Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review

من أجل عالم جديد تسوده شرعية دولية حقة !

 

منذ انتصار الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين ،في حرب الخليج الثانية ضد العراق ، وما تلاها من انهيار الاتحاد السوفيتي الاتحاد عام 1991 ،برزت الولايات كقطب أوحد في عالمنا دون منازع ،وبدأت تتحدث عن قيام عالم جديد تسوده ما سمته بالشرعية الدولية ،وقيم الديمقراطية والحرية .وها قد مضت سبع سنوات على ذلك التاريخ ، وهي فترة ليست بالقصيرة ، فهل يعيش عالمنا اليوم في ظل الشرعية الدولية الحقة ؟وهل حقاً تسود قيم الديمقراطية والحرية والعدالة والاجتماعية التي بشرت بها الولايات المتحدة في عالم اليوم؟

إن كل متتبع منصف للأوضاع التي تسود عالمنا اليوم يدرك بلا أدنى شك كم تنتهك الشرعية على يد الولايات المتحدة ، القيّمة على عالمنا الجديد ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍،بعد أن هيمنت بكل ما لديها من وسائل الضغط والقوة على قرارات مجلس الأمن الدولي ، وكيف أخذت تكيل ليس بمكيالين كما يقال ،بل ذلك من هيمنتها على منابع النفط ، وفرض الأسعار المتدنية التي لم تصلها منذ سنوات عديدة ،في حين لم تبقى سلعة تصدرها الدول الصناعية المنتجة على سعرها ،بل تصاعدت ،ولا تزال تتصاعد يوما بعد يوم ‍‍‍‍‍‍، هذا بالإضافة الى فرضها على الدول المنتجة للنفط في منطقة الخليج شراء الأسلحة بمبالغ خيالية هي أحوج ما تكون الى استثمارها في مشاريع استثمارية تعود على شعوبها بالخير والرفاه ،وتخلق موارد كبيرة تحررها من الاعتماد كلياً على واردات النفط في تنظيم ميزانياتها وتدعيم اقتصادها ،مما يجنبها أي هزات أو أزمات اقتصادية عالمية ،ولنا في ما جرى ويجري من أزمات ،وانهيارات اقتصادية في العديد من البلدان الآسيوية خير دليل على ذلك إن فرض الحصار الاقتصادي ،وحرب التجويع ضد شعب العراق المكتوي بنار الدكتاتورية الصدامية القمعية الشرسة خلال 30 عاماً من حكمه الدموي ، يتعارض تعارضاً صارخاً مع ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر في ديباجته ب [الحقوق الإنسانية للإنسان ،وبكرامة الفرد وقدره ] ، ويتعارض تعارضاً صارخاً مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وبشكل خاص المادتين ، الثالثة  والخامسة والعشرين ،حيث نصت المادة الثالثة على [حق الإنسان في الحياة والحرية وسلامته الشخصية ] ، ونصت المادة 25 على : [حق كل إنسان في مستوى من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته ، ويتضمن ذلك التغذية والملبس ، والمسكن ، والعناية الطبية ، والخدمات الاجتماعية اللازمة ....الخ ].

ولربما ادعت الولايات المتحدة وحلفائها أن الحصار لم يشمل الغذاء والدواء ،وأن قرارات الأمم المتحدة قد نصت على السماح للنظام العراقي ببيع كميات من النفط لشراء الغذاء والدواء،لكن النظام العراقي رفض لسنوات عديدة إطعام شعبه وشراء الدواء لعلاج مرضاه ، أفلا يحق لنا أن نتساءل لماذا سكتت الولايات المتحدة  وسكت مجلس الأمن عن جريمة النظام العراقي بتجويع شعبه ،وموت مئات الألوف ،بل الملايين من أطفاله وشيوخه ،دون أن تفرض عليه تطبيق قرار النفط مقابل الغذاء والدواء لسنوات عديدة ، في حين فرضت عليه بموجب المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة ، تنفيذ كل القرارات التي أصدرها مجلس الأمن باستثناء القرار رقم 688 المتعلق بحقوق الإنسان العراقي المنتهكة منذ ثلاثون عاماً ؟

 ثم ألا يدل ذلك على مشاركة الولايات المتحدة وحلفائها ، ومجلس الأمن الدولي ،الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة ، للنظام العراقي ، في قتل العراقيين جوعاً ومرضاً ، وتحطيم بنيته الاجتماعية ، وتخلف أجياله الناهضة ،بعد أن تم تدمير بنيته الاقتصادية ،بحجة تحرير الكويت ، ثم لماذا سكتت الولايات المتحدة ،وسكت مجلس الأمن الدولي عن النظام العراقي ، عندما اجتاحت قواته الغازية الأراضي الإيرانية ، بل لقد جرى تسليحه بكل أنواع الأسلحة ،ومن ضمنها أسلحة الدمار الشامل ،من أجل أن تستمر تلك الحرب المجرمة أطول مدة ممكنة ،ولا يخرج منها أحدُ منتصراً ،كما جاء على لسان هنري كيسنجر والعديد من المسؤولين الأمريكيين الآخرين ،وهكذا استمرت تلك الحرب ثمان سنوات ،تطحن بمئات الألوف من أبناء الشعبين العراقي والإيراني ، وتدمر اقتصادهما ،وتبدد ثرواتهما ،لكي تفرض الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين هيمنتها على منابع النفط في الخليج ،ولتدفع الدكتاتور صدام حسين الى مغامرته البشعة بغزوه الكويت ،والتي لم تكن سوى فخ نصبته الولايات المتحدة له ، لتتخذ من ذلك ذريعة لتدمير العراق ، وتجريده من أسلحته ،وكل مقوماته الاقتصادية والاجتماعية ، والصحية والثقافية وتعود بشعبه خمسين عاماً الى الوراء ؟ أليس ذلك راجعا لموقف الى أن صدام حسين كان يحارب إيران بالنيابة عن الولايات المتحدة ،وحماية للمصالح الغربية ؟

لقد عودتنا الولايات المتحدة على الكيل بمكاييلها المتعددة ،فلقد سكتت عن انتهاكات إسرائيل لكل القرارات الدولية منذ عام 1948 وحتى يومنا هذا ، واحتلت الضفة الغربية من فلسطين وهضبة الجولان السورية ،وجنوب لبنان ، وسيناء وقطاع غزة ، في حروبها العدوانية ،دون أن يتحرك ضمير الحكام الأمريكيين ،ولا ضمير المجتمع الدولي ،المتمثل بمجلس الأمن ، وبقيت قرارات الجمعية العامة أدراجها يعلوها الغبار ،وها هي إسرائيل اليوم تتسلح بكل أنواع الأسلحة التقليدية والذرية والكيماوية والبيولوجي ،بمساعدة الولايات المتحدة ودعمها المالي ،والتكنولوجي دون أن يعترض عليها مجلس الأمن الدولي ،لكي تكون سيفها المسلط على رقاب العرب ، وحامية لمصالحها في منطقة .أن عالمنا الجديد ،الذي تسوده العولمة لرأس المال ،والشركات المتعددة الجنسيات ،ليس  إلا عودة لعصر الهيمنة الإمبريالية بأسلوب جديد قائم على الهيمنة الاقتصادية على الشعوب والدول،مدعوماً بالقوة العسكرية الغاشمة ،بعد أن هيمنت الولايات المتحدة على مقدرات العالم ،بما تملكه من قدرات عسكرية جبارة ،ونفوذ لا يقاوم في مجلس الأمن .

إننا ننشد حقاً عالماً جديداً  ،تسوده شرعية دولية حقيقية ،شرعية لا مكان فيها لطغيان القوي الكبرى على الدول الضعيفة ،ولا نهباً لخيراتها ،ولا إذلالاً شعوبها ،واستعبادها بأي شكل كان، سواء كان ذلك إقتصادياً ،أو عسكرياً ،أو سياسياً .

إن هيئة الأمم المتحدة بوضعها الحالي ،والتي لم يطرأ على ميثاقها أي تغير منذ تأسيسها عام 1945حيث اختط ميثاقها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية ،وحيث هيمنت الدول الخمس الكبرى على مجلس الأمن ،عندما أعطت لنفسها مقاعد دائمية في المجلس ،ومنحت نفسها حق النقض [ الفيتو] ضد أي قرار لا توافق عليه بلدانها ،مما يتنافى والمبادئ الديمقراطية التي دعى إليها الميثاق  وهكذا أصبحت مقدرات الشعوب بأيدي الخمسة الكبار ،ولم يعد لقرارات الجمعية العمومية أي دور فاعل في القضايا الدولية ،فلقد أصدرت الجمعية العمومية المئات من القرارات التي بقيت حبيسة أدراجها دون تطبيق بسبب معارضة الدول الكبرى ،وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية التي استخدمت حق النقض في كثير من المرات لإبطال تلك القرارات .

ولم يكد الاتحاد السوفيتي، والمعسكر الاشتراكي ينهار ،حتى أصبحت الولايات المتحدة سيدة العالم دون منازع ، وهيمنت على قرارات مجلس الأمن ،وأخذت تتصرف كشرطي دولي مهمته الأولى والأخيرة حماية مصالحها الإمبريالية ،مما جعل المنظمة الدولية أشبه بمؤسسة خاضعة للولايات المتحدة   إن الشرعية الدولية التي ننشدها تتطلب إجراء تغيير شامل لميثاق ومؤسسات هيئة الأمم المتحدة

وبصورة خاصة مجلس الأمن بما يلبي طموحات البشرية في إقامة عالم جديد حقاً ،عالم تسوده مبادئ العدالة والحرية والديمقراطية وضمان التزام كافة الدول المنضوية تحت راية الأمم المتحدة بالبيان العالمي لحقوق الإنسان الذي شرعته الهيئة الدولية .إن هذا التغيير يتطلب أولاً وقبل كل شيء إلغاء حق النقض [ الفيتو ]، وتوسيع عضوية مجلس الأمن الى ما لا يقل عن 30 عضواً  ومنح كل من اليابان والهند وألمانيا مقعداً دائماً الى جانب الدول الخمس الكبرى ،وان يجري انتخاب أعضاء المجلس من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ،التي   ينبغي أن تكون أعلى سلطة في المنظمة الدولية ،وأن يكون مجلس الأمن خاضعاً لها  ومنفذاً لقراراتها ،وأن يكون من حقها مساءلة المجلس ،ومحاسبته ، ذا ما قصر في تطبيق قراراتها ،أو استخدم صلاحياته بشكل مخالف للميثاق

،مما يسبب أضراراً بالغة للدول الأخرى كما ينبغي أن يلزم الميثاق كافة الدول ، المنضوية تحت راية الأمم المتحدة ، بتطبيق الميثاق العالمي لحقوق الإنسان بشكل تام ودقيق ، ضماناً لإشاعة الديمقراطية الحقة وحقـوق شعوبها ،وعلى الأمم المتحدة أن تنشئ جهاز كفوءاً وفعالاً ،ويضم عناصر مؤمنة حقاً وفعلاً بمبادئ حقوق الإنسان ،ومبادئ الديمقراطية ،تكون مهمته مراقبة تطبيق كافة الدول ، تطبيقاً تاماً وصادقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ،وكـافة القرارات والمواثيق الدولية ،وتقديم تقريرها الفصلي عن مدى التزام الدول بذلك وكشف كل  المخالفات والتجاوزات التي تتخذها الحكومات بحق شعوبها ،كما ينبغي أن تحدد المنظمة الدولية العقوبات اللازمة بحق الحكومات [ لا الشعوب ] فالشعوب ينبغي أن لا يمسها أي ضرر بجريرة حكامها ،كما جرى ذلك لشعب العراق الذي عوقب بالحصار الجائر ،وحرب التجويع والأمراض والموت البطيء  بجريرة حكامه الدكتاتوريين .

                                                                                      حامد الحمداني

                                                                                       4/12/1998