Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review

ألفصل ألحادي عشر

 

 

جمهورية البعث الثانية

 

 

أولاً : الإمبريالية تعد للانقلاب على حكومة عبد الرحمن عارف.

ثانياً : كيف أعد الانقلاب ؟ ومن قاده ؟

ثالثاً : كيف نفذ الانقلاب في 17 تموز 1968  ؟

رابعاُ : الإنقلابيون يتقاسمون المناصب .

خامساً : الصراع بين جناحي البعث والنا يف ، والبعث يحسم الصراع لصالحه.

سادساً :ظهور صدام حسين ، الشخصية الثانية في السلطة .

سابعاً : البعث والعلاقات مع إيران .

ثامناً : الصراع داخل قيادة البعث .

تاسعًاً : محاولة ناظم كزار الانقلابية .

عاشراً : صدام حسين ينشئ الجيش الشعبي .

أحد عشر : البعثيون يحاولون التقرب من الشعب ، وقواه السياسية .     

 

 

أولاً : الإمبريالية تُعد للانقلاب على حكم عبد الرحمن عارف :

 

 لماذا أعد الانقلاب ؟

لاشك أن هناك أمورٌ كثيرة فيما يخص الوضع السياسي في العراق كانت أقلقت الإمبرياليين الأمريكيين والبريطانيين ، وجعلتهم يستبقون الأحداث ، ويدبرون انقلابهم ضد حكومة عبد الرحمن عارف ، وكان أهم تلك الأمور ما يلي :

1 - ضعف سلطة عبد الرحمن عارف ، وتنامي النشاط الشيوعي من جديد ، وظهور اتجاهات لدى الحزب ، و القيادة المركزية ، للسعي لقلب الحكم بالقوة، واستلام السلطة ، مما أثار قلق الإمبرياليين  الذين وضعوا في الحسبان إمكانية إسقاط ذلك النظام الهش ، الذي يفتقر لأي سند شعبي ،وتتآكله الصراعات بين الضباط المهيمنين على السلطة ، وانشغالهم في السعي للحصول على المكاسب ، والمغانم ، مما جعل الحكم في فوضى عارمة يمكن أن تُسّهل عملية الانقضاض عليه ، وتوجيه الضربة القاضية له .كما أن محاولات القوى الناصرية تحقيق الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة ، كانت تسبب للإمبرياليين المزيد من القلق ، لأن الوحدة تشكل أكبر خطر على الوجود الإمبريالي في المنطقة  وعلى إسرائيل ، القاعدة المتقدمة للإمبرياليين  وسيفهم المسلط على رقاب العرب .                                                  

2 - قرار حكومة طاهر يحيى ، في 6 آب 967 ، باستعادة حقل الرميلة الشمالي من شركة نفط العراق ، وإلحاقه بشركة النفط الوطنية ، ومعروف أن هذا الحقل غني جداً بالنفط ، مما أثار حنق شركات النفط الاحتكارية التي اعتبرته تحدياً جدياً لمصالحها الإمبريالية .                                                                   

3 - عقد اتفاقية نفطية مع الاتحاد السوفيتي ، بتاريخ 24 كانون الأول 967 ، تعهد الاتحاد السوفيتي بموجبها بتقديم كل المساعدات التقنية وتجهيزات الحفر لحقل الرميلة الشمالي ، واستخراج النفط  وتسويقه لحساب شركة النفط الوطنية ، وقد اعتبرت الإمبريالية هذا الأمر تغلغلاً سوفيتياً في هذه المنطقة الهامة التي تحتوي على نصف الخزين من الاحتياطات النفطية في العالم، واتخذت قرارها بالتصدي لهذا التغلغل المزعوم .                                                                                 

4- إقدام حكومة عارف على عقد اتفاقية نفطية مع شركة [ إيراب ] الفرنسية للتنقيب والحفر  واستخراج النفط في منطقة تزيد مساحتها على [ 11000]كم مربع تقع في وسط وجنوب العراق ،وذلك بمعزل عن الاحتكارات النفطية البريطانية والأمريكية ، حيث اعتبر ذلك تجاوزاً على مصالحهما النفطية في المنطقة .

5 - رفض حكومة عارف منح شركة [ بان اميركان ] الأمريكية امتيازاً لاستخراج الكبريت في العراق ،حيث اكتشفت كميات كبيرة منه على نطاق تجاري مما أثار نقمة الحكومة الأمريكية . (1)

كل هذه العوامل جعلت الإمبريالية تقرر قلب النظام العارفي الهش والإتيان بحكومة جربتها يوم دبرت انقلاب 8 شباط 963 ،تلك التي أعلنت الحرب الشعواء على الشيوعيين ،وكل الوطنيين ، واغتالت ثورة الرابع عشر من تموز، وقائدها عبد الكريم قاسم ،وصفت كل منجزات الثورة التي دفع الشعب العراقي من أجلها دماء غزيرة .

 

ثانياً : كيف أُعدّ الانقلاب ؟ وَمنْ قاده ؟

 

جرت عملية الإعداد للانقلاب من قبل الدوائر الإمبريالية في كل من بريطانيا والولايات المتحدة حيث سعت تلك الدوائر لتعاون العناصر الموالية لكلا الجانبين . فهناك البعثيون على الجانب الأمريكي ، وعبد الرزاق النايف وإبراهيم عبد الرحمن الداؤد وزمرتهما على الجانب البريطاني .

كان النايف يشغل منصب رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية ، فيما كان الداؤد يشغل منصب آمر الحرس الجمهوري .

سارع الإمبرياليون ، عن طريق عميليهما الدكتور [ ناصر الحاني ] ، سفير العراق في بيروت ، وبشير الطالب ، الملحق العسكري في السفارة المذكورة ، والذي سبق أن شغل قيادة الحرس الجمهوري في عهد عبد السلام عارف ،حيث تمت الاتصالات بالانقلابيين وتجنيدهم من خلال السعودية ،وقد قام النايف والداؤد بالاتصال بسعدون غيدان ، آمر كتيبة الدبابات المكلفة بحماية القصر الجمهوري ،والملحقة بالحرس الجمهوري ،واستطاعا جره إلى جانبهما .

وبعد أن تم للإمبرياليين تأمين اشتراك القادة الثلاثة في الانقلاب طلبوا من النايف الاتصال بالبعثيين  ودعوتهم للمشاركة في الانقلاب .وجد البعثيون فرصتهم الذهبية للعودة إلى الحكم من جديد ، وأعلنوا على الفور استعدادهم للمشاركة في الانقلاب ، فقد ورد ذلك على لسان عبد الرحمن عارف ، في حديث له في اسطنبول ، في  18 شباط 1970 ، حيث قال :

{ إن النايف لم يكن إلا أداة حركها إغراء المال ،وإن شركات النفط العاملة في العراق ، والقوى التي تقف وراءها كانت قد سعت منذُ منحت حكومته عقداً لشركة [يراب ] الفرنسية ، وعقد اتفاقية التفاهم والمساعدة الفنية مع الاتحاد السوفيتي لاستثمار حقل الرميلة الشمالي الذي تم سحبه من شركة نفط العراق ، وإلحاقه بشركة النفط الوطنية ، وكذلك حجب الحكومة امتياز الكبريت عن شركة [ بان أميركان ] الأمريكية ، سعت إلى البحث عن عملاء يعملون على تدمير حكمه ، ووجدوا في النهاية أن عبد الرزاق النايف ، هو الرجل الذي يحتاجون إليه ، واشتروه من خلال السعودية بواسطة الوسيطين الدكتور ناصر الحاني و بشير الطالب وأكد عبد الرحمن عارف أنه يقول هذا عن معرفة أكيدة وليس مجرد شكوك } .(2)

أما عبد الرزاق النايف فقد أكد دوره في ذلك المخطط ،بعد أن قام البعثيون بانقلابهم ضده،  بعد  مرور 13يوماً من تنفيذ انقلاب 17تموز 968 ،ونفيه إلى خارج العراق ،حيث عقد مؤتمراً صحفياً فضح فيه دوره ودور شركائه البعثيين في الانقلاب وعلاقاتهم بالإمبريالية حيث قال :

{ أنا لا أنكر علاقتي  بالأمريكيين لكنهم هم الذين فرضوا عليَّ التعاون مع البعثيين}  وكان عرّاب الانقلاب الدكتور ناصر الحاني ،الذي أصبح وزيراً للخارجية عند وقوع الانقلاب ،وقد سارع البعثيون إلى اغتياله في أحد شوارع بغداد ،ثم اتبعوه باغتيال النايف بعده في لندن ،محاولين بعملهم هذا حجب نور الشمس بواسطة الغربال !! .

 

ثالثاً : كيف نفذ انقلاب 17 تموز 968   

 

سارع عبد الرزاق النايف إلى إعداد خطة تنفيذ الانقلاب بالاشتراك مع إبراهيم عبد الرحمن الداؤد ، وسعدون غيدان ، واحمد حسن البكر ، وصالح مهدي عماش ،

وحردان عبد الغفار التكريتي ،وأنور عبد القادر الحديثي ،حيث جرى الاتفاق فيما بينهم على تفاصيل خطة الانقلاب ، معتمدين على كتيبة الدبابات التي كانت في القصر تحت إمرة سعدون غيدان ،وجرى الاتفاق على أن يأخذ  سعدون غيدان كل من أحمد حسن البكر ، وصالح مهدي عماش ، وحردان التكريتي بسيارته الخاصة إلى داخل القصر الجمهوري ليقوموا جميعاً بالسيطرة على كتيبه الدبابات فجر يوم 17 تموز 968 ،فيما يقوم عبد الرزاق النايف بالسيطرة على وزارة الدفاع ،وأنيطت مهمة السيطرة على دار الإذاعة إلى إبراهيم الداؤد .

وفي فجر ذلك اليوم قام سعدون غيدان بإدخال الضباط المذكورين ـ وهم يمثلون حزب البعث ـ بسيارته الخاصة ، وتم لهم على الفور السيطرة على كتيبة الدبابات المذكورة ، وأحاطوا بها القصر ، وقاموا بإطلاق 5 إطلاقات من مدافع الدبابات كخطوة تحذيرية لعبد الرحمن عارف ، الذي استيقظ من نومه مذعوراً ، وحالما وجد القصر مطوقاً بالدبابات ، أعلن استسلامه على الفور ، وطلب تسفيره إلى خارج العراق .

وفي الوقت نفسه تحرك عبد الرزاق النايف نحو وزارة الدفاع ، بمساعدة عدد من الضباط الموالين له ، وسيطر على الوزارة دون عناء ، فيما توجه الداؤد إلى دار الإذاعة بعدد من الدبابات وسرية من الحرس الجمهوري ، وسيطر عليها دون قتال ، و قام بإذاعة البيان الأول للانقلاب في الساعة السابعة والنصف من صباح ذلك اليوم 17 تموز 968.

حاول الإنقلابيون في بيانهم هذا التغطية على الأهداف الحقيقية للانقلاب ، وجرى ذلك تحت شعار حل القضية الكردية ، وإحلال السلام في كردستان ، وإقامة الديمقراطية في البلاد ، وإتاحة الفرص المتساوية للمواطنين ، وانتصار حكم القانون ، والتأييد الحازم للقضية الفلسطينية ، داعين إلى تحديد مسؤولية الهزيمة في حرب حزيران ، ولم ينسَ البيان التهجم على الحكم السابق ، واتهامه بشتى التهم ، من رجعية  وعمالة وغيرها .

وخلال الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم تم للانقلابيين السيطرة على البلاد ، وانتهى كل شيء  وجرى اعتقال رجالات النظام العارفي ، وعلى رأسهم رئيس الوزراء [ طاهر يحيى ] ، وجرى على الفور تسفير رئيس الجمهورية ، عبد الرحمن عارف ، بطائرة عسكرية إلى لندن ، حيث كانت زوجته تعالج هناك ، ثم انتقل بعد ذلك إلى تركيا واتخذها مقراً لإقامته لسنين عديدة . ولكونه لا يشكل خطراً على النظام ، فقد وافق البعثيون على طلبه بالعودة إلى العراق ، بعد سنين عديدة ليعيش حياته كمواطن عادي .

أما الشعب العراقي فقد أستقبل الانقلاب ببالغ القلق والاكتئاب ،فالوجوه هي نفسها التي أغرقت البلاد بالدماء، إثر انقلاب 8 شباط عام  1963 .

 

رابعاً : الإنقلابيون يتقاسمون المناصب :

 

ما أن أستتب الأمر للانقلابيين حتى سارعوا إلى توزيع المناصب الهامة في البلاد ، فأعلنوا عن تعيين أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية ، فيما أصبح عبد الرزاق النايف رئيساً للوزراء ،كما عُيين إبراهيم الداؤد وزيراً للدفاع ، وجاءت وزارة النايف على الوجه التالي :

 1 -عبد الرزاق النايف   ـ رئيساً للوزراء

2 -إبراهيم عبد الرحمن الداؤد ـ وزيراً للدفاع

3 -ناصر الحاني ـ وزيراً للخارجية

4 - صالح مهدي عماش ـ وزيراً للداخلية 

5 - عزت مصطفى ـ وزيراً للصحة

6- مهدي حنتوش ـ وزيراً للنفط

7 -جاسم العزاوي ـ وزيراً للوحدة

8 - إحسان شيرزاد ـ وزيراً للأشغال

9 - صائب مولود مخلص ـ وزيراً للمواصلات

10 -ذياب العلكاوي ـ وزيراً للشباب

11- صالح كبه ـ وزيراً للمالية 

12-محمد يعقوب السعيدي ـ وزيراً للتخطيط

13 - طه الحاج الياس ـ وزيراً للإرشاد

14ـ عبد المجيد الدجيلي ـ وزير الإصلاح الزراعي

15 ـ خالد مكي الهاشمي ـ وزيراً للصناعة

16 ـ محمود شيت خطاب ـ وزيراً للبلديات

17 ـ عبد الله النقشبندي ـ وزيراً للاقتصاد

18ـ عبد الكريم زيدان ـ وزيراً للأوقاف

19 ـ أحمد عبد الستار الجواري ـ وزيراً للتربية

20 ـ أنور الحديثي ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية

21 ـ محسن القزويني ـ وزيراً للزراعة

22 ـ رشيد الرفاعي ـ وزيراً لشؤون رئاسة الجمهورية

23 ـ محسن ديزئي ـ وزيراً بلا وزارة

24 ـ كاظم معله ـ وزيراً بلا وزارة

25 ـ ناجي خلف ـ وزيراً بلا وزارة

وبموجب هذه التشكيلة اصبح للبعثيين ثمانية مقاعد وزارية ، فيما شغل الأكراد ثلاثة مقاعد، والإخوان المسلمون مقعدين ، وشغل بقية المقاعد وعددها اثنا عشر مقعداً عناصر من مختلف الاتجاهات القومية والرجعية .

أما المراكز العسكرية  الحساسة فقد جرى توزيعها على الوجه التالي :

1 ـ سعدون غيدان ـ قائداً للحرس الجمهوري ، وقد كسبه البعثيون إلى جانبهم .

2 ـ حردان التكريتي ـ رئيساً للأركان ، وقائداً للقوة الجوية .( بعثي)

3 ـ حماد شهاب ـ قائداً للواء المدرع العاشر ، وهو أقرب واخطر وحدة عسكرية على بغداد وهو من العناصر البعثية أيضاً .

بدأ البعثيون منذُ الساعات الأولى للانقلاب يعملون بأقصى جهدهم لتثبيت مواقعهم في صفوف الجيش ، واستغل حردان التكريتي فرصة سفر الداؤد إلى الأردن ، لتفقد القوات العراقية هناك ، بكونه رئيساً للأركان ، بإجراء مناقلات لعدد كبير من الضباط الموالين لحزب البعث ، تمهيداً لمخططهم الهادف إلى إزاحة كتلة النايف ، واحتكار الحكم لحزب البعث وحدة .

 

خامساً : الصراع بين جناحي البعث والنايف : 

 

منذُ اليوم الأول للانقلاب ، بدت بوادر الخلافات بين كتلتي البعث والنايف ، فلم كن أحدهما مرتاحاً لوجود الآخر في السلطة ، إلا أن الظروف التي تحدثنا عنها سابقاً ، وإرادة الإمبرياليين ، هي التي جمعتهم في هذه التركيبة غير المتجانسة .

كانت صحيفة البعث [ الجمهورية ] ، وصحيفة النايف [ الثورة ] على طرفي نقيض ، وبلغ ذلك التناقض حداً أضطر فيه وزير الإرشاد إلى إصدار قرار، في 24 تموز بدمج الصحيفتين ، بناء على أمر النايف ، وطرد المحررين البعثيين من الصحيفة ، كما قرر النايف إبعاد البعثيين من دار الإذاعة ، ومنعهم من الدخول إليها ، واستغل البعثيون قرارات النايف الاقتصادية ، والتي صبت كلها بشكل سافر في خانة الإمبريالية الأمريكية، واتخذوها سلاحاً ضده .

لقد كانت باكورة توجهات النايف تلك قد تضمنت ما يلي :

1 ـ إلغاء عقد شركة [ أيراب ] الفرنسية للنفط ، والتي كانت قد عقدته حكومة عبد الرحمن عارف قبل وقوع الانقلاب .

2 ـ إلغاء قرار إعادة حقل الرميلة الشمالي إلى شركة النفط الوطنية .

3 ـ إلغاء شركة النفط الوطنية العراقية .

4 ـ محاولة منح شركة [ بان اميركان ] امتياز استغلال الكبريت .

 

حزب البعث يحسم الصراع ،ويستولي على كامل السلطة :

 

منذُ اليوم الأول لانقلاب 17 تموز 968 ، كان حزب البعث قد أتخذ قراره بإزاحة كتلة النايف ، واستلام السلطة كاملة ، وقد أشرنا إلى أن الحزب كان قد أستقطب كل من [حماد شهاب ] قائد اللواء المدرع العاشر ، المكلف بحماية بغداد ، و[سعدون غيدان ] الذي أصبح قائداً للحرس الجمهوري بعد نجاح الانقلاب ، هذا بالإضافة إلى تولي حردان التكريتي منصب رئاسة الأركان ، وقيادة القوة الجوية ،وتولي صالح مهدي عماش وزارة الداخلية ،وفي المقدمة من كل ذلك تولي [احمد حسن البكر ] رئاسة الجمهورية ، ولذلك فقد كان الجو مهيئاً لحزب البعث لكي يضرب ضربته  ويزيح كتلة النايف من طريقه .

وجاء سفر [إبراهيم الداؤد ] ،وزير الدفاع إلى الأردن ، لتفقد القوات العراقية المتواجدة في الأردن ، فرصة لا تضيع للانفراد بالنايف ،حيث قرر حزب البعث توجيه ضربته الخاطفة له في 30 تموز، ولما يمضي على الانقلاب سوى 13 يوماً ، فقد تحرك اللواء العاشر المدرع ،بقيادة اللواء حماد شهاب نحو بغداد ،واحتل المرافق والنقاط الرئيسة فيها ،وتمكن [ صدام حسين ] وبمعيته مجموعة من الضباط من اعتقال النايف ،وتسفيره على متن طائرة عسكرية إلى خارج العراق ،وجرى حل مجلس الوزراء وتأليف وزارة بعثية جديدة ،كما تم تأليف مجلس دعوه [ مجلس قيادة الثورة ] ومنحوه صلاحيات واسعة ، تشريعية وتنفيذية .وجاء تأليفه على الوجه التالي :

1 ـ أحمد حسن البكر ـ رئيساً للمجلس .

2ـ صدام حسين التكريتي ـ نائباً للرئيس.

3 ـ سعدون غيدان ـ عضواً

4 ـ عزت الدوري ـ عضواً

 5 ـ طه ياسين رمضان ـ عضواً

6 ـ عزت مصطفى ـ عضواً

ثم أضاف البعثيون إليه أعضاء جدد في 9 تشرين الأول من نفس العام ليصبح عدد هم 14 عضواً ، أما الأعضاء المضافان فهم كل من :

1ـ حردان التكريتي  ـ عضواً .

2ـ صالح مهدي عماش ـ عضواً .

3ـ حماد شهاب    ـ عضواً .

4ـ عبد الكريم الشيخلي ـ عضواً .

5ـ عبد الله سلوم السامرائي ـ عضواً.

6 ـ شفيق الكمالي ـ عضواً .

7 ـ عبد الخالق السامرائي ـ عضواً.

8 ـ مرتضى الحديثي ـ عضواً .

 ويتضح من تشكيلة المجلس ، ومجلس الوزراء ، والقيادة القطرية للحزب ، أن العنصر السني كانت له الأغلبية المطلقة [ حوالي 84,9% ]،فيما تراجع العنصر الشيعي إلى [ 5.7 % ] ،وكانت أغلبية القيادات من محافظتي تكريت والرمادي السنيتين .

 

موقف الشعب من انقلاب 17 ـ 30 تموز 968 :

 

قابل الشعب العراقي انقلاب 17 ـ30 تموز بالقلق وعدم الارتياح ، بسبب التاريخ الدموي للبعثيين عندما جاءوا إلى الحكم إثر انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963 ، واغرقوا البلاد بالدماء ، واستباحوا حرمات المنازل ،وزجوا بمئات الألوف من الوطنيين في غياهب السجون ،ومارسوا ابشع أساليب التعذيب الجسدي والنفسي ضدهم ، وفصلوا عشرات الألوف من أعمالهم ووظائفهم ومدارسهم وكلياتهم ، وصفوا كل مكاسب ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة .

وفي الوقت نفسه شعر البعثيون بالضعف ، بسبب ابتعاد جماهير الشعب عنهم ، ودفعهم خوفهم من فقدان السلطة إلى اللجوء إلى الأساليب الوحشية والعنيفة لإخافة القوى العسكرية والسياسية ، ومنعها من القيام بأي تحرك ضد سلطتهم ،وقد توجوا عملهم ذلك بحملة إعدامات وحشية لعدد من المواطنين ،بتهمة التجسس للأجنبي !!، وتعليقهم في ساحة التحرير ،فقد اعدم البعثيون 29 ضابطاً وضابط صف رمياً بالرصاص ،بالإضافة إلى 12 مدنياً أُعدموا شنقاً .

كما أقدم البعثيون على إعدام 77 ضابطاً ، في 7 شباط 1969 ، بتهمة الاشتراك في محاولة انقلابية  بقيادة الزعيم الركن عبد الغني الراوي ، شريكهم في انقلاب 8 شباط 963 ، والذي تمكن من الهرب إلى إيران .

لقد جرت حملة الاعدامات ،بعد محاكمات صورية سريعة ،من قبل طه ياسين رمضان ،الملقب بالجزراوي ،ولقبه الشعب العراقي بالجزار ،وبمعيته عدد من أعضاء القيادة القطرية للحزب .وخلال دقائق ،كانت المحاكمات تجري وتصدر قراراتها ، وتنفذ أحكام الاعدامات بالضباط المتهمين بالمحاولة الانقلابية المزعومة ،وقد ظهر بعد ذلك ،أن العديد من أولئك المعدومين ثبت عدم تورطهم بالمحاولة المزعومة ،وتم إرسال رسائل اعتذار إلى ذويهم !!!.

وبصرف النظر عن صحة أو كذب وقوع تلك المحاولة ، فقد كان هدف البعثيين إفهام القوى السياسية والعسكرية أن حزب البعث سوف يضرب بيدٍ من حديد ، كل من يفكر بالتصدي لحكمهم .

 

سادساً : صدام حسين ، الشخصية الثانية في السلطة البعثية :

 

عُرف صدام لدي الشعب العراقي لأول مرة عند اشتراكه في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم  عام 1959 ،وكان لا يتجاوز الثانية والعشرين من عمره ،حيث فشلت المحاولة ،وهرب صدام حسين وعدد من زمرة الاغتيال إلى سوريا ،ثم أنتقل منها إلى القاهرة ، بضيافة الحكومة المصرية، وبقي هناك حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963 ،حيث عاد إلى العراق ليساهم مع زمر القتلة ، في عمليات التعذيب والقتل ضد الشيوعيين وسائر الوطنيين .

وخلال فترة بقائه في القاهرة ،تلقفته السفارة الأمريكية لتجنيده لمصلحة المخابرات الأمريكية ، فقد ذكر وزير الدفاع السوري [ مصطفى طلاس ] في مقابلة صحفية مع صحيفة الشرق الأوسط ، بأن الرئيس عبد الناصر قد أخبره عند مقابلته له في القاهرة لتعزيته باستشهاد الفريق رئيس أركان الجيش المصري [ عبد المنعم رياض ] عام 1969 ،أن صدام حسين هو رجل أمريكا الأول في المنطقة ، وإنه كان دائم التردد على السفارة الأمريكية بالقاهر ،وأن المخابرات المصرية قد صورت ورصدت كل تحركاته واتصالاته بالسفارة الأمريكية .

ولد صدام حسين في 28 نيسان 1937 ، من أب غير معروف عنه شيئاً ،وقيل أنه كان يعمل فلاحاً في قرية [العوجة ]،غير أن صدام كان قد عاش في كنف خاله الضابط المتقاعد خير الله طلفاح مسلط .

أما أمه فهي [ صبحه طلفاح مسلط ] شقيقة خير الله طلفاح ،ومعروف عنها أنها تزوجت بأربعة رجال ، وولدت من أزواجها الأربعة عدد من الأخوة ،غير الأشقاء لصدام منهم برزان  ووطبان  وسبعاوي ،أبناء إبراهيم الحسن .

 كان صدام حسين يظهر ميولاً عدوانية منذُ بداية نشأته ،وعندما صار صبياً أقترف أول جرائمه ، بقتله أحد أقربائه الحاج سعدون ،مسؤول الحزب الشيوعي في تكريت ،كما حاول قتل أحد مدرسيه حيث أطلق عليه الرصاص وطرد على أثر ذلك من المدرسة .

أنخرط صدام حسين في صفوف حزب البعث بعد ثورة 14 تموز958 ،ولعب دوراً بارزاً في أعمال الاعتداء والإجرام الذي مارسه الحزب ضد العناصر الوطنية ،وقد حكمت عليه محكمة الشعب بالإعدام لاشتراكه في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم .

وعندما عاد حزب البعث إلى الحكم بعد انقلاب 17 ـ 30 تموز ،زُورت شهادته الدراسية ليصبح خريج الدراسة الإعدادية ،ثم أصبح خريج كلية الحقوق ،وأخيراً دكتوراً في القانون !! ،وهو لا يفهم من القانون سوى القتل ،وتعذيب الأبرياء .

وبعد انقلابه على سيده أحمد حسن البكر عام 1979 ،أعلن نفسه رئيساً للجمهورية ،وقائداً عاماً للقوات المسلحة ،ومنح نفسه رتبة [ مهيب ركن ] وهي أعلى رتبة عسكرية في الجيش،رغم كونه لم يسبق أن أدى الخدمة العسكرية في حياته ، وأصبح هو القائد والمخطط لحروبه العدوانية ضد إيران ، والكويت ،وحرب الخليج الثانية ، دافعاً بمئات الألوف من الشباب العراقي إلى محارق الموت وجالباً للشعب العراقي من الويلات والماسي ما يعجز القلم عن وصفها .

لعب صدام حسين دوراً بارزاً في انقلاب حزب البعث على شريكه في انقلاب 17 تموز ،عبد الرزاق النايف ،حيث قام هو وزمرة من البعثيين باعتقال النايف وتسفيره إلى خارج العراق في 30 تموز ،وعيين بعد نجاح الانقلاب ضد النايف نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة ،وبدأ نجم صدام يتصاعد يوماً بعد يوم حتى اصبح الحاكم الفعلي للبلاد .

سابعاً : حزب البعث ،والعلاقات مع إيران : 

 

في عام 1969 أقدم البعثيون على إلغاء معاهدة 1937 مع إيران ، المتعلقة باقتسام مياه شط العرب  حيث كان قد أعتُبر خط التالوك الوهمي ، الذي يقسم شط العرب إلى نصفين متساويين بموجب المعاهدة المذكورة ، والتي بموجبها تستخدم إيران النصف المحاذي لها لأغراض الملاحة ، فيما يستخدم العراق القسم المحاذي له للغرض نفسه .

سبب إقدام الحكومة العراقية على إلغاء المعاهدة المذكورة توتراً شديداً في العلاقات العراقية الإيرانية ، وتطور ذلك التوتر إلى ما يشبه حرب استنزاف بين البلدين ، واستغل شاه إيران تلك الظروف في إذكاء الحرب في كردستان بين الجيش العراقي والأكراد .وقدم للثوار الأكراد المساعدات المختلفة  من أسلحة ومعدات وأغذية وأموال ،بالإضافة إلى فتح الحدود الإيرانية لهم ،وفتح مستشفيات إيران لجرحاهم .

وبسبب تلك الحرب اصبح موقف حكومة البعث ، عسكرياً واقتصادياً ،في غاية السوء مما دفع بحكام البعث إلي توسيط الرئيس الجزائري [هواري بو مدين ] لإجراء حوار مع شاه إيران من أجل التخلص من المأزق الذي أوقع حزب البعث نفسه فيه .

وبالفعل قام [هواري بو مدين] بدور الوسيط ،وتمكن من جمع شاه إيران وصدام حسين في العاصمة الجزائرية في آذار 1973 ،حيث أتفق الطرفان من جديد على العودة إلى معاهدة 1935 ،وبذلك سحب شاه إيران تأييده ،ومساعداته للثوار الأكراد ،واستطاعت حكومة البعث تشتيت الثورة الكردية ،والقضاء عليها خلال أيام معدودة .

 

*******

 ثامناً : الصراع داخل قيادة حزب البعث :

 

لم تكد تمضِ غير مدة قصيرة على حكم حزب البعث ،حتى طغى الصراع داخل قيادة الحزب على سطح الأحداث ،فقد سعى صدام حسين ،منذُ الأيام الأولى لانقلاب 30 تموز 968 إلى تعزيز سلطته على سائر قيادي الحزب بمختلف الأساليب ،سواء منها تدبير حوادث السيارات ،أو الاغتيال ،أو السجن ،أو الإعفاء من المناصب .

ففي 15 تشرين الأول 1970 صدر مرسوم جمهوري بإعفاء حردان التكريتي من منصبه كقائد عام للقوات المسلحة ،وانتهى فيما بعد بالقتل غيلة في الكويت .

وفي 28 أيلول 1971 صدر مرسوم جمهوري بإعفاء صالح مهدي عماش من منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع ،وانتهى فيما بعد إلى القتل بالسم .

 وفي نفس العام طرد عبد الكريم الشيخلي ،وزير الخارجية ،وعضو القيادة القطرية  وعضو مجلس قيادة الثورة ،وانتهى به المطاف إلى القتل غيلة في أحد شوارع بغداد.

ولم ينته مسلسل التنكيل والقتل الذي مارسه صدام حسين مع رفاق حزبه أبداً ، وما هذه سوى أمثلة قليلة من تلك الجرائم التي توّجها صدام حين قام بالانقلاب على سيده وولي نعمته البكر ،بقتله اثنان وعشرين من قادة الحزب بأبشع أساليب التعذيب ،ومن ثم تصفية البكر نفسه .

كان واضحاً أن حردان التكريتي وصالح مهدي عماش يمثلان عقبة كأداء أمام صدام حسين من أجل بسط سيطرته على الحزب والدولة ،وبإزاحتهما تم له ما أراد ، واصبح الحاكم الفعلي للعراق في الوقت الذي كان فيه أحمد حسن البكر على قمة الحكم ، حيث كان المشرف على كافة الأجهزة الأمنية ،والمخابراتية ،والتي  استخدمها في إزاحة ،وتصفية كل من أعتقد أنه عقبة أمام طموحه بالوصول إلى قمة السلطة .

 

  تاسعاً : محاولة ناظم كزار الانقلابية :

 

ناظم كزار ،مدير الأمن العام ، الذي عينه الإنقلابيون يوم 30 تموز ،وهو معروف جيداً لدى أبناء الشعب العراقي جميعاً يكونه جزار البعث أيام حكم حزب البعث إثر انقلاب 8 شباط 1963 ،حيث كان هو وعمار علوش ،وخالد طبرة ،يشكلون الهيئة التحقيقية ،التي اتخذت من بناية محكمة الشعب مقراً لها ،ومارست أبشع أساليب التعذيب والقتل بحق الشيوعيين وسائر الوطنيين ،وصارت جرائمهم تتردد على كل لسان ،حتى أن عبد السلام عارف اصدر كتاباً ضخماً تضمن بعضاً تلك الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية وسماه { المنحرفون } ،وكان ناظم كزار في مقدمة أولئك المنحرفون .

لم يكن ناظم كزار ليرضى بمثل هذا المنصب ،فقد كان يرى نفسه أجدر من صدام حسين ، واعرق منه إجراماً ، في تنفيذ سياسة الحزب ،ولذلك صمم على القيام بمحاولة انقلابية لاستلام السلطة .

وفي 30 حزيران 1973 ،نفذ ناظم كزار محاولته الانقلابية ، حيث جرت معارك عنيفة بين الطرفين انتهت بهزيمته ،ومقتل وزير الدفاع [ حماد شهاب ] .

حاول ناظم كزار الهرب إلى إيران ، إلا أن قوات الحكومة استطاعت إلقاء القبض عليه وتم قتله تحت التعذيب ، في 8 تموز 973 ،كما أعدم أحد أعوانه المدعو [ محمد فاضل ] الذي كان يشغل منصب رئيس المكتب العسكري للحزب ،في اليوم التالي المصادف 9 تموز 1973. 

أستغل صدام حسين تلك المحاولة للتخلص من أقوى القيادات الحزبية ، منظّر الحزب [ عبد الخالق السامرائي ]، حيث حكم عليه بالسجن لمدة عشرين عاماً ،وأودع سجن أبو غريب ،ثم اعدمه صدام حسين بعد قيامه بانقلاب ضد البكر ،واستلامه السلطة بتهمة اشتراكه في مؤامرة لقلب حكمه رغم كونه يقبع في السجن منذُ عدة أعوام ،فقد كان صدام يخشاه وهو في السجن بالنظر لمنزلته بين رفاق حزبه .

 

عاشراً : صدام حسين ينشئ الجيش الشعبي !!:

 

كان شعور  حزب البعث بالضعف ، وعدم تجاوب الشعب مع سياسته ،لا بل كرهه لهذا الحزب ،الذي أذاق الشعب المرارة يوم انقلاب  8 شباط الأسود وبعد انقلاب 30 تموز 968 .كان خوف البعثيين من أن يقوم الجيش بمحاولة الإطاحة بحكمهم ، ولذلك فقد تفتق ذهن صدام حسين في إنشاء جيش حزبي ،أطلق عليه اسم [ الجيش الشعبي ] ، بدلاً من الحرس القومي السيئ الصيت. وقد مارس البعثيون مختلف وسائل الضغط والإكراه لإجبار المواطنين على الانخراط في صفوف الحزب أولاً ، ومن ثم في صفوف جيشهم الشعبي !!، حتى اصبح واجباً على كل حزبي الانخراط فيه ،وسعوا إلى تسليحه وإعطائه الصلاحيات الواسعة لملاحقة الوطنيين ، وتقديم التقارير الحزبية عن أي نشاط مشكوك فيه ضد السلطة .

كما قام البعثيون بإدخال أعداد كبيرة من عناصرهم في دورات قصيرة لتخريجهم ضباطاً ،خلال ستة أشهر،في محاولة للسيطرة علي الجيش .

لقد دفع البعثيون المواطنين قسراً للانضمام لحزبهم ،وتعرض الذين رفضوا الانتماء إلى ضغوط هائلة ،وتهديدات ،واتهامات باطلة ،فقد كان البعثيون يوجهون تهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي ،أو حزب الدعوة الإسلامية لكل من يرفض الانتماء لحزبهم ، ومعلوم أن السلطة البعثية قد أصدرت قانوناً يحكم بالإعدام على من ينتمي إلى حزب غير مجاز .

 وهكذا فقد انضوى تحت جناح حزب البعث أعداد كبيرة من المواطنين خوفاً ورعباً من أساليب البعث القمعية والوحشية ،كما أنضوي أعداد كثيرة من الناس حباً في نيل المكاسب والوظائف وجني الأرباح والمغانم .

كما سيطر حزب البعث على كافة المنظمات الجماهيرية ،والنقابات المهنية ،وأجبروا أعضاءها على الانتماء لحزبهم ،وأصدروا قانوناً يحكم بالإعدام على كل عضو في الحزب انتمى إلى حزب آخر وكان قد أنسحب من حزب البعث .

كما بدءوا بتغير المناهج والكتب المدرسية ، مستهدفين غسل أدمغة الطلاب بشعارات البعث الكاذبة والبعيدة كل البعد عن الحقيقة ،ووجهوا وسائل الإعلام ، من إذاعة وتلفزيون وصحافة ،والكتب التي تمجد حزب البعث وشعاراته في الوحدة والحرية والاشتراكية ،والتي عمل الحزب على الضد منها تماماً طيلة سنوات حكمه .

 

 أحد عشر:البعثيون يحاولون التقرب من الشعب ،وقواه السياسية :

 

شعر البعثيون أن سياستهم الإرهابية تجاه جماهير الشعب ،وإجبارها بمختلف أساليب الضغط والإكراه للانتماء إلى حزبهم جعلها تزداد نفوراً منهم ،وتتمنى أن تشهد ساعة الخلاص من حكمهم  الفاشي ، ولذلك فقد حاول حزبهم التخفيف من هذا الشعور ،وتبييض صفحتهم السوداء في عيون الشعب ،عن طريق القيام بعدد من الإجراءات التي يمكن أن تُكسبهم شيئاً من السمعة ،والتعاطف معهم ،وكانت أهم تلك الإجراءات :

محاولة حل المشكلة الكردية ،التي كانت تقلقهم كثيراً ، وتستنزف الكثير م موارد البلاد ، إضافة إلى الخسائر البشرية الجسيمة ،ولذلك فقد سارعوا إلى إصدار بيان 21 آذار المعروف ،و أعلنوا اعترافهم بحقوق الشعب الكردي ،ولو نظرياً ،فقد أثبت الأحداث فيما بعد عدم إيمانهم الجدي بهذه الحقوق إطلاقاً ،ولجوئهم إلى أبشع الأساليب الإجرامية لكسر شوكة الأكراد ،في حملات عسكرية متتالية ذهب ضحيتها مئات الألوف من أبناء الشعب الكردي .                                           

2 ـ حاول البعثيون كسب الفلاح العراقي إلى جانبهم ،حيث قاموا ببعض الإجراءات التي تؤثر على وضعه الاقتصادي والاجتماعي ، فقد أصدروا قرارا منع بموجبه طرد الفلاحين من أرضهم لأي سبب كان ،كما ألغوا حق اختيار الإقطاعي للأرض،والغوا مبدأ التعويض للإقطاعي عن الأراضي المصادرة بموجب قانون الإصلاح الزراعي ، وخفضوا الحد الأقصى لمساحة الأرض التي يحق للإقطاعي الاحتفاظ بها إلى 2000  دونم كحد أعلى ،وادخلوا التأمين الصحي في الريف ، وربطوا عدداً كبيراً من القرى بشبكة القوة الكهربائية ،كما جرى استصلاح حوالي 4 ملايين دونم من الأراضي الزراعية ، وخفضوا أسعار الآلات الزراعية والأسمدة ، وانشأوا الأسواق الشعبية للفواكه والخضر وات دون وساطة ،وكان هدفهم من كل هذه الإجراءات جر الفلاح العراقي إلى صفوف حزبهم ،حيث كان الفلاحون يدينون بالولاء لثورة 14 تموز وقائدها عبد الكريم قاسم ،الذي أصدر قانون الإصلاح الزراعي بعد قيام الثورة عام 1958 ،وحررهم من نير الإقطاع.                        

3 ـ وفي المجال القومي ،أخذ البعثيون يزايدون على القضية الفلسطينية ،معلنين رفضهم للقرار رقم 242 ،الصادر من مجلس الأمن الدولي عام  1967 ،كما أعلنوا رفضهم لمشروع [ روجرز ] لوقف حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل عام 1970 ،واخذوا يتهجمون على الرئيس عبد الناصر ،عبر الإذاعة والتلفزيون ، والصحافة ، لقبوله بالمشروع ، وإعطائه فرصة للحل السلمي ،في الوقت الذي كان الرئيس عبد الناصر يعمل بأقصى جهده على تقوية الجيش المصري ،وتهيئته للمعركة الفاصلة مع العدو إسرائيل ،إذا لم تنسحب من جميع الأراضي العربية المحتلة في حرب حزيران 1967 .                                                                                  

4 ـ حاول البعثيون كسب جماهير الشعب ،من خلال مسألة النفط ،والعلاقات مع الشركات النفطية ،ومسألة استغلال حقل الرميلة الشمالي وطنياً . ففي نيسان 1972 ،بدأ العراق بالإنتاج في الحقل المذكور ،بمساعدة الاتحاد السوفيتي ،مما أثار حنق الشركات النفطية الاحتكارية ،العاملة في العراق ،والتي قررت معاقبة العراق ، ولجأت إلى تخفيض الإنتاج في حقول كركوك ،من 57 مليون طن سنوياً إلى 30 مليون ،وقد أدى ذلك الإجراء إلى انخفاض كبير في مداخيل العراق من واردات النفط، وكان له بالغ التأثير على الوضع الاقتصادي للبلاد .

حاول البعثيون إقناع شركات النفط بالرجوع عن قرار خفض الإنتاج دون جدوى ، مما دفع حكومة البعث ، بعد مفاوضات طويلة مع شركات النفط الاحتكارية ، إلى الإقدام على تأميم شركة نفط العراق في 1 حزيران 1972 ، وأدى هذا القرار إلى تصاعد حمى الصراع ،وإعلان مقاطعة النفط العراقي ، مسببين للعراق أزمة اقتصادية خانقة عكست آثارها على حياة جماهير الشعب ،حيث أقدمت حكومة البعث على اقتطاع 10 % من دخول الموظفين ، وسائر العاملين في قطاعات الدولة  تحتسب كدين لهم على الحكومة ، كما قامت الحكومة بالعديد من الإجراءات التقشفية ،واستمر الحال على هذا الوضع حتى آذار 1973 حيث توصلت الحكومة وشركات النفط إلى نوع من التسوية ،وبقى النفط تحت سيطرة العراق .

أثار اتفاق التسوية مع شركات النفط ، مع بقاء النفط تحت سيطرة العراق ، موجة عارمة من الفرح لدى القيادة البعثية ،حيث أظهرتها الأحداث وكأنها قد نازلت شركات النفط الاحتكارية والدول التي تدعمها وانتصرت عليها ،وحققت حلم الشعب العراقي في استغلال نفطه وطنياً ،وادعى البعثيون لنفسهم صفات الوطنية ، واستطاعوا بالفعل جر أوساط عريضة من الشعب إلى جانبهم ،لا بل استطاعوا خدع الحزب الشيوعي وجره للتعاون معهم ،في إطار ما سمي آنذاك {الجبهة الوطنية ، والقومية التقدمية } .

لكن البعثيين لم يكونو مؤمنين حقاً لا بالجبهة ولا بالتعاون ،وأثبتت الأحداث أن خطوتهم تلك كانت تكتيكية ،كي يتمكن الحزب من تثبيت أركان حكمه من جهة  ولكشف تنظيمات الحزب الشيوعي وقياداته وكوادره تمهيداً لتوجيه الضربة القاضية له ،على غرار الضربة التي وجهوها له بعد انقلاب 8 شباط 1963،وهذا ما جرى فعلاً ما بين عامي 978 ـ 979،وسوف أتحدث عن تلك الحملة في فصل قادم . 

 

التوثيق

 

 (1)المصدر السابق ـ ص 381 .

 (2) المصدر السابق ـ ص 390 ـ حديث أجري مع عبد الرحمن عارف في اسطنبول ، في 18 شباط 1970 .