Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review
ألمقدمة
 

منذُ أن أحتل الإمبرياليون البريطانيون العراق عسكرياً، عام 1915، إبان الحرب العالمية الأولى، ونكثهم بالوعود التي قطعوها للملك حسين بن علي، ملك الحجاز بمنح البلاد العربية استقلالها إذا ما أعلن الثورة ضد الدولة العثمانية، وتعاون مع الحلفاء، وانكشاف التآمر الإمبريالي لاقتسام البلاد العربية بموجب معاهدة [سايكس بيكو] السرية، بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية، والتي فضحها مؤسس الدولة السوفيتية لنين إثر قيام ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917، فقد خاض الشعب العراقي، أسوة ببقية الشعوب العربية، نضالاً لا هوادة فيه ضد الاستعمار الجديد، مستخدماً كل الوسائل والسبل المتاحة له . لقد كانت ثورة العشرين إحدى أكبر المعارك التي خاضها الشعب العراقي ضد المحتلين ، حيث أمتد لهيب الثورة ليشمل كافة أرجاء البلاد ، ولتكبد المحتلين خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات ، وقد جاوز عدد القتلى من جيش الاحتلال المئات من الجنود والضباط ،إضافة للخسائر المادية التي جاوزت عشرات الملايين من الجنيهات.كما دفع الشعب العراقي ثمناً باهضاً من دماء أبنائه،من أجل تحرر العراق، واستقلاله. ولازال الشعب العراقي يتذكر دائماً تلك الأهزوجة الشعبية المشهورة لثوار ثورة العشرين [ الطوب أحسن لو مكواري ](1) حيث تصدى الثوار لقوات الاحتلال المدججة بشتى أنواع الأسلحة والمعدات، بتلك الأسلحة البدائية البسيطة، يدفعهم شعور وطني فياض، لتحدي جيش المحتلين البريطانيين، بعزم وبطولة نادرة يعجز القلم عن وصفها.لكن الإمبرياليين، بما يملكونه من طائرات، ودبابات، ومدفعية، وأسلحة ثقيلة ومعدات، وخبرات عسكرية، استطاعوا إجهاض الثورة دون أن تستطيع تحقيق هدفها الرئيسي في تحقيق  الاستقلال، لكن تلك الثورة أجبرت المحتلين على تغيير خططهم في حكم البلاد، حكماً مباشراً، وبقوة السلاح، واضطرتهم إلى تأسيس ما سمي ب [الحكم الوطني ] حيث جاءوا بالأمير فيصل ابن الحسين، ونصبوه ملكاً على العراق، وتم تشكيل أول حكومة عراقية برئاسة السيد  [عبد الرحمن النقيب ]. لكن تلك الحكومة لم تكنْ سوى أداة منفذة لإرادة المحتلين، فقد كان المستشارون البريطانيون في الوزارات كافة، هم الوزراء الحقيقيون الذين يديرون البلاد.

كما جرى تأسيس جيش عراقي في 6 كانون الثاني 1921، مسلح بأسلحة خفيفة مهمته حماية الأمن الداخلي، وجاءوا بالعديد من الضباط الذين خدموا في الجيش العثماني، مثل نوري السعيد وطه الهاشمي، وياسين الهاشمي، وعلي جودت الأيوبي، ومولود مخلص وبكر صدقي، وغيرهم من الضباط، على رأس الجيش والسلطة الملتفة حول البلاط الملكي .

وتم للمحتلين فرض معاهدة سنة 1920 على المجلس التأسيسي ، بوسائل التهديد والضغط الشديدين ، وأحكم المحتلون بموجبها سيطرتهم التامة على العراق ، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ، وتم فيما بعد وضع العراق تحت الانتداب البريطاني من قبل عصبة الأمم ، التي كان يهيمن عليها الإمبرياليون أنفسهم ، بحجة عدم أهلية الشعب العراقي للاستقلال الناجز آنذاك.

استمر الشعب العراقي في كفاحه من أجل التحرر، وخاض المعارك المتواصلة ضد المحتلين ، والسلطة الحاكمة، المرتبطة بهم ، والمنفذة لمخططاتهم . وأمام إصرار الشعب، وكفاحه المتنامي، اضطرت بريطانيا إلى إلغاء الانتداب، ومنح العراق استقلالاً شكلياً، وسحب معظم قواتها العسكرية من البلاد، محتفظة بعدد من القواعد الجوية العسكرية، بموجب معاهدة جديدة فرضتها على العراق دُعيت  [معاهدة سنة 1930] واستطاعت بموجبها فرض هيمنتها التامة على مقدرات العراق السياسية والعسكرية والاقتصادية، وجردت استقلال البلاد من كل معنى، حيث بقي المستشارون السياسيون والعسكريون ،والاقتصاديون ،والثقافيون،يمارسون سلطاتهم في حكم البلاد من وراء الستار، مستعينين بزمرة من كبار الملاكين والإقطاعيين، بالإضافة للضباط الذين خدموا في الجيش العثماني والذين ورد ذكرهم من قبل.

ولم تكن تلك الزمر يتجاوز عددها 150 فرداً، تداولوا على السلطة خلال الحقبة التي امتدت منذُ تأسيس الدولة العراقية ، عام 1921، وحتى قيام ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، وقد تداول على رئاسة الوزارة 24شخصية منهم ، وكان لنوري السعيد حصة الأسد منها ، حيث شكل 14 وزارة خلال تلك الحقبة ، وحيث كان قطب الرجعية الرئيسي، ورجل المهمات الكبرى بالنسبة للإمبرياليين البريطانيين،يأتون به كلما أرادوا تنفيذ مهمات خطيرة على الضد من مصالح الشعب والوطن. لقد تميز حكم البلاط الملكي، والسلطة الحاكمة بشكل عام ، وسلطة نوري السعيد بشكل خاص ، بكل مظاهر الاستبداد ، وقمع الحريات العامة للشعب ، واصبح الدستور الذي وضعوه هم أنفسهم العوبة بأيديهم ، حيث تم إفراغه من كل الحقوق والحريات العامة التي نص عليها ، وجرى تزوير الانتخابات البرلمانية بشكل فض، فكانت الانتخابات لا تعدو عن كونها تعيين للنواب ، من قبل السفارة البريطانية، والبلاط الملكي، والسلطة الحاكمة .

ولقد أجاد شاعر العرب الأكبر، محمد مهدي الجواهري في وصفه لتلك السلطة، وسياستها المعادية للشعب ومصالح الوطن ، في قصيدته العصماء { يوم الشهيد } في ذكرى وثبة كانون المجيدة عام 1948 حيث قال :

          وتعطلَ الدستورُ عن أحكامهِ                  من فَرطِ ما ألوى  به الحُكامُ

          فالوعيُ بغيٌ، والتحررُ ُسبةٌ                    والهمسُ جرمٌ والكلامُ حرامُ

          ومدافعٌ  عما  يدينُ ، مخربٌ                  ومطالبٌ    بحقوقهِ    هَدّامُ

ولقد اعترف نوري السعيد بنفسه بهذه الحقيقة أمام مجلس النواب ، أثناء مشادة حدثت له مع أحد النواب المحسوبين على المعارضة ، فقد تحداه نوري السعيد أن يستقيل ، وتجري الحكومة انتخاباً جديداً للمقعد الشاغر ، ولا ترشحه الحكومة، أن يستطيع الفوز فيها من جديد !!.

كانت الحكومات المتعاقبة ، وحكومات نوري السعيد بوجه خاص، رغم وجود البرلمان ، تلجأ إلى تعطيله أو حله ، لتحكم البلاد بموجب المراسيم المنافية للدستور، ولتعلن الأحكام العرفية ، متى وأنى شاءت وتشكل المحاكم العسكرية العرفية ، وتحيل إليها كل الوطنيين المخلصين لشعبهم ووطنهم، ولتصدر الأحكام الجائرة بحقهم .

لكن كل تلك الأساليب الوحشية، والمنافية للدستور، والمقيدة للحقوق للحريات العامة،لم تثنِ الشعب عن مواصلة الكفاح من أجل الاستقلال الحقيقي، ومن أجل إقامة حكم ديمقراطي صحيح، يحترم الدستور، ويصون حقوقهم وحرياتهم العامة، ويحقق العدالة الاجتماعية لأبناء الشعب جميعاً ، ويعمل من أجل النهوض بالبلاد في كافة مجالات الحياة الاقتصادية ، والاجتماعية والثقافية والصحية ، وغيرها من المجالات الأخرى .

   لقد خاض الشعب العراقي معارك البطولة ،في مايس عام 1941 ، ضد المحتلين البريطانيين ، والفئة الحاكمة المرتبطة بهم ، وفي وثبة كانون الثاني 1948 المجيدة، احتجاجاً على عقد معاهدة [بورتسموث] مع بريطانيا ، وعلى مواقف الفئة الحاكمة من قضية فلسطين ، وقد تكللت الانتفاضة بإسقاط المعاهدة المذكورة ، وإسقاط حكومة [صالح جبرـ نوري السعيد ] .

   ثم جاءت وثبة تشرين المجيدة عام 1952 احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية، وسوء الأوضاع السياسية ، وانعدام الحريات العامة ، ولقد أوشكت تلك الانتفاضة أن تطيح بالنظام الملكي ، بعد أن ولت الأدبار القوى القمعية للنظام ، واستقالت الحكومة وتوارى أعضاءها عن الأنظار خوفاً من غضب الشعب ، وبات الشعب سيد الشارع دون منازع ، مما دفع هذا الوضع بالوصي [عبد الإله ] إلى الاستعانة بالجيش، ودعوة رئيس أركان الجيش الفريق [ نور الدين محمود ] إلى تشكيل وزارة طوارئ، وتعينه حاكماً عسكرياً عاماً ، وإعلان الأحكام العرفية في جميع أنحاء البلاد ، وقامت حكومة [نور الدين محمود ]بإلغاء الأحزاب ، والصحف والجمعيات والنوادي، واعتقال الآلاف من أبناء الشعب وزجهم في السجون .

   واستمر كفاح الشعب ، وتصاعد لينفجر مرة أخرى عام 1956، أبان العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة ، بسبب الموقف الخياني الذي وقفته حكومة [ نوري السعيد]، ودعمها للمعتدين ، ووقوفها موقف التشفي من مصر وقائدها الرئيس [عبد الناصر] خلال تلك المحنة .

   وكلما صعّد الشعب من وتائر كفاحه ضد تلك السلطة الجائرة ، كلما صعّدتْ تلك السلطة من إجراءاتها القمعية والوحشية ضد الشعب، مستخدمة كل الوسائل والسبل المتاحة لكسر إرادته ، وإخضاعه لمشيئة الإمبرياليين .

   ورغم كل المذكرات التي قدمها قادة الأحزاب الوطنية إلى الوصي عبد الإله، والملك فيصل الثاني ، والتي حذروا فيها من مغبة الاستمرار على تلك السياسة، وضرورة احترام حقوق الشعب وحرياته ، والكف عن استخدام القمع ، وضرورة أجراء انتخابات حرة ونزيهة ، تعبر بصدق عن رغبات الشعب وأرادته ، إلا أن كل تلك النصائح ذهبت أدراج الرياح ، فقد كانت السلطة الحاكمة في وادٍ والشعب في وادٍ آخر ، مما جعل أي أمل في إصلاح الأوضاع أمراً مستحيلاً دون أجراء تغيير جذري وشامل في البلاد ، يزيح الطغمة الحاكمة ، التي انتهكت حقوق وحريات الشعب ، وخانت مصالح الوطن وسيادته واستقلاله .

   وهكذا جاء الرد الحاسم لشعب وجيش العراق في الرابع عشر من تموز 1958، عندما اندلعت ثورة 14 تموز ، والتي قامت بتعاون وتكاتف الأحزاب السياسية الوطنية ، والتي كانت  منضوية تحت راية [جبهة الاتحاد الوطني ]، مع الفصائل الثورية في الجيش المنضوية تحت لواء [اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار ].

    لقد التحم في ذلك اليوم الجيش والشعب ، في هبة كبرى، أزاحت خلال ساعات تلك السلطة ، وذلك العرش ، المرتبطين بعجلة الإمبريالية ، وقامت لأول مرة سلطة عراقية وطنية خالصه ، لا تخضع لإرادة السفارة البريطانية في بغداد.

    لقد كان في فكري ، في البداية أن اكتب عن تلك الثورة التي هزت الإمبريالية، أفقدتها صوابها ، لكني وجدت أن من الأفضل أن أبدأ بالكتابة عن المرحلة الأولى من تاريخ عراقنا الحديث ، ذلك لان التاريخ عبارة عن سلسلة مترابطة من الأحداث ، وأن تتابع هذه الأحداث أمر هام وضروري لفهم واستيعاب التطورات المتتالية ، التي حدثت أبان الثورة وبعدها ، سواء في مرحلة نهوضها وبنائها ، أو في مرحلة انتكاستها ، ومن ثم اغتيالها على أيدي انقلابيي 8 شباط عام 1963، بتخطيط ودعم وإسناد من قبل الإمبريالية ، وما جرته تلك الأحداث من مآسي وويلات على العراق وشعبه ، مما سوف أفرد له بحثا تالياً يتناول ثورة 14 تموز 1958، وما تلتها من انقلابات، بدءاً بانقلاب 8 شباط 1963، ومروراً بانقلاب 18 تشرين من نفس العام، الذي قاده عبد السلام عارف ضد حكم البعثيين ، وانقلاب عبد الرزاق النايف مع شركائه البعثيين ضد حكم عبد الرحمن عارف ، في 17 تموز 1968، وانقلاب البعثيين على شريكهم النايف بعد 13 يوماً فقط من قيام انقلابهم، في 30 تموز، وانتهاءً بانقلاب صدام حسين ضد سيده ، وقائد حزبه، احمد حسن البكر، وما جلبه النظام الصدامي الفاشي على العراق وشعبه من ويلات ،ومآسي ،ومصائب ،وآلام ،وجوع ،وحرمان على يد هذا الدكتاتور المولع بالدماء .

 وفي الختام لا يسعني إلا أن اقدم جزيل شكري لكل الاخوة الذين أمدوني بالمراجع، ولاسيما وأنا أعيش في المنفى، بعيداً عن الوطن، حيث صعوبة الحصول على المراجع اللازمة، وكل  أملي أن أكون قد أوفيت موضوع الكتاب حقه.                                                        

 

                                                                            المؤلف