ، والاعتداء على الجمهورية العراقية الوليدة ،كما أرسل الرئيس السوفيتي [نكيتا خرشوف ]في 19 تموز مذكرات إلي حكومات  الولايات المتحدة ، وبريطانيا وفرنسا أكد فيها أن التدخل الإمبريالي المسلح في لبنان والأردن ، والذي يشكل تهديداً خطيراً على العراق وعلى السلم  والأمن الدوليين ، قد يؤديان إلى نتائج غير متوقعة ،وفي منتهى الخطورة ،ويخلق سلسلة من ردود الفعل ،قد يكون من المتعذر وقفها ،وطالبت المذكرات بسحب القوات الأمريكية والبريطانية من لبنان والأردن ،وعقد مؤتمر لبحث وتسوية المشاكل في الشرق الأوسط .(8)

كما أتبع الاتحاد السوفيتي مذكراته هذه ،بتحذير جديد ،شديد اللهجة ،في 20 تموز 58 ،حذر فيه حكومات الدول الغربية من مغبة الأقدام على أية محاولة للتدخل في العراق ،كما نبه حكومات ألمانيا الغربية ـآنذاك ـ وإيطاليا وإسرائيل من مغبة السماح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها لنقل قواتها إلى المنطقة .

كما وجهت صحيفة البرافدا ،لسان حال الحزب الشيوعي السوفيتي ، تحذيراً آخر للولايات المتحدة ،من المضي في مسعاها للعدوان على العراق قائلة : [ أن المتطوعين السوفيت سيكونون على أُهبة الاستعداد للتوجه إلى الشرق الأوسط إذا لم تتوقف عن محاولاتها للتدخل والعدوان على العراق ] .

كما وجه الاتحاد السوفيتي تحذيرا شديداً إلى تركيا في 18 تموز 958 من مغبة العدوان على العراق حيث  راحت تركيا تحشد قواتها على الحدود العراقية ، وأقرن الاتحاد السوفيتي أقواله وتحذيراته بالأفعال ، فحشد قواته العسكرية على طول الحدود مع تركيا  ، وأجرى مناورات عسكرية واسعة  وحمّل الحكومة التركية مسؤولية أي اعتداء تقوم به ضد العراق .(9)

وهكذا أُسقط في يد الإمبرياليين ،وأخذوا يحسبون للتحذيرات السوفيتية ألف حساب

.

واضطروا في نهاية المطاف لتبديل خططهم في العدوان المباشر على العراق بالقوة العسكرية، والعمل على قلب النظام الجديد من الداخل كما سنرى فيما بعد .

 وهكذا صمدت الجمهورية العراقية الوليدة ،وأخذت ترسخ أقدامها يوماً بعد يوم ، وتوالت اعترافات دول المعسكر الاشتراكي ، ودول عدم الانحياز ، وبقية الدول العربية ،كما سارع مجلس السيادة بإرسال برقية للرئيس عبد الناصر ، أعرب فيها عن شكر الجمهورية العراقية لموقفها من الثورة ، وأعلن  اعتراف العراق بالجمهورية العربية المتحدة ،حيث كان الحكام السابقون قد رفضوا الاعتراف بها .وفي نهاية المطاف اضطرت الدول الغربية إلي الاعتراف بالجمهورية العراقية كأمر واقع ، وخوفا على مصالحها النفطية ، لكنها بقيت تتحين الفرص للإطاحة بالثورة .

   كان العراق في تلك الأيام الحرجة من عمر الثورة ، بأشد الحاجة للأسلحة ، بسبب التهديدات الأمريكية ، والبريطانية والتركية ، وظهر بعد قيام الثورة أن كل ما قيل عن تسليح الجيش العراقي من قبل حلف بغداد لم يكن سوى محض خيال ، وكان كل هم الإمبرياليين هو حفظ الأمن الداخلي والتصدي لانتفاضات الشعب ،فلم يكن هناك رادار ، ولا أسلحة متطورة يستطيع العراق بواسطتها الدفاع عن نفسه ، ولذلك فقد سارع العراق إلى طلب المساعدة من الشقيقة مصر ،وبالفعل أرسلت الحكومة المصرية باخرة محملة بالأسلحة البريطانية الصنع نظراً لأن السلاح العراقي بريطاني المنشأ ، كما تم إرسال كتيبة مدفعية مقاومة للطائرات ،وسرب من طائرات [الميك ]من سوريا .(10)

كما أرست حكومة الثورة وفداً عالي المستوى ، ضم [عبد السلام عارف ]،[ ومحمد حديد ] و[صديق شنشل ] و[عبد الجبار الجومرد ]، لمقابلة [عبد الناصر ] في دمشق  وأجراء محادثات معه حول وسائل دعم الجمهورية العراقية الوليدة ، وحول تطوير العلاقات الأخوية بين البلدين ، والتنسيق الكامل بينهما ،والتأكيد على ميثاق الجامعة العربية ،والدفاع المشترك ،والتكامل الاقتصادي .

 

سابعاً : البيانات،والمراسيم الصادرة في اليوم الأول للثورة (11)

 

 بيان رقم ـ2ـ يقضي بتعيين مجلس السيادة من السادة :

     محمد نجيب الربيعي ـ رئيساً    

     محمد مهدي كبه   ـ عضواً  

     خالد النقشبندي   ـ عضواً     

 وقد روعي في تشكيل مجلس السيادة أن يمثل الطوائف الإسلامية ،الشيعية والسنية ،والقوميتان العربية والكردية .هذا وقد صدرت عن قيادة الثورة المراسيم التالية :

 1 ـ مرسوم جمهوري رقم (1 ) يقضي بتعين كل من :

  الزعيم الركن عبد الكريم قاسم قائداً عاماً للقوات المسلحة .

  العقيد الركن عبد السلام عارف نائباً للقائد العام للقوات المسلحة .

2 ـ مرسوم جمهوري رقم (2) يقضي بتشكيل أول وزارة للجمهورية العراقية ، تم اختيار أعضائها من أعضاء اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار ،واللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني ،وجاءت الوزارة على الوجه التالي :

1ـ عبد الكريم قاسم ـ رئيساً للوزراء ، ووزيراً للدفاع .

2ـ عبد السلام عارف ـ نائباً لرئيس الوزراء ، ووزيراً للداخلية .

3ـ ناجي طالب ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

4 ـ عبد الجبار الجومرد ـ وزيراً للخارجية .

5 ـ جابر عمر ـ وزيراً للمعارف .

6 ـ محمد حديد ـ وزيرا للمالية .

7 ـ هديب الحاج جمود ـ وزيرا ًللزراعة .

8 ـ إبراهيم كبه ـ وزيراً للاقتصاد .

9 ـ مصطفى علي ـ وزيراً للعدلية .

10 ـ محمد صالح محمود ـ وزيراً للصحة .

11 ـ فوآد الركابي ـ وزيراً للأعمار .

12 ـ صديق شنشل ـ وزيراً للإرشاد .

13 ـ بابا علي الشيخ محمود ـ وزيراً للمواصلات .

وبنظرة متبصرة في التشكيلة الوزارية نجد أن تشكيلها قد روعي فيه إشراك كل القوى السياسية من القوميتين العربية والكردية ،باستثناء الحزب الشيوعي ،حيث أكتفي بإسناد وزارة الاقتصاد للشخصية الماركسية [ الدكتور إبراهيم كبه ] وكان تعليل ذلك بسبب الظروف المحيطة بالثورة ،وعدم رغبة قيادة الثورة باستفزاز الإمبرياليين ، من وجود ممثلين عن الحزب الشيوعي في الحكومة .

غير أن الحقيقة التي لا جدال فيها أن مجرد قيام الثورة قد شكل أكبر استفزاز للإمبرياليين ،ومع ذلك فقد أعلن الحزب الشيوعي عن وضع كافة إمكاناته في خدمة الثورة .

  ضمت الوزارة بالإضافة للعسكريين الثلاثة من اللجنة العليا للضباط  الأحرار[ عبد الكريم قاسم] و[عبد السلام عارف ]و[ وناجي طالب] ، ممثلاً لحزب البعث بشخص أمينه العام [ فوآد الركابي] ،وممثل الحزب الاستقلال بشخص نائب الرئيس[ صديق شنشل ]،بالإضافة إلى عضو مجلس السيادة ،رئيس الحزب [محمد مهدي كبه] .

أما الحزب الوطني الديمقراطي ، فقد مثله كل من [ محمد حديد ]، نائب رئيس الحزب و[هديب الحاج حمود ]، عضو قيادة الحزب .

 ومن الناحية القومية فقد مثل الأكراد كل من [بابا علي الشيخ محمود ] ،و[مصطفى علي ]، فيما مثل القوميين المستقلين كل من الدكتور[ عبد الجبار الجومرد] و[جابر عمر ] والدكتور [محمد صالح محمود ].

3 ـ  مرسوم جمهوري رقم ( 3) يقضي بتعيين قادة القوات المسلحة وكما يلي :

الزعيم الركن احمد صالح العبدي ـ رئيساً  لأركان الجيش .

 الزعيم الركن الطيار جلال الأوقاتي ـ قائداً للقوة الجوية

الزعيم الركن عبد العزيز العقيلي ـ قائداً للفرقة الأولى.

الزعيم الركن ناظم الطبقجلي ـ قائداً للفرقة الثانية.

الزعيم الركن خليل سعيد ـ قائداً للفرقة الثالثة.

الزعيم الركن محي الدين عبد الحميد ـ قائداً للفرقة الرابعة المدرعة.

العقيد طاهر يحي ـ مديراً عاما للشرطة.

العقيد عبد المجيد جليل ـ مديراً للأمن العام.

4 ـ  مرسوم جمهوري رقم (4 ) بتغير أسماء ألوية الجيش التي كانت تعود لأسماءٍ ملكية.

5 ـ  مرسوم جمهوري رقم (5) يقضي بتعيين عدد من كبار الضباط بوظائف مدنية ، حيث يقضي القانون العسكري بعدم جواز وجود من هو أعلى رتبة من القائد العام في الجيش والمتمثل  بالزعيم  عبد الكريم قاسم .

7 ـ صدور بيان رقم (3 ) صادر من القيادة العامة للقوات المسلحة معلناً سريان الأحكام العرفية في كافة أنحاء البلاد ، وتنصيب الزعيم الركن [احمد صالح العبدي] حاكماً عسكرياً عاما ، و ذكر البيان أن الأحكام العرفية  لها صفة مؤقتة، من أجل   حماية الثورة، وتثبيت أركانها، لكن ما يؤسف له كثيراً أن الأحكام العرفية بقيت سارية المفعول حتى النهاية .

لقد استند بيان الأحكام العرفية إلى مرسوم الإدارة العرفية رقم 18 لسنة 1935، الذي صدر على عهد وزارة المدفعي، وكان رشيد عالي الكيلاني وزيرا ًللداخلية آنذاك ، وكان بالإمكان أن يكون البديل عن هذا المرسوم اللادستوري، محكمة الشعب ـ المحكمة العسكرية العليا الخاصة التي صدر قرار بتشكيلها، وتوسيع صلاحياتها لضمان حماية الثورة، وانتهى اليوم الأول للثورة بتدعيمها وتعزيزها وشل قدرة النظام السابق ، ومنعه من القيام بأي عمل ضدها لإجهاضها والقضاء عليها.

لقد حمت الثورة نفسها وثبت أقدامها بمساندة ودعم جماهير الشعب التي نزلت في شوارع بغداد، وبقية المدن الأخرى بمئات الألوف، مما أرعب القوى المضادة للثورة وشل حركتها .

 

ثامناً :صدور الدستور المؤقت

 

 كان طبيعياً ،بعد نجاح الثورة ،وسقوط النظام الملكي ،أن يسقط الدستور تلقائياً ،وهذه القاعدة لها سوابق كثيرة ،ولذلك فقد ارتأت حكومة الثورة إصدار دستور مؤقت للبلاد ،لحين انتخاب مجلس تأسيسي يأخذ على عاتقه وضع دستور دائم للبلاد.

 وهكذا فقد عهدت حكومة الثورة إلى لجنة برئاسة المحامي [حسين جميل ] العضو القيادي في الحزب الوطني الديمقراطي ، وعضوية السيدين ، [حسين محي الدين ]،و[عبد الأمير العكيلي] وهم جميعاً من رجالات القانون المعروفين ، مهمة وضع مسودة دستور مؤقت للبلاد في 20 تموز 1958   بعد أن أعطيت لهم الخطوط العريضة في توجه حكومة الثورة ، ليسيروا على هديها ، وقد أتمت اللجنة عملها ورفعته إلى مجلس الوزراء ، الذي صادق عليه ،بعد أن أجرى عليه بعض التعديلات وأحاله إلى مجلس السيادة الذي صادق عليه بدوره ،وصدر في بغداد في 27 تموز 1958 ، وتضمن مقدمة ،وأربعة أبواب .(12)

 

  نص الدستور المؤقت :

المقدمة

لما كانت الحركة الوطنية التي قام بها الجيش العراقي ، بمؤازرة الشعب  وتأييده ، في 14تموز 1958  تهدف إلى تحقيق سيادة الشعب ، والعمل على منع اغتصابها ، وضمان حقوق المواطنين وصيانتها ، ولما كان الحكم السياسي السابق  في البلاد الذي تمّ التخلص منه قائما على أساس الفساد السياسي حيث أغتصب السلطة أفراداً حكموا البلاد على خلاف إرادة الأكثرية ، وضد مصالح الشعب ، وإذ كان هدف الحكم تحقيق منافعهم ، وحماية مصالح الاستعمار ، وتنفيذ مآربه كما جاء في البيان الأول ، الذي أُعلن للشعب في 14 تموز 1958 ، في بدء الحركة الوطنية، فأننا باسم الشعب ، نعلن سقوط القانون الأساسي العراقي ، وتعديلاته كافة ، منذُ 14تموز 1958 ورغبة في تثبيت قواعد الحكم ، وتنظيم الحقوق والواجبات لجميع المواطنين نعلن الدستور المؤقت هذا ، للعمل بأحكامه في فترة الانتقال ،  أن يتمّ تشريع الدستور الدائم .

 

الباب الأول

الجمهورية العراقية

المادة  ا : الجمهورية العراقية ،جمهورية مستقلة ذات سيادة .

المادة 2: العراق جزء من الأمة العربية .

المادة 3 : يقوم الكيان العراقي على أساس من التعاون بين المواطنين كافة ، باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ، ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ،ويقرّ هذا الدستور حقوقهم القومية ،ضمن الوحدة العراقية .

المادة 4 : الإسلام دين الدولة .

 المادة 5 : عاصمة الجمهورية العراقية بغداد .

المادة 6 : تعيين العلم العراقي ،وشعار الجمهورية ،والأحكام الخاصة بها ،بقانون .

 

الباب الثاني

 

مصدر السلطات ،والحقوق ،والواجبات العامة

 

المادة 7 : الشعب مصدر السلطات .

المادة 8 : الجنسية العراقية يحددها القانون .

المادة 9 : المواطنون سواسية أمام القانون ،في الحقوق والواجبات العامة .

المادة 10 : حرية الاعتقاد ،والتعبير مضمونة ،وتنظم بقانون .

المادة 11 : الحرية الشخصية ،وحرمة المنازل مصونتان ،ولا يجوز التجاوز عليهما إلا حسبما     تقتضيه السلامة العامة ،وينظم ذلك بقانون .

المادة 12 : حرية الأديان مصونة ،ويجب احترام الشعائر الدينية ،على أن لا تكون مخلة بالنظام    العام ، ولا متنافية  مع الآداب  العامة .

المادة 13 : الملكية الخاصة مصونة ،وينظم القانون وظيفتها الاجتماعية ،ولا تنتزع إلا للمنفعة      العامة مقابل تعويض عادل وفق القوانين .

المادة 14 : الملكية الزراعية تحدد وتنظم بقانون .

المادة 15 : لا يجوز فرض ضريبة ، أو رسم أو تعديلهما ، أو إلغائهما إلا بقانون .

المادة 16 : الدفاع عن الوطن واجب مقدس ، وأداء الخدمة العسكرية شرف للمواطنين وتنظم أحكامها بقانون .

المادة 17 : القوات المسلحة في الجمهورية العراقية ملك للشعب ، ومهمتها حماية سيادة البلاد وسلامة أراضيها .

 المادة 18 : الدولة هي وحدها التي تنشئ القوات المسلحة ولا يجوز لأية هيئة ، أو جماعة إنشاء تشكيلات عسكرية ، أو شبه عسكرية

المادة 19 : تسليم اللاجئين السياسيين محضور .

 

 

الباب الثالث

نظام الحكم

 

المادة 20 : يتولى رئاسة الجمهورية مجلس السيادة ،ويتألف من رئيس وعضوين .

المادة 21 : يتولى مجلس الوزراء السلطة التشريعية ،بتصديق مجلس السيادة .

المادة 22 : يتولى مجلس الوزراء ، والوزراء ،كلٌ فيما يخصه من أعمال السلطة التنفيذية .

المادة 23 : القضاة مستقلون ، ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في استقلال القضاء ، أو في شؤون ، العدالة ، وينظم القانون الجهاز القضائي .

المادة 24 : جلسات المحاكم علنية ، إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية ، مراعاةً للنظام والآداب العامة .

المادة 25: الأحكام تصدر ، وتنفذ باسم الشعب .                                           

 المادة 26  : تنشر القوانين في الجريدة الرسمية ، ويعمل بها من تاريخ نشرها ، إلا إذا نص فيها على خلاف ذلك وإذا لم يذكر تاريخ تنفيذها ، تنفذ بعد عشرة أيام من اليوم التالي ليوم النشر .

الباب الرابع

 

أحكام انتقالية 

 

المادة 27 : يكون للقرارات والأوامر والبيانات ، والمراسيم الصادرة من القائد العام للقوات          المسلحة ، أو رئيس الوزراء ، أو مجلس السيادة في الفترة من 14 تموز 1958 ، إلى تاريخ تنفيذ هذا الدستور المؤقت ، قوة القانون ،وهي تعدّل ما يتعارض مع أحكامها من نصوص القوانين النافذة قبل صدورها .

المادة 28 : كل ما قررته التشريعات النافذة قبل 14 تموز 1958 ،تبقى سارية المفعول،ويجوز إلغاء هذه التشريعات،أو تعديلها بالطريقة المبينة بهذا الدستور المؤقت.

المادة 29 : ينفذ هذا الدستور من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية .

المادة 30 : على وزراء الدولة تنفيذ هذا الدستور .

المادة 31 : كتب في بغداد في اليوم التاسع من محرم الحرام ،سنة 1378 هجرية ،الموافق لليوم السابع والعشرين من شهر تموز سنة 1958 ميلادية .

مجلس السيادة

الرئيس محمد نجيب الربيعي

      العضو ،خالد النقشبندي                              العضو ،محمد مهدي كبه

 

عبد الكريم قاسم ـ رئيس الوزراء ،ووزير الدفاع .

عبد السلام عارف ـ نائب رئيس الوزراء ،ووزير الداخلية .

محمد حديد   ـ وزير المالية .             جابر عمر ـ  وزير المعارف

مصطفى علي  ـ وزير العدلية .         بابا علي الشيخ محمود ـ وزير الأشغال فوآد الركابي ـ وزير الأعمار        محمد صالح محمود ـ وزير الصحة             صديق شنشل ـ وزير الإرشاد .         هديب الحاج حمود ـ وزير الزراعة .

 إبراهيم كبه ـ وزير الاقتصاد           ناجي طالب ـ وزير الشؤون الاجتماعية.

بقراءةٍ متأنية لمواد الدستور المؤقت يستطيع المتتبع إدراك أفكار قادة الثورة ،وآفاقها المستقبلية، فالدستور المؤقت بشكل عام ، يحمل طابعاً تقدمياً ، ويؤكد على تغيير البنية الاجتماعية ، وتحرير الفلاح العراقي الذي يشكل 75 % من مجموع الشعب ، من ربقة الإقطاع والعبودية والاستغلال هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فأن تحرير الفلاح من سيطرة الإقطاع تعني بالتأكيد هدم القاعدة التي استندت عليها الإمبريالية ، وحليفها النظام السابق ، حيث كان أغلب أعضاء البرلمان من الإقطاعيين الذين لعبوا دوراً رئيسياً في الحياة السياسية للبلاد ، وحيثُ كانوا يفوزون بالتزكية في كل الانتخابات الصورية التي أجرتها الحكومات المتعاقبة ، ولم يكن أحد يجرأ على منافستهم في تلك الانتخابات .

كما أن الدستور المؤقت أكد في مادته الثالثة على أن العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ، ويقر الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية . غير أن هذه المادة كان يعوزها تثبيت تلك الحقوق بإضافة [وحقهم في الحكم الذاتي ] .

ويشير الدستور في مادتيه الأولى والثانية إلى أن العراق جمهورية مستقلة ذات سيادة كاملة ومن هاتين المادتين نستشف أن الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة لم تكن مطروحة في فكر الثورة ، وقيادتها ، وإنما كانت قيادة الثورة تستهدف إقامة أوثق العلاقات معها ،مع الاحتفاظ بالاستقلال الوطني ، ومن هنا يتبين أن سلوك ،وتصرفات عبد السلام عارف ، وبعض الأحزاب القومية ، برفع شعارات الوحدة ، ومحاولة فرضها بالقوة كان مخالفاً لنص الدستور .

إن ما كان يعوز الدستور المؤقت في الحقيقة هو أن يحدد الفترة الانتقالية بمدة محددة لا تتجاوز السنتين من أجل الانتقال نحو المؤسسات الديمقراطية ، حيث يجري انتخاب المجلس التأسيس الذي يأخذ على عاتقه تشريع الدستور الدائم للبلاد ، ويرسي النظام الجديد على قاعدة ديمقراطية صلبة ، ويمكّن الشعب ،وقواه السياسية على اختلافها من ممارسة النشاط السياسي في جو ديمقراطي ، بعيداً عن العنف والعنف  المضاد ، وضمان جميع الحريات السياسية للأحزاب والصحافة ، وتأسيس النقابات ،والمنظمات الديمقراطية .

إن إطالة فترة الانتقال كانت أحد الأسباب الرئيسية في لجوء بعض القوى السياسية إلى أساليب العنف، والتآمر المسلح لإسقاط السلطة ،كما أن استمرارها كان له تأثير سلبي على الشعب العراقي الذي كان يتطلع للحكم الديمقراطي الحقيقي ، حيث بدأ اليأس يتصاعد ،ويأخذ حيزاً لدى الكثيرين من أبناء الشعب ، نتيجة للأوضاع الاستثنائية التي استمرت حتى النهاية .

ومن ما يؤخذ على الدستور المؤقت إبقائه على التشريعات التي صدرت في العهد الملكي ،كما نصت المادة 28 ، واعتماد  الثورة على تلك القوانين ، والمراسيم المخالفة للدستورين  الملكي والجمهوري المؤقت ،كمرسوم الإدارة العرفية الصادر عام 1935 ، وبقية المراسيم الأخرى التي أصدرها نوري السعيد ، والتي سلبت من الدستور كل حقوق وحريات الشعب ،وجرى استخدام تلك المراسيم ، بعد انتكاسة الثورة ضد القوى السياسية ، وأبناء الشعب .

لقد كانت هذه المادة مخالفة لتطلعات الشعب إلى الحياة الديمقراطية ، فهي والحقيقة تقال مناقضة للمادة الثالثة والمادة العاشرة ،والمادة الحادية عشر من الدستور المؤقت .

ومع ذلك فقد جرت موافقة القوى السياسية في البلاد على الدستور المؤقت بتوقيع الوزراء جميعاً والذين يمثلون الأحزاب السياسية في البلاد ، وحتى الحزب الشيوعي ، الذي لم يكن ممثلاً في الوزارة على أمل أن تكون فترة الانتقال مؤقتة من جهة ، ولمنع أي تحرك معادٍ للثورة الوليدة في أيامها الأولى من جهة أخرى ، ولكن الذي يؤسف له أن فترة الانتقال استمرت ،واستمرت السلطة باستخدام الأحكام  العرفية ،  والمحاكم العسكرية ، وظلت طحن حتى النهاية بخيرة الوطنيين المدافعين بإخلاص عن الجمهورية وقيادتها !!.

وكلمة أخيرة ، أقول أن العبرة ليست في ما يرد في الدستور من مواد تنص على حقوق الشعب وحرياته ، وإنما العبرة في تطبيق الدستور ، ومراقبة سير هذا التطبيق ، ومحاسبة كل من يحاول الاعتداء عليه ، وهذا الأمر لا يتم إلا في ظل الأوضاع الطبيعية ، وقيام المؤسسات الديمقراطية ، ومن ضمنها المحكمة الدستورية العليا ، التي تكون المرجع الوحيد لمراقبة تطبيق الدستور ومحاسبة من يحاول التلاعب به ، وتفسيره بشكل مغاير للحقيقة ، وإن استمرار فترة الانتقال ، واستمرار السلطة بممارسة السلطتين ، التشريعية والتنفيذية ،بالإضافة الى تدخلها في أمور السلطة القضائية ، جعلت  الدستور ، حبراً على ورق ،تماماً كما فعل النظام السابق ، الذي هيمن على السلطة التنفيذية ، وزوّر الانتخابات البرلمانية باستمرار ، وهيمن على البرلمان ، وأستخدم المراسيم التشريعية التي أفرغت الدستور من محتواه ، وانتهك كافة الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور ، فلو طُبّق ذلك الدستور بأمانة ، وصدق ، واحترمت إرادة الشعب ، لما حدثت ثورة 14تموز 958 ، ولما حلّ بالعراق وشعبه ما حلّ من الويلات ، منذُ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا .

 

 تاسعاً : حكومة الثورة تواصل تدعيم كيانها :

 

كان لابدّ للثورة الوليدة أن تقوم ببعض الإجراءات السريعة لتثبيت أركانها ، وصيانتها من أي تحرك معادي لها وإجراء تغييرات جذرية في جهاز السلطة ، بشقيه الأمني والإداري ، والمقصود بالجهاز الأمني ، جهاز الشرطة ، والأمن ، والمخابرات العسكرية التي أنشأها ورباها ، ودرّبها النظام السابق بأشراف الإمبريالية وهيمنتها ،وقد قامت الثورة بإصدار عدد من المراسيم الجمهورية في هذا الاتجاه ،  إلا أن تلك الإجراءات لم تتخذ طابعاً جذرياً أبداً ، وفي كثير من الحالات ، اكتفت بتغيير فوقي محدود جدا ً، مما أبقى ذلك الجهاز القمعي دون أن يصيبه ضرر كبير ، وكان له دور فاعل فيما بعد في شل أعمال وتوجهات الثورة ، ودق إسفين بين الشعب  والقيادة ، والتستر على نشاط انقلابيي 8  شباط  963 وبالتالي اغتيال الثورة وقائدها عبد الكريم قاسم ،كما سنرى في فصول قادمة .

أما المراسيم التي صدرت في الأيام الأولى للثورة فكانت ما يلي :

1 ـ مرسوم جمهوري بإلغاء الاتحاد الهاشمي الصادر في 15 تموز 1958  .

2 ـ مرسوم جمهوري يقضي بمصادرة جميع أموال وأملاك العائلة المالكة والصادر في19 تموز.

3 ـ مـرسوم جمهوري يقضي بإحالة [112] من كبار ضباط الجيش والشرطة على التقاعد ،

خلال شهري تموز ،وآب 958 ،وقد أُعيد استخدام العديد منهم في وظائف مدنية .  

4  ـ  مرسوم جمهوري يقضي بطرد [ 45 ] من رجال الأمن ، العاملين في مديرية التحقيقات

الجنائية [ الأمن العامة ] ، تحت رئاسة [ بهجت العطية ] ولابدّ أن أشير هنا إلى أن هذا الأجراء لم تكن له سوى تأثيرات طفيفة على هذا الجهاز الخطير ، الذي رُبي على انتهاك  حقوق الإنسان العراقي وقد كان الواجب يقتضي حلّ هذا الجهاز تماماً ،وإعادة تشكيل جهاز جديد ، يحرص على الثورة ،ويصون حقوق وحريات الشعب

5ـ صدور قانون المقاومة الشعبية ،وبدء التطوع في 9 آب 958 ،وقد عُين العقيد  شاكر علي قائداً عاماً لها ، وقد أنظم إليه أكثر من ( 10) آلاف مواطن في اليوم الأول، ووصل العدد إلى (30) ألفاً خلال أسبوع .

6ـ صدور قانون تطهير الجهاز  الحكومي ، في 14 آب 958 ، ويهدف القانون كما هو واضح من أسمه ، إلى التخلص من العناصر الفاسدة التي أعتمد عليها النظام السابق إلا أنه لم يجر تغيراً جوهرياً في الجهاز الإداري ، واكتُفى بفصل حوالي  100شخص فقط ، وبقي هذا الجهاز دون أن تُجرى عليه تغيرات هامة ،وكان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى إضعاف مسيرة الثورة  وإبعاد جماهير الشعب عن قيادته بسبب تصرف ذلك الجهاز .

7 ـ صدور مرسوم جمهوري بتكوين المحكمة العسكرية الخاصة ، محكمة الشعب ، لمحاكمة رجال العهد الملكي السابق ، ومحاكمة العناصر التي تحاول التآمر على الثورة ،وأشار المرسوم إلى اختصاصات ،وصلاحيات المحكمة ،ونص على محاكمة كل من أستخدم نفوذه ،أو شارك في توجيه سياسة البلاد لغير المصلحة العامة وتعريضها لخطر الحرب ، أو زجها فيه ، أو أستخدم القوات المسلحة ضد الدول العربية الشقيقة ، أو هدد باستخدامها ، وكل من يتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية الشقيقة ، أو يقبل المتآمرين كلاجئين ، أو يشوه سمعة رؤساء تلك الدول في المحافل الدولية. كما ‘أعتبر بموجب القانون ، متآمراً على سلامة الوطن ،كل من صادر حقوق وحريات المواطنين المقررة في القانون الأساسي السابق ،عن طريق المراسيم والأوامر والتعليمات والبيانات ، أو تدخّل في شؤون القضاء ،أو أستخدم القانون لمصلحة  شخصية ،أو زّور الانتخابات ،أو قام بالتأثير على معنويات الشعب ،أو عرقل تطبيق القوانين الهادفة للعدالة الاجتماعية ،والمساواة بين المواطنين ،وكل من يبدد أموال الدولة ، يعتبرون مفسدين لنظام الحكم .

 وقد نص القانون على معاقبة المتآمرين على سلامة الوطن ،بالأشغال الشاقة المؤبدة ،أو الإعدام  كما نص القانون على معاقبة مفسدي نظام الحكم بالأشغال الشاقة المؤقتة ،وخول القانون القائد العام للقوات المسلحة ،حق إيداع أي قضية ،أو سحبها من المحكمة ،وتصديق القرارات الخاصة بالإعدام ونص القانون أيضاً على أن يطبق قانون العقوبات الساري المفعول بما لا يتعارض وقانون تشكيل المحكمة .

لقد تمّ في 19 آب 958 ، إحالة ثلاثين من كبار الضباط ،وواحد وسبعون من كبار المسؤولين من رؤساء الوزارات ،والوزراء ،وكبار رجالات الدولة إلي المحكمة التي بدأت محاكماتها في 16 آب 958 ، واتخذت من مقر مجلس النواب السابق مقراً لها وجرت المحاكمات بشكل علني ، حيث تم نقلها بالإذاعة ، وعبر شاشة التلفزيون ، على الشعب مباشرة.

8 ـ في 24 تموز 1958 ،أعلن وزير العدل عن إلغاء محاكمة السياسيين المعتقلين من قبل النظام السابق ،وتم تشكيل لجنة لدراسة قضايا كافة المعتقلين ،لغرض إطلاق سراح السياسيين ،وذلك لأن النظام السابق كان قد ألصق بالسياسيين تهماً غير سياسية ،لغرض حرمانهم من كل حقوقهم وحرياتهم ، ،وقد أطلقت الثورة سراح أكثر من[220] سجيناً شيوعياً كانوا قد قضوا سنين طويلة في السجون ،وتعرضوا لشتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي .

9 ـ في 4 أيلول صدر قانون العفو العام عن جميع الأفعال الجرمية ،ما بين سنة 1939 ،وحتى يوم 13 تموز 1958 .

 

عاشراً : إصدار قانون الإصلاح الزراعي :

 

كان إصدار قانون الإصلاح الزراعي في العراق ، بتاريخ 30 أيلول 1958 ،ثورة اجتماعية حقيقية في أبعادها الإنسانية ،إنه بحق ،تاج المنجزات التي حققتها الثورة لصالح ثلاثة أرباع الشعب العراقي ، طبقة الفلاحين ، التي كانت تكدح ،وتشقى ،ولا تملك من دنياها شيئاً ،تعمل طوال حياتها لصالح الإقطاعيين الذين استغلوها أبشع استغلال وتركوا الفلاحين يعيشون في فقر مدقع ،يسكنون الأكواخ الخالية من أبسط الشروط الصحية ، حيث لا ماء نقي صالح للشرب ،ولا كهرباء ، و لا كساء ،ولا أية  خدمات صحية ،أو ثقافية ،أو تعليمية ،يعملون بأكل بطونهم ،لا غير .

كانت ديون الإقطاعيين قد أثقلت كواهلهم ،وأجبرتهم على  العمل في خدمة الإقطاعي، حيث ينص قانون العهد الملكي على عدم جواز ترك الفلاح عمله  في خدمة الإقطاعي ،طالما هو مدين له ،وكان الفلاح مضطراً للاستدانة طول السنة ،من أجل تأمين الحاجات المادية له ولعائلته انتظاراً لموسم الحصاد ،واستلام حصته من الريع ،الذي كان يذهب معظمه إلى جيب الإقطاعي وهكذا فقد جاء هذا القانون ليحرر هذه الملايين الغفيرة من أبناء الشعب ،والذين يكونون العمود الفقري للمجتمع العراقي ،ولينتزع  المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية من الإقطاعيين ، ،ويحدد الحد الأعلى للملكية الزراعية ب [1000 ]دونم من الأراضي المسقية ،و[2000] دونم من الأراضي الديمية ـ تعتمد على المطر ـ وتوزيع الأراضي المستملكة على الفلاحين الفقراء .

كما فرض القانون على جميع الملاكين استغلال الأرض وزراعتها لحين إكمال إجراءات الاستملاك والتوزيع ، وتقرر البدء باستملاك الإقطاعيات الكبيرة ،وأوضح القانون أن دفع التعويضات للإقطاعيين ،سوف يجري حسب القيمة الحالية للأرض ، تسدد على مدى  20 سنة بفائدة سنوية مقدارها 3 % سنوياً ،وتوزع قطعاً لا تزيد عن 30 دونما من الأراضي المسقية ،وما بين 60 ـ 120 دونماً من الأراضي الديمية ، على أن يدفع الفلاح ثمن أرضه المقرر بقرار اللجان المختصة مضافاً إليها 20 % من أصل القيمة ، لتسديد مصاريف الاستملاك ، وُيقسّط المبلغ على  20 سنة ، هذا ما جاء به الفصل الأول من القانون .

أما الفصل الثاني ،فقد أختص بأحكام تأسيس الجمعيات الزراعية التعاونية وتنظيمها ،من أجل رفع كفاءة الفلاح العراقي وزيادة الإنتاج ، ولتسهيل الحصول على المعدات الزراعية الضرورية ،والأسمدة والمبيدات الحشرية .

أما الفصل الثالث فقد نظم العلاقة بين صاحب الأرض والفلاح المستأجر، وفرض العقود الكتابية بينهما ،بصورة مباشرة ،على أن لا تقل مدة العقد عن 3 سنوات ،ومنع القانون طرد الفلاح ،أو حبس وسائل السقي على أن لا يخل الفلاح بالتزاماته تماماً ،وحدد حصة الفلاح من الزراعة،ما بين 55 ـ 60 % من الإنتاج السنوي .

أما الفصل الرابع  فقد أهتم في تحسين وضع الأجير الزراعي ،حيث نص على تحديد الحد الأدنى للأجور السنوية لمختلف المناطق الزراعية ،على أن تقوم بتحديد الأجور، لجنة يشكلها وزير الزراعة ويرأسها موظف كبير في الوزارة ،وممثل لأصحاب الأراضي وممثلان عن الفلاحين المزارعين،على أن يصادق الوزير على قرارات اللجنة .

كما نص القانون على إلغاء قانون [ حقوق وواجبات الزراع لسنة 933 ] ،وتقرر بموجب القانون تشكيل اللجنة العليا للإصلاح الزراعي برئاسة رئيس الوزراء ، وتكون قرارات اللجنة قطعية .

حدد القانون مدة تنفيذه بخمس سنوات ،وأعلن عبد الكريم قاسم ـ رئيس الوزراء ـ غداة إعلان القانون في 30 أيلول 58 ـ بأن الثورة وجدت أن القانون المذكور هذا هو الأساس في الإصلاح الاجتماعي ،وأضاف بـأن الملاكين الصغار لن تمس أراضيهم ،أما الكبار فسوف يعوضون تعويضاً عادلاً ،وبذلك سجل عبد الكريم قاسم مأثرته الكبرى بتصفية الإقطاع ركيزة الإمبريالية والنظام الملكي المنهار في العراق .(13)

 نظرة في القانون :

من خلال قراءة متأنية لهذا القانون نستطيع القول أن القانون الذي نال موافقة جميع أطراف جبهة الاتحاد الوطني ، بمختلف اتجاهات أحزابها ،وموافقة اللجنة العليا للضباط الأحرار، كان بحق ، ثورة اجتماعية كبرى تخص حياة أغلبية الشعب العراقي ،وكانت له نتائج إيجابية كبيرة ، أثرت على مستوى حياتهم المعيشية ،وحررتهم من نير الإقطاع ،وفتحت الطريق واسعاً أمام إجراء تغييرات كبيرة واسعة في علاقات الإنتاج لصالحهم مما لا يمكن نكرانها أو التقليل من شأنها .

غير أن القانون لم يكن يخلُ من السلبيات ،والتي يمكن تلخيصها بما يأتي :

1 ـ كان تحديد الحد الأعلى [ 1000 ] دونم من الأراضي المروية،و[2000 ]دونم من الأراضي الديمية يمثل مساحة كبيرة ،وكان بالإمكان تحديد نصف هذه المساحة  .

2 ـ إن جعل مدة نفاذ القانون خمس سنوات كان طويلاً جداً، وكانت ذات تأثير سلبي على القانون ،نظراً لما قام به الإقطاعيون من تخريب اقتصادي ،بسبب استمرار نفوذهم طيلة تلك المدة ،وكان من الأفضل أن لا تتجاوز مدة نفاذه أكثر من سنتين على أغلب الأحوال .

3 ــ إن مبلغ التعويضات الذي فرضه القانون أثقل كاهل الفلاح ، في وقت كان فيه لا يملك شيئاً عندما صدر القانون ،وكان بالإمكان التعويض كحد أعلى  عن [ 10000 ] دونم فقط ، وما زاد عنها يستملك دون تعويض ،مما يخفف عن كاهل الفلاح المعدم ، ويوفر له مجالاً أوسع لتطوير أوضاعه الاجتماعية ،والاقتصادية . كما كان يقتضي مصادرة الأراضي العائدة للخونة من كبار الإقطاعيين الذين ساموا الفلاحين سوء العذاب طوال عقودً طويلة من الزمن دون تعويض .

4 ـ كان المفروض أن يتعرض القانون لمسألة صيانة الإنتاج الزراعي ، وإدامته ،وصيانة المشاريع الزراعية ،كمشاريع الري ،والمكائن الزراعية ، والحفاظ على إنتاجية الأرض الزراعية ومراقبة توزيع المياه بصورة عادلة ، ومنع الإقطاعيين من القيام بأي تخريب يؤدي إلى هبوط الإنتاج الزراعي ، والنص على فرض العقوبات الصارمة بحق كل من يحاول التخريب ، وحرمانه من أي تعويض .

لقد سببت تلك الثغرات في قانون الإصلاح الزراعي ، هبوطاً حاداً في الإنتاج ،وعرضت البلاد إلى مشاكل كبيرة كان بالإمكان أن لا تقع لو ألتفت مشرعوا القانون لتلك الثغرات .

كما أن امتداد مدة نفاذ القانون إلى خمس سنوات كان سبباً في خلق الصراعات الحادة ،والمشاكل الكثيرة بين الفلاحين التواقين إلى إنهاء سيطرة الإقطاع ،والتحرر من نيرهم ،وبين الإقطاعيين ،الذين عملوا جهدهم على عرقلة تنفيذ القانون .

 كما لعب الجهاز الإداري ،الذي خلفه النظام السابق ،والذي لم يمسه سوى تغير سطحي طفيف ، دوراً بارزاً في خلق العقبات أمام تنفيذ القانون ،واستغلال الإقطاعيين لعلاقاتهم السابقة بذلك الجهاز من أجل وضع العراقيل ،وخلق المصاعب أمام اللجنة العليا للإصلاح الزراعي .

 

   أحد عشر : قانون الأحوال المدنية :

 

كان قانون الأحوال المدنية ،الذي أصدرته حكومة الثورة ، ثورة اجتماعية أخرى ،بعد قانون الإصلاح الزراعي ، حيث عالج القانون حقوق وحرية المرأة ، التي تشكل نصف المجتمع العراقي  وقد أكد القانون على حقوق المرأة ، ومساواتها بالرجل ،في الحقوق والواجبات ومنها حق الإرث وتنظيم شؤون العائلة ،وقضايا الزواج و الطلاق ،ومنع القانون الزواج بأكثر من واحدة ،إلا في حالات خاصة ، كعدم الإنجاب ، والأمراض الخطيرة ،والمعدية .

أحدث هذا القانون دوياً هائلاً في الأوساط الشعبية ،ولاقى دعماً وتأيداً كبيرا ً من قبل الأوساط التقدمية،لكن الأوساط الرجعية عارضته،وحاربته بشدة ،بادعاء أن القانون يخالف الشريعة الإسلامية ،وقد ألغى انقلابيوا  شباط 963 هذا القانون .(14) 

 

 

 

*******

اثنا عشر:إجراءات حكومة الثورة ،في الحقلين الاقتصادي،والاجتماعي :

 

كان على حكومة الثورة أن تقوم بالعديد من الإجراءات ، ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي ، المتعلقة بحياة الشعب المعيشية منها :

1 ـ تخفيف الضرائب غير المباشرة عن أبناء الشعب .

2 ـ تخفيض إيجار المساكن ،والمحلات التجارية .

4 ـ زيادة رواتب الموظفين والعمال ،ووضع رقابة على الأسعار .

5ـ توزيع مئات الألوف من قطع الأراضي السكنية لذوي الدخل المحدود ،والموظفين والعمال لغرض بناء دور لهم عليها ،وتقديم كل المساعدات الممكنة والقروض بشروط بسيطة لإنجاز بنائها .

6 ـ إلغاء حزام الفقر حول بغداد من الصرائف وبيوت الطين التي أقامها مئات  الألوف من الفلاحين الهاربين من جور الإقطاع والعبودية والاستغلال ،وقيام الحكومة ببناء مدينتي الثورة  والشعلة ، وتوسيع مدينة الحرية ، وتوزيع آلاف المساكن على هؤلاء المعدمين والبؤساء .

7 ـ فتح معاهد الأيتام والأطفال المشردين ،والأحداث الجانحين ، والاهتمام بتربيتهم ،ونشأتهم نشأة صالحة .

8 ـ  تقليص ساعات العمل ، وجعلها 8 ساعات ،بعد أن كان العمال يعملون من شروق الشمس وحتى غروبها .

9 ـ  تشجيع استثمار رأس المال الوطني في المشاريع الصناعية بدلاً من الاستثمار العقاري والمضاربة العقارية .

10 ـ  تطبيق قانون الضمان الاجتماعي للعمال الذي صدر عام 1956 ،ولم ينفذ حتى قيام الثورة 

11 ـ  فتح مجال الاستيراد والتصدير لكل فئات البرجوازية الوطنية ،بعد أن كانت حكراً على كبار الرأسماليين المرتبطين بالنظام السابق .

12 ـ  حماية الصناعات الوطنية أمام المنافسة الأجنبية .

13 ـ  وضع حد لتهرب كبار الرأسماليين من دفع الضرائب .

14 ـ رفع معدلات التصدير للحبوب والجلود والتمور وغيرها .

15 ـ سن قانون ضريبي جديد ،وشمول الإنتاج الزراعي بالضريبة ، حيث كان الإقطاعيون لا يدفعون الضرائب عن الإنتاج .

16 ـ إلغاء تكبيل السجناء بالحديد ، وتخفيض عقوباتهم إلي خمس المدة .

17 ـ سن قانون مكافحة البغاء ،وإنشاء مراكز إصلاح إجبارية لكافة المومسات ،من أجل   إصلاحهن ،وتوجيههن نحو حياة جديدة ،ذات بعد إنساني ،وتأمين مصدر دخل لهن .

18 ـ توسيع وتطوير كافة الخدمات الصحية والتعليمية ، وبناء الطرق والجسور ،والمشاريع الصناعية ،قدر توفر الإمكانات المادية اللازمة لذلك .

19 ـ تأسيس جامعة بغداد ،وتوسيع القبول فيها ،من أجل تخريج الكوادر التي يحتاجها الوطن في عملية البناء والتطور والنمو ،في كافة المجالات الاقتصادية ،والاجتماعية ،والثقافية ،والصحية .

كانت هذه أهم الإنجازات التي حققتها الثورة في الأشهر الأولى من عمرها ،في الحقل الداخلي أما في الحقل الخارجي ،فقد كان أمام الثورة مهمات كبيرة ،وخطيرة ،يتعلق عليها مصير البلاد في المجالين السياسي ،والاقتصادي ،وكان على رأس تلك المهمات ما يلي :

 1ـ الخروج من حلف بغداد :

 

كان على رأس المهمات لحكومة الثورة في الحقل الخارجي الخروج من حلف بغداد ، وتحرير العراق من التبعية السياسية والعسكرية للإمبريالية ،التي تهيمن على الحلف ،والتي سخرت ثروات البلاد لكل ما يحقق أهدافها في المنطقة .

لم تستطع حكومة الثورة الإقدام على هذه الخطوة عند قيامها ، بسبب الوضع الحساس الذي كانت تمر به الثورة ،والتكالب الإمبريالي الهادف إلى إجهاضها ، لكن عضوية العراق في واقع الأمر كانت قد انتهت منذُ اليوم الأول لقيام الثورة ،ولم يشترك العراق في أي اجتماع لذلك الحلف .

وفي 24 آذار 1959  قررت حكومة الثورة الخروج من الحلف بصورة رسمية ، وقام وزير الخارجية [هاشم جواد ] في ذلك اليوم بإبلاغ سفراء بريطانيا ، وتركيا ، وإيران والباكستان بقرار العراق الانسحاب من الحلف ، وتحرير العراق من أي قيد أو معاهدة تمس سيادته واستقلاله.  وأن هذا القرار يعبر عن رغبة الشعب العراقي في التخلص من كل أشكال الهيمنة الإمبريالية ، وبذلك أصبح حلف بغداد بدون بغداد ،واضطر الإمبرياليين إلى تغير أسمه ومقره ، واصبح يدعى  [منظمة المعاهدة المركزية ] ، وتخلص العراق لأول مرة  من الهيمنة البريطانية ، منذُ احتلاله إبان الحرب العالمية الأولى ،وتمتع بحقوقه الكاملة كدولة مستقلة ذات سيادة .(15)

 

2 ـ الخروج من منطقة الإسترليني :

 

كان ضرورياً أن تُتابع حكومة الثورة تحرير العراق السياسي ، بتحرير اقتصاده من الهيمنة البريطانية والقيود التي فرضتها على العراق بارتباطه بمنطقة الإسترليني ، حيث كان الدينار العراقي يتأثر بصورة مباشرة بتقلبات الجنيه الإسترليني ، وخاصة عند ما كانت بريطانيا تقرر تخفيض عملتها ، حسبما تقتضيه ظروفها الاقتصادية ، أو نتيجة عوامل اقتصادية خارجة عن إرادتها .

لقد سبب ارتباط العراق بالإسترليني تضخماً هائلا في العملة العراقية إبان الحرب العالمية الثانية ،مما أدى إلى التردي الخطير في الأوضاع المعيشية للشعب العراقي .

كما أدى هذا الارتباط بالإسترليني إلى عرقلة الإنتاج ، وخفض أرباح التصدير والتأثير على الأسعار وأدى إلى الحد من دخول رؤوس الأموال ،وإلى الانكماش النقدي ، و الأضرار بحركة الإنتاج .(16)                                                      

وهكذا فقد كان ارتباط العملة العراقية بالإسترليني يصب في خدمة الاقتصاد البريطاني يشكل عام وكان لابدَّ لحكومة الثورة أن تُقدِّم على تحرير العملة العراقية ، وفك ارتباطها بالإسترليني .

وهكذا دعت حكومة الثورة ، الجانب البريطاني ، إلى إجراء مباحثات بين الطرفين في 31 مايس 959 ، وامتدت المباحثات حتى 4 حزيران ، حيث أعلن عبد الكريم قاسم في خطابه ،في مؤتمر المهندسين في 4 حزيران 959 عن انسحاب العراق من منطقة الإسترليني ، وبذلك أصبح العراق حراً في استعمال أرصدته الأجنبية بما يلائم مصلحة البلاد وتنويع أرصدته من العملات الأجنبية القوية ،كالدولار مثلاً ،وقد أكتسب الدينار العراقي قوة جديدة ، حيث أصبح غطاؤه مكوناً من أقوى العملات الدولية ، ومن الذهب ، بعد أن كان يعتمد على الإسترليني فقط .

أّتبع العراق خطوته هذه ،بإقامة العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول المعسكر الاشتراكي مما عزز استقلال البلاد الاقتصادي ، وبالتالي استقلاله السياسي .

 

3 ـ معركة النفط ،وصدور قانون رقم 80 لسنة 961 :

 

كان على حكومة الثورة ،بعد أن حررت العملة العراقية من هيمنة بريطانيا ،أن تُتبع ذلك باستخلاص حقوق العراق بثروته النفطية ،من شركات النفط الاحتكارية ،حيث استطاعت بريطانيا بعد احتلالها للعراق ،خلال الحرب العالمية الأولى ،الحصول على امتيازات غير عادلة لاستخراج النفط ،بالتعاون مع شركات فرنسية ،وهولندية ،وشملت مناطق الامتياز العراق كله من أقصاه  إلى أقصاه ، فقد تم مسح الأراضي العراقية من قبل الشركات ،وظهر أن العراق يملك احتياطات نفطية هائلة ،في مختلف المناطق ،إلا أن الشركات الاحتكارية لم تسع إلى استثمار النفط ،وزيادة الإنتاج واكتفت بمناطق كركوك ،وعين زاله ،في الموصل ، ،هذا بالإضافة إلى الشروط المجحفة بحق العراق لذلك الامتياز الذي فرضته بريطانيا على العراق ، مستخدمةً قضية ولاية الموصل ،ومحاولة  الحكومة التركية للاستحواذ عليها كوسيلة ضغط على الحكومة العراقية ،ومخيرة إياها إما امتياز النفط بالشروط التي تريدها ،وإما أن تذهب ولاية الموصل ، والتي تشمل محافظات الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية الى تركيا ، وهكذا رضخت العراقية لمطالب الإمبرياليين .

  ولما قامت ثورة الرابع عشر من تموز 958 ، كان عليها أن تضع نصب أعينها انتزاع حقوق العراق من شركات النفط الاحتكارية ،والعمل على رفع معدلات الإنتاج ،واستثمار الاحتياطات النفطية ،بغية تأمين الأموال اللازمة للنهوض باقتصاديات البلاد ،وإقامة المشاريع الصناعية ،والزراعية والعمرانية ،والنهوض بالخدمات الأساسية للشعب ، كمشاريع الماء والكهرباء ،والإسكان ،وبناء المدارس والمستشفيات ،وشق الطرق ،وبناء السدود ،واستصلاح الأراضي الزراعية ،وكثير غيرها من المشاريع الطموحة ،والتي كان العراق بأمس الحاجة إليها ، لكثرة ما يعانيه من تخلف في كافة المجالات .

وعلى ذلك فقد سعت حكومة الثورة ، بعد أن رسخت الثورة أقدامها ، إلى دعوة الشركات النفطية لإجراء مفاوضات من أجل تعديل الاتفاقيات النفطية ،واستخلاص حقوق الشعب العراقي في ثروته ، والعمل على إشراك العراق برأسمال الشركات المستثمِرة وإشراكه في مجالس إدارتها .

كان عبد الكريم قاسم قد نوه في أوائل أيام الثورة عن نيته في إجراء المفاوضات مع شركات النفط لاستخلاص حقوق العراق في إحدى خطبه أمام حشدٍ كبيرٍ من جماهير الشعب حيث قال : {إن حكومة الثورة سوف تفي بتعهداتها ، ولكنها سوف تعمل من أجل المحافظة على مصلحة البلاد الوطنية العليا ، وآمل بأن شركات النفط سوف تتجاوب مع رغبة الحكومة في الاستمرار باستثمار مصادر ثروتها النفطية لفائدة الاقتصاد الوطني } .

لقد أراد عبد الكريم قاسم إفهام شركات النفط ، أن العراق لن يرضى أن تتحكم فيه شركات النفط كما تشاء ،وأن مصلحة الوطن فوق كل المصالح .

هكذا إذاً دعت حكومة الثورة ، بعد تم تثبيت أركان النظام الثوري الجديد ، إلى إجراء المفاوضات حول المسائل التالية :

  1ـ توسيع الاستثمار ليشمل كافة المناطق التي استحوذت عليها شركات النفط بموجب الامتيازات المعقودة مع العراق ،وخاصة تلك المناطق التي ثبت وجود احتياطات نفطية هائلة فيها مثل حقل الرميلة .

 2 ـ طلب العراق زيادة حصته من واردات النفط ،حيث أن معظم تلك الواردات تذهب إلى جيوب الشركات الاحتكارية ،ولم يكن يصيب العراق منها إلا القليل .

 3 ـ طلب العراق المساهمة في رأسمال الشركات المنتجة للنفط لكي يرفع من حصته من الإنتاج ولكي يكون له أعضاء في مجالس إدارتها .

 4 ـ طلب العراق إجراء تصحيح أسس حسابات النفقات والأسعار ،ورفع الغبن الذي أصاب العراق جراء تلاعب شركات النفط بها .

 5 ـ طلب العراق أن تكون مصافي النفط في العراق خاضعة للدولة ،وملكاً لها ،ورفع يد شركات النفط العاملة في العراق عنها .

هذه هي أهم المطالب التي قدمها العراق لشركات النفط عند بدء المفاوضات معها في أوائل شهر آب 958 ، إضافة إلى الطلبات الثانوية الأخرى . (17)

لم تبدِ الشركات النفطية أي مرونة ، أو تنازل تجاه مطالب العراق ، وخاصة حول الطلب الأول وأصرت على مواقفها في جميع مراحل المفاوضات التي دامت أكثر من سنتين ، وكل ما حصل عليه العراق في مفاوضاته تلك لا يعدُ أن يكون في المسائل الثانوية ، مما دفع قيادة الثورة إلى توجيه إنذار للشركات النفطية بسحب المناطق غير المستثمَرة والتي يشكل مجموعها حوالي 9،99% من مناطق الامتياز إذا لم تقم الشركات بالاستثمار فيها .أما شركات النفط ،فقد تحدت حكومة الثورة فيما إذا كانت قادرة على الأقدام على مثل هذه الخطوة على الرغم من أن الوفد العراقي المفاوض ابلغ الشركات النفطية عن عزم الحكومة العراقية  الأكيد على استرجاع حقوقه، وسحب المناطق غير المستثمرة ، واستثمارها وطنياً ، كان جواب رئيس الوفد المفاوض لشركات النفط ينم عن التحدي قائلا للوفد العراقي ،جوابا على الإنذار  [سوف نرى ] !!وكان يبدو واضحاً من هذا الكلام ،أن شركات النفط سوف تمنع ذلك ،بكل الوسائل والسبل ،وفي المقدمة من ذلك إسقاط النظام الثوري في العراق .

لقد كانت شركات النفط تبغي الضغط على حكومة الثورة ، لعرقلة كل مشاريعها الطموحة لتطوير البلاد في كافة المجالات متذرعة ببنود المعاهدة المفروضة على العراق فرضاً . وفي سبيل تنفيذ خططها المعادية لعراق الثورة بدأت تكيل التهديدات لعبد الكريم قاسم وحكومته ، وعملت كل ما في وسعها لبث الشقاق والصراع بين أطراف جبهة الاتحاد الوطني ، ودفعها للتناحر من أجل تهيئة الظروف لتوجيه الضربة القاضية للنظام الثوري في العراق ، ولم تقدم سوى تنازلات ثانوية فقط كان من بينها التنازل عن مصفى الدورة في بغداد ، ومصفى الوند في خانقين ، والتنازل عن امتياز شركة خانقين ،وإلغاء وكالة التوزيع لشركة نفط خانقين ، واستلام العراق شؤون التوزيع ، وتعريب المصافي المذكورة ، والاستغناء عن خدمات الأجانب فيها ، وإنشاء جهاز لتوزيع الغاز السائل على المستهلكين (18)

لم تجد قيادة الثورة بُداً من تنفيذ تهديداتها لشركات النفط ،لاسترجاع حقوق العراق في ثروته بعد تلك المفاوضات العقيمة ،والتي دامت مدة طويلة ،دون التوصل إلى نتائج حاسمة تلبي مطالب العراق حيث أعلن عبد الكريم قاسم ،في 21 كانون الأول 1961  قانون رقم 80 لسنة 1961،والذي تم بموجبه استعادة 99,9 % من مناطق الامتياز من شركات النفط ،وجاء القانون ضربة قاصمة لتلك الشركات  أفقدتها صوابها وجعلتها تصمم على اغتيال ثورة 14تموز وقائدها عبد الكريم قاسم .(19)

4 ـ توقيع اتفاقية التعاون الاقتصادي مع الاتحاد السوفيتي :وضعت حكومة ثورة الرابع عشر من تموز نصب أعينها استكمال تحرر العراق الاقتصادي وإقامة العلاقات الاقتصادية مع سائر بلدان العالم ،وخاصة بلدان المعسكر الاشتراكي ،التي كان النظام السابق قد قطع كل صلاته بها ،بضغط من الإمبرياليين مما

جعل الاقتصاد العراقي وحيد الجانب تتحكم به الدول الإمبريالية حسب مشيئتها .

وهكذا ،أقدمت حكومة الثورة على إعادة علاقاتها الاقتصادية ،والسياسية ،مع تلك البلدان وعملت جاهدة للاستفادة من إمكانيات وخبرات الاتحاد السوفيتي ،وسائر البلدان الاشتراكية من أجل إقامة المشاريع الحيوية التي يحتاجها العراق ،وتحرير تجارة العراق من هيمنة الإمبرياليين وشروطهم المجحفة بحقه .

وجاءت اتفاقية التعاون الاقتصادي مع الاتحاد السوفيتي تتويجاً للعلاقات الجديدة  القائمة على أساس  احترام سيادة العراق ،واستقلاله ،وعدم التدخل في شؤونه الداخلية ،والمنفعة المشتركة واستطاع العراق بموجب هذه المعاهدة ،الحصول على قرض بمبلغ 55 مليون دينار عراقي، بفائدة بسيطة لا تتجاوز 2,5 % سنوياً ،لتغطية نفقات التصاميم ،والمسوح ،والبحوث ،وكذلك المكائن والآلات والمعدات ، والاستفادة منها خلال 7 سنوات من تاريخ توقيع الاتفاقية .

وبموجب الاتفاقية تعهد الاتحاد السوفيتي بتقديم كافة المساعدات الفنية ،والخبراء ،والاستشارات ونصب المشاريع ،وتنفيذها ،وتدريب العراقيين للعمل عليها ،وقد شملت تلك المشاريع ، الفولاذ والأسمدة ،والكبريت ،والأدوية ،ومعامل إنتاج الكائن والآلات الزراعية ،ومعمل اللوازم والعدد الكهربائية ،ومعمل المصابيح الكهربائية ،ومحطة إذاعة ،مع أربع مرسلات ،ومعمل للزجاج ومعامل للمنسوجات القطنية ،والصوفية ،والتريكو ،ومعمل للتعليب ،وبناء سايلوات كونكريتية للحبوب ومساعدات فنية لتأسيس خمس مزارع حكومية ، ومشاريع الري ، وبزل الأراضي ، وتأسيس أربعة محطات لتأجير التراكتورات ، هذا بالإضافة إلى القيام بأعمال المسح الجيولوجي وتصليح الأجهزة الجيولوجية .كما نصت الاتفاقية على بناء خط سكة حديد جديد ، بين بغداد والبصرة .(20)

لقد اعتبرت تلك الاتفاقية خطوة جريئة من جانب حكومة الثورة لبناء القاعدة الأساسية للاقتصاد العراقي ،وتحريره من التبعية للدول الإمبريالية .

كما استطاعت حكومة الثورة أن تعقد مع الاتحاد السوفيتي ،اتفاقية أخرى لتسليح الجيش العراقي والحصول على الأسلحة المتطورة التي حرمه منها الإمبرياليين ،وبأسعار تقل كثيراً عن الأسلحة الغربية .(21)

 
التوثيق

 

 (1)إذاعة وتلفزيون بغداد صبيحة 14 تموز ، ونشرته كافة الصحف الصادرة في بغداد

 (2) ثورة 14 تموز ـ د. ليث الزبيدي .ـ ص 181 .

 (3)نفس المصدر السابق ـ ص 211 .

 (4)  نفس المصدر السابق  ص 212

 (5) نفس المصدر

 (6) نفس المصدر ـ ص207

 (7)عبد الناصر والعالم ـ محمد حسنين هيكل ـ ص 189

 (8) السياسة الخارجية السوفيتية بين عامي 1955 ت 1965ـ حماد خيري

 (9) أحمد نوري ـ السياسة الخارجية التركية بعد الحرب العالمية الثانية ـ ص 262

 (10)ثورة 14 تموز ـ ليث الزبيدي ـ ص208

 (11)إذاعة وتلفزيون بغداد ـ 14 تموز 1958 .

 (12) صحيفة البلاد ـ العدد 5268 ـ بتاريخ 18 تموز 1958

 (13)إذاعة وتلفزيون بغداد ـ 30 أيلول 1958 ، ونشرت نصه الصحف كافة في اليوم التالي .

 (14) الإصلاح الزراعي في العراق - عبد الرزاق الظاهر - ص 15 .

 (15) مذكرة وزارة الخارجية العراقية / الدائرة السياسية / الشعبة الغربية / الرقم غ /63/63/13 .) خطاب        (16)الزعيم عبد الكريم قاسم في مؤتمر المهندسين في 4 حزيران 1959 ، ونشرته الصحف كافة .       

 (17) هذا طريق 14 تموز ـ ابراهيم كبه ـ ص 41 .

  (18) المصدر السابق  ـ ابراهيم كبه ـ ص 43 .

 (19) نفس المصدر ـ ص 45 .

 (20) دراسة حول اتفاقية التعاون الاقتصادي بين الجمهورية العراقية و الاتحاد السوفيتي ـ د . محمد علي رضا الجاسم ـ ص 3 ، 4 . (21) نفس المصدر السابق