Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review

ألفصل ألعاشر

 

 

 

الجمهورية العارفية الثانية

 

 

أولاً :الصراع على السلطة ، وتولي عبد الرحمن عارف الحكم .

ثانياً : ضعف حكم عبد الرحمن عارف .

ثالثاً : صراع أجنحة السلطة ، وعارف يشكل الوزارة برئاسته .

رابعاً : حرب 5 حزيران ، العربية الإسرائيلية عام 967 .

خامساً : ما هو دور العراق في حرب 5 حزيران ؟

 سادساً : طاهر يحيى يشكل وزارة جديدة .

سابعاً  : الحزب الشيوعي وموقفه من السلطة .

ثامناً : إنشقاق الحزب الشيوعي ، وتكوين القيادة المركزية .

تاسعاً : ما هو رد فعل اللجنة المركزية نحو الانشقاق ؟

 

 

********

أولا: الصراع على السلطة ،وتولي عبد الحمن عارف الحكم :

 

لم يكد يذاع خبر مصرع عبد السلام عارف ، في حادث الطائرة المروحية ، حتى بدأ الصراع على قمة السلطة ، وكانت أطراف الصراع تتمثل أساساً في جبهتين رئيسيتين ، على الرغم من محاولة الزعيم الركن [ عبد العزيز العقيلي ] ترشيح نفسه للرئاسة كجبهة ثالثة ،وهاتان الجبهتان هما :

1 ـ الجبهة الأولى : وتتمثل بالعسكريين الممسكين بزمام القوة ، حيث يمسكون بأيديهم كل المراكز الأساسية في الجيش ،وقد وقفت هذه الجبهة الى جانب اللواء عبد الرحمن عارف،شقيق عبد السلام عارف ،وكيل رئيس أركان الجيش آنذاك بالإضافة الى قيادة الفرقة العسكرية الخامسة ، المدرعة .

2 ـ الجبهة الثانية : وتتمثل برئيس الوزراء ، عبد الرحمن البزاز ،ومن حوله كل العناصر الرجعية ، المرتبطة مصالحها بمصالح الإمبريالية ، بشكل أو بآخر .

وبموجب الدستور فأن انتخاب رئيس الجمهورية ، في حالة شغور المنصب ،يتمّ من قبل مجلس الوزراء ، ومجلس الدفاع الأعلى بصورة مشتركة .

وهكذا فقد بادر مجلس الوزراء ،ومجلس الدفاع الأعلى بعقد اجتماع عاجل ، في 16 نيسان 966  لانتخاب رئيس جديد للجمهورية،وقد طُرح في الاجتماع ثلاثة أسماء :

1ـ الأول:عبد الرحمن عارف ،وكيل رئيس أركان الجيش ،وقائد الفرقة الخامسة المدرعة .

2 ـ الثاني  :عبد الرحمن البزاز ، رئيس الوزراء .

3 ـ الثالث  : الزعيم الركن عبد العزيز العقيلي ، قائد الفرقة العسكرية الأولى .

وفي دورة الاقتراع الأولى ، حصل البزاز على 14صوتاً ، من مجموع  28صوتاً ، فيما حصل عبد الرحمن عارف على 13 صوتاً ، ونال عبد العزيز العقيلي على صوت واحد فقط ، هو صوته ، وكان الضباط المصوتين لعبد الرحمن عارف 11ضابطاً من مجموع 12، [ باستثناء العقيلي ]، فيما صوت 14 من الوزراء للبزاز ،وعضوان لعارف .

ولكون أن أحداً لم يفز بأغلبية الثلثين ، بموجب الدستور فقد جرت دورة ثانية ، كان فيها تأثير الضباط حاسماً ، فقد أصروا على انتخاب عبد الرحمن عارف مهما كان الثمن ، رافضين قبول تولي البزاز رئاسة الجمهورية ، مما أضطر البزاز الى سحب ترشيحه تحت ضغط العسكريين لصالح عبد الرحمن عارف ، فقد كانت القوى المسيطرة على الجيش ، وخاصة عدد من أقرباء عارف ، وفي المقدمة منهم [ سعيد صليبي ] رجل النظام العارفي القوي ، لها القول الفصل في عملية الانتخاب ، كما أن عبد الناصر ، والناصريين ، وقفوا الى جانب عبد الرحمن عارف ، ضد البزاز ، المعروف بولائه للغرب ، هذا بالإضافة الى أن عبد الرحمن عارف ، الذي يتسم بالضعف ، وعدم القدرة على إدارة شؤون  البلاد ، وقلة طموحه ، جعل البزاز ورفاقه يرضخون لانتخاب عارف ، ويفضلونه على أي مرشح آخر ، حيث اعتبروه أقل خطراً من غيره على مراكزهم في السلطة .

وهكذا تولى عبد الرحمن عارف رئاسة الجمهورية ، فيما بقي البزاز رئيساً للوزارة ، وكان نظام عبد الرحمن عارف امتداداً لنظام أخيه عبد السلام ، وإن كان أقل عدوانية منه ، وبقي محور النظام يستند على الحرس الجمهوري ، وتعاون [ الجمليين ] الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للحرس الجمهوري .

 

ثانياً : ضعف حكم عبد الرحمن عارف :

 

كان عبد الرحمن يفتقر الى الدهاء والطاقة ، ولا يتمتع بسلطة قوية لاتخاذ القرارات ، ويفتقد للحدس السياسي، والمعرفة بالشؤون العامة ، وعدم القدرة على إدارة دفة الدولة ، كما كان يفتقر الى روح المبادرة والمناورة ، حتى شعر كل من كان حوله ، الى انه لم يخلق ليكون رئيس دولة ، فاقداً لأي طموح ، ولذلك فقد كان العوبة بيد عدد من الضباط المتخلفين والأنانيين ، الذين لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية ، معتمدين على الولاءات العشائرية ، والإقليمية ، وكان  [سعيد صليبي ] يلعب الدور الأكبر ، من بين جميع الضباط ، في إدارة شؤون البلاد العسكرية ، فيما أعتمد عارف على [خيرالدين حسيب ] ، ناصري من مدينة الموصل ، في جميع الأمور المتعلقة بالشؤون الاقتصادية والنفطية . أما الشؤون السياسية ، فكانت من حصة عبد الرحمن البزاز ، رئيس الوزراء .

لم يسد في العراق على عهده أي استقرار سياسي بسبب تصارع الأجنحة ، المدنية منها والعسكرية ،فلم يكن العسكريون راضين على وجود البزاز رئيساً للوزارة ، واضطر البزاز في آخر الأمر الى تقديم استقالة حكومته تحت ضغط العسكريين ، في 16  آب 966 . لقد حاول البزاز خلال فترة حكمه الممتدة من 18 نيسان 965 الى 16 آب 966 إعادة الاعتبار للإقطاعيين ، وكبار ملاكي الأرض القدامى ، كما قدم لهم خدمات ، وامتيازات حرمهم منها قانون الإصلاح الزراعي ، الذي شرعته حكومة عبد الكريم قاسم ، فقد رفع معدل الفائدة المدفوعة للإقطاعيين عن ثمن الأرض المستملكة منهم بموجب القانون ، من 0,5% الى 3 % سنوياً ، وبذلك حمل الفلاحين المعدمين حملاً ثقيلاً ليست لهم القدرة على حمله ، مما أدى الى تدهور أوضاعهم الاقتصادية أكثر فاكثر .كما انه قام بتحديد قيمة مياه فروع الأنهر التي تتدفق لسقي تلك الأراضي ، وبذلك حقق للإقطاعيين دخلاً كبيراً ، أقتطعه من دخول الفلاحين الضعيفة أصلاً .

لقد سعى البزاز الى تقليص دور العسكريين وامتيازاتهم ، وحاول تقليص ميزانية وزارة الدفاع ، مما أثار غضب العسكريين عليه ، ودفعهم الى السعي للتخلص منه ، مستغلين محاولة عارف عبد الرزاق الانقلابية في 15 آب 67 ليطلبوا منه الإستقالة ، ورضخ البزاز للأمر وقدم استقالة حكومته ، وطلب عبد الرحمن عارف من الزعيم الركن المتقاعد  [ناجي طالب ]تأليف وزارة جديدة في آب عام  1967  (1)

ومعلوم أن ناجي طالب هو أحد أعضاء اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار الذين ساهموا في ثورة 14 تموز 958 ،وهو من مواليد 1917،من مدينة الناصرية شيعي ويمثل الاتجاه القومي في تلك اللجنة ، وقد تولى عدة مناصب وزارية في عهد عبد الكريم قاسم ، لكنه انشق عنه ، وتحول نحو التعاون مع القوميين ، وحزب البعث للإطاحة بحكومته ، وشغل منصباً وزارياً في الحكومة التي شكلها الانقلابيون في 8 شباط 1963.عرف ناجي طالب بتذبذبه السياسي ، ما بين القومي المستقل ، والناصري .وحاول الجمع بين الأجنحة العسكرية المتصارعة داخل السلطة،باتخاذ المواقف المعتدلة.(2)

تألفت وزارته من 7 ضباط ، و12 مدنياً ، من كبار موظفي الدولة الاختصاصين ، لكن تناحر الأجنحة استمر في عهد وزارته ، رغم محاولته الجمع بين القوميين والناصريين والبعثيين ، الذين بدأوا بالظهور من جديد على المسرح السياسي ،

واستمرار الصراع من جهة ، وتدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد ، إثر نشوب الخلافات مع شركات النفط ، بسبب خلافات تلك الشركات مع سوريا حول حصتها السابقة والمتراكمة عن عائدات مرور النفط عبر أراضيها  الى ميناء بانياس ، وطرابلس، وتوقف تدفق النفط مما سبب انخفاضاً كبيراً في عائدات النفط التي كان العراق بحاجة ماسة إليها ،ونتيجة لهذه الأوضاع ،قدم ناجي طالب استقالة حكومته .

 

ثالثاً : عبد الرحمن عارف يشكل الوزارة برئاسته :

 

نتيجة لتلك الظروف الصعبة ، وتناحر الأجنحة العسكرية ، وتكالبها على السلطة ، أضطر عبد الرحمن عارف الى تشكيل الوزارة برئاسته ، وبذلك اصبح ممسكاً بالمنصبين ، رئاسة الجمهورية ، ورئاسة الوزارة ، واتخذ له أربعة نواب لرئاسة الوزارة ، يمثلون مختلف الأجنحة . فقد عين طاهر يحيى ، بعثي سابق ، وعبد الغني الراوي ، قومي و ذو اتجاه إسلامي، وإسماعيل مصطفى ، شيعي ، من جماعة عبد العزيز العقيلي ، وفؤاد عارف ، عن القوميين الأكراد ، وقد ضمت الوزارة كل من عبد الستار عبد اللطيف ، للداخلية ، وشاكر محمود شكري للدفاع ، وفاضل محسن الحكيم للمواصلات ، وعبد الكريم فرحان للإصلاح الزراعي ، بالإضافة الى 16 شخصية مدنية ، من اتجاهات مختلفة ، ولذلك فقد بدى منذُ الوهلة الأولى أن من الصعب جداً الجمع بين هذا التكوين ذي الاتجاهات والميول المختلفة ، واصبح بقاء هذه الوزارة مسألة وقت ليس إلا، وقد تسارعت الأحداث ، حينما وقعت حرب 5 حزيران العربية الإسرائيلية ، والتي استمرت لمدة خمسة أيام فقط  وانتهت بهزيمة منكرة للعرب ، واحتلال إسرائيل لكامل الضفة الغربية ، وهضبة الجولان السورية ، وصحراء سيناء المصرية .

 

رابعاً : حرب 5 حزيران ،العربية الإسرائيلية :

 

في شهر مايس من عام 967 بلغت أوضاع المنطقة العربية غاية التعقيد ، بعد أن تصاعدت لهجة التهديد ، والتهديد المضاد وخاصة بين إسرائيل وسوريا، بعد إقدام الأولى على تحويل مجرى نهر الأردن ، مما دفع الرئيس عبد الناصر الى اتخاذ إجراءات مضادة ، تمثلت في غلق خليج العقبة بوجه الملاحة الإسرائيلية .

إثر ذلك تصاعد الصراع بين الدول العربية وإسرائيل ، وبوجه خاص بين الرئيس عبد الناصر ، وقادة إسرائيل ، ووصل الأمر بعبد الناصر الى الطلب من قوات الطوارئ الدولية المرابطة بين القوات المصرية والإسرائيلية  أن تنسحب من المنطقة .لقد كان واضحاً في ذلك الوقت أن الصراع يوشك أن ينفجر في أي لحظة ، وأن الحرب بين العرب وإسرائيل قد أصبحت أمراً لا مفر منه ، وأجرى عبد الناصر تنسيقاً مع سوريا والأردن لمواجهة التحديات العسكرية الإسرائيلية .

سارع مجلس الأمن الى عقد جلسة خاصة لبحث الأوضاع المتفجرة بين العرب وإسرائيل ، واصدر في ختام اجتماعه بياناً دعى فيه الأطراف المعنية بالصراع الى التزام جانب الهدوء ، وعدم تأزم الموقف ، فقد كان الوضع يوشك على الانفجار في أية لحظة ، ولا سيما وأن إسرائيل كانت قد أعلنت التعبئة العامة لقواتها المسلحة ، وكانت استعداداتها الحربية تجري على قدم وساق .

وفي الوقت نفسه بعث الرئيس الامريكي [ جونسون ] برسالة الى عبد الناصر يطلب منه ضبط النفس محذراً إياه من مغبة شن الحرب ، ومهدداً بعواقب وخيمة .وفي ظل تلك الظروف البالغة الخطورة ، طلب الاتحاد السوفيتي من الرئيس عبد الناصر بان لا تبدأ مصر الحرب، ولكن ينبغي اتخاذ أقصى ما يمكن من إجراءات الحذر ، واليقضة للرد على أي هجوم إسرائيلي مفاجئ .

لكن قيادة الجيش المصري ، التي كان على رأسها المشير [ عبد الحكيم عامر ] لم تكن تعي خطورة الوضع ، وضرورة الاستعداد التام ، وجعل القوات المسلحة المصرية في أقصى درجات التأهب في كل لحظة ، وخاصة القوة الجوية ، التي تشكل الغطاء الحيوي للقوات المصرية في صحراء سيناء المكشوفة  كان من المفروض أن تكون نصف الطائرات المصرية في الجو، ومتهيأة لكل طارئ يوم 4 حزيران  بعد التحذير الذي وجهه الاتحاد السوفيتي الى مصر من أن جيش إسرائيل قد بلغ أقصى درجات التأهب ، لكن شيئاً من هذا لم يحدث ، وفاجأت الطائرات الإسرائيلية صباح يوم 5 حزيران المطارات العسكرية المصرية ، ودمرت معظم مدرجاتها ، والطائرات الحربية الجاثمة عليها ، في الساعات الأولى من ذلك اليوم ، مما افقد القوات المصرية غطائها الجوي في صحراء سيناء ، وجعلها تحت رحمة القصف الجوي الإسرائيلي المتواصل ، وبكل ما أوتيت من قوة ، منزلة الخسائر الفادحة بها،وممهدة الطريق أمام قواتها المدرعة للاندفاع نحو قناة السويس ، حيث تم لها السيطرة على كامل صحراء سيناء خلال خمسة أيام .

ولما ضمنت إسرائيل في اليوم الأول سيطرتها الجوية على صحراء سيناء ، وتدميرها للقوات المصرية  وجهت جهدها الجوي الى الجبهة السورية والأردنية ، واستطاعت إسرائيل ، بسبب عدم تكافؤ القوى ، أن تنزل خسائر جسيمة بالقوات السورية والأردنية ، وتمكنت من الاستيلاء على كامل الضفة الغربية ، وأجزاء من الأردن ،  وهضبة الجولان السورية ،ذات الأهمية الإستراتيجية الكبرى لسوريا ، خلال تلك الحرب الخاطفة ، التي كان يحلو لإسرائيل أن تسميها { حرب الأيام الستة }.

وبكل وقاحة أعلنت إسرائيل ، أن صحراء سيناء ، وهضبة الجولان ، والضفة الغربية من فلسطين ، هي ارض إسرائيلية أخذت تحكم دفاعاتها على هضبة الجولان السورية ،وعلى امتداد قناة السويس ،وقامت بتشييد خط دفاعي سمته [ خط بارليف ] .

لم يكن العراق مهيأ، ولا مستعدا لتلك الحرب ،فقد كانت ثلثي قواته العسكرية مشغولة في الحرب ضد الشعب الكردي ، وبعيدة جداً عن ساحة المعارك ،التي تزيد على [1000كم]،ولم يكن لدى العراق سوى اللواء الثامن الآلي قريباً من الساحة ، عند الحدود السورية الأردنية ،حيث أوعز لها عبد الرحمن عارف بالتحرك الى ساحة الحرب بأسلوب استعراضي لم يراعِ فيه جانب الأمان لقواته المتقدمة وهو العسكري الذي كان بالأمس رئيساً لأركان الجيش ، ثم اصبح قائداً عاماً للقوات المسلحة ، بعد توليه مقاليد الحكم في البلاد .

لقد وقف عبد الرحمن عارف يخطب من دار الإذاعة والتلفزيون معلناً تحرك القوات العراقية الى ساحة المعركة ، وكان ذلك التصرف خير منبه لإسرائيل لتهاجم طائراتها القوات العراقية وهي في طريقها عبر الصحراء  منزلة بها الخسائر الكبيرة .

ومن المضحك والمبكي في تصرفات عارف وجهله ، أنه وقف يخطب بعد نهاية الحرب قائلاً :[ إن إسرائيل تعرف عنا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا ]،فيا للكارثة أن يقود العرب حكام بهذا المستوى .

لقد أثبتت تلك الحرب أن البونَ كان شاسعاً بين العرب وإسرائيل ،فالحكومات العربية كانت على درجة خطيرة من التخلف يسودها الصراعات بين مختلف الأجنحة المتصارعة ،والعسكرية منها بوجه خاص ،حيث هيمن الضباط على معظم الأنظمة العربية ،وعمت الفوضى في البلاد ،وساد التخلف كل جوانب الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية ،في حين كان الإسرائيليون قد هيأوا أنفسهم للحرب ،وحولوا كل جهودهم وقواهم لتعزيز جيشهم ،وأصبحت إسرائيل مسلحة حتى الأسنان ،وبأحدث أنواع الأسلحة والتكنولوجيا الحربية،ويقودها أناس يعرفون ما يفعلون،أفلس عاراً على الدول العربية ،التي تعد إمكانياتها المادية والبشرية عشرات أضعاف إسرائيل أن تستطيع إلحاق الهزيمة بالجيوش العربية خلال ستة أيام ؟

 خامساً : طاهر يحيى يؤلف وزارة جديدة :

 

في 10 تموز 1967، وبعد مرور شهر واحد على هزيمة 5 حزيران ،كلف عبد الرحمن عارف ، طاهر يحيى بتأليف وزارة جديدة ، في جو الصراع والتناحر بين مختلف الفئات القومية ، وجاءت وزارته التي ضمت عناصر ناصرية وقومية مستقلة ، وكانت تعتبر أكثر تجانساً، وتوافقاً من سابقاتها من الوزارات ، غير أنها كانت تفتقر الى الدعم الشعبي ، فقد كان الشعب في وادٍ ، والنظام الحاكم في وادٍ آخر ، ولذلك فقد كان من العسير على تلك الوزارة أن تقدم أي شيء ملموس للبلاد الغارقة بالمشاكل الاقتصادية ، والسياسية ،بالإضافة الى مرارة الهزيمة ،وتأثيرها النفسي على أبناء  الشعب.لقد حاول طاهر يحيى التخفيف من ضغط تلك الأوضاع البالغة السوء ،فقام ببعض الإجراءات التي تتعلق بالأوضاع الاقتصادية .

ففي 6 آب 967 أصدرت الحكومة قراراً بتحويل كامل حقوق الاستثمار في حقل الرميلة الشمالية ، الغنية بالنفط إلى شركة النفط الوطنية ، التي تملكها الدولة .

وفي 23 تشرين الثاني 967  منحت الحكومة شركة النفط الفرنسية ـ أيراب ـ التابعة للدولة الفرنسية ، عقداً للتنقيب عن النفط ، واستخراجه ، في مساحة تبلغ حوالي [ 11000] كم مربع ، وتقع في وسط ، وجنوب العراق .

وفي 24 كانون الثاني توصلت الحكومة مع الاتحاد السوفيتي الى عقد اتفاقية يقدم بموجبها الاتحاد السوفيتي الخبرة ، والأجهزة ، والمعدات ، والمساعدة التقنية لحفر حقل الرميلة الشمالي ، المساعدة غلى استخراج النفط وتسويقه .(3)

غير أن حكومة طاهر يحيى لم تسطع إصلاح الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في البلاد ، واستمرت الشكاوى الشعبية العارمة من سوء تلك الحالة ، ومن تصرفات الضباط ، الذين كانوا يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة من شؤون البلاد ، واشتكى التجار من قيام العديد من أولئك الضباط بالمتاجرة بإجازات الاستيراد حتى وصل الأمر الى أن أخذ الشعب يتندر بتلك الحكومة ، وأطلق الناس عليها لقب [ حكومة الفرهود ]، أي حكومة النهب .

 

 

********

سادساً : الحزب الشيوعي ، وموقفه من السلطة :

 

منذُ أن أنتخب عبد الرحمن عارف رئيساً للجمهورية ، بعد مقتل أخيه عبد السلام عارف ، وقف الحزب الشيوعي موقف المعارض للسلطة العارفية ، بل وزاد من معارضته تلك بأن شكل على عهد حكومة البزاز فصائل ثورية مسلحة سماها [ قسائم الحسين ] .

كان تفكير الحزب هو التهيئة للانتفاضة الشعبية التي يمكن أن تقدم الإسناد لأي تحرك من قبل الجناح العسكري للحزب  داخل الجيش ، متخطياً المواقف الرسمية للاتحاد السوفيتي من نظام الحكم في العراق ، وتحسن تلك العلاقة بين الطرفين ، إثر قيام البزاز بزيارة الاتحاد السوفيتي ، حيث أعرب السوفيت عن تثمينها لسياسة عدم الانحياز التي يتبعها العراق ، وجهود البزاز لوقف القتال في كردستان .

إلا أن الحزب الشيوعي لم يغير موقفه من السلطة ، واستمر على معارضته لها بكل الوسائل ، والسبل  داعياً الى إسقاطها ، وتحرير الشعب العراقي من نير الدكتاتورية البغيض ، واستمرت قيادة الحزب في تشكيل الفصائل الثورية في الريف العراقي وفي المدن ، لشن حرب أنصار ضد الرموز التي كانت تصرفاتها تتسم بالوحشية والقسوة .

إلا أن تلك المبادرات لم تثمر في إجراء أي تغيير ملموس ، أو أي عمل ذو شأن ضد السلطة ، والمعتقد أن قيادة الحزب فعلت ذلك من أجل إرضاء الكوادر وقواعد الحزب التي كانت تضغط على القيادة باستمرار للقيام بعمل من أجل إسقاط السلطة واستلام الحكم .فيما كانت اللجنة المركزية في صراع بين جناحيها [اليميني واليساري] حول السبل الواجب إتباعها لتحقيق أهداف الحزب الآنية  والإستراتيجية ، وساعد في إذكاء الصراع الانقسام الذي حصل في المعسكر الشيوعي  بين اكبر دولتين فيه هما الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية .(4)

لقد أدى ذلك الى ظهور نواة للمعارضة داخل الحزب دعيت آنذاك [ الكادر الثوري ]  طالبت بحرية نشر الآراء ، والإفصاح عنها ، ودعت الى رفض الرأي القائل أن وحدة الحزب فوق المبادئ، وجاءت هزيمة 5 حزيران 967 ، وهزيمة العرب أمام إسرائيل لتزيد من نار الخلافات داخل قيادة الحزب من جهة وبين القيادة والقاعدة والكادر من جهة آخر . (5)

 

سابعاً : إنشقاق الحزب الشيوعي ، وتكوين القيادة المركزية :

 

في 17 أيلول 967، انفجر الصراع داخل الحزب الشيوعي ، عندما أنشق قسم كبير من قيادة وكوادر وأعضاء الحزب بقيادة [ عزيز الحاج ] ، و[ حميد خضر العاني ] و[كاظم رضا الصفار] و [أحمد محمود العلاق ] و[ متي هندو ] و[ بيتر يوسف] وغيرهم من الكوادر المتقدمة في الحزب ، وتمكن المنشقون من سحب الجانب الأكبر من قواعد الحزب وكوادره ، متخذين لهم أسم [الحزب الشيوعي العراقي ، القيادة المركزية  ] ، وارتبطت القيادة الجديدة باسم [ عزيز الحاج ] الذي قاد الانشقاق ،وأعلنت القيادة المركزية عن استقلالها في اتخاذ القرارات التي تهم العراق ،عن الحركة الشيوعية ، ولكنها أكدت على تضامن الحركة العمالية العالمية ، وأعلنت وقوفها مع التيارات الثورية في العالم اجمع .

أما موقف القيادة المركزية من النظام العارفي ، فقد كان موقفاً معادياً كلياً ، حيث دعت القيادة الى تسليح جماهير الشعب ، والى العنف الثوري ، والنضال المسلح في كل مدن العراق وريفه ، وقيام حكم ثوري ديمقراطي بقيادة الطبقة العاملة .

 أما ما يخص موقف القيادة المركزية بالنسبة لعلاقات العراق العربية ، فقد أعلنت وقوفها الى جانب الوحدة العربية الثورية ذات المحتوى الاشتراكي ، كما سارعت القيادة المركزية الى إدانة قرار مجلس الأمن الذي أيده الاتحاد السوفيتي في 29 تشرين الثاني 1947 ، والمتعلق بتقسيم فلسطين بين العرب وإسرائيل ، والقرار الصادر في 22 تشرين الثاني 1967  الخاص بتسوية أزمة الشرق الأوسط ، ودعت إلى القضاء على دولة إسرائيل ، وقيام دولة ديمقراطية عربية يهودية ، كحل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي ، معتبرين قيام حركة المقاومة الفلسطينية ، المتمثلة بحركة التحرير الوطني الفلسطيني  الوسيلة الوحيدة لفرض الحل النهائي المنشود .(6)

 

ثامناً : ما هو رد فعل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي على الانشقاق ؟

 

ذكرنا فيما سبق أن القيادة المركزية استطاعت سحب أعداد كبيرة من كادر الحزب ، والجانب الأكبر من قواعده ، نتيجة اليأس الذي أصابها من السياسة اليمينية للحزب ، منذُ عام 1959 ، وما سببته من كوارث على الحزب والبلاد ، وأدت الى وقوع ونجاح انقلاب الثامن من شباط 963 ،والذي تتحمل قيادة الحزب جانباً كبيراً من المسؤولية عنه .وهكذا فقد أصبحت اللجنة المركزية في وضع صعب للغاية ، وسارعت الى الدعوة الى عقد المؤتمر الثالث للحزب ،في كانون الأول 967 ، وقد حضر المؤتمر 57 عضواً من الكادر الحزبي ،منتخبين من اللجان المحلية وفرع كردستان ، حيث لم يكن من السهل تأمين اجتماع لكل أعضاء الحزب في ظل العمل السري .

مثل أعضاء المؤتمر بنسبة 62 % من العرب ، و31 % من الأكراد ، و7 % من بقية الأقليات ،وكان العمال في المؤتمر يمثلون ثلث مجموع الحاضرين .

اتخذ الحزب قراراً بإدانة الانشقاق ، متهماً هذا العمل بالنشاط الهدام للحزب ، وناشد العناصر الطيبة  التي دعوها بالمخدوعة بالعودة إلى أحضان الحزب ، وهذا يمثل دليلاً على مدى عمق وسعة الانشقاق .

 كما ألتزم الحزب فيما يخص مشكلة الشرق الأوسط بالخط السوفيتي المصري ، معتبرين أن حصر الحل بالحرب الشعبية كطريق وحيد عملاً ضاراً بالجهود الدولية لإزالة آثار العدوان الإسرائيلي في 5حزيران 967 .

كما أنتقد المؤتمر الحكومة لعدم مشاركتها الفعالة في حرب حزيران ، وتوجيه سلاح الجيش العراقي إلى صدور أبناء الشعب الكردي ، واعتقال وطرد أعداد كبيرة من الجنود والضباط الوطنيين من صفوف الجيش  .

كما أنتقد المؤتمر الاتفاقية النفطية مع شركة [ أيراب ] الفرنسية ،معتبراً إياها تفريطاً بالمصالح الوطنية  وتشديد الهيمنة الإمبريالية على نفط العراق واقتصاده .(7)

أما الاتحاد السوفيتي فلم يكن راضياً عن الانتقادات التي وجهها المؤتمر للحكومة العراقية ، وأقدم على غلق الإذاعة التي كانت تبث من ألمانيا الديمقراطية آنذاك ، باسم [ صوت الشعب العراقي ] ، وقد استغلت القيادة المركزية ذلك القرار لفضح تبعية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي للحزب الشيوعي السوفيتي ، متهمة الحزب بتلقي الأوامر من موسكو.

 

*********

 

التوثيق

 (1) العراق ـ حنا بطاطو ـ ج3 ـ ص 379 .

(3) نفس المصدر ـ ص 380 .

  (3) المصدر السابق ـ ص 381 .

(4) المصدر السابق ـ ص 382 .

(5) نفس المصدر .

(6) المصدر السابق ـ ص 385 .

 (7) صحيفة طريق الشعب ـ العدد 6 ـ كانون  الثاني 1968 .