Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review

أضواء على محاولة انقلاب العقيد الشواف

 

 

تناول العديد من الكتاب والمهتمين بمتابعة الأحداث التاريخية ،المحاولة الانقلابية الفاشلة للعقيد الشواف في الموصل ضد القيادة الوطنية لثورة الرابع عشر من تموز ،وما رافقها من أحداث ،وكان آخر من تناول تلك المحاولة وأحداثها القناة الفضائية [ أبو ظبي ] ،وقد اتسمت معظم الأقلام التي تناولت تلك الأحداث بالتشويه أحياناً وبالضبابية أحياناً أخرى ،مما يدفعني إلى إلقاء الضوء على تلك الأحداث التي عايشتها بكل دقائقها ،لا ابتغي في عرضي هذا سوى الحقيقة التي أرجو أن يطلع عليها الجميع .  

منُذُ الأيام الأولى لثورة الرابع عشر من تموز حدث شرخ خطير في صفوف الحركة الوطنية التي كان يقيادة أحزاب[جبهة الاتحاد الوطني] ، و[اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار] قاده عبد السلام عارف بدعم من حزب البعث وجانب كبير من القوى القومية الذين سيروا المظاهرات في شوارع بغداد مطالبين بالوحدة الفورية الاندماجية مع الجمهورية العربية المتحدة خلافاً لرأي أغلبية القوى والأحزاب الوطنية التي رفعت في المقابل شعار الاتحاد الفدرالي كخطوة أولية مؤكدة على إقامة أوثق الروابط بين العراق والجمهورية العربية المتحدة وصولاً في المستقبل إلى إقامة وحدة حقيقية تقوم على أسس ديمقراطية ترعى مصالح الشعب العراقي الذي خرج لتوه من هيمنة القوى الإمبريالية والنظام الملكي المدعوم من قبلهم ، ومن قبل القوى الرجعية والإقطاعية .ولم تكن تلك القوى التي رفعت ذلك الشعار [ الوحدة الفورية ] صادقة في دعواها ، بل كانت ترمي إلى الوثوب إلى السلطة ، وإزاحة القوى الديمقراطية وقيادة عبد الكريم قاسم ، وهي لو كانت جادة في دعواها لحققت الوحدة عندما اغتالت ثورة الرابع عشر من تموز في انقلابها الدموي الفاشي في الثامن من شباط عام 1963، سواء في عهد الحكم حزب البعث ، أو حكم عبد السلام عارف الذي قاد انقلاب 17 تشرين ضد حكم البعث ،وكذلك عندما عاد البعثيون إلى الحكم عام إثر انقلاب 17 تموز 1968على حكومة عبد الرحمن عارف ، بل على العكس من ذلك اتخذوا موقفاً معادياً من عبد الناصر واستمروا على مهاجمته في كافة وسائل إعلامهم ومن ضمنها الإذاعة والتلفزيون حتى ساعة وفاته .

لقد سعت  تلك القوى إلى تعميق الخلافات والانقسام في صفوف القوى الوطنية مستخدمة كل الوسائل والسبل ، على الرغم من كل المحاولات التي بذلتها الأحزاب الوطنية ، وفي المقدمة منها الحزب الشيوعي إدراكاً منها لخطوة المرحلة التي كانت تمر بها ثورة الرابع عشر من تموز و هي ما تزال في أيامها الأولى ،ولا سيما وأن الإمبرياليين كانوا قد انزلوا قواتهم العسكرية في لبنان والأردن، وأوعزوا إلى حليفتهم تركيا بحشد جيوشها على حدود العراق بغية الإجهاز على الثورة وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء  .

واستمر الانقسام في صفوف القوى الوطنية في أوائل عام 1959 حتى بلغ مداه ،ورفضت القوى القومية والبعثية أي دعوة للتعاون والتلاحم من أجل مصلحة الشعب والوطن .

 لقد جرت في تلك الأيام انتخابات النقابات ،والمنظمات الجماهيرية ، وبذل الحزب الشيوعي جهوداً كبيرة ،من أجل لمّ الشمل ، والخروج بقائمة موحدة في الانتخابات ، ولكن القوى القومية والبعثية رفضتا ذلك ،رفضاً قاطعاً ،وأصرتا على خوض الانتخابات بصورة منفردة ،قاطعة الطريق على أي تقارب وتعاون .

 كان في مقدمة الأنتخابات التي جرت نقابة المعلمين ، حيث جرت الانتخابات بروح ديمقراطية ،بإشراف ممثلين عن القائمتين [ الديمقراطية] والتي ضمت الشيوعيين ،والديمقراطيين ،والبارتيين ،والقائمة [الجمهورية ] التي ضمت البعثيين والقوميين ،وقد لفوا حولهم كل العناصر الرجعية ، المناهضة للثورة أساساً ، تلك القوى التي وجدت فرصتها في هذا الانقسام للظهور بمظهر القومية الزائفة ،والوحدوية !!،في حين أنها كانت ، ولعهد قريب ، من أشد أعداء الوحدة وعبد الناصر ، ولا تزال تلك الأحداث في ذاكرتي ، عندما فازت القائمة الديمقراطية  [المهنية ] للمعلمين ، وكنت أحد مرشحيها ، بفارق كبير ، وأعترف ممثلي القائمة [الجمهورية ] بتوقيعهم على محاضر الانتخابات وفرز الأصوات ، بان الانتخابات قد جرت في جو ديمقراطي لا تشوبه شائبة ، وكانت نقابة المعلمين ، تمثل قطاعاً كبيراً من المثقفين ، وقد تجاوز عدد أعضائها   أكثر من خمسة وخمسون ألف معلم ،ومدرس ،وأستاذ جامعي آنذاك .

كانت الانتخابات تلك خير مقياس لتوزيع القوى ، حيث كان لها دور فاعل في الحياة السياسية للبلاد ، وجرت بعد ذلك انتخابات الطلاب ، حيث جرى الاستقطاب بين القوى السياسية ، على غرار ما جرى في انتخابات نقابة المعلمين ، وفازت القائمة الديمقراطية ، المسماة ب [اتحاد الطلبة ] فوزاً ساحقاً ، وتبع ذلك انتخابات نقابة المهندسين ، والأطباء ، والعمال والجمعيات الفلاحية ، وفشلت تلك القوى الرافضة للتعاون في الحصول على أي مكسب فيها .

  لقد تعمق الاستقطاب في صفوف الحركة الوطنية ، وأخذ التباعد يتسع يوماً بعد يوم ، وأخذ الجانب الخاسر في التنافس الحر ، منحى آخر يستند إلى العنف في تحقيق ما عجز عن تحقيقه عن طريق التنافس الديمقراطي الحر ، وبدأت عقولهم تفكر في استخدام القوة ،والعنف لتغيير الأوضاع لصالحهم .

 وجد العقيد الشواف ـ آمر موقع الموصل ـ فرصته الذهبية في ركوب الموجة ، فقد كان يشعر بأنه قد أصابه الغبن الكبير عند ما عُيّين آمراً للواء الخامس ، وآمر موقع الموصل ، وكان يطمح في الحصول على منصب وزاري ، أو منصب الحاكم العسكري العام ، عند قيام الثورة ، حتى لكأنما قامت الثورة لتوزيع المناصب على القائمين بها ، وليس من أجل خدمة القضية الوطنية .

  كنت في تلك الأيام مديراً لإحدى مدارس الموصل [ مسقط رأسي ] ،وكنت أرى  وأحس والمس ذلك الصراع ،يتطور ،ويتعمق ،والانقسام يبلغ مداه ،ويتحول إلى عداء ،واعتداء ،وتحول ذلك الجانب الخاسر في الانتخابات إلى عصابات تنتشر هنا وهناك تتحين الفرص للاعتداء على العناصر الديمقراطية والشيوعية،بوجه خاص ، وكانت توجيهات الحزب الشيوعي آنذاك  تقضي بعدم الانجرار وراء تلك الأعمال ، وتجنب الصدام ،وكان أمله في إعادة الصواب إلى رشد تلك القوى ،والعودة إلى التلاحم ،والتعاون ،من أجل مصلحة الشعب والوطن ،وديمومة الثورة ونضوجها ، وتعمقها من أجل تحقيق أحلام الشعب العراقي الذي ضحى من أجلها سنين طويلة .

كان يدرك معنى الانقسام في صفوف الحركة الوطنية ،والمخاطر التي تسببها ، وفعل كل ما يمكن من أجل إعادة اللحمة للقوى الوطنية ،إلا أن كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح ،وراحت تلك القوى تعد العدة ، وتهيئ لمحاولة انقلابية في مدينة الموصل ، ثاني أكبر مدن العراق ،وكانت تحركاتهم وإعدادهم لذلك الانقلاب بادية للعيان ،تجري على قدم وساق فيما كان الجانب الثاني من الاصطفاف ـ الشيوعيون والديمقراطيون ،والبارتيون ـ يراقبون الأوضاع ،بدقة ،فالخطر لا يعني قاسم وحده ،أو الثورة وحدها ،وإنما يعني أيضاً تعرض كل القوى المساندة للثورة للتصفية ،إذا ما تحقق النصر لمحاولتهم الانقلابية .

كان العقيد الشواف ،وعدد من الضباط القوميين ،والبعثيين ينشطون بهذا الاتجاه ،وينسقون مع القوى الرجعية للإعداد لتك المحاولة .وأنتهز أعضاء المؤتمر الأول لنقابة المعلمين في الموصل ـ وكنت احدهم ـ وجوده في بغداد ، لحضور المؤتمر ،المنعقد في أواسط شباط 1959 ، الفرصة وطلب مقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم لأمرٍ يخص الثورة والجمهورية وأمنها .

 وافق عبد الكريم قاسم على استقبال الوفد في مقره بوزارة الدفاع ، وحضر الوفد في الوقت المحدد  ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى حضر عبد الكريم قاسم ، ودخل القاعة وسط التصفيق والهتاف باسم الثورة وقيادتها . بدأ الزعيم الحديث موجهاً كلامه للوفد مرحباً به وقائلاً { إنني كنت واحداً منكم ، أنتم مربي الأجيال ، نعم  لقد كنت معلماً ، في إحدى قرى الشامية بعد تخرجي من الإعدادية ،وقبل أن أدخل الكلية العسكرية ،وأنا فخورٌ بذلك }.

وتحدث الزعيم طويلاً عن دور المعلم في المجتمع ، وبعد نهاية حديثه ،طلب من الوفد الحديث .

  بدأ أكبر أعضاء الوفد سناً ، الشهيد المناضل [ يحيى الشيخ عبد الواحد ] المعروف[ يحيى ق] الذي كان مشهوداً له بالمواقف الوطنية أيام الحكم الملكي، والمواقف الجريئة ضد حكم الطاغية نوري السعيد ، وناله بسبب مواقفه تلك صنوفٌ من الاضطهاد ،والاعتقال ، وأستحق محبة الشعب العراقي وقواه الوطنية .

بدأ يحيى بالحديث عن أوضاع الموصل المتدهورة ،والنشاط التآمري الذي يجري على قدم وساق  موضحاً للزعيم ،أن العراق في خطر ، وإن الثورة في خطر كذلك ،إذا لم تسارع حكومة الثورة في معالجة الأمور بأسرع وقت ممكن ،من أجل نزع الفتيل قبل حدوث الانفجار ، مشيراً إلى العناصر التي تقود ذلك النشاط ، وعلى رأسها العقيد الشواف ،وزمرة من الضباط القوميين والبعثيين المتعاونين معه ، بالإضافة إلى القوى الرجعية والإقطاعية ، وعلى رأسها شيخ مشايخ شمر ،الإقطاعي الكبير، والنائب السعيدي المزمن [ أحمد عجيل الياور ] .

 وتحدث يحيى عن السلاح الذي كان المتآمرون ينقلونه عبر الحدود السورية ،ويخزنوه في الموصل ،وكذلك عملية تسليح قبائل شمر ،التي تدين بالولاء لرئيسها ، والحاقد على الثورة وعلى قانون الإصلاح الزراعي الذي جرده من سلطانه . كما تحدث يحيى عن نشاط عملاء شركات النفط في عين زالة ،في الموصل ،في هذا الاتجاه .

 إلا أن الزعيم عبد الكريم قاسم ،كان رده بارداً جداً ، حيث أجاب الوفد بعباراته المشهورة ، [الصبر] و [ التسامح ] و [ والكتمان ] و [المباغتة ]  ، والتي كان يرددها دائماً . وقد رد عليه يحيى قائلاً :

يا سيادة الزعيم ، إن هناك حكمة تقول [ الوقاية خيرٌ من العلاج ] ، إن انتظار حدوث الكارثة ومعالجتها بعد ذلك ، أمرٌ خطيرٌ جداً ، إذ ربما  تكون لها إمتدادات في مختلف أنحاء العراق ، ولربما تؤيدها غيرها من القطعات العسكرية في مناطق أخرى ، وربما تنجح تلك المحاولات في اغتيال الثورة  وفي أحسن الأحوال ، حتى لو قامت المحاولة وفشلت ، فلا أحد يستطيع تقدير خسائرها وأضرارها  لذلك فأن منع وقوعها ، أفضل بكثير من انتظار وقوعها ،والقضاء عليها .

  كان جواب عبد الكريم قاسم غير متوقع إطلاقاً ، لقد غضب قاسم من حديث يحيى ، وأجاب قائلاً : { إننا ندرك الأمور إدراكاً جيداً ، وإن العقيد الشواف هو أحد الضباط الأحرار وأنتم تهولون الأمور،وتضخمونها ،نحن أقوياء واثقون من أنفسنا } .

  وعاد الأستاذ يحيى مخاطباً الزعيم قاسم قائلا :

 سيادة الزعيم : إننا لا نطلب من سيادتكم سوى طلب بسيط ،فنحن لا نطلب أن تعاقب أحداً ،أو تسجن أحداً ،وكل ما نطلبه هو نقل زمرة الضباط المذكورة ، وتفريقها في مناطق أخرى ، منعاً لوقوع الواقعة ، لكن الزعيم قاسم رفض ذلك رفضاً قاطعاً ،وأجاب بحدة : { إن هذه الأمور تتعلق بنا وحدنا ، ونحن لا نسمح لأحد بالتدخل فيها } .

وهكذا فقد بدا جو اللقاء مكفهراً ، مما حدا بالمرافق الأقدم للزعيم  الشهيد  [وصفي طاهر إلى التدخل لتحسين الجو قائلاً :

[ إننا لا نهاب الشواف ،ونحن قادرون على جلبه إلى هنا هاتفياً في أية لحظة ] ، وأخيراً بدا عبد الكريم قاسم يغير اتجاه الحديث ، عارضاً منجزات الثورة ، وطموحاتها المستقبلية ، وبعد ذلك أنتهي اللقاء ،وغادر الوفد وزارة الدفاع ، والكل يضرب أخماساً بأسداس ،كما يقول المثل ،ويسأل بعضه بعضا :

 هل ستقع الواقعة ؟ بل متى ستقع بالتأكيد ؟ وماذا ستكون النتائج ؟

 عاد الوفد إلى الموصل والقلق بادٍ على وجوه الجميع ، فقد كان الجو مكفهراً وينذر بالخطر.

 وفي تلك الظروف البالغة الحراجة ، قرر الحزب الشيوعي ،وحركة أنصار السلام ، التي يساهم فيها الحزب بنشاط كبير تحدي المتآمرين ،وتوجيه تحذير إليهم بأن مدينة الموصل سوف لن تكون مسرحاً لاغتيال الثورة ومنجزاتها ، وأن الشعب العراقي سوف يقف بالمرصاد لأي تحرك ، معلناً عن تنظيم مهرجان لأنصار السلام في الموصل في أوائل آذار 959 ، واستعدت القوى الديمقراطية ،والشيوعية والبارتية لذلك اليوم الموعود ، وتقاطرت الوفود من أنحاء القطر للمشاركة في ذلك المهرجان .

كانت التظاهرة من الضخامة ،وحسن التنظيم ما أقلق قوى الظلام ، وأثار غضبها ، فنصبت الكمائن لتصب جام غضبها على المسيرة ، وأمطرتها بوابل من الحجارة ،وحتى بالرصاص فجرح من جرح ، وأدى ذلك إلى وقوع صدامات عنيفة مع المهاجمين .

أكفهر الجو ، ونزلت قوات كبيرة من الجيش والشرطة لإيقاف الصدام ، وانتهى ذلك اليوم وعادت الوفود إلى مدنها ،وخيم الوجوم على الموصل وأبنائها ، وتصاعد القلق كثيراً ، فقد بدا واضحاً أن الوضع قد ينفجر في أية لحظة ، وبالفعل لم يكد يمضِ سوى يومان حتى نفذ المتآمرون فعلتهم ، بادئين ليلة 7/8  آذار باعتقال كل القادة ،والنشطاء في الأحزاب ،والمنظمات الديمقراطية ،وبوجه خاص منتسب الحزب الشيوعي ، وقد جرى الاعتقال بأسلوب الاحتيال ، حيث طلب الشواف اللقاء معهم في مقره ، لدراسة الأوضاع السياسية المتدهورة ،وسبل معالجتها ، ولبى من لبى ذلك النداء ووقع في الفخ الذي نصبه الشواف لهم ،واختفى من أختفي  مشككاً بأهداف الاجتماع ، وكان ما كان ، فقد أُخذَ الجميع بالشاحنات العسكرية معتقلين ، وأودعوا الثكنة الحجرية .

 وفي الصباح كان المتآمرون قد هيأوا  إذاعة منصوبة في شاحنة طويلة  تحمل صندوقا كبيراً  ، كانت قد وصلتهم من الجمهورية العربية المتحدة ، عبر الحدود السورية ، وبادروا إلى إعلان بيانهم الأول معلنين قيام الانقلاب ، ومطالبين عبد الكريم قاسم بالاستقالة ، وفيما يلي نص البيان الذي أذيع في تمام الساعة السادسة والنصف من صبيحة  ذلك اليوم، 8 آذار .

 

  نص بيان العقيد عبد الوهاب الشواف الانقلابي :

 

 أيها المواطنون :

 عندما أعلن جيشكم الباسل ثورته الجبارة في صبيحة 14 تموز الخالد ، عندها حطم الاستعمار وعملائه ، وقضى على النظام الملكي ، وأقام بمؤازرتكم وتأييدكم النظام الجمهوري الخالد ، عندما فعل جيشكم ذلك كله ، لم يدر بخلده ، ولا بخلدكم ، أن يحل طاغية مجنون محل طاغية مستبد ، وتزول طبقة استغلالية بشعة ، ليحل محلها فئة غوغائية ، تعيث بالبلاد والنظام و القانون فساداً ويُستبدل مسؤولون وطنيون بآخرين يعتنقون مذهباً سياسياً ، لا يمت لهذه البلاد العربية الإسلامية العراقية بمصلحة . أجل لم يدر بخلد جيشكم الباسل ولا بخلدكم أنتم أيها المواطنون الأباة ، وقد انصرم على قيام ثورتكم الخالدة ثمانية أشهر ، ولم تكن بلادكم ، الوفيرة الخيرات ، إلا مسرحاً للفوضى ، والبطالة ، فيتحطم اقتصادها الوطني ، وتتعطل مشاريعها العمرانية ، وتنتزع الثقة من النفوس ، ويختفي النقد من الأسواق ، وتعيث بالبلاد مقابل ذلك فئة ضالة باغية لا دين لها ،ولا ضمير ، تخلق لها صنماً به لوثة في عقله وتعبده ، ولا تخشى الله وتنادي به رباً للعالمين ، وتُسخر موارد الدولة لتخلق منه زعيماً أوحداً ،ومنقذاً أعظم .

هذا الزعيم ، الذي خان ثورة 14 تموز ، وعاث بمبادئها ، وأهدافها ، ونكث بالعهد ، وغدر بإخوانه الضباط الأحرار ، ونكل بهم ، وأبعد أعضاء مجلس الثورة الأشاوس ليحل محلهم زمرة انتهازية رعناء ، وقادته شهواته العارمة الى تصدر الزعامة ، وأعتمد على فئة تدين بعقيدة سياسية معينة لا تملك من رصيد التأييد الشعبي  غير التضليل ، والهتافات الغوغائية ، والمظاهرات ، وغير الزبد الذي يذهب جفاء ، وركب رأسه وأعلنها دكتاتورية غوغائية ، فنحى زعماء الثورة عن المسؤولية ،وأطلق للإذاعة والصحف عنان الفوضى ، تخاصم جميع الدول ، وتشنها حرباً عدوانية على الجمهورية العربية المتحدة ، التي جازفت بكيانها من أجل نجاح الثورة ، ودعم كيانها وكيان الجمهورية ، وأستهتر بدستور جمهوريتنا المؤقت ، وسلب مجلس السيادة المؤقت كل مسؤولياته الدستورية ، وأحتكرها لنفسه ، وأعلنها حرباً شعواء على الجهات الوطنية ، والعناصر القومية المخلصة فزج في المعتقلات آلافاً من المواطنين الأبرياء بما لم يسبق له مثيل حتى مع الطاغية [ نوري السعيد ] ولا المجرم [ عبد الإله ] ، ولم يجرأ على فعلته الإجرامية أحد ،وأنحرف منفذاً أوامر الجهات الغوغائية عن أغلى وأثمن ما يعتز به العراقيون عرباً وأكراداً ، ألا وهو السير بسفينة البلاد الى التضامن مع سائر البلاد العربية المتحررة ، وأعلنها حرباً شعواء على الأمة العربية ، لدرجة أن صار الهتاف بسقوط القومية العربية شعاراً له ولزمرته الباغية الفاجرة ، وسلك في سياسته الخارجية مسلكاً وعراً ، فلم يتقيد بمبادئ الثورة التي ترى من سياسة الحياد الإيجابي شعاراً لا يمكن الانحراف عنه . لهذه  الأسباب كلها ، أيها المواطنون الأباة في شتى أنحاء جمهوريتنا الخالدة ، عزمنا باسم العلي القدير ، بعد اتفاقنا مع أخينا الزعيم الركن [ ناظم الطبقجلي ] ،قائد الفرقة الثانية ، ومع كافة الضباط الأحرار في جيشكم الباسل ، وبعد مشاوراتنا مع سائر العناصر السياسية المخلصة عزمنا في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ جمهوريتنا ، على تحرير وطننا الحبيب من الاستعباد والاستبداد ، وتخليصه من الفوضى ، معلنين لكافة المواطنين ، عرباً وأكراداً ،وسائر القوميات العراقية الأخرى التي يتألف من مجموعها شعبنا العراقي ، الأبي الكريم إننا المحافظون على العهد  متمسكون بأهداف ثورة 14 تموز الخالدة ، مراعون مبادئ دستور جمهوريتنا الفتية ، نصاً وروحاً  عاملون على حسن تنفيذ وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي ، وتطبيق سياسة اقتصادية اشتراكية ديمقراطية ، تعاونية ، ونطالب بحزم وإصرار تنحي الطاغية المجنون وزمرته الانتهازية الرعناء عن الحكم فوراً ، والقضاء على السياسة الغوغائية ، التي أخذت تمارسها فئة ضالة من شعبنا ، لكي يسود النظام وحكم القانون في أرجاء وطننا الحبيب ، ونعلن في هذه اللحظة التاريخية للعالم أجمع ، أن سياستنا الخارجية منبثقة من مصالح شعبنا وأمتنا ، وإننا إذ نتبنى سياسة الحياد الإيجابي الدقيق إزاء الدول الأخرى ، نصادق من يصادقنا ، ونعادي من يعادينا ، نعلن باسم الشعب العراقي ،أننا سنحافظ على التزاماتنا الدولية بوصفنا عضواً في الأمم المتحدة ، ونعتز بصداقة البلاد التي أدت لنا ولأمتنا العربية أجل العون في محنتها الماضية ، ومن تلك البلاد الاتحاد السوفيتي وسائر البلدان الاشتراكية ، والى جانب هذا ، نعلن بإصرار تمسكنا باتفاقاتنا النفطية مع الشركات الأجنبية مراعين في ذلك مصالح اقتصادنا ، وحقوقنا الشرعية ، وسنضمن بحزم سير أعمال الشركات النفطية ، بكل حرية . ويسرنا أن نفتح صفحة جديدة من الصداقة القائمة على أساس الند للند ، مع كل دولة ، ونود أن نوضح بجلاء أن أي تدخل خارجي في شؤوننا الداخلية من أي دولة كانت ، في هذه الفترة التي تسبق قيام مجلس السيادة بمسئوليته الدستورية ، ليؤلف وزارة شرعية في العاصمة بغداد ، بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة ، فأن هذا التدخل يعتبر ماساً باستقلال وسيادة جمهوريتنا ، ويؤدي ذلك إلى أوخم العواقب .

أيها المواطنون :

إننا ، إلى أن يستجيب عبد الكريم قاسم ، فينصاع للحق ، ويتنحى عن الحكم فوراً ، والى أن يمارس مجلس السيادة سلطاته ، ليؤلف وزارة بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة ، قد أخذنا على عاتقنا  بعد الاتكال على الله ، مسؤولية إدارة البلاد ، طالبين من إخواننا المواطنين الكرام ، شد أزرنا وعوننا ، بالإخلاد إلى الهدوء والسكينة ، دون أن يلزمونا إلى اتخاذ تدابير من شأنها الأضرار بالممتلكات ، أو إلى سفك الدماء ، وليكن كافة أبناء الشعب مطمئنين إلى إننا سنكون عند حسن ظنهم بتولي المطالبة بتحقيق أمانيهم .

 ونحذر في الوقت ذاته العناصر الهدامة من أننا سنأخذهم بالشدة ،  إن عرضوا حياة المواطنين وحياة الأجانب ، وممتلكاتهم للخطر ، وليعلم الجميع أن حركتنا الوطنية تستوي عندها جميع الفئات والهيئات ، وأنها تحفظ لهم حقوقهم في الحرية إن لم يتجاوزا حدود القانون المرسوم ، والله ولي التوفيق 

                                                      العقيد الركن عبد الوهاب الشواف

                                                                   قائد الثورة

                                                                 8 آذار 1959

نظرة في بيان الشواف :

بنظرة فاحصة لبيان العقيد الشواف ، يتبين لنا أن الشواف لم يكن سوى رجل متعطش للسلطة والتزعم ، فلقد تجاوز قائده ورفيقه الزعيم [ ناظم الطبقجلي ] ،قائد الفرقة الثانية ، التي كان اللواء الذي يقوده  العقيد الشواف تابعاً له ، متخذاً له صفة قائد الثورة ، مما دفع الزعيم الركن الطبقجلي إلى عدم التحرك والمشاركة في الانقلاب ، على الرغم مما ورد في البيان حول الاتفاق معه لتنفيذ الانقلاب .

كما أن الحركة كانت قد اعتمدت على الدعم الخارجي من قبل الجمهورية العربية المتحدة ، فقد أرسلت للانقلابيين محطة إذاعة متنقلة ، منصوبة فوق شاحنة كبيرة ، مع كمية كبيرة من الأسلحة بالإضافة إلى الدعم الإعلامي الكبير ،عبر محطتي إذاعة دمشق ،وصوت العرب من القاهرة ، وكان من المنتظر تقديم الدعم الميداني للحركة لو قدر لها الصمود فترة 48 ساعة ، ولكن سرعة قمع الحركة حال دون ذلك .

حاول العقيد الشواف مغازلة شركات النفط ، وكسب ودها من أجل دعم انقلابه ، مطمئناً إياها بأنه سيلتزم بحزم بالاتفاقيات المعقودة مع الشركات ،ويضمن مصالحها .

لم يكن العقيد الشواف صادقاً بمواصلة تطبيق قانون الإصلاح الزراعي ،وهو الذي لف حوله العناصر الرجعية ،والإقطاعية ، والتي كان على رأسها شيخ مشايخ شمر  [احمد عجيل الياور ] ، الإقطاعي الكبير ، حيث جرى تسليح القبائل الموالية له وزجها في الحركة كما ركز العقيد الشواف في بيانه ، حملته الشعواء على الشيوعيين متهماً إياهم بنفس التهم التي كان [ نوري السعيد ] يستخدمها ضدهم ، في العهد الملكي في محاولة لكسب ود الغرب ودعمهم لحركته .

واستخدم العقيد الشواف شتى النعوت والكلمات البذيئة بحق عبد الكريم قاسم ، والتي تعبر عن الضحالة ، وعدم النضوج ، ونال استهجان غالبية الشعب العراقي ، الذي يكن الولاء لقيادته .

 لقد تبين أن حركة العقيد الشواف لم تكن سوى حركة لمجموعة من الضباط المغامرين  التواقين إلى السلطة ، ولا يستندون إلى أي قاعدة شعبية ، ولا عسكرية ، فقد وقف فوج الهندسة التابع للواء القائم بالحركة ، بكافة ضباطه وجنوده ضد الحركة الانقلابية منذُ اللحظة الأولى ، وقاومه بقوة السلاح ، أما الجنود وضباط الصف ، الذين كانوا بإمرة الانقلابيين ، والذين انساقوا تحت وطأة الخوف من قادتهم ، فسرعان ما انتفضوا على ضباطهم المتآمرين وانضموا إلى جانب السلطة ،ومقاومة الانقلاب .

وخلال المعارك التي دارت بين الانقلابيين ، والقوى المساندة للسلطة ، سقط من بين الانقلابيين  (47) فرداً ، وذلك حسبما ورد في تقرير الطب العدلي ،وأكده المقدم   [يوسف كشمولة ] ،أحد المشاركين في الحركة الانقلابية خلال الاحتفال الذي أقيم في ملعب الموصل ،إحياءاً لذكرى انقلاب الشواف ،بعد وقوع انقلاب 8 شباط الفاشي عام 63 ، وإسقاط حكومة عبد الكريم قاسم ، كما أن المجلس العرفي العسكري الذي أقامه انقلابيوا  8شباط ، قد أكد العدد المذكور.

في ذلك الحين كانت إذاعة صوت العرب من القاهرة  تذيع أخباراً مذهلة عما سمته بالمجازر التي وقعت في الموصل ، وادعت أن عدد القتلى من البعثيين والقوميين ، قد جاوز  ( 20) ألفاً  في محاولة منها لإثارة القوى القومية والبعثية للانتفاض على حكومة الثورة وإسقاطها .

لقد سُخرت هذه الإذاعة في تلك الأيام للهجوم على حكومة الثورة ، وعلى القوى الديمقراطية والشيوعية ، مستخدمة أبذأ الكلمات والعبارات التي لا تليق بدولة ، كان لها من الاحترام والحب لدى الشعب العراقي إبان العهد الملكي ما يفوق الوصف ، وخاصة عندما خاضت مصر بقيادة الرئيس عبد الناصر معركة السويس عام 1956 ضد العدوان الثلاثي  البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي، ويتلهف لسماع إذاعة  [صوت العرب] .

لقد تكشف للأمة العربية وللعالم أجمع زيف وكذب تلك الإذاعة عما كانت تبثه من أخبار المجازر المزعومة في الموصل ، وأساليب التحريض الرخيصة ضد ثورة 14 تموز وقيادتها ، ليس حباً بالعراق وشعبه ، ولا حرصاً على مصالحه ، وإنما حباً في السيطرة على العراق ، وضمه قسراً للجمهورية العربية المتحدة ، دون أخذ رأي الشعب العراقي في مثل هذا الأمر الخطير ، والهام ، الذي يتعلق بمصيره ،ومستقبله.