![]() |
|
ثقافة التسقيط في الأدب السياسي العراقي
في ظل سيادة الديمقراطية ، ومبدأ التعددية ، والقبول بالرأي الآخر ، يسود بين مختلف الشرائح السياسية في المجتمع ، يكاد لا يجد المتتبع لما يدور في اللقاءات والندوات والمباحثات بين تلك الشرائح ما يشير إلى محاولة التسقيط للشخصيات السياسية التي يختلف معها الآخرين ، وحتى عندما تتصاعد حرارة النقاشات بين الأطراف لدرجة يتصور معها المراقب أن المعركة ستنشب بين تلك الأطراف .
غير أنه ما أن تنتهِ تلك اللقاءات والنقاشات بي الأطراف حتى ينهض الجميع ليصافح بعضه بعضاً وكأن شيئاً من ذلك الصراع والنقاش الحاد لم يكن ، ويغادر الجميع قاعة الاجتماع تاركين وراءهم كل شئ وكأن اللقاء لم يجرِ بين تلك الأطراف ، ويسود الاحترام المتبادل بين الجميع .
لكن هذه الظاهرة تكاد تنعدم في المجتمعات التي يسودها أنظمة دكتاتورية استبدادية قمعية ، حيث يسودها الحزب الواحد والفكر الواحد الإيدولوجية الواحدة ، وحيث يجري تكفير وتخوين كل من تسول له نفسه طرح فكرٍ أو رأي مخالف ، وتوجيه أشنع الاتهامات بالخيانة أو الانهزامية أو خدمة الأجنبي أو عدو النظام أو عدو الشعب !! إلى آخره من الاتهامات الباطلة والتي لا أساس لها من الواقع .
أن ما ينطبق على الأنظمة والحكومات الدكتاتورية الشمولية القمعية ينطبق كذلك على الشخصيات السياسية السائرة في ركابها ، والمنتمين إلى تشكيلاتها السياسية ، والذين لا هم لهم سوى الطعن بكل من يحمل فكراً أو رأياً مخالفاً ، ونعتهم بشتى الأوصاف التي تسئ إلى شخوصهم وأفكارهم ومبادئهم دون وجه حق .
إن العلة في ممارسة هذا السلوك كامن في انعدام الديمقراطية ، وممارسة القمع لسائر القوى السياسية التي تخالف القوى السائدة في الفكر والرأي لكي يخلو لها الجو لإدامة حكمهم الجائر دون معارضة تذكر .
إن أشد ما تهابه الأنظمة الدكتاتورية هو الرأي المعارض الذي يستطيع كشف العيوب والأخطاء التي تمارسها السلطة الجائرة والمهيمنة على مقدرات الشعب والبلاد ، لذلك نجدها تلجأ إلى الأساليب القمعية ضد معارضيها من سجن وتعذيب واغتيال ، بغية التخلص من الخصوم ، وتبدأ ماكنة الإعلام المسخرة لخدمة السلطة الحاكمة بشن الهجوم على المعارضة ناعتة إياها بكل ما لديها من الأوصاف الرديئة
في محاولة لإسقاط كل أولئك الذين يعارضون السلطة ، أو على الأقل سياستها الخاطئة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية ، أمام شعوبهم مستخدمين كل وسائل الكذب والدجل والاختلاق .
إن ما نشهده في مجتمعنا العراقي الذي لم يشهد منذ عقود طويلة سوى الأنظمة الدكتاتورية الاستبدادية ، أي قسط من الديمقراطية مهما كان ، من مظاهر التسقيط للخصوم السياسيين بمختلف التوجهات التي لا تسير بركاب النظام الدكتاتوري الصدامي الذي لا يسمح بأي نوع من النشاط السياسي أو الفكري ، فلا أحزاب ولا تنظيمات سياسية كانت أم اجتماعية ، ولا ندوات أو نقاشات حول السياسة التي تسير عليها السلطة الحاكمة ، كما لجأت السلطة إلى تقديم مختلف الإغراءات لجلب العديد من السياسيين والكتاب والأدباء والفنانين إلى أحضانها ، واستخدام أساليب الترهيب ،والملاحقة وتشويه السمعة ،والسجن والتعذيب وحتى القتل ضد كل من يرفض السير في ركابها ، وأخذ التعهدات من العديد منهم بالامتناع عن ممارسة أي نشاط سياسي على أقل تقدير ، مما دفع بخيرة السياسيين والأدباء والشعراء والفنانين والكتاب إلى مغادرة الوطن واللجوء إلى المنافي .
وبسبب الحرمان من الجو الديمقراطي لعقود عديدة لم يتعود العديد من السياسيين والأدباء والفنانين والشعراء على ممارسة الديمقراطية على الرغم من تواجدهم في المجتمعات الغربية لسنين عديدة ، ويلجأون مع مزيد الأسف إلى محاولة تسقيط الآخرين ممن يختلفون معهم على صفحات ألإ نترنيت والصحافة مستخدمين شتى أنواع العبارات المسيئة لبعضهم البعض ،والتي لا تليق بإنسان يدعي الثقافة ، مما يعكس نظرة قاتمة إلى المعارضة العراقية في الخارج .
إن الديمقراطية واحترام الرأي الآخر لا يمكن أن يتعود المرء على ممارستها بسهولة فهي تتطلب التخلص عادات معينة واكتساب عادات جديدة مناقضة لها تماماً وهذا يتطلب وقتاً وممارسة قد تطول لكي نتعلم كيف نحترم الرأي المخالف ونناقش بروح من الاحترام المتبادل لكي نتوصل إلى الحقيقة التي نبحث عنها وإذا ما سلكنا هذا السبيل فمن المؤكد أن نصل إلى الحقيقة دون أية خسائر، ودون أن نسبب الأذى للآخرين .